← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فوجب لأن الواقعة فيه الكسر قياسا، ولذلك اجتمعت القراء على كسر: (إنا أنزلناه) في أول الدخان، و: (إنا جعلناه) في أول الزخرف، مع عدم اللام، فإن ورد أن بالفتح في جواب قسم حكم بشذوذه، وحمل على إرادة على، وعلى ذلك يحمل قول الراجز: لتقْعُدِنّ مقعد القصيِّ ... مِنِّيَ ذي القاذورة المَقْلِيِّ أو تحلفي بربك العَلِيِّ ... أني أبو ذيّالك الصبي في رواية من رواه بالفتح، كأنه قال: على أني أبو ذيالك الصبي. فصل: ص: يجوز دخولُ لام الابتداء بعد إنّ المكسورة على اسمها المفصول، وعلى خبرها المؤخر عن الاسم، وعلى معموله مقدما عليه بعد الاسم، وعلى الفصل المسمى عمادا. وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما. ولا تدخل على حرف نفي إلا في ندور، ولا تدخل على أداة شرط، ولا فعل ماض متصرف خال من قد، ولا على معموله المتقدم خلافا للأخفش. وربما دخلت على خبر كان الواقعة خبرا لإن، ولا على جواب الشرط خلافا لابن الأنباري، ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر خلافا للكسائي. وقد يليها حرف التنفيس خلافا للكوفيين، وأجازوا دخولها بعد لكنّ، ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه، وإمكان الزيادة كما زيدت مع الخبر مجردا، أو معمولا لأمسى أو زال أو رأى أو أنّ أو ما. وربما زيدت بعد إن قبل الخبر المؤكد بها، وقبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر أو تجريده. فإن صحبت بعد إنَّ نونَ توكيد أو ماضيا متصرفا عاريا من قد نوى قسم وامتنع الكسر. ش: لام الابتداء هي المصاحبة للمبتدأ توكيدا نحو: لزيد منطلق، وهي غير

стр. 422

المصاحبة جواب القسم لدخولها على المقسم به في نحو: لعمرك، وليمن الله، والمقسم به لا يكون جواب قسم. ولاستغنائها عن نون التوكيد في نحو: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة). والمصاحبة جواب القسم لا تستغني في مثل: ليحكم، عن نون التوكيد إلا قليلا. ولما كان مصحوب اللام في الأصل المبتدأ، وكان معنى الابتداء باقيا مع دخول إن، اختصت بدخولها معها لذلك، ولتساويهما في التوكيد، وحَسُن اجتماع توكيدين بحرفين كما حسن اجتماعهما باسمين في نحو: (فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون). وموضعها في الأصل قبل إن، لأنها تعلق أفعال القلوب، وهي أقوى عملا من إن، فلو أخرت ولم ينو تقديمها لعلقت إن، وإلا لزم ترجيحها على أفعال القلوب. وأزيلت لفظا عن موضعها الأصلي، فأوْلَوْها إنّ مجعولا همزتها هاء. ولكون اللام في الأصل للمبتدأ قدم اتصالها به عن اتصالها بغيره، وبينت أن ذلك مشروط بفصل الاسم من إن، ولا فرق بين الفصل بالخبر نحو: إن عندك لزيدا، وبين الفصل بمعمول الخبر نحو: إن فيك لزيدا راغب. ولم أقيد تأخير الخبر بقرب ليعلم أن بعده لا يضر، كقول الشاعر: وإني على أن قد تجشمت هجرها ... لِما ضَمِنَتْني أمُّ سَحْر لَضامن وكقول الآخر: وإن امرأ أمسى ودون حبيبه ... سواسٌ فوادي الرسِّ فالهَمَيان لمُعْتَرِفٌ بالناي بعد اقترابه ... ومعذورة عيناه بالهَمَلان فلو كان الخبر منفيا لم يجز اتصالها به، لأن أكثر النفي بما أوله لام، فكره دخول

стр. 423

لام على لام، ثم جرى النفي على سنن واحد، فلم يؤكد بلام خبر منفي إلا في نادر من الكلام، كقول الشاعر: وأعلم إن تسليما وتركا ... للا متشابهان ولا سواءُ أنشده أبو الفتح بن جني في المحتسب. وقيدت دخولها على الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم تنبيها على امتناع: إن لعندك زيدا، وإن غدا لعندنا زيدا. وقيدت دخولها على معمول الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم مقدما عن الخبر، لأن المعمول كجزء من العامل، فإذا قدم كان كالجزء الأول، وإذا أخر كان كالجزء الآخر، فلذلك جاز: إن زيدا لطعامك آكل، وامتنع: إن زيدا آكل لطعامك. ومثال: إن زيدا لطعامك آكل، قول الشاعر: إن امرأ خصني عَمْدًا مودّته ... على التنائي لعندي غير مكفور ومن مواضع هذه اللام الفصل المسمى عمادا، كقوله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق). وجاز أن تدخل عليه لأنه مقو للخبر، برفعه توهم السامع كون الخبر تابعا، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، فحسن دخولها عليه لذلك. وإذا كان الخبر المؤكد بها جملة اسمية فمحل اللام منها صدرها، كقول الشاعر: إنّ الكريم لَمَنْ يرجوه ذو جِدَة ... وإن تعذر إيسار وتنويل وهذا هو القياس، لأن صدر الجملة الاسمية كصدر الجملة الفعلية، ومحل اللام في الجملة الفعلية صدرها، فكذا من الجملة الاسمية، وقد شذ دخولها على ثاني جزأي الجملة الاسمية في قوله:

стр. 424

فإنك مَنْ حاربته لمُحارَبٌ ... شقيٌّ ومن سالمْتَه لسعيد ومثله: إن الأُلى وُصِفوا قومي لهم فبهم ... هذا اعتصم تَلْقَ مَنْ عاداك مخذولا وإلى مثل هذا أشرت بقولي: وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما. وأشرت بقولي: وربما دخلت على خبر كان الواقعة خبرا لإنّ إلى ما في بعض نسخ البخاري من قول أم حبيبة ﵂: "إني كنت عن هذا لغنية". ثم بينت أن الخبر إذا كان جملة شرطية لم تدخل عليه اللام لا في صدره ولا في عجزه، ونبهت على أن أبا بكر الأنباري أجاز دخولها على جواب الشرط، والمانع من دخولها على أداة الشرط خوف التباسها بالموطئة للقسم فإنها تصحب أداة الشرط كثيرا، نحو: (لئن لم يرحمْنا ربُّنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين). فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحق المؤكِّد ألا يلبس بغير مؤكد. ولما كان الجواب غير صالح للموطئة أجاز ابن الأنباري أن تلحقه لام الابتداء، إلا أن ذلك غير مستعمل، فالأجود ألا يحكم بجوازه. ولا تدخل هذه اللام على فعل ماض إلا إن كان مقرونا بقد، أو كان غير متصرف، وذلك لأنها في الأصل للاسم، فدخلت على الفعل المضارع لشبهه به، ولم تدخل على الماضي لعدم الشبه، فإن قرن بقد قربته من الحال فأشبه المضارع، فجاز أن تلحقه نحو: إنك لقد قمت. وإن كان الماضي غير متصرف كنعم جاز أن تلحقه، لأنه يفيد الإنشاء، والإنشاء

стр. 425

يستلزم الحضور، فيحصل بذلك شبه المضارع، فجاز أن يقال: إن زيدا لنعم الرجل. وأجاز الأخفش دخول هذه اللام على معمول الفعل الماضي مقدما عليه نحو: إن زيدا لطعامَك أكل. ومنعُ ذلك أولى، لأن دخول اللام على معمول الخبر فرع دخولها على الخبر، فلو دخلت على معموله مع أنها لا تدخل عليه بنفسه لزم ترجيح الفرع على الأصل. وحكى ابن كيسان عن الكسائي: إن كل ثوب لو ثمنه. وأجاز البصريون: إن زيدا لسوف يقوم، ولم يجزه الكوفيون، ولا مانع من ذلك فجوازه أولى. وأجاز الكوفيون دخول هذه اللام بعد لكن اعتبارا ببقاء معنى الابتداء معها، كما بقي مع إنّ، واحتجوا بقول بعض العرب: ولكنني من حُبِّها لعَمِيد ولا حجة لهم في ذلك، أما الأولى فلأن اللام لم تدخل بعد إن لبقاء معنى الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد، ولكن بخلاف ذلك. ولأن معنى الابتداء مع لكن لم يبق كبقائه مع إن، لأن الكلام الذي فيه إن غير مفتقر إلى شيء قبله، بخلاف الذي فيه لكن فإنه مفتقر إلى الكلام قبله. فأشبهت أن المفتوحة المجمع على امتناع دخول اللام بعدها. وأما: ولكنني من حبها لعميد فلا حجة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة، ولا قائل، ولا راو عدل يقول: سمعت من يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية من الضعف. ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجه، فجعل أصله: ولكن إنني، ثم حذفت همزة إن ونون لكن، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر إن، أو حمل على أن لامه زائدة كما زيدت

стр. 426

في الخبر قبل انتساخ الابتداء كقول الراجز: أمُّ الحُلَيْس لعجوزٌ شَهْرَبه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه وكما زادها الشاعر بعد أمسى في قوله: مَرُّوا عجالى فقالوا كيف سيدُكم ... فقال من سألوا أمسى لمجهودا وكما زادها الآخر بعدما زلت في قوله: وما زلتُ من ليلى لَدُنُ أن عَرَفْتُها ... لكالهائم المُقْصَى بكل مَرادَ وكما زادها الآخر بعد رأى في قوله: رأوْك لفي ضَرّاء أعْيت فثبتوا ... بكفَّيْك أسبابَ المُنى والمآرب وربما زيدت بعد أنّ المفتوحة كقراءة بعضهم: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام). وربما زيدت في الخبر بعد ما النافية، كقول الشاعر: أمس أبانُ ذليلا بعد عزّته ... وما أبان لَمِن أعْلاج سودان

стр. 427

وأحسن ما زيدت في خبر المبتدأ المعطوف بعد إنّ المؤكَّد خبرها بها، كقول الشاعر: إن الخلافةَ بعدهم لذميمةٌ ... وخلائفٌ ظُرُفٌ لمما أحْقِرُ وفيما قدم من معمول خبر إن المؤكد بها في قول الشاعر: إني لعِند أذى المولى لذُو حَنَق ... يُخْشَى وحِلمي إن أوذيتُ معتادُ وحكى الفراء أن أبا الجراح سُمع يقول: إني لبحمد الله صالح، فعلم أن هذا جائز في الاختيار، غير مختص بالاضطرار. وذكر السيرافي أن المبرد كان لا يرى تكرار اللام، وأن الزجاج أجاز ذلك، واختار السيرافي قول المبرد، وليس بمختار، للشواهد المذكورة. ومثال التنبيه بها على موضعها الأصلي مع توكيد الخبر قول الشاعر: لهِنّك من عَبْسية لو سِيمة ... على هَنَواتٍ كاذبٍ من يقولها ومثال ذلك مع تجرد الخبر قول الشاعر: ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَل الحمى ... لَهِنَّكَ من برقٍ عليّ كريم وإن وقع موقع خبر إن نحو: لَنَفْعَلَنّ، أو نحو: لَفَعل، على أن هناك قسما منويا فتحت الهمزة. قال ابن السراج: تقول: قد علمت أن زيدا ليقومنّ، وأن زيدا

стр. 428

لقام. فلا تكسر إن كما تكسرها في: أشهد إن محمدا لرسول الله، وأعلم إن بكرا ليعلم. وقد تقدم في أول كتابي هذا أن لام الابتداء لا تختص بالحال، وإنما الأكثر كون مصحوبها حالا، وليس ذلك من أجل اللام، بل من أجل أن الجملة المجردة من دليل مضى واستقبال أكثر ما يكون مضمونها مرادا به الحال. ومن ورودها مع ما يراد به الاستقبال قول الشاعر: وإني لأحمي الأنف من دون ذمتي ... إذا الدنس الواهي الأمانة أهمدا فأعمل أحمي في إذا، وهو مستقبل المعنى. فصل: ص: ترادف إنّ نعم فلا إعمال، وتخفف فيبطل الاختصاص، ويغلب الإهمال، وتلزم اللام بعدها فارقةً إنْ خيف لبس بإنْ النافية، ولم يكن بعدها نفي، وليست غير الابتدائية خلافا لأبي علي، ولا يليها غالبا من الأفعال إلا ماضٍ ناسخٌ للابتداء، ويقاس على نحو: إنْ قتلت لمسلما وفاقا للكوفيين والأخفش، ولا تعمل عندهم ولا تؤكّد بل تفيد النفي، واللام للإيجاب. وموقع لكنّ بين متنافيين بوجه ما، ويمنع إعمالها مخففة خلافا ليونس والأخفش. وتلي "ما" ليت فتعمل وتهمل. وقل الإعمال في إنما، وعُدِم سماعُه في كأنما ولعلما ولكنما، والقياس سائغ. ش: أنكر بعض العلماء كون إنّ بمعنى نعم، وزعم أنّ إنّ في قوله: بكَرَ العواذِلُ في الصَّبُو ... ح يَلُمْنَنِي وألومُهُنَّه

стр. 429

ويَقُلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه مؤكدة ناصبة للاسم رافعة للخبر، وجعل الهاء اسمها، والخبر محذوفا، كأنه قال: إن الذي ذكرتن واقع كما وصفتن، فحذف الخبر للعلم به، واقتصر على الاسم. والذي زعم هذا القائل ممكن في البيت المذكور، فلو لم يوجد شاهد غيره لرجح قوله، ولكن الشواهد على كون إن بمعنى نعم مؤيدها ظاهر، ودافعها مكابر، فلزم الانقياد إليها، والاعتماد عليها. فمنها قول عبد الله بن الزُّبَيْر ﵁ لابن الزَّبير الأسدي لما قال له: لعَنَ الله ناقة حملتني إليك: إنّ وراكبها. أراد: نعم، ولعن راكبها. ومنها قول حسان بن ثابت الأنصاري ﵁: يقولون أعمى قلتُ إنّ وربما ... أكون وإني من فتى لبصير ومنها ما أنشده أحمد بن يحيى من قول الشاعر: ليت شِعْري هل للمحب شفاءٌ ... من جَوَى حبهن إن اللقاءُ ومنها قول بعض الطائيين: قالوا أخِفْتَ فقلت إنّ وخيفتي ... ما إنْ تزالُ مَنُوطة برجاء ونبهت في هذا الباب على ورود إنّ بمعنى نعم ليعلم بها، فتعامل بما تعامل نعم من عدم الاختصاص، وعدم الإعمال، وجواز الوقف عليها. ومذهب البصريين أنّ إنّ تخفف فيقال فيها إنْ، فيبطل اختصاصها بالاسم، ويجوز عندهم إعمالها إذا وليها اسم، وعلى ذلك يحملون قوله تعالى: (وإنْ كلّا لما ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالهم). في رواية نافع وابن كثير. وإهمالها أكثر. كقوله

стр. 430

تعالى: (وإنْ كلٌّ لما جميعٌ لدينا مُحْضرون). و: (وإنْ كلُّ ذلك لما متاعُ الحياة الدنيا). و: (إنْ كلُّ نفس لما عليها حافظ). ومذهبهم أن اللام التي بعد إنْ هذه هي التي كانت مع التشديد، إلا أنها مع التخفيف والإهمال تلزم فارقة بين المخففة والنافية، ولا تلزم مع الإعمال لعدم الالتباس. وكذلك لا تلزم مع الإهمال في موضع لا يصلح للنفي، كقول النبي ﷺ : "وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإنْ كان من أحب الناس إليّ). وكقول معاوية في كعب الأحبار: "إنْ كان من أصدق هؤلاء". أخرجه البخاري. ومثله ما حكى ابن جني في المحتسب من قراءة أبي رجاء: "وإنْ كلُّ ذلك لِما متاع الحياة الدنيا" بكسر اللام وتخفيف الميم، على معنى: وإنْ كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا. ومثل ذلك قول الطرماح: أنا ابنُ أُباة الضَّيْم من آلِ مالك ... وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادِن وقول الآخر: إنْ وَجدتُ الكريمَ يمنعُ أحيا ... نا وما إنْ بذا يُعَد بخيلا ويلزم ترك اللام إن أمن اللبس، وكان في الموضع اللائق بها نفي، كقول الشاعر: أما إنْ علمتُ الله ليس بغافل ... فهان اصطباري إنْ بليت بظالم ومذهب الكوفيين أنّ إنْ المشار إليها لا عمل لها، ولا هي مخففة من إنّ، بل هي

стр. 431

النافية، واللام بعدها بمعنى إلا، ويجعلون النصب في: (وإنْ كلّا). بفعل يفسره ليوفينهم، أو بليوفينهم نفسه، وبه قال الفراء. وكلا القولين محكوم على أصولهم بمنعه في هذا المحل، أو بضعفه، لأنهم يوافقون في أن ما بعد إلا لا يعمل فيما قبلها، ولا يفسر عاملا فيما قبلها، ولذلك قال الفراء في كتاب المعاني: وأما الذين خففوا إنّ فإنهم نصبوا "كلا" بليوفينّهم، وهو وجه لا أشتهيه، لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها على شيء قبله، فلو رفعت "كلا" لصلح ذلك كما يصلح: إن زيد لقائم. ولا يصلح أن تقول: إن زيدا لأضرب، لأن تأويله بقولك: ما زيدا إلا أضرب، وهذا خطأ في اللام وإلا فهذا نصه. فقد أقر بأن حمل القراءة على جعل إنْ نافية واللام بمعنى إلا خطأ، ولا شك في صحة القراءة، فإنها بقراءة المدنيين والمكيين، ولا توجيه لها إلا توجيه البصريين، وتوجيه الكوفيين خطأ بشهادة الفراء، فلم يبق إلا توجيه البصريين، فتعين الحكم بصحته. ويؤيد ما ذهب إليه البصريون قول سيبويه: وحدثنا من نثق به أنه سمع من يقول: "إنْ عمرا لمنطلق". وهذا نص لا احتمال فيه. وقال الأخفش: زعموا أن بعضهم يقول: إنْ زيدا لمنطلق، وهي مثل: (إنْ كل نفس لما عليها حافظ). يقرأ بالنصب والرفع، وأما قولهم: إنّ اللام بمعنى إلا فدعوى لا دليل عليها، ولو كانت بمعنى إلا لكان استعمالها بعد غير إنْ من حروف النفي أولى، لأنها أنص على النفي من إنْ، فكان يقال: لم يقم لزيد، ولن يقعد لعمرو، بمعنى لم يقم إلا زيد، ولن يقعد إلا عمرو، وفي عدم ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد، كما قصد مع التشديد. وزعم أبو علي الفارسي أن اللام التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة، واستدل بأن ما بعد هذه ينتصب بما قبلها من الأفعال نحو: (وإن كنا عن

стр. 432

دراستهم لغافلين). و: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). وكقول امرأة الزبير ﵄: شَلَّت يمينُك إنْ قتلتَ لمُسْلما وما بعد تلك لا ينتصب بما قبلها، لو قلت: إنك قتلت لمسلما، لم يجز، فعلم بهذا أن التي بعد المخففة غير التي بعد المشددة. هذا حاصل قول أبي علي في البغداديات، وهو مخالف لقول أبي الحسن الأخفش في كتاب المسائل الكبير، فإنه نص فيه على أن اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة، وهو الصحيح عندي، والجواب عن شبهة أبي علي أن يقال: إنما جاز أن يكون مصحوب ما بعد المخففة معمولا لما قبلها من الأفعال، لأن الفعل بعد المخففة في موضع الخبر الذي كان يلي المشددة، فكان لما بعده ما كان لما بعد تاليها، لأن من قال: إنْ قتلت لمسلما، بمنزلة من قال: إن قتيلك لمسلم. وإن شئت أن تقول: لمّا بطل عمل إنْ بالتخفيف، وقصد بقاؤها توكيدا على وجه لا لبس فيه استحقت ما يميزها من النافية، فكان الأولى بذلك اللام التي كانت تصحب حال التشديد، فسلك بها مع التخفيف ما كان لها مع التشديد، من التأخر في اللفظ، والتقدم في النية، فلم يمنع إعمال ما قبلها فيما بعدها، كما لم يمنع مع التشديد، لأن النية بها التقديم، وبما تقدم عليها التأخير. وإذا أوْلت العرب إنْ المخففة فعلا لم يكن في الغالب إلا فعلا ماضيا من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى: (وإنْ كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله) و: (إنْ كدت لتردين). و: (وإنْ وجدنا أكثرهم

стр. 433

لفاسقين). وذلك أنها كانت قبل التخفيف مختصة بالمبتدأ والخبر، فلما خففت وضعت شبهها بالفعل جاز دخولها على الفعل، وكان الفعل من الأفعال المشاركة لها في الدخول على المبتدأ والخبر. كي لا تفارق محلها بالكلية. ولا يكون ذلك الفعل غالبا إلا بلفظ الماضي، فإن كان مضارعا حفظ، كقوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليُزْلقونك بأبصارهم). وكقراءة أبيّ بن كعب: (وإنْ إخالك يا فرعون لمثبورا). وكذا إن وليها فعل من غير الأفعال المختصة بالمبتدأ والخبر، كقراءة ابن مسعود ﵁: "قال إن لبثتم إلا قليلا". ذكرها الأخفش في المعاني، وكقول امرأة: والذي يُحْلَف به إنْ جاء لخاطبا، تعني النبي ﷺ . وكقول بعض العرب: إنْ يَزينُك لنفسك، وإن يَشِينُك لهيه. وكقول امرأة الزبير ﵄: ثَكَلتْكَ أمُّك إنْ قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبةُ المتعمد ويروى: هبلتك أمك. وأجاز الأخفش أن يقال: إنْ قعد لأنا، وإن كان صالحا لزيد، وإن ضرب زيد لعمرا، وإنْ ظننت عمرا لصالحا، صرح بذلك كله في كتاب المسائل، وبقوله أقول، لصحة الشواهد على ذلك نظما ونثرا. وموقع لكنّ بين كلامين متنافيين بوجه ما، كقوله تعالى: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا). وكقوله تعالى: (ولو أراكهم كثيرا لفشِلتم ولتنازَعْتم في الأمر، ولكنّ الله سلم).

стр. 434

ولضعفها بمباينة لفظها لفظ الفعل، لم يسمع من العرب إعمالها مع التخفيف، وأجاز يونس والأخفش إعمالها قياسا على ما خفف من إنّ وأنّ وكأنّ، ورأيهما في ذلك ضعيف. وتتصل ما الزائدة بليت فيجوز حينئذ إعمالها وإهمالها بإجماع، وشاهد الوجهين قول النابغة: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد قال ابن برهان مشيرا إلى هذا البيت: الجميع رووه عن العرب بالإلغاء والإعمال. قلت: من رفع جعل ما كافة ليت كما كفت إنْ ما الحجازية، ومن نصب جعلها زائدة غير معتد بها، كما لم يعتد بها بين حرف الجر والمجرور به في نحو: (عما قليلٍ) و: (فبما رحمة من الله). وأجاز سيبويه كون ليت في بيت النابغة عاملة على رواية الرفع، وذلك بأن تجعل ما موصولة أو نكرة موصوفة، والتقدير: ليت ما هو هذا الحمام لنا، فما اسم ليت، وهو مبتدأ محذوف، وخبره هذا، والجملة صلة ما أوصفتها، فليت بهذا التوجيه عاملة في الروايتين. هي حقيقة بذلك، لأن اتصال ما بها لم يزل اختصاصها بالأسماء بخلاف أخواتها فإن اتصال ما بها أزال اختصاصها بالأسماء، فاستحقت ليتما بقاء العمل دون إنما وكأنما ولكنما ولعلما، وهذا هو مذهب سيبويه. وأجرى ابن السراج غير ليتما مجراها قياسا. وذكر ابن برهان أن أبا الحسن الأخفش روى عن العرب: إنما زيدا قائم، فأعمل مع زيادة ما، وعزا مثل ذلك إلى الكسائي عن العرب. وهذا النقل الذي ذكره ابن برهان ﵀ يؤيد ما ذهب إليه ابن السراج من إجراء عوامل هذا الباب على سنن واحد قياسا، وإن لم يثبت سماع في إعمال جميعها. وبقوله أقول في هذه المسألة، ومن أجل ذلك قلت: القياس سائغ.

стр. 435

فصل: ص: لتأوُّل أنّ ومعموليها بمصدر، قد تقع اسما لعوامل هذا الباب مفصولا بالخبرن وقد تتصل بليت سادة مسد معموليها، ويمنع ذلك في لعلّ خلافا للأخفش. ويخفف أن فينوى فيها اسم لا يَبْرُز إلا اضطرارا، والخبر جملة اسمية مجردة، أو مصدرة بلا، أو بأداة شرط، أو برب، أو بفعل يقترن غالبا إنْ تصرف ولم يكن دعاء بقد، أو بلو، أو بحرف تنفيس، أو نفي. وتخفف كأن فتعمل في اسم كاسم أن المقدر، والخبر جملة اسمية، أو فعلية مبدوأة بلم، أو قد، أو مفرد. وقد يبرز اسمها في الشعر. ويقال: أما إن جزاك الله خيرا، وربما قيل: أن جزاك الله عنه، والأصل: أنه. وقد يقال في لعلّ: علّ، ولعنّ، وعنّ، ولأنّ، وأنّ، ورعَنّ، ورغَنّ، ولغنّ ولعلّت. وقد يقع خبرها "أن يَفعِل". بعد اسم عين حملا على عسى. والجر بلعل ثابتة الأوّل أو محذوفته، مفتوحة الآخِر أو مكسورته لغة عُقَيْلِية. ش: قد أشير في باب الابتداء إلى أن من المبتدآت الواجب تقدم أخبارها أن وصلتها، نحو: عندي أنك فاضل، وقد تدخل عليها إنّ أو إحدى أخواتها فيلزم الفصل بالخبر، نحو: إنّ عندي أنك فاضل، وكأن في نفسي أني سائل، وقد تدخل ليت بلا فصل، كقول الشاعر: فيا ليت أن الظّاعنين تلفتوا ... فيُعْلمَ ما بي من جَوًى وغرام فسدت أنّ وصلتها مسد جزأي الإسناد بعد ليت، كما سدت مسدهما في باب ظن، كقوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون). وكما سدت مسدهما على نحو: (ولو أنهم آمنوا واتقوا). فإن مذهب سيبويه في الواقعة بعد لو أنها مرفوعة بالابتداء، سادة بصلتها مسد الجزأين، واختصت أنّ بهذا

стр. 436

بعد لو، كما اختصت غدوة بالنصب بعد لدن. ورأى سيبويه هذا أسهل من إضمار ثبت بعد لو رافعا لأن، وما ذهب إليه هو الصحيح، فإن إضمار فعل دون مفسر ولا عوض لا نظير له، بخلاف جعل أن بصلتها سادة مسد جزأي الإسناد بعد ليت وظن، فلم يكن بدعا. فإن قيل: لم لا يكون المفسر لثبت المضمر ما تقتضيه أنّ من معنى الثبوت؟ فالجواب أن يقال: لا نسلم اقتضاء أن لثبوت، ولو سلمنا اقتضاءها لثبوت، لم يساو اقتضاء لفظ الثبوت لمعناه، ولو وقع لفظ الثبوت بعد "لو" لم يغن عن مفسر فعل يرفعه، فألا يستغنى عنه بأنّ أحق وأولى. ونظير جعل أنّ بعد لو مبتدأ مستغنيا عن خبر، ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: لحقُّ أنه ذاهب، بالإضافة إلى أنّ، قال سيبويه: كأنه قال: ليقين ذاك أمرك، فأمرك خبر هذا الكلام، لأنه إذا أضاف لم يكن بد لقولك: "لحق ذاك". من خبر، هذا نص سيبويه. وأجاز الأخفش أن تعامل لعل معاملة ليت في الدخول على أنّ بلا فاصل، فيقال: لعل أنّ الله يرحمنا. ورأيه في هذا ضعيف، لأن مقتضى الدليل ألا يكتفي بأن وصلتها إلا حيث يكتفى بمصدر صريح، والمصدر الصريح لا يكتفى به بعد ليت، فحق ألا يكتفى بها بعدها، لكن سمع، فقبل في هذه المسألة مع مخالفته الأصل، فلا يزاد عليه دون سماع. وتخفف أنّ فلا تلغى كما تلغى إن المخففة، إلا أن اسمها لا يلفظ به إلا في الضرورة، كقول الشاعر: لقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شِمالا بأنْك ربيع وغَيْث مَريع ... وأنْك هناك تكون الثِّمالا

стр. 437

ولا يكون غير الملفوظ به إلا ضميرا، ولا يلزم كونه ضمير الشأن كما زعم بعضهم. بل إذا أمكن عوده على حاضر أو غائب معلوم فهو أولى، ولذلك قال سيبويه حين مثل بقوله تعالى: (أنْ يا إبراهيم قد صَدّقت الرُّؤيا). كأنه قال : أنك قد صدقت الرؤيا. ذكر ذلك في باب ما تكون أن بمنزلة أي. وقال في الباب الذي بعده: وتقول: كتبت إليه أن لا تقلْ ذلك، وأن لا تقولَ ذلك، وأن لا تقولُ ذلك؛ فأما الجزم فعلى الأمر، عبر بالأمر عن النهي. وأما النصب فعلى قولك: لئلا، وأما الرفع فعلى: لأنك لا تقول ذلك، أو بأنك لا تقول ذلك. تخبره بأن ذلك قد وقع من أمره. هذا نصه. ولا يكون الخبر بعد الاسم المنوي إلا جملة مصدرة بمبتدأ نحو: (وآخرُ دَعْواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين). أو بخبر كقول الأعشى: في فتيةٍ كسيوف الهند قد عَلِموا ... أنْ هالكٌ كلُّ من يحْفى وينتعل أو بحرف نفي كقوله تعالى: (وأنْ لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون). أو بأداة شرط نحو: فعلمت أنْ من تَثْقَفُوه فإنه ... جزرٌ لخامعة وفرخ عُقاب أو برب نحو قول الآخر:

стр. 438

تَيَقَّنْت أن رُبَّ امرئ خِيلَ خائنا ... أمينٌ وخَوّانٍ يُخال أمينا أو بفعل مباشر إن كان دعاء نحو: (والخامسةَ أن غضِبَ الله عليها). أو غير متصرف كقوله تعالى: (وأنْ عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم). فإن كان الفعل متصرفا ولم يكن دعاء وُقِيَ مباشرة أنْ في الغالب بقد، كقوله تعالى: (ونعلمَ أنْ قد صدقتنا). وكقول الشاعر: ألم تعلمي أنْ قد تجشمتُ في الهوى ... من أجلك أمرا لم يكن يُتَجَشَّمُ أو بلو كقوله تعالى: (تَبَيَّنت الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المُهين). أو بحرف تنفيس نحو: (علم أنْ سيكونُ منكم مرضى). أو بحرف نفي نحو: (أفلا يرون أنْ لا يرجعُ إليهم قولا). و: (أيحسب الإنسان أنْ لن نجمعَ عظامه). وقال سيبويه مشيرا إلى قول الأعشى: أن هالك كلُّ من يحفى وينتعل ومثل ذلك: "أول ما أقول أنْ بسم الله". كأنه قال: بسم الله. وقال سيبويه: واعلم أنه ضعيف في الكلام أن تقول: قد علمت أنْ تفعلُ، وقد علمت أنْ فَعَلَ، حتى تأتي بالسين أو قد أو بنفي، لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من أنّه، فكرهوا ترك العوض".

стр. 439

قال شيخنا: ومن شواهد علمت أن فعل قول امرئ القيس: وحدِّثْ بأنْ زالت بليل حمولهم ... كنخل من الأعراض غير مُنَبّقِ وقال سيبويه: وأما قولهم: "أما أنْ جزاك الله خيرا، فإنهم إنما أجازون لأنه دعاء، ولا يصلون ههنا إلى قد والسين، ولو قلت: أما أنْ يغفرُ الله لك، جاز لأنه دعاء، قال: وسمعناهم يقولون: أما أنْ جزاك الله خيرا، شبهوه بأنه". وأما قبل أنْ المخففة المفتوحة بمعنى حقا، كما هي قبل المشددة، وهي بمعنى "ألا" قبل إنْ المخففة المكسورة، هذا هو مذهب سيبويه ﵀. ويجوز عندي أن يكون أما في الوجهين بمعنى ألا، وتكون إنْ المكسورة زائدة، كما زادها الشاعر في قوله: ألا إنْ سَرَى لَيلي فبتُّ كئيبا ... أُحاذر أن تنأى النَّوَى بغضُوبا وفي المفتوحة على هذا وجهان: أحدهما: أن تكون المخففة، وتكون هي وصلتها في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، كما تقدر في أنْ الواقعة بعد لو، على مذهب سيبويه، ويكون التقدير: أما من دعائي أنْ جزاك الله خيرا، ثم حذف الخبر للعلم به. والوجه الثاني من وجهي الفتح مع كون أما بمعنى ألا، أن تكون أنْ زائدة، كما زيدت بعد لمّا، وقبل لو، وبعد كاف الجر في قوله: كأن ظبيةٍ تَعْطو على رواية الجر. ويجوز أن تكون في قول الشاعر:

стр. 440

ألا أن سَرَى ليلي فبت مخففة من أن، ويكون الأصل: ألا أنه سرى ليلي، ثم فعل به ما فعل بأما أن جزاك الله خيرا في قول سيبويه. وقد تباشر أن المخففة فعلا متصرفا غير مقصود به الدعاء، وعليه نبهت بقولي: "غالبا" فإن كان ذلك بعد فعل قلبي أو ما معناه فهو أسهل من أن يكون بغير ذلك، فالأول كقول الشاعر: عَلِموا أن يُؤَمَّلون فجادوا ... قبل أن يُسْألوا بأعظم سُؤْل وأنشد الفراء: إني زَعيم يا نُوَيْقَةُ ... إن أمنت من الرَّزاح ونجوتِ من عَرض المَنون ... من الغُدُوِّ إلى الرَّواح أن تَهْبِطين بلاد قومٍ ... يرتعون من الطِّلاح والثاني كقراءة بعض القراء: "لمن أراد أن يتمُّ الرَّضاعة". ومثله قول الشاعر: يا صاحِبَيَّ فدتْ نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رَشَدا أن تحملا حاجةً لي خف مَحْمَلُها ... تستوجيبا منَّةً عندي بها ويدا أن تَقْرَآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تُشْعِرا أحدا وأن في هذين الموضعين وأشباههما هي الناصبة للمضارع عند البصريين، وترك إعمالها حملا على "ما" أختها، وهي عند الكوفيين المخففة. وشذ وقوعها موقع الناصبة، كما شذ وقوع الناصبة موقع المخففة في قول جرير:

стр. 441

نرضى عن الله إن الناس قد علموا ... أنْ لا يدانِينا في خلقه بشرُ وقول الكوفيين عندي أولى بالصواب، فإنه لا يلزم منه إهمال ما وجب له الإعمال، ومما يؤيده قول الشاعر: رأيتك أحييت النَّدى بعد موته ... فعاش الندى من بعد أنْ هو خامل فوصل أنْ بجملة اسمية، وليس قبلها فعل قلبي ولا معناه، وكل موضع هو هكذا فهو لأن الناصبة الفعل، وأن الناصبة الفعل لا توصل بجملة اسمية، فصح وقوع المخففة موقع الناصبة. وقريب من قوله: أنْ هو خامل، قول الآخر: فلا تُلْهك الدُّنيا عن الدين واعْتَمِل ... لآخرة لا بد عن ستصيرها أبدل همزة أن عينا، وحسن وقوع المخففة هنا، لأن لا بد تجري مجرى تيقن. وتخفف كأنّ فلا تلغى، بل تعمل عمل أنَّ المخففة، إلا أن خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة، بل قد يكون مفردا، بخلاف خبر أنّ إذا قدر اسمها. وإن كان جملة جاز كونها فعلية مبدوأة بلم كقوله تعالى: (كأنْ لم تَغْن بالأمس). وبقد كقول الشاعر: لا يهولنّك اصطلاءُ لظى الحر ... ب فمحذورُها كأن قد ألمّا وابتدائية كقول الشاعر: ووجهٌ مشرقُ النَّحْر ... كأنْ ثدياه حُقّان

стр. 442

وشرطية كقول الآخر: وَيْ كأنْ مَنْ يكُمْ له نَشَبٌ يُحْـ ... ـببْ ومن يَفْتَقِر يعش عيش ضُرّ ومثال إفراد الخبر مع تقدير الاسم قول الشاعر: ويوما تُوافينا بوجه مُقَسَّم ... كأنْ ظبيةٌ تعطُو إلى وارِق السَّلم أي كأنها ظبية، ويروى بالنصب على حذف الخبر، والتقدير: كأن ظبيةً عاطيةً المذكورة، وهذا من عكس التشبيه، ويروى بالجر على زيادة أن شذوذا. وفي لعل عَشر لغات: لعلّ، علّ، لعنّ، عن، لأنّ، أنّ، رعَنّ، رغَنّ، لغَنّ، لعلّت. فالستة المتقدمة مشهورة، والأربعة الباقية قليلة. وأقلها استعمالا لعلت. ذكرها أبو علي في التذكرة. ومن ورود أنّ بمعنى لعل ما حكاه الخليل من قول بعض العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، واستشهد الأخفش على ذلك بقول الراجز: قلت لشَيْبان ادنُ من لِقائِه ... أنا نُغَدّى القوم من شوائه ومن قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون). بالفتح. وقال امرؤ القيس في لأنّ: عُوجا على الطّلَل المُحيل لأننا ... نبكي الديارَ كما بكى ابن حِذام وقال الفرزدق في لَعَنّ:

стр. 443

ألستم عالجين بنا لعنّا ... نرى العرصاتِ أو أثر الخيام وإذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنًى جاز كون الخبر فعلا مقرونا بأن كقولك: إنّ الصلاح أن يعصى الهوى. فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك كما يمتنع في الابتداء، وقد يُسْتباح في لعل حملا على عسى، ومنه قول النبي ﷺ : "لعلك أن تخلف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون". وروى أبو زيد أن بني عقيل يجرون بلعل مفتوحة الآخر ومكسورته، ومن شواهد ذلك: لعل اللهِ يُمكنني عليها ... جهارا من زهير أو أَسِيد وروى الفراء أيضا الجر بلعل، وأنشد: علّ صروفِ الدهر أو دُولاتها ... تدلننا اللّمّةَ من لمّاتها وزعم أبو علي أن لعل خففت وأعملت في ضمير الشأن محذوفا، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحا تارة ومكسورا تارة، والجر به، ولعل على أصلها. ولا يخفى ما في هذا من التكلف. فصل: ص: يجوز رفع المعطوف على اسم إن، ولكن بعد الخبر بإجماع، لا قبله مطلقا، خلافا للكسائي. ولا يشترط خفاء إعراب الاسم خلافا للفراء، وإن تُوُهِّم ما رأياه قُدِّر تأخير المعطوف أو حذفُ خبرٍ قبله، وأنّ في ذلك كإنّ على الأصح، وكذا البواقي عند الفراء. والنعت وعطف البيان والتوكيد كالمنسوق عند الجرمي والزجاج والفراء. وندر: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان. وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إنْ خَفِي إعراب الثاني.

стр. 444

ش: نصب المعطوف على اسم إن مستغن عن التنبيه عليه، لأنه كالعطف على سائر المعمولات. ولا فرق في ذلك بين إن وأخواتها، ولا بين وقوعه قبل الخبر [ووقوعه بعده، ومثال وقوعه قبل الخبر] قوله تعالى: (إنّ المسلمين والمسلمات). الآية، ومثال وقوعه بعد الخبر قول الراجز: إنّ الربيعَ الجودَ والخريفا ... بدا أبي العباس والصيوفا أراد: إن الربيع الجود والخريف والصيوف بدا أبي العباس. والذي لا يستغنى عن التنبيه رفع المعطوف، وهو على ضربين: أحدهما مشترك فيه، وهو العطف على الضمير المرفوع بالخبر، والثاني العطف على معنى الابتداء، وهو عند البصريين مخصوص بإنّ ولكن، ومشروط بتمام الجملة قبله، ومثاله مع إنّ قول الشاعر: إن الخلافة والنبوةَ فيهم ... والمكرماتُ وسادةٌ أطهار ومثله قول الآخر: فمن يكُ لم ينجب أبوه وأمُّه ... فإنّ لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ ومثاله مع لكن قول الآخر: وما زلتُ سباقا إلى كل غاية ... بها يُقْتضَى في الناس مجدٌ وإجلالُ وما قَصّرت بي في التَّسامي خُئُولةٌ ... ولكنّ عمي الطيبُ الأصل والخالُ وهذا العطف المشار إليه ليس من عطف المفردات كما ظن بعضهم، بل هو من عطف الجمل، ولذلك لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة، أو تقدير تمامها، ولو كان

стр. 445

من عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى، لأن وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله. ولو كان من عطف المفردات لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب). إلى أن يجعله خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يقذف. وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصًا فلا عمل للابتداء بعد دخولها، كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة. ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي: (وفي خلقكم وما يَبُثّ من دابة آيات). بخلاف "ما" المشبهة بليس، و"لا" المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه، ويُبْطِل عملَها الفصلُ بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا ومحلا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم إنّ. والحاصل أن عمل الابتداء بعد إنّ منسوخ لفظا ومحلا كانتساخه بكان وظن، إلا أنّ وإنّ ولكنّ لم يتغير بدخولهما معنى الجملة، ويتغير بدخول كأن وليت ولعل، فجاز أن يعطف بعد مصحوبي إن ولكن مبتدأ مصرح بخبره، ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه. ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف، إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر كأن وليت ولعل فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر. فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو: (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين). ومثله: (إن وعْدَ الله حق والساعة لا ريب فيها).

стр. 446

وقرأ حمزة بنصب "الساعة" ولم يختلف في رفع "والله ولي المتقين". وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير فالتقدير عنده في: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى). إن الذين آمنوا والذين هادوا مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك. وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العطف مدلول عليه بخبر ما بعده، كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإنّ حذْف ما قبل العطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إن، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلف وبعد دخولها، كقول الآخر: خليليّ هل طبٌّ فإني وأنتما ... وإن لم تبُوحا الهوى دَنِفان وأنشد سيبويه قول الفرزدق: إني ضَمنتُ لمن أتاني ما جَنى ... وأبى فكان وكنت غيرَ غَدورِ ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر. ومثل إنّ ولكنّ في رفع المعطوف على معنى الابتداء أنّ إذا تقدمها عِلْم أو معناه، فمعناه كقوله تعالى: (وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه). وصريح العلم كقول الشاعر:

стр. 447

وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاةٌ ما بقينا في شقاق تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، كما حمل آية المائدة، فسوَّى بين إنّ وأنّ، فصح أن من فرّق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه. وجعل من هذا القبيل قوله تعالى: (أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه). وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن، وهو بعيد من عادة سيبويه، فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغنى عما يشعر بذلك، كما فعل إذ أورد: (وإذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا). وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد إن قبل الخبر مطلقا، فيقول: إن زيدا وعمرٌو قائمان، وإنك وزيدٌ ذاهبان. ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيدٌ ذاهبان، وكلا المذهبين ضعيف، لأن إنّ وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ يمتنع بإنّ، ولو جاز أن يكون اسم إن مرفوع المحل باعتبار عروض العامل، لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك، ولا اعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض النصب، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان. لأن الأول يخرج على أن أصله: إنهم هم أجمعون ذاهبون، فهم مبتدأ، وأجمعون توكيد، وذاهبون خبر المبتدأ، وهو وخبره خبر إن. وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ، وزيد معطوف، وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر إن. وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح. وغَلَّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد

стр. 448

ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال "هم" كما قال: لستُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئا وهذا غير مرضي منه ﵀، فإن المطبوع على العربية كزهير قائل البيت لو جاز غلطه في هذا لم يوثق بشيء من كلامه، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع، وسيبويه موافق على هذا، ولولا ذلك ما قبل نادرا كلدُن غدوةً، وهذا حجرُ ضبٍّ خربٍ. وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إن ما أجاز في المعطوف على اسم إن، واستشهد بقول الراجز: يا ليتني وأنت يا لميسُ ... في بلدة ليس بها أنيسُ ولا حجة له فيه لأن تقديره: يا ليتني وأنت معي يالميس، فحذف "مع" وهو خبر أنت، والجملة حالية واقعة بين اسم ليت وخبرها. وأجاز الجرمي والزجاج والفراء رفع نعت الاسم بعد الخبر، وبمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان، وأجازوا أن يكون من ذلك: (قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب). وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إن خفي إعراب ثانيهما، نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرٌو.

стр. 449

باب لا العاملة عمل إن ص: إذا لم تكرر "لا" وقُصِد خلوصُ العموم باسم نكرة يليها، غير معمول لغيرها، عملت عمل إنّ، إلا أن الاسم إنْ لم يكن مضافا، ولا شبيها به، رُكِّبَ معها، وبني على ما ينصب به، والفتح في نحو: ولا لذّاتَ للشيب. أولى من الكسر، ورفع الخبر -إن لم يركب الاسم مع لا- بها عند الجميع، وكذا مع التركيب على الأصح. وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يُلْفَظ به عند التميميين، وربما أُبقي وحُذف الاسم. ولا عمل للافي لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها خلافا للمبرد. وليست الفتحة في نحو: لا أحدَ فيها، إعرابية خلافا للزجاج والسيرافي. ودخول الباء على لا يمتنع التركيب غالبا، وربما ركبت النكرة مع "لا" الزائدة. وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب ونَزْع التنوين والنون إنْ وليه مجرور بلام معلقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جارٌّ آخر أو ظرف امتنعت المسألة في الاختيار خلافا ليونس. وقد يقال في الشعر: لا أباك، وقد يُحْمَل على المضاف مُشابهه بالعمل فينزع تنوينه. ش: إذا قصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق ورفع احتمال الخصوص اختصت بالأسماء، لأن قصد ذلك يسلتزم وجود من الجنسية لفظا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب للا عند ذلك القصد عملٌ فيما يليها من نكرة، وذلك العمل إما جر وإما نصب وإما رفع، فلم يكن جرا لئلا يتوهم أنه

стр. 450

بمن المنوية، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان، كقول الشاعر: فقام يذود الناسَ عنها بسيفه ... وقال ألا لا مِنْ سبيل إلى هند ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله ولا يستحق التصدير، ولا المذكورة بخلاف ذلك. ولم يكن عملها فيما يليها رفعا لئلا يتوهم أن عامله الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ، ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم لم يحصل الغرض، لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على ليس، وهي لا تنصيص فيها على العموم. فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرا أو رفعا - مع استحقاقها عملا - تعين أن يكون نصبا، ولما لم تستغن بما يليها عن جزء ثان عملت فيه رفعا، لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضا فإن إعمال لا هذا العمل إلحاق لها بإنّ، لمشابهتها لها في التصدير، والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن لا لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات، ولفظ لا مساو للفظ إن ذا خففت. وأيضا فإن لا تقترن بهمزة الاستفهام ويراد بها التمني. ولا يجب أن تعمل لا هذا العمل من القصد المذكور إذا كررت، بل إذا كررت جاز إعمالها وإلغاؤها. فجواز إعمالها لعدم تغير حالها وحال مصحوبها، وجواز إلغائها لشبهها بالمكررة مع المعرفة، فلجواز الوجهين مع التكرر، شرطت انتفاءه في وجوب العمل فقلت: إذا لم تكرر "لا" وقصد خلوص العموم في اسم نكرة يليها فعلم بهذا أنها لا تعمل في معرفة ولا في منفصل. واحترزت بقولي: غير معمول لغيرها من نحو قوله تعالى: (لا مرحبا بهم). ثم أشرت إلى أن اسمها ينقسم إلى مفرد وإلى مضاف وإلى شبيه به، وخصصت

стр. 451

المفرد بالتركيب والبناء، فعلم بذلك أن الآخريْن منصوبان نصبا صريحا، نحو: لا صاحب بِرٍّ مذموم، ولا راغبا في الشر محمود. ويتناول قولي في المركب: ويبنى على ما كان ينصب به، المبني على فتحة نحو: "لا إلهَ إلا الله" و: (فقاتلوا أئكمة الكفر إنهم لا أيمانَ لهم). والمبني على ياء مفتوح ما قبلها، كقول الشاعر: تَعَزّ فلا إلفَيْن بالعين مُتِّعا ... ولكن لوُرّاد المَنون تتابُعُ والمبني على ياء مكسورة ما قبلها، كقول الشاعر: يُحْشَرُ الناسُ لا بنينَ ولا آبا ... ءَ إلا وقد عَنَتْهم شُئُونُ والمبني على كسرة، كقول سلامة بن جندل: إن الشباب الذي مجدٌ عواقبُه ... فيه نَلَذُّ ولا لذاتِ للشيب يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر، وبالوجهين أيضا أنشد قول الشاعر: لا سابغات ولا جاواءَ باسلةً ... تقى المنون لدى استيفاء آجال وزعم أبو الحسن بن عصفور أن الفتح في مثل هذا لازم، والصحيح جواز الفتح والكسر. ثم أشرت إلى أنه لا خلاف في كون الخبر مرفوعا بلا إذا لم يركب الاسم معها، ثم قلت: "وكذا مع التركيب على الأصح" فنبهت بذلك على ما ذهب إليه سيبويه من أن الخبر مع التركيب مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول لا، لأن شبهها بإن ضعف حين تركبت وصارت كجزء كلمة، وجزء كلمة لا يعمل، فمقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن عملها أبقى في أقرب المعمولين، وجعلت

стр. 452

هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ، والخبر بعدها على ما كان عليه من التجرد. وغير ما ذهب إليه سيبويه أولى، لأن كل ما استحقت "لا" به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب، كما لم يضر أنّ صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحده، ولو كان جعل لا مع اسمها كشيء واحد مانعها من العمل في الخبر لمنعها من العمل في الاسم، لأن أحد جزأي الكلمة لا يعمل في الآخرن ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم، فلا يمنع عملها في الخبر. وأيضا فإن عمل لا في الخبر أولى من عملها في الاسم، لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث بالعامل، وإنما لم يكن خلاف في ارتفاع الخبر بلا غير المركبة، لأن مانع التركيب هو كون اسم إنّ صالح للابتداء به مجردا عن إنّ، وليس كذلك مصحوب لا المركب، فإن تجرده من لا مبطل للابتداء به، لأنه نكرة لا مسوغ معها، فإذا قرنت بلا كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي. ثم أشرت إلى حذف الخبر، وهو على ثلاثة أقسام: ممتنع وجائز وواجب. فالممتنع حذفه في موضع لا دليل فيه من لفظ ولا معنى، كقولك مبتدئا مقتصرا: لا رجلَ، فمثل هذا لا يعد كلاما عند أحد من العرب، لأن المخاطب لا يستفيد منه شيئا. وأما الجائز والواجب فحذف ما دل عليه دليل، كقولك: لا رجلَ، لمن قال: هل في الدار من رجل؟ وكقولك للشاكي: لا بأسَ، تحذف، فيها من الأول، و: عليك، من الآخر، فمثل هذا يجوز فيه الحذف والإثبات عند الحجازيين، ولا يلفظ به التميميون ولا الطائيون، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى، ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقا أو بشرط كونه ظرفا فليس بمصيب، وإنْ رُزق من الشهرة أوفر نصيب. وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع إلا نحو: لا إله إلا الله. ومن حذفه دون

стр. 453

إلا قوله تعالى: (قالوا لا ضيرَ). وقوله تعالى: (ولو ترى إذْ فزِعوا فلا فَوْتَ). ومنه قول النبي ﷺ : (لا ضررَ ولا ضرارَ ولا عدوى ولا طِيَرَةَ). ومن استعمال الخبر منطوقا به في لغة غير الحجازيين قول حاتم: ورَدَّ جازُرهم حَرْفا مُصَرَّمةً ... ولا كريمَ من الوِلدان مَصْبُوحُ فمصبوح خبر لا صفة لعدم الحاجة إلى مقدر. وربما حذف الاسم للعلم به وبقي الخبر، كقولهم: لا عليك، أي: لا بأس عليك. وخالف المبرد سيبويه في اسم لا المثنى نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج له بأمرين: أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول المستحق للنصب، نحو: لا خيرا من زيد هنا. والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يومَ زرتني، فتفتح، وأعجبني يومُ زرتني فتعرب. وكلتا الحجتين ضعيفة، أما الأولى فمعارضة بأن شبه "لا رجلين" بيا رجلان، أقوى من شبهه بلا خيرا من زيد، وقد سوى بين يا رجلان ويا رجلُ، فلْيُسَوِّ بين لا رجلين ولا رجلَ. وأما الثانية فضعفها بيّن أيضا، وذلك أن بناء يوم وشبهه حين أضيف إلى الجملة إنما كان لشبهه بإذ لفظا ومعنى، فلما بنى خالفه بلحاق

стр. 454

علامة التثنية، وبكون اليوم إذا بني يصير مؤقتا، والمحمول على إذ لا يكون مؤقتا، وإنما يكون مبهما أي صالحا لنهار وليلة وللقليل والكثير، واليوم المفرد بهذه المنزلة، كقوله تعالى: (ويوم يقول كن فيكون* قوله الحق). وقوله تعالى: (كل يوم هو في شأن). والحاصل أن يوما لإبهامه أشبه إذ فحمل عليه في البناء إذا استعمل استعماله، فإذا ثنى زال إبهامه. فلم يصلح أن يحمل على إذ للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض ليلا كان أو نهارا، قليلا كان أو كثيرا. وزعم أبو إسحاق الزجاج والسيرافي أن فتحة: لا رجلَ، وشبهه فتحة إعراب، وأن التنوين حذف منه تخفيفا، ولشبهه بالمركب. وهذا الرأي لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزما مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، والاسم المشار إليه ليس ممنوعا من الصرف، ولا مضافا، ولا ذا ألف ولام، ولا علما موصوفا بابن، ولا ذا التقاء ساكنين، ولا موقوفا عليه، فتعين كونه مبنيا، كيف وقد روي عن العرب: جئتَ بلا شيءَ، بالفتح وسقوط التنوين، كما قالوا: جئت بخمسةَ عشرَ، والجار لا يلغى ولا يعلق، فثبت البناء بذلك يقينا. والعجب من الزجاج والسيرافي في زعمهما أن ما ذهبا إليه من أن فتحة: لا رجلَ، وشبهه، فتحة إعراب هو مذهب سيبويه، استنادا إلى قوله في الباب الأول من أبواب لا: "ولا تعمل فيما بعدها منتصبة بغير تنوين" وغفلا عن قوله في الباب الثاني: واعم أن المنفي الواحد إذا لم يل "لك" فإنما يُذْهَب منه التنوين كما أُذْهِب من خمسةَ عشرَ، لا كما أذهب من المضاف". فهذا نص لا احتمال فيه.

стр. 455

قلت: ومما يدل على أن الفتحة المشار إليها فتحة بناء لا فتحة إعراب ثبوتها في: ولا لذاتَ للشيب، في الرواية المشهورة، وتوجيه رواية الكسر على أن يكون لذات منصوبة لكونه مضافا أو شبيها بالمضاف، على نحو ما يوجه به: لا أبا لك، ولا يدي لك، وسيأتي بيان ذلك مستوفى بعون الله تعالى. وقد قال سيبويه في الثاني من أبواب لا في النفي: اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، ذلك إذا قلت: "لا مثل زيد" فعلم بهذا أن فتحة ميم: لا غلام لك، كفتحة: لا مثلَ زيد، لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى هذا تكون كسرة تاء: لا لذات، كسرة إعراب، لكونه مضافا واللام مقحمة، وهذا واضح بلا تكلف. وندر تركيب النكرة مع لا الزائدة كقول الشاعر: لو لم تكن غَطفان لا ذنوبَ لها ... إذن للام ذوو أحسابها عُمَرا وهذه من التشبيه الملحوظ فيه مجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه ما الموصولة بما النافية في قول الشاعر: يُرَجِّي المرءُ ما إنْ لا يراه ... وتعرضُ دون أدناه الخطوبُ فزاد إنْ بعد الموصولة، وإنما تزاد بعد النافية، لكن سوغ ذلك كون اللفظ واحدا. والمشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم "لا" إذا كان أبا أو أخا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري: أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وأن يقال فيه إذا كان مثنى أو شبهه كما قال الشاعر:

стр. 456

تأملْ فلا عَيْنَيْن للمرء صارفا ... عنايته عن مضمر العِبَرات وكما قال: أرى الرَّبع لا أهلين في عَرَصاتِه ... ومن قبلُ عن أهليه كان يضيق وقد كثر في الكلام مخالفة القياس نحو: لا أبالك، ولا أخالك، ولا غلامي لك، فمن ذلك قول الراجز: أهَدَموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا ... وأنا أمشي الدَّألى حوالكا ومثال: لا غلامي لك، قول الشاعر: لا تُعْنَيَنَّ بما أسبابه عسرت ... فلا يَدَيْ لامرئٍ إلا بما قُدِرا ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام، وقد يحذف في الضرورة، كقول الشاعر: وقد مات شَمَّاخٌ ومات مُزَرّد ... وأيُّ كريم لا أباك بخالد وقال آخر: أبالموتِ الذي لا بُدَّ أني ... مُلاقٍ لا أباك تُخَوِّفيني ومذهب أكثر النحويين في هذا النوع أنه مضاف إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد بها، كما لا اعتداد باللام في قول الشاعر: يا بُؤْس للحرب التي ... وَضَعتْ أراهِط فاستراحوا وهذا القول وإن كان قول أكثر النحاة فلا أرتضيه، لأن الإضافة التي ادعيت في الأمثلة المشار إليها إما محضة وإما غير محضة، فإن كانت محضة لزم كون اسم

стр. 457

لا معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام، لأن نية الإضافة محضة كافية في التعريف، مع كونه غير مهيأ للإضافة، نحو: (وكُلًّا ضربنا له الأمثال) و: (لله الأمر من قبل ومن بعد). وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثير نية الإضافة. وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة لزم من ذلك مخالفة النظائر، لأن المضاف إضافة غير محضة لا بد من كونه عاملا عمل الفعل، لشبهه به لفظا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيدٍ الآن، وحسن الوجه. أو معطوفا على ما لا يكون إلا نكرة نحو: رب رجل وأخيه، وكم ناقة وفصليها ملكت، والأسماء المشار إليها بخلاف ذلك، فلا تكون إضافتها غير محضة، فلو كانت مضافة وإضافتها غير محضة، لم يَلِقْ بهما أن يؤكد معناها بإقحام اللام، لأن المؤكَّد معتنى به، وما ليس محضا لا يُعتنى به فيؤكد، فلذلك قبح توكيد الفعل الملغى، لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال: يا بؤسَ للحرب وهو يريد: يا بؤس الحرب، سهله كون إضافته محضة، على أن للقائل أن يجعل أصله: يا بؤسا للحرب، ثم حذفت الألف للضرورة وهي مرادة، فلا إضافة ولا إقحام. وأيضا لو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة لكانت كذلك مع غيرها، إذ لا شيء مما يضاف إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن تكون كذلك في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير. ومما يدل على ضعف القول، بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبالي، ولا أخالي، فلو كانوا قاصدين الإضافة لقالوا: لا أبِ لي، ولا أخِ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارا بأنها متصلة بالياء تقديرا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم

стр. 458

قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر ومجرورها، ولم يفصل بينهما، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى المضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي يلازم معناها الإضافة غالبا، وكون المجرور صالحا أن يضاف إليه الأول، تأكد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجرى مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بفيك أن يجرى هذا المجرى، كقول الشاعر: وداهية من دواهي المَنُو ... ن يرهبُها الناس لا فالها فنصبه بالألف كما ينصبه في الإضافة. ومن ذهب في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه ابن كيسان وهشام الكوفي شرط كون اللام ومجرورها غير خبر، فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون وحذف الألف بإجماع. وكذا إن لم تل اللام ومجرورها، أو كان في موضع اللام حرف جر غيرها. وأجاز يونس المعاملة المذكورة مطلقا مع فصل اللام بظرف أو جار غيرها نحو: لا يَدَيْ بها لك، ولا غلامين عندك لزيد. وأشار سيبويه إلى جواز ذلك في الضرورة. ولا تختص هذه المعاملة بالمثنى وأخ وأب وأخواتها، بل هي الجائزة في كل ما وليه لام جر معلقة بمحذوف غير خبر، حتى في: لا غلام لك، ولا بني لك، ولا بنات لك، ولا عشرى لك، وقد فهم ذلك من قولي: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب ونزع التنوين، فدل ذكر الإعراب على أن فتحة: لا غلام لك، قد تكون إعرابا، وأنه يقال: لا أبًا لك، ولا أخًا لك، ولا غلامين لك، ولا بنين لك، ولا بناتٍ لك. ودل ذكر التنوين والنون على أن تنوين: لا غلام لك، أزيل لما أزيل له نون: لا غلامي لك، وذلك كله مفهوم من قول سيبويه: فلو جعل

стр. 459

اللام ومجرورها خبرا تعين البناء وتوابعه. ولو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه غالبا نحو: لا واهبا لك درهما. واحترزت بغالبا من قول الشاعر: أراني ولا كُفران لله أيَّةً ... لنفسيَ قد طالبْتُ غير مُنيل أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: أيّه منصوب بكفران، أي لا أكفر لله رحمة لنفسي، ولا يجوز نصب أية بأويت مضمرا، لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي أرى بجملتين، إحداهما: لا واسمها وخبرها، والثانية: أويت، ومعناه رققت. وإلى: ولا كفران لله أية، أشرت بقولي: وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل. ويمكن أن يكون هذا من قول النبي ﷺ : "لا صَمْت يومٌ إلى الليل" على رفع يوم بالمصدر على تقديره: بأنْ وفعل ما لم يسم فاعله. ولا يستغنى عن اللام بعد ما أعطى حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد أب في الضرورة، كقول الشاعر: وقد مات شَمَّاخ ومات مُزَرّدٌ ... وأيُّ كريم لا أباكَ بخالد وقول الآخر: أبا لموتِ الذي لا بد أني ... مُلاقٍ لا أباك تخوفيني أراد: لا أبالكَ، ولا أبالكِ، كذا زعموا، وهو عندي بعيد، لأنه إن كان الأمر كذلك لم يخل من أن يكون أب مضافا إلى الكاف عاملا فيها، أو يكون مقدر الانفصال

стр. 460

باللام وهي العاملة في الكاف مع حذفها. فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم لا، أو تقدير عدم تمحض الإضافة فيما إضافته محضة، والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل معمول لعامل غير منطوق به، وهو شيء لا يعلم له نظير، فوجب الإعراض عنه، والتبرؤ منه. والوجه عندي في: لا أبالك، ولا أباك، أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت. وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء والحمد لله. فصل: ص: إذا انفصل مصحوب لا، أو كان معرفة، بطل العمل بإجماع، ويلزم حينئذ التكرار في غير ضرورة، خلافا للمبرد وابن كيسان، وكذا التاليها خبرٌ مفردٌ وشبهُه. وأُفْرِدَتْ في: لا نَوْلُك أن تفعل، لتأوله بلا ينبغي. وقد يؤول غير عبد الله وعبد الرحمن من الأعلام بنكرة، فيعامل معاملتها بعد نزع ما فيه أو فيما أضيف إليه من ألف ولام، ولا يعامل بهذه المعاملة ضمير ولا اسم إشارة خلافا للفراء. ويُفْتح أو يرفع الأول من نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن فتح فتح الثاني أو نصب أو رفع. وإن رفع رفع الثاني أو فتح. وإن سقطت لا الثانية فتح الأول ورفع الثاني أو نصب، وربما فتح منويا معه لا. وتنصب صفة اسم لا أو ترفع مطلقا، وقد تجعل مع الموصوف كخمسةَ عشرَ إن أفردا واتصلا، وليس رفعهما مقصورا على تركيب الموصوف، ولا دليلا على إلغاء لا، خلافا لابن برهان في المسألتين. وللبدل الصالح لعمل لا النصبُ والرفع، فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه، وكذا المعطوف نسقا. وإن كرر اسم لا المفرد دون فصل فُتح الثاني أو نُصب. وللا مقرونة بهمزة الاستفهام في غير تمن وعَرْض ما لها مجردة، ولها في التمني من لزوم العمل ومنع الإلغاء واعتبار الابتداء ما لليت، خلافا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة. ويجوز إلحاق لا العاملة بليس فيما لا تمني فيه من جميع مواضعها، إن لم تقصد الدلالة بعملها على نصوصية العموم.
следующие страницы →