← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ما له مفردا، ورفع السببي، أو جعلا مبتدأ وخبرا. وإن تلاه أجنبي عُطف بعد ليس على اسمها، والوصف على خبرها. وإن جُرَّ بالباء جاز على الأصح جرُّ الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد ما. ش: إذا وقع بعد معمولي ليس أو ما عاطفٌ يليه وصف بعده سببي نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا أبوه، وما عمرو مقيما ولا ظاعنا أخوه، فلك أن تعطي الوصف من النصب والجر ما كنت تعطيه دون مذكور بعده، وترفع به السببي، أو ترفعهما مبتدأ وخبرا فتقول: ليس زيد قائما، ولا ذاهب أبوه، وما عمرو مقيما، ولا ظاعنٌ أخوه. وإن تلا الوصفَ أجنبيٌّ والعامل ليس، جاز رفعه عطفا على اسمها ونصب الوصف عطفا على الخبر، وجاز جعلهما مبتدأ وخبرا، نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو، وليس زيد قائما ولا ذاهبٌ عمرٌو. وإن كان خبر ليس مجرورا بالباء جاز جر الوصف المذكور بباب مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر: وليس بمُدْنٍ حَتْفه ذو تقدم ... لحرب ولا مُسْتَنْسِئ العُمر مُحْجِم ومنه قول الآخر: فليس بآتيك مَنْهيُّها ... ولا قاصرٍ عنك مأمورُها ومنه قول الآخر: وليس بمعروف لنا أنْ تَرُدَّها ... صِحاحا ولا مُسْتنكرٍ أن تُعَقّرا وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة عامل مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير، ومنه قوله تعالى:

стр. 387

(وفي خلقكم وما يَبُثُّ من دابة آياتٌ لقوم يوقِنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آياتٌ لقوم يعقلون) فحذف في الجارة لاختلاف الليل والنهار لدلالة الجارة لخلقكم عليها. ومثله قول الشاعر: أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحظى بحاجته ... ومُدْمِن القَرْع للأبواب أن يَلجا وإذا استسهل بقاء الجر بمضاف حذف لدلالة مثله عليه، كان بقاء الجر بحرف الجر المحذوف لدلالة مثله عليه أحق وأولى، لأن حرف الجر في عمل الجر أمكن من الاسم المضاف. ومن حذف المضاف وبقاء المضاف إليه قول الشاعر: أكلَّ امرْئ تحسبين امرَأ ... ونارٍ تَوقّدُ بالليل نارا ومثله قراءة بعض القراء: (تُريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرةِ) على تقدير: عرض الآخرة. ويستقصى الكلام على نظائر هذه المسألة إن شاء الله تعالى. وليس بعد "ما" في الوصف التاليه أجنبيٌّ بعد عاطف إلا الرفع كقولك: ما زيد قائما ولا ذاهب عمرو، لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر: لعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حقه ... ولا مُنْسِئٌ معنٌ ولا مُتَيَسِّر

стр. 388

باب أفعال المقاربة ص: منها للشروع في الفعل: طَفِق، وطبق، وجعل، وأخذ، وعلق، وأنشأ، وهبَّ. ولمقاربته: هلهل، وكاد، وكرب، وأوشك، وأولى. ولرجائه: عسى، وحرى، واخلولق. وقد ترد عسى إشفاقا. ويلازمهن لفظ المضي إلا كاد وأوشك. وعملها في الأصل عمل كان، لكن التزم كون خبرها مضارعا مجردا مع هلهل وما قبلها. ومقرونا بأن مع أوْلى وما بعدها. وبالوجهين مع البواقي، والتجريد مع كاد وكرب أعرف، وعسى بالعكس. ش: حق أفعال هذا الباب أن تذكر في باب كان، لمساواتها لها في الدخول على مبتدأ وخبر، ورفع الاسم ونصب الخبر، إلا أن هذه الأفعال رفض فيها غالبا ترك الإخبار بجملة فعلية، فلذلك أفردت بباب. وجملتها ستة عشر فعلا: ثمانية منها للشروع، وهي: طفق وهبّ وما بينهما، نحو: طفق زيد يقرأ، وهبّ عمرو يصلى. والأصل: طفق زيد قارئا، وهب عمرو مصليا، إلا أنه من الأصول المرفوضة. وأغرب الثمانية عَلِق وهبَّ. وخمسة منها للدنو من الفعل حقيقة، وأشهرها كاد، وأغربها أولى، كقول الشاعر: فعادَى بين هادِيَتَيْن منها ... وأولى أن يزيدَ على الثلاث والثلاثة البواقي للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء، وأغربها حرى، يقال: حرى زيد أن يجيء، بمعنى: عسى زيد أن يجيء.

стр. 389

والتزم في غير ندور كون خبر جميعها مضارعا مجردا من أن مع القسم الأول، لأن أنْ تقتضي الاستقبال، والشروع ينافيه. ولا بد من مقارنة أن للمضارع المخبر به بعد أولى وحرى واخلولق. وترك ذلك بعد كاد وكرب أولى من فعله، وفعله بعد عسى أولى من تركه، والأمر بعد أوشك سواء. وورود عسى في الرجاء كثير، وورودها في الإشفاق قليل، وقد اجتمعا في قول الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) ومن ورودها إشفاقا قول الشاعر: عسيتم لدى الهيجاء تلقَوْن دوننا ... تضافر أعداء وضعف نصير وقال الشاعر في طفق: طفق الخَلِيّ بقسوة يلحى الشجى ... ونصيحة اللاحي الخلي عناء وقال آخر في جعل: وقد جعلت إذا ما قمتُ يُثْقلني ... ثوبي فأنهضُ نهش الشّارب الثَّمِل وقال آخر في علق: أراك عَلِقْت تظْلم من أجرنا ... وظلمُ الجار إذلالُ المجير

стр. 390

وقال آخر في أنشأ: لمّا تبيّن مَيْن الكاشِحين لكم ... أنشأت أعربُ عما كان مكتوما وقال آخر في هب: هَبَبْتُ ألومُ القلب في طاعة الهوى ... فلجّ كأني كنت باللوم مُغْريا وقال آخر في هلهل: وطئنا بلاد المعتدين فهلهلتْ ... نفوسُهم قبل الإماتة تزهق أي كادت. والشائع في خبر كاد وروده مضارعا غير مقرون بأن كقوله تعالى: (كادوا يكونون عليه لبَدا) ووروده مقرونا بأن قليل، ومنه جاء في حديث عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" ومثله قول الآخر: أبَيْتم قبولَ السّلم منا فكدتم ... لدى الحرب أن تُغْنوا السيوف عن السَّل وقال الشاعر في خبر كرب غير مقرون بأن: وما أنت أمْ مارُسُوم الديار ... وسِتُّوك قد كرَبَت تكمُلُ

стр. 391

وقال آخر: كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوُشاة هند غَضُوب وقال في اقترانه بأن: وقد كَرَبَت أعناقُها أن تقطعا وقال آخر: قد بُرْتَ أو كَرَبْتَ أن تبورا ... لمّا رأيت بَيْهَسًا مَتْبُورا وقال في خبر أوشك غير مقرون بأن: يوشك من فرّ من منيته ... في بعض غِرّاته يوافقها وقال آخر في الاقتران بأن: ولو سُئِل الناسُ التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملُّوا ويمنعوا ص: وربما جاء خبراهما مفردين منصوبين، وخبر جعل جملة اسمية أو فعلية مصدرة بإذا وليس المقرون بأن خبرا عند سيبويه. ولا يتقدم هنا الخبر، وقد يتوسط، وقد يحذف إن علم، ولا يخلو الاسم من اختصاص غالبا. ويسند أوشك وعسى واخلولق لأن يفعل فيغنى عن الخبر، ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله، فإن أسند إلى ضميره اسما أو فاعلا طابق صاحبَه معها،

стр. 392

كما يطابق مع غيرها. وإن كان لحاضر أو غائبات جاز كسر سين عسى. ش: من عادة العرب في بعض ماله أصل متروك، وقد استمر الاستعمال بخلافه، أن ينبهوا على ذلك الأصل لئلا يجهل، فمن ذلك جعل بعض العرب خبر كاد وعسى مفردا منصوبا، كقول الشاعر في أصح الروايتين: فأُبْتُ إلى فَهْم وما كدت آئبا ... وكم مثلِها فارقتها وهي تَصْفِر فبقوله: ما كدت آيبا، علم أن أصل: كادوا يكونون، كادوا كائنين، كما علم بالقَوَد واستحوذ، أن أصل: قال، واستعاد، قَوَل واستَعْوَد. ومثال جعل خبر عسى مفردا منصوبا قول العرب: عسى الغُوَيْر أبْؤُسا، وقال الراجز: أكثرتَ في العَذْل مُلِحّا دائما ... لا تَلْحَني إني عسيت صائما وقد يجيء خبر جعل جملة اسمية، كقول الشاعر: وقد جعلتْ قَلُوصُ بني سُهَيل ... من الأكْوار مرتعُها قريب وقد يجيء جملة فعلية ماضوية، كقول ابن عباس ﵁: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا.

стр. 393

وليس المقرون بأن في هذا الباب خبرا عند سيبويه، بل هو منصوب بإسقاط حرف الجر، أو بتضمين الفعل معنى قارَبَ، قال سيبويه: تقول: عسيت أن تفعل، فأن هنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل، أي: قاربت ذلك، وبمنزلة: دنوت أن تفعل. واخلولقت السماء أن تمطر، أي: لأن تمطر. وعست بمنزلة اخلولقت السماء، ولا يستعمل المصدر هنا كما لم يستعمل الاسم الذي الفعل في موضعه في قولك: "بذي تسلم" هذا نصه. قلت: والوجه عندي أن تجعل عسى ناقصة أبدا، فإذا أسندت إلى أن والفعل وجه بما يوجه وقوع حسب عليها في نحو: (أحسب الناس أن يُتركوا) فلما لم تخرج حسب بهذا عن أصلها، لا تخرج عسى عن أصلها بمثل: (وعسى أن تكرهوا شيئا) بل يقال في الموضعين: سدَّت أن والفعل مسد الجزأين. ويوجه نحو: (عسى الله أن يأتي بالفتح) بأن المرفوع اسم عسى، وأن والفعل بدل سدّ مسد جزأي الإسناد، كما كان يسد مسدهما لو لم يوجد المبدل منه، فإن المبدل في حكم الاستقلال في أكثر الكلام، ومنه قراءة حمزة: (ولا تَحْسَبن الذين كفروا أنما نُملي لهم) بالخطاب على جعل أنّ بدلا من الذين، وسدّت مسد المفعولين في البدلية، كما سدت مسدهما في قراءة الباقين (ولا يحسبن) بالياء، على جعل (الذين كفروا) فاعلا ومثله: "حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل" على رواية من رواه بالفتح في صحيح مسلم. ولا تتقدم أخبار هذه الأفعال، فلا يقال في: طفقت أفعل: أفعل طفقت.

стр. 394

والسبب في ذلك أن أخبار هذه الأفعال خالفت أصلها بلزوم كونها أفعالا، فلو قدمت لازدادت مخالفتها للأصل. وأيضا فإنها أفعال ضعيفة لا تصرف لها، إذ لا تَرِد إلا بلفظ الماضي إلا كاد وأوشك، فإن المضارع منهما مستعمل، فلهن حال ضعف بالنسبة إلى الأفعال الكاملة التصرف، وحال قوة بالنسبة إلى الحروف، فلم تتقدم أخبارها لتَفْضُلَها كان وأخواتها المتصرفة، وأجيز توسيطها تفضيلا لها على إن وأخواتها، فيقال: طفق يصليان الزيدان، وكاد يطيرون المنهزمون. وحكى الجوهري مضارع طفق. ويجوز في هذا الباب حذف الخبر إن علم، كقوله: "من تأنَّى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد". ومنه قول المرقش: وإذا ما سمعتِ من نحو أرض ... بمُحِبٍّ قد مات أو قيل كادا فاعلمي غيرَ علم شك بأني ... ذاكِ وابكى لمُقْصَدٍ لن يُقادا أي لن يؤخذ له بقَوَد. وقال آخر: قد هاج سارٍ لسارٍ ليلةً طربا ... وقد تَصَرَّم أو قد كاد أو ذهبا الساري الأول البرق. ومن حذف الخبر لدليل قوله تعالى: (فطَفِق مَسْحا بالسُّوق والأعناق) فحذف الخبر وهو يمسح، وترك مصدره دليلا عليه. وحق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة أو مقاربا لها، كما يحق ذلك لاسم كان، وقد يرد نكرة محضة كقول الشاعر: عسى فرجٌ يأتي به الله إنه ... له كلَّ يوم في خليقته أمرُ

стр. 395

وقد يسند أوشك وعسى واخلولق لأن يفعل، فيغني عن الخبر، كقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) فلو وقعت عسى وأن يفعل خبر اسم قبلها، فللمتكلم بذلك أن يضمر في عسى ضميرا هو اسمها أو فاعلها، ويحكم على موضع أن يفعل بالنصب، وله أن يجرد عسى من الضمير، ويحكم على موضع أن يفعل بالرفع مستغنى به عن زائد، كما استغنى به بعد حسب عن مفعول ثان. وأوشك واخلولق مثل عسى في هذين الاستعمالين، فيقال: الزيدان أوشكا أن يفعلا، وأوشك أن يفعلا، والعمران اخلولقا أن يفوزا، واخلولق أن يفوزا، أشار إلى ذلك في الثلاثة سيبويه رحمه الله تعالى. وإن أسندت عسى إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو إناث غائبات جاز كسر سينها وفتحها، والفتح أشهر، ولذلك قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكوفيون، ولم يقرأ بالكسر إلا نافع. ص: وقد يتصل بها الضمير الموضوع للنصب اسما عند سيبويه حملا على لعل، وخبرا مقدما عند المبرد، ونائبا عن المرفوع عند الأخفش، وربما اقتصر عليه. ويتعين عود الضمير من الخبر إلى الاسم، وكون الفاعل غيره قليل. وتُنْفى كاد إعلاما بوقوع الفعل عسيرا، أوبعدمه وعدم مقاربته. ولا تُزاد كاد خلافا للأخفش. واستعمل مضارع كاد وأوشك خصوصا، وندر اسم فاعل أوشك. ش: إذا كان المعمول عسى ضميرا، فحقه أن يكون بلفظ الموضوع للرفع، نحو: عسيتُ وعسينا وعسيتَ وعسيتُم، كما يقال كنتُ وكنا وكنتَ وكنتم. وهذا الاستعمال هو المشهور، وبه نزل القرآن، قال الله تعالى: (قال هل عسَيْتُم إن كُتِب عليكم القتالُ ألا تقاتلوا) ومن العرب من يقول: عساني وعساك وعساه،

стр. 396

فيكتفى بالموضوع للنصب عن الموضوع للرفع، كقول الشاعر: ولي نفسٌ أقول لها إذا ما ... تُنازعني لعلي أو عساني وكقول الآخر: أصِخْ فعساك أن تُهْدَى ارعواء ... لقلبِك بالإصاخة مستفاد فالتكلم بهذا وأمثاله جائز بإجماع، ولكن اختلف في الضمير: أهو منصوب المحل أم مرفوعه؟ فاتفق سيبويه والمبرد على أنه منصوب المحل، وأن الفعل في موضع رفع، إلا أن سيبويه يجعل المنصوب اسما والمرفوع خبرا حملا على لعل. والمبرد يجعل المنصوب خبرا مقدما، وأن والفعل اسما مؤخرا. وذهب الأخفض إلى أن الضمير ? وإن كان بلفظ الموضوع للنصب ? محله رفع بعسى نيابة عن الضمير الموضوع للرفع، كما ناب الموضوع للرفع عن الموضوع للنصب في نحو: مررت بك أنت، وأكرمته هو. وقول الأخفش هو الصحيح عندي لسلامته عن عدم النظير، إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع للرفع عن موضوع له، وذلك موجود كقول الراجز: يابنَ الزُّبير طالما عصيكا ... وطالما عَنَّيْتَنا إليكا أراد عصيت، فجعل الكاف نائبة عن التاء. ولأن نيابة الموضوع للرفع موجودة في نحو: ما أنا كأنت، ومررت بك أنت، فلا استبعاد في نيابة غيره عنه. ولأن العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فول كان الضمير في موضع نصب لزم منه الاستغناء بفعل ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك. بخلاف كونه في موضع

стр. 397

رفع، فإن الاستغناء به نظير الاستغناء بمرفوع كاد في نحو: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد". ولأن قول سيبويه يلزم منه حمل فعل على حرف في العمل، ولا نظير لذلك. وقال السيرافي: وأما عساك وعساني ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول سيبويه وهو أن عسى حرف بمنزلة لعل، وذكر القولين الأخيرين. وفي هذا القول أيضا ضعف، لتضمنه اشتراك فعل وحرف في لفظ واحد بلا دليل، إلا أن فيه تخلصا من الاكتفاء بمنصوب فعل عن مرفوعه في نحو: علك أو عساك، في نحو: عساك تفعل بغير أن، ولا مخلص للمبرد من ذلك. ويلزم المبرد أيضا مخالفة النظائر من وجهين آخرين: أحدهما: الإخبار باسم عين جامد عن اسم معنى. والثاني: وقوع خبر في غير موقعه بصورة لا تجوز فيه إذا وقع موقعه، وذلك أنك إذا قلت في: عساك أن تفعل، عسى أن تفعل إياك لم يجز، وما لم يجز في الحالة الأصلية حقيق بألا يجوز في الحالة الفرعية. فتبين أن قول أبي الحسن في هذه المسألة هو الصحيح والله أعلم. ولا بد من عود ضمير من الخبر في هذا الباب إلى الاسم، كما لا بد منه في غير هذا الباب، ولكن الضمير في غير هذا الباب لا يشترط كونه فاعلا، بخلاف الضمير في هذا الباب فإن الفاعل لا يكون غيره إلا على قلة، ولا يكون ما ورد على قلة إلا مؤولا بأنه هو، فمن ذلك قول الشاعر: وقد جعلتُ إذا ما قمتُ يُثقلني ... ثوبي فأنهضُ نَهْضَ الشارب الثَّمِل فجاء فاعل الفعل المخبر به غير ضمير الاسم، لأن المعنى: وقد جعلت إذا

стр. 398

ما قمت أثقل وأضعف، فصح لذلك. وكذا قول الآخر: وَقَفْتُ على رَبْع لميةَ ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبُثُّه ... يكلمني أحجاره وملاعبُه فجاز هذا لأن معناه: كاد يكلمني. وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: "وكون الفاعل غيره قليل". وزعم قوم أن كاد ويكاد إذا دخل عليهما نفي فالخبر مثبت، وإذا لم يدخل عليهما نفي فالخبر منفي، والصحيح أن إثباتهما إثبات للمقاربة، ونفيهما نفي للمقاربة، فإذا قيل: كاد فلان يموت، فمقاربة الموت ثابتة، والموت لم يقع. وإذا قيل: لم يكد يموت، فمقاربة الموت منفية، ويلزم من نفي مقاربة الموت نفي وقوعه بزيادة مبالغة، كأن قائلا قال: كاد فلان يموت، فرد عليه بأن قيل: لم يكد يموت. وقولك: لم يكد يموت أبلغ في إثبات الحياة من قولك: لم يمت، ولهذا قيل في قوله تعالى: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) إن معناه: لم يرها ولم يقارب أن يراها. وفي قوله تعالى: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه) إن معناه: لا يسيغه ولا يقارب إساغته. وقد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل، ويكون مراده أنه فعل بعسر لا بسهولة، وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ أولا. ولإمكان هذا، رجع ذو الرمة في قوله:

стр. 399

إذا غيرُ النَّايُ المحبين لم يكد ... رسيسُ الهوى من حبِّ ميةَ يبرحُ إلى أن جعل بدل: يكد، يجد، وإن كان في يكد من المبالغة والجزالة ما ليس في يجد. وأما قوله تعالى: (وما كادوا يفعلون) فمحمول على وقتين، وقت عدم الذبح وعدم مقاربته، ووقت وقوع الذبح، كما يقول القائل: خلص فلان وما كاد يخلص. وأجاز الأخفش استعمال كاد زائدة، ومما استشهد به قوله تعالى: (إنّ الساعة آتية أكاد أخفيها) وقول حسان: وتكادُ تكسَل أن تجيء فِراشها ... في حسم خَرْعَبَة وحُسن قوام والصحيح أنها لا تزاد، وأما قوله تعالى: (أكاد أخفيها) فقيل معناه: إن الساعة آتية أكاد أخفيها فلا أقول: هي آتية. وقيل معناه: أكاد أخفيها عن نفسي. وقراءة أبي الدرداء وسعيد بن جبير: (أكاد أَخفيها) بفتح الهمزة، من خَفَيْتُ الشيء أخفيه إذا أظهرته، وبه فُسِّر قول امرئ القيس: فإن تدفنوا الداء لا نَخْفِه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وأما قول حسان فالمعنى فيه وصف المذكورة بمقاربة الكسل دون حصوله، وذلك بين. ولازمت أفعال هذا الباب لفظ المضي إلا كاد وأوشك، فإنهما اختصا باستعمال

стр. 400

مضارعيهما، وشذ استعمال اسم فاعل أوشك في قول الشاعر: فموشِكةٌ أرضنا أن تعود ... خلافَ الخليط وحُوشا يَبابا وذكر الجوهري: يَطْفَق، ولم أره لغيره، والله أعلم.

стр. 401

باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر ص: وهي: إنّ للتوكيد، ولكنّ للاستدراك، وكأنّ للتشبيه، وللتحقيق أيضا على رأي، وليت للتمني، ولعل للترجي والإشفاق والتعليل والاستفهام. ولهن شَبَه بكان الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما، فعملت عملها معكوسا، ليكونا معهن كمفعول قدم وفاعل أخر، تنبيها على الفرعية، ولأن معانيها في الأخبار فكانت كالعمد، والأسماء كالفضلات، فأعطيا إعرابهما. ويجوز نصبهما بليت عند الفراء، وبالخمسة عند بعض أصحابه، وما استشهد به محمول على الحال، أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي. ش: اعتبار الأصل يقتضي كون أحرف هذا الباب خمسة لا ست كما يقول أكثر المصنفين، ويكملون الستة بأنّ المفتوحة، ولا حاجة إلى ذلك، فإنها فرع المكسورة، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى. ومتبوعي فيما اعتبرته سيبويه، فإنه قال: هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده". وكذا قال المبرد في المقتضب، وابن السراج في الأصول. ولو قال: باب الأحرف، لكان أولى من قوله: باب الحروف، لأن أحرفا جمع قلة، وحروفا جمع كثرة، والموضع موضع قلة، ألا أن كل واحد من جمع القلة والكثرة قد يقع موقع الآخر، ومنه قوله تعالى: (والمطلقات يتبرصْن بأنفسهن ثلاثة قُروء). وقد قيل: إن المسوغ لوقوع قروء موقع أقراء اختلاف عوائد النساء،

стр. 402

وباعتبار هذا يلزم حصول الكثرة، وكذا ما قال سيبويه يحمل على أنه ملحوظ به ما يعرض لإنّ من فتح همزتها، ومن تخفيف نونها في الحالين، ومن تخفيف نون كأنّ، وما يستعمل في لعل من لغات. فإن قيل: إذا كان تفريع أنّ سببا لعدم الاعتداد بها، فينبغي ألا يعتبر بكأنّ، فإن أصل: كأنّ زيدا أسد، إنّ زيدا كالأسد. فالجواب: أن أصل كأن منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق به، بخلاف أن فليس أصلها منسوخا، بدلالة جواز العطف بعدها على معنى الابتداء، كما يعطف عليه بعد المكسورة، فاعتبرت فرعية أن لذلك دون كأن. وقد قرنْتُ كل واحد من هذه الأحرف بمعناه، فمعنى إنّ التوكيد، ولذلك أجيب بها القسم نحو: والله إنك لفطن. ومعنى لكن الاستدراك. ولذلك لا يكون إلا بعد كلام، نحو: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم). وكأن للتشبيه المؤكد نحو: كأن زيدا أسد، فإن أصله: إن زيدا كالأسد، فقدمت الكاف، وفتحت الهمزة، وصار الحرفان حرفا واحدا مدلولا به على التشبيه والتوكيد. وزعم بعضهم أن كأن قد تكون للتحقيق دون تشبيه، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: وأصبحَ بطنُ مكة مُقْشَعِرًّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشامُ واستشهد أيضا بقول الآخر: كأني حين أمسي لا تُكَلمني ... ذو بُغية يبتغي ما ليس موجودًا

стр. 403

والصحيح أن كأن لا يفارقها التشبيه، ويخرج البيت الأول على أن هشاما وإن مات فهو باق ببقاء من يخلفه بسيره، وأجود من هذا أن تجعل الكاف من كأن في هذا الموضع كاف التعليل المرادفة اللام، كأنه قال: وأصبح بطن مكة مقشعرا ... لأن الأرض ليس بها هشام وعلى هذا حمل قوله تعالى: (ويكأنه لا يفلح الكافرون). وأكثر ما تزاد الكاف بهذا المعنى مقرونة بما كقوله تعالى: (واذكروه كما هداكم). ومنه ما حكاه سيبويه من قول بعضهم: كما أنه لا يعلم فغفر الله له، وأما البيت الثاني فلا حجة فيه، لأن التشبيه فيه يتبين بأدنى تأمل. وكون ليت للتمني، ولعل للترجي ظاهر، والفرق بينهما أن التمني يكون في الممكن وغير الممكن، والرجاء لا يكون إلا في الممكن. وتكون لعل للإشفاق كقوله تعالى: (فعلك باخعٌ نفسك). وكقول الشاعر: أتَوْني فقالوا يا جميل تَبدّلت ... بُثَينةُ أبدالا فقلت لعلها وعلّ حِبالا كنتُ أحكمتُ فتْلَها ... أُتيحَ لها واشٍ رفيقٌ فحلها وتكون لعل أيضا للتعليل كقوله تعالى: "فقولا له قولا لَيّنا لعله يتذكر أو يخشى). وكقول الشاعر: وقلتم لنا كُفُّوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودُكم ... كلَمْع سَرَابٍ في الملا متألق قال الأخفش في المعاني "لعله يتذكر" نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ لعلنا

стр. 404

نتغدى، والمعنى: لنتغدى. ويقول الرجل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، أي لتأخذه، وهذا نصه. وتكون لعل أيضا للاستفهام كقوله تعالى: (وما يدريك لعله يَزّكَّى). وكقول النبي ﷺ لبعض الأنصار ﵃ وقد خرج إليه مستعجلا: "لعلنا أعجلناك". وسبب إعمال هذه الحروف اختصاصها بمشابهة كان الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر، والاستغناء بهما، فاللزوم مخرج لما يدخل عليهما وعلى غيرهما كألا وأما الاستفتاحيتين، والاستغناء بهما مخرج للولا ولوما الامتناعيتين، ولإذا المفاجأة، فإنهن يشبهن كان في لزوم المبتدأ والخبر، ويفارقنها بافتقار لولا ولوما إلى الجواب، وافتقار إذا إلى كلام سابق. وضم أكثر النحويين إلى المشابهة من الوجه المذكور المشابهة بسكون الوسط وفتح الآخر، والصحيح عدم اعتبار ذلك، إذ لو كان سكون الوسط معتبرا لم يعتد بلكن لأن وسطها متحرك، ولو كان فتح الآخر معتبرا لزم إبطال عمل إن وأن وكأن عند التخفيف. وزاد الزجاجي في المشابهة المعتبرة الاتصال بالضمائر المنصوبة، وهذا عجيب، فإن الضمائر المنصوبة لم تتصل بهذه الأحرف إلا بعد استحقاق العمل، فصح أن المعتبر من المشابهة ما اقتصرت على ذكره من لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما. إلا أن هذه الأحرف لما كانت فروع كان في عمل الرفع والنصب، قدم معهن عمل النصب على الرفع تنبيها على الفرعية، لأن الأصل تقديم الرفع، ولم يحتج إلى ذلك في "ما" المحمولة على ليس لأن فرعيتها ثابتة بيّنة الثبوت لعدم اتفاق العرب على إعمالها، وببطلان عملها عند نقض النفي بإلا، أو تقدم الخبر، أو وجود إنْ، فاستغنت عن جعل عملها عكس عمل كان.

стр. 405

وقيل: لما كان معنى كل واحد من هذه الأحرف لا يتحقق حصوله إلا في الأخبار، تنزلت منهن منزلة العمد من الأفعال، فأعطيت إعراب الفاعل وهو الرفع، وتنزلت الأسماء منها منزلة الفضلات، فأعطيت إعراب المفعول وهو النصب. وأجاز الفراء نصب الاسم والخبر معا بليت، ومن حجته على ذلك قول الشاعر: ليت الشبابَ هو الرجيعَ على الفتى ... والشيب كان هو البدى الأول وأجاز بعض الكوفيين ذلك في كل واحد من الخمسة، ومن حجج صاحب هذا المذهب قول النبي ﷺ : "إن قعر جهنم لسبعين خريفا". ومن حججه قول الشاعر: إذا اسودّ جُنْحُ الليل فلْتأتِ ولتكُن ... خطاك خِفافا إنّ حُرّاسنا أسْدا ومنه قول الراجز: إن العجوزَ خَبَّةً جَرُوزا ... تأكلُ كلَّ ليلة قفيزا ومثله: كأنّ أذْنَيه إذا تشَوّفا ... قادمةً أو قلما محرفا ولا حجة في شيء من ذلك لإمكان رده إلى ما أجمع على جوازه. أما البيت الأول فيحمل على تقدير كان، والأصل: ليت الشباب كان الرجيع، فحذفت كان، وأبرز الضمير، وبقي النصب بعده دليلا، ومثل هذا من الحذف ليس ببدع، وقد

стр. 406

روى عن الكسائي أنه كان يوجه هذا التوجيه في كل موضع نصب فيه بعد شيء من هذه الأحرف، ويقوي ما ذهب إليه إظهار كان بعد ليت وإن كثيرا، كقوله تعالى: (يا ليتني كنت معهم) و: (يا ليتني كنت ترابا) و: (إن الله كان بكم رحيما)، و: (إن الله كان على كل شيء حسيبا) و: (وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما) و: (إنك كنت بنا بصيرا) و: (إنه كان بي حفيا). فجاز إضمار كان هنا لكثرة إظهارها، كما جاز ذلك في: ما أنت وزيدا، وكيف أنت وقصعة من ثريد. ويحمل الحديث على أن القعر فيه مصدر قَعَرت الشيء إذا بلغت قعره، وهو اسم إن، و"لسبعين خريفا" ظرف مخبر به، لأن الاسم مصدر، وظروف الزمان يخبر بها عن المصادر كثيرا. ويقدر: إن حراسنا أسدا، كأنه قال: إن حراسنا يشبهون أسدا، أو كانوا. وأما قول الراجز فمحمول على أن تأكل خبر إنّ، وخبة جروزا حالان من فاعل تأكل، ولا تكلف في هذا التوجيه. وأما قول الآخر فمحمول على أن قادمة وقلما منصوبان بفعل مضمر، والتقدير: كأن أذنيه إذا تشوفا يخلفان قادمة. وزعم أبو محمد بن السيد أن لغة بعض العرب نصب خبر إن وأخواتها. ص: وما لا تدخل عليه دام لا تدخل عليه هذه الأحرف، وربما دخلت إن على ما خبره نهي، وللجزأين من بعد دخولهن ما لهما مجردين، لكن يجب هنا تأخير الخبر، ما لم يكن ظرفا أو شبهه فيجوز توسيطه، ولا يخص حذف الاسم

стр. 407

المفهوم معناه بالشعر، وقلما يكون إلا ضمير الشأن، وعليه يحمل: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون" لا على زيادة من، خلافا للكسائي. وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا، خلافا لمن اشترط تنكير الاسم. وقد يسد مسده واو المصاحبة، والحال، والتزم الحذف في "ليت شعري" مُرْدَفا باستفهام. وقد يخبر هنا – بشرط الإفادة – عن نكرة بنكرة أو بمعرفة، ولا يجوز نحو: إن قائما الزيدان، خلافا للأخفش والفراء. ولا نحو: ظننت قائما الزيدان، خلافا للكوفيين. ش: قد تقدم في باب كان الإعلام بالمبتدآت التي تدخل عليها كان وأخواتها، وبيان أن دام تشارك في ذلك وتزيد بأنها لا تدخل على مبتدأ خبره مفرد طلبي، فلذلك خصصتها بالإحالة عليها هنا فقلت: "وما لا تدخل عليه دام لا تدخل عليه هذه الأحرف" فعلم بهذا أن هذه الأحرف لا تدخل على ما خبره جملة طلبية نحو: زيد هل قام؟ وعمرو أكرمْه، وخالد لا تهنه. ثم نبهت على ما شذ من دخول إن على ما خبره نهي كقول الشاعر: إنّ الذين قتلتُم أمسِ سيدَهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما ثم أشرت إلى أن للجزأين من الأحوال والأقسام بعد دخول هذه الأحرف ما كان لهما قبل دخولهن. فكما انقسم المبتدأ إلى اسم عين وإلى اسم معنى، كذلك ينقسم مع إن وأخواتها نحو: إن العالم فاضل، وإن العلم فضل. وكما انقسم الخبر في باب الابتداء إلى الأقسام المتقدم ذكرها ثم، كذلك ينقسم إليها في هذا الباب. وكما استصحبت الأقسام تستصحب الأحوال والشروط، ومن الشروط عود ضمير من

стр. 408

الجملة المخبر بها، ومن الأحوال جواز حذف الضمير لدليل، كقول الشاعر: وإن الذي بيني وبينك لا يفي ... بأرض أبا عمرو لك الدهر شاكر أراد: لا يفي به أو من أجله. وقد تقدم بيان موجب تقديم منصوب هذا الباب وتأخير مرفوعه فلا يجوز الإخلال بمقتضاه. فإن كان الخبر ظرفا أو مجرورا جاز تقديمه، لأنه في الحقيقة معمول الخبر، وكان حقه ألا يتقدم على الاسم كما لا يتقدم الخبر، إلا أن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، فلذلك فصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وبين كان واسمها وخبرها، وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن، نحو: أغدا تقول زيدا قائما. ولم يبطل عمل "ما" تقديمهما على اسمها، نحو: ما غدا زيد راحلا. واغتفر تقديمهما على العامل المعنوي، نحو: أكل يوم لك درهم، وعلى المنفي بما، نحو قول الصحابة ﵃: ونحن عن فضلك ما استغنينا ولو عومل غيرهما معاملتهما في ذلك لم يجز. والأصل في الظرف الذي يلي إنّ أو إحدى أخواتها أن يكون ملغًى، أي غير قائم مقام الخبر، نحو: إنّ عندك زيدا مقيم، وكقول الشاعر: فلا تَلْحَني فيها فإن بحُبِّها ... أخاك مصابُ القلب جَمٌّ بلابلُه فأما القائم مقام الخبر فجدير بألا يليها لقيامه مقام ما لا يليها ولكن اغتفر إيلاؤه إياها التفاتا إلى الأصل. وقد عاملوا الحال معاملة الظرف فأوْلَوْها كأنّ، ومنه قول الشاعر:

стр. 409

كأنّ وقد أتى حَوْلَ كَمِيل ... أثافيَها حماماتٌ مثولُ ويجوز حذف الاسم إذا فهم معناه، ولا يخص ذلك بالشعر، بل وقوعه فيه أكثر، وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره، ومن وقوع ذلك في غير الشعر قول بعضهم: إنّ بك زيدٌ مأخوذٌ، حكاه سيبويه عن الخليل مريدا به: إنه بك زيدٌ مأخوذ، وعليه يحمل قوله ﷺ : "إنّ من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون". هكذا رواه الثقات بالرفع. وحمله الكسائي على زيادة من، وجعل أشد الناس اسما، والمصورون خبرا، والصحيح أن الاسم ضمير الشأن، وقد حذف كما حذف في: إن بك زيد مأخوذ، لأن زيادة من مع اسم إن غير معروفة. وحكى الأخفش: إن بك مأخوذ أخواك، وتقديره: إنك بك مأخوذ أخواك، فحذف الاسم، وهو ضمير المخاطب، وجعل "مأخوذ" خبرا مرتفعا به أخواك، كما كان يرتفع بيؤخذ، ولا يجوز أن يكون التقدير: إنه بك مأخوذ أخواك، لأن الصفة المرتفع بها ظاهر بمنزلة الصفة المرتفع بها مضمر في أنها لا تسد مسد جملة، ولا يكون مفسر ضمير الشأن إلا جملة محضة مصرحا بجزأيها، ومن حذف الاسم في الشعر قول الشاعر: فلو كنتَ ضبِّيّا عَرَفت قرابتي ... ولكنّ زنجيٌ عظيم المَشافر رواه سيبويه برفع زنجي ونصبه، وجعل تقديره في الرفع: ولكنك زنجي، وتقديره في النصب: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي. ومن حذف الاسم قول الشاعر: فليتَ دفعتَ الهمَّ عني ساعةً ... فبتنا على ما خيلتْ ناعِمَيْ بال فيحتمل هذا أن يكون تقديره: فليتك، ويحتمل أن يكون تقديره: فليته، وكذا

стр. 410

قول الآخر: فلا تَخْذُلِ المولى وإن كان ظالما ... فإنّ به تُثْأَى الأمورُ وتُرْأب تقديره: فإنه به تثأى الأمور، والهاء إما للمولى، وإما ضمير الشأن، ومما لا يكون المحذوف فيه إلا ضمير الشأن قول الشاعر: ولكنّ مَنْ لا يَلْقَ أمرا ينوبُه ... بعُدَّته ينزل به وهو أعزلُ ومثله قول الشاعر: فلو أنّ حُقَّ اليومَ منكم إقامةٌ ... .وإن كان سرحٌ قد مضى فتَسَرّعا ومثله: إنّ مَنْ لامَ في بني بنت حَسّا ... نَ ألُمْه وأعْصِه في الخُطُوب وذكر سيبويه: إنّ إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، ثم قال: فأفضلهم منتصب بلقيت، وهو قول الخليل، وهو في هذا ضعيف لأنه يريد: إنه إياك رأيت، فترك الهاء، وهذا تصريح بالجواز دون ضرورة. وحذف الخبر للعلم به أكثر من حذف الاسم. ونبهت بقولي: "جاز حذفه مطلقا" على أن ذاك لا يتقيد بكون الاسم نكرة أو معرفة، ولا بكون الخبر ظرفا أو غير ظرف، ومثال حذفه وهو ظرف قول

стр. 411

الشاعر: ولو أنّ مِنْ حَتْفِه ناجيا ... لكان هو الصَّدَعَ الأعْصَما أراد: لو أن على الأرض، أو في الدنيا، فحذف ذلك للعلم به وأنشد سيبويه: وما كنت ضَفَّاطا ولكنّ طالبا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل أي: ولكن طالبا مُنيخا أنا، هذا تقدير سيبويه، وزعم قوم أن شرط حذفه كون الاسم نكرة، كقول الشاعر: إنّ مَحَلًّا وإنّ مُرْتَحلا ... وإن في السَّفْر إذ مضوا مَهَلا واشتراط ذلك غير صحيح، لأن الحذف مع تعريف الاسم كثير، فمن ذلك قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد). ومثله قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز). ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل ذكره بقرابته منه: إن ذلك. ثم ذكر له حاجة فقال: لعل ذلك، أراد: إن ذلك حق، ولعل حاجتك مقضية. ومن ذلك قول الشاعر: سوى أن حيا من قريش تفضلوا ... على الناس أو إن للأكارم نهشلا

стр. 412

وقد يحذف الخبر وجوبا لسد واو المصاحبة مسده، كما كان ذلك في الابتداء، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: إنك ما وخيرا، يريد: مع خير، وما زائدة. ومثله قول الشاعر: فدَعْ عنك ليلى إن ليلى وشأنَها ... وإن وعدتك الوعد لا يتيسر وحكى الكسائي: إن كل ثوب لو ثمنه، بإدخال اللام على الواو لسد مسد مع. وقد يحذف أيضا وجوبا لسد الحال مسده كما كان ذلك في الابتداء، فيقال في: ضربي زيدا قائما، وأكثر شربي السويق ملتوتا: إن ضربي زيدا قائما، وإن أكثر شربي السويق ملتوتا. والكلام هنا على تقدير المحذوف كالكلام عليه في باب المبتدأ، ومن سد الحال مسد خبر إن قول الشاعر: إن احتيازَك ما تبغيه ذا ثقة ... بالله مُسْتَظهِرا بالحزم والجلد والتزمت العرب حذف خبر ليت في قولهم: ليت شِعْري، لأنه بمعنى: ليتني أشعر، ولا بد معه من استفهام يسد مسد المحذوف، متصلا بشعري، أو منفصلا باعتراض، فالمتصل كقول الشاعر: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولي إذْخرٌ وجليل والانفصال بالاعتراض كقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو: ليتَ شِعْري مسافرَ بن أبي عَمْـ ... .ـرٍو وليْتٌ يقولُها المحزونُ

стр. 413

أيُّ شيء دَهاك أم غال مَرْآ ... ك وهل أقدمتْ عليك المَنُون ويجوز هنا الإخبار بالنكرة عن النكرة، وبالمعرفة، بشرط الإفادة، فالإخبار عن النكرة بالنكرة كقول امرئ القيس في رواية سيبويه: وإنّ شِفاءً عَبْرةٌ مُهَرَاقة ... وهل عند رَسْم دارسٍ من مُعَوَّل والإخبار بالمعرفة مثل قول القائل: إن قريبًا منك زيد، وهو من أمثلة كتاب سيبويه، ومن ذلك قول الشاعر: وإن حراما أن أسُبَّ مجاشِعا ... بآبائي الشمِّ الكرام الخضارمِ وأنشد سيبويه: وما كنت ضفّاطا ولكنّ طالبا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل أراد: ولكن طالبا أنا، هكذا قال سيبويه، وحسن هذا في الباب لشبه المنصوب بالمفعول، وشبه المرفوع بالفاعل. وقال سيبويه: لو قلت: إن من خيارهم رجلا، ثم سكت، كان قبيحا حتى تعرفه بشيء، أو تقول: إن رجلا من أمره كذا وكذا. وأجاز الأخفش والفراء جعل اسم إن صفة رافعة لظاهر مغن عن الخبر، فيقولان: إنّ قائما الزيدان، وجواز هذا مبني على جواز: قائم الزيدان، ونحوه دون استفهام ولا نفي، وقد تقدم تنبيهي في باب المبتدأ على أن نحو هذا يستقبحه سيبويه ويستحسنه الأخفش. واستشهد على جوازه بقول الشاعر: خبيرٌ بنو لهْب فلا تكُ مُلْغيا ... مقالة لِهْبيٍّ إذا الطير مرت فمن قاس على هذا في باب الابتداء أجاز دخول إنّ عليه، فيقول: إن خبيرا بنو لهب. ويلزم من أجاز هذا من البصريين أن يجيز دخول ظننت، كما فعل الكوفيون،

стр. 414

فيقول: ظننت خبيرا بنو لهب. والصحيح أن يقال: إعمال الصفة عمل الفعل فرع إعمال الفعل، فلا يستباح إلا في موضع يقع فيه الفعل، فلا يلزم من تجويز: قائم الزيدان، جواز: إن قائما الزيدان، ولا: ظننت قائما الزيدان، لصحة وقوع الفعل موقع المجرد من إنّ وظننت، وامتناع وقوعه بعدهما. واستبدل الكوفيون على: ظننت قائما الزيدان، ونحوه بقول الشاعر: أظن ابن طرثوت عتيبةُ ذاهبا ... بعاديتي تكذابه وجعائله ولا حجة فيه، لاحتمال أن يريد: أظن ابن طرثوت عتيبة شخصا ذاهبا، حذف المفعول الأول للعلم به، وترك الثاني، كقوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم). والأصل: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بخلهم هو خيرا لهم، فحذف المفعول الأول وترك الثاني. فصل: ص: يستدام كسر إنّ ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر، فإن لزم التأويل لزم الفتح، وإلا فوجهان. فلامتناع التأويل كسرت مبتدأة، وموصولا بها، وجواب قسم، ومحكية بقول، وواقعة موقع الحال أو موقع خبر اسم عين، أو قبل لام معلقة. وللزوم التأويل فتحت بعد لو، ولولا، وما التوقيتية، وفي موضع مجرور، أو مرفوع فعل أو منصوبه غير خبر. ولإمكان الحالين أجيز الوجهان بعد: أول قولي، وإذا المفاجأة، وفاء الجواب. وتفتح بعد أمَا بمعنى حقا، وبعد حتى غير الابتدائية، وبعد لا جرَم غالبا، وقد تفتح عند الكوفيين بعد قسم، ما لم توجد اللام.

стр. 415

ش: إنّ بالكسر أصل لأنّ الكلام معها غير مؤول بمفرد، وأن بالفتح فرع لأن الكلام معها مؤول بمفرد، وكون المنطوق به جملة من كل وجه، أو مفردا من كل وجه، أصل لكونه جملة من وجه. ولأن المكسورة مستغنية بمعموليها عن زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصل للمزيد فيه. ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما يتعلق به، كقولك في: عرفت أنك بَرّ: إنك بر. ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة، كقولك في: إنك بر: عرفت أنك بر. والمرجوع إليه بحذفٍ أصل للمتوصل إليه بزيادة. ولكون المكسورة أصلا قلت: يستدام كسر إن ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر" فعلم بذلك أن الكسر لازم للمبدوء بها لفظا ومعنى نحو: "إنا أعطيناك الكوثر". والمبدوء بها معنى لا لفظا نحو: "ألا إنهم هم السفهاء". وللموصول بها نحو: "ما إن مفاتحه لَتَنُوءُ بالعصبة". والمجاب بها قسم نحو: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" وللمحكية بالقول نحو: "قال إني عبد الله" وللواقعة موقع الحال نحو: "وإن فريقا من المؤمنين لكارهون". وكقول الشاعر: ما أعطياني ولا سألْتُهما ... إلا وإني لحاجِزي كرمي وكقول الآخر: سئلتُ وإني مُوسر غيرُ باخل ... فجدت بما أغنى الذي جاء سائلا

стр. 416

والواقعة موقع خبر اسم عين نحو: (إن الذين آمنوا، والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة). وكقول الشاعر: منا الأناةُ وبعضُ القوم يحسبنا ... إنا بِطاءٌ وفي إبطائنا سَرَعُ ومثله قول الآخر: إن الخليفة إنّ الله سَرْبَلة ... سربال مُلك ... ... ... ... ... ... ... ... ... . والواقعة قبل لام مُعَلَّقة نحو: "قد نعلم إنه ليحزنك". فعدم وقوع المصدرية في هذه المواضع بيّن، فلذلك استديم فيها كسر إن. واللام المعلقة هي المسبوقة بفعل قلبي أو جار مجراه نحو: (والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون). وأنشد سيبويه: ألم تر إني وابنَ أسودَ ليلةً ... لَنَسْري إلى نارين يعلو سَناهما فلولا اللام لفتحت إن، كما فتحت في قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم). وفي: (شهد الله أنه لا إله إلا هو). وفي: (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض). ولو لم يسبق اللام فعل قلبي ولا جار مجراه لم يكن فرق بين وجود اللام وعدمها، فلذلك استحق الكسر بعد القسم

стр. 417

مع عدمِها في: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة). كما استحق مع وجودها في: (قل إي وربِّي إنه لحق). وكذا سائر المواضع الخمسة. وأشرت بقولي: "فإن لزم التأويل لزم الفتح" إلى لزومه في موضع القائم مقامه نحو: (قل أوحي إليَّ أنه استمع). وفي موضع ما ليس خبر اسم عين من منصوب فعل نحو: (ولا تخافون أنكم أشركتم). أو معطوف على منصوب بفعل نحو: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم). وفي موضع مجرور بحرف أو بإضافة نحو: (ذلك بأن الله هو الحق) و: (إنه لحقٌ مثلَ ما أنكم تنطقون). وأنشد سيبويه: تظلُّ الشمس كاسفةً عليه ... كآبةَ أنها فقدت عَقِيلا فتأويل المصدر في هذه المواضع وأشباهها لازم، فلذلك لزم الفتح. وذكر المصدر أولى من ذكر الاسم المفرد ليسلم من نحو: يحسبنا إنا بطاء، لأن إنّ فيه واقعة موقع مفرد، وفتحها ممتنع لامتناع قيام المصدر مقامها. وللزوم تأويل المصدر بعد لو ولولا لزم الفتح نحو: (ولو أنهم صبروا). ونحو: (فلولا أنه كان من المسبحين). ومنه قول الشاعر:

стр. 418

ولو أن قومي أنطقتني رماحُهم ... نطقتُ ولكنّ الرماح أجَرّت وقال آخر في لولا: لكم أمانٌ ولولا أننا حُرُم ... لم تُلْفِ أنفُسكم من حتفها وزرا وللزوم تأويل المصدر لزم الفتح بعد ما التوقيتية في قول العرب: لا أكلمه ما أن في السماء نجما، ولا أفعل ما أن حراء مكانه. الأول عن يعقوب، والثاني عن اللحياني، والتقدير: ما ثبت أن في السماء نجما، وما ثبت أن حراء مكانه. وأشرت بقولي: "وإلا فوجهان" إلى المواضع الصالحة لتقدير المصدر باعتبار، ولتقدير جملة باعتبار، فباعتبار تقدير المصدر تفتح، وباعتبار تقدير الجملة تكسر، فمن ذلك: أول قولي أني أحمد الله، يجوز أن يراد به: أول قولي حمد الله، فيلزم الفتح لتقدير المصدر. ويجوز أن يراد به: أول كلام أتكلم به هذا الكلام المفتتح بإني، فيلزم الكسر لثبوت تقدير الجملة، وعدم تقدير المصدر. ولا تصدق هذه العبارة بهذا القصد على حمد بغير هذا اللفظ الذي أوله إني. بخلاف عبارة الفتح فإنها تصدق على كل لفظ تضمن حمدا. ومن المستعمل بوجهين لإمكان تقديرين إنّ الواقعة بعد إذا المفاجأة كقول الشاعر: وكنت أُرَى زيدا كما قيل سيدا ... إذا إنه عبدُ القفا واللهازم روي بالكسر على عدم التأويل بمصدر، وبالفتح على تأويل أن ومعمولها بمصدر مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف. والأول أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف. ومن المستعمل بوجهين لإمكان تقديرين إنّ الواقعة بعد فاء الجواب نحو: من يأتني فإنه مكرم، من كسر جعل ما بعد الفاء جملة غير مؤولة بمصدر، كما لو قال: من يأتني فهو مكرم. ومن فتح جعل ما بعد الفاء في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء،

стр. 419

والخبر محذوف. والأول أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير محذوف كالواقعة بعد إذا، ولذلك لم يجئ في القرآن فتحٌ إلا مسبوق بأن المفتوحة، نحو: (ألم يعلموا أنه مَنْ يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم). فإذا لم تسبق أن المفتوحة فكسر إن بعد الفاء مجمع عليه من القراء السبعة نحو: (إنه مَنْ يأتِ ربه مجرما فإن له نار جهنم) و: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين). و: (ومن يعص الله ورسوله فإنه له نار جهنم). ومن المقروء بوجهين باعتبار التقدير مع تقدم أنّ المفتوحة قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم). قرأ بفتح الأولى والثانية ابن عامر وعاصم، وقرأ بفتح الأولى وكسر الثانية نافع، وقرأ بكسرهما ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي. وروى سيبويه في نحو: أما إنك ذاهب، الكسر على جعل أما استفتاحية بمنزلة ألا، والفتح على جعل أما بمعنى حقا. وإذا وليت أن حقا فتحت لأنها مؤولة هي وصلتها بمصدر مبتدأ، وحقا مصدر واقع ظرفا مخبرا به، ومنه قول الشاعر: أحقا أنّ جيرَتنا استقلوا ... فنِيَّتُنا ونيَّتُهم فريق تقديره عند سيبويه: أفي حقٍ أن جيرتنا استقلوا، فأما المفتوح بعدها أن كذلك. قلت: ويحتمل عندي أن يكونوا نصبوا حقا نصب المصدر الواقع بدلا من اللفظ

стр. 420

بفعله، وأنّ ما في موضع رفع بالفاعلية، كأنه قال: أحق حقا أن جيرتنا استقلوا، وتكون أما مع الفتح للاستفتاح أيضا، وأن تكون هي وما بعدها مبتدأ وخبر محذوف، كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب. وقد يقع بين أما وإنّ يمين، فيجوز أيضا الفتح على مرادفة أما حقا، والكسر على مرادفتها ألا ذكر ذلك سيبويه. وإذا وقعت بعد حتى كسرت إذا كانت حرف ابتداء، لامتناع تقدير مصدر في موضعها نحو قولك: مرض زيد حتى إنه لا يرجى. وإن كانت عاطفة أو جارة لزم الفتح لصحة تقدير مصدر مكانها نحو قولك: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، فلك أن تقدر موضع أن مصدرا منصوبا على أن تكون حتى عاطفة، ومجرورا على أن تكون جارة. وإذا وقعت بعد لا جَرَم فالمشهور الفتح، وبه قرأ القراء. قال الفراء: لا جرم، كلمة كثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقا، وبذلك فسرها المفسرون، وأصلها من جرمت أي كسبت. وتقول العرب: لا جرم لآتينّك، ولا جرم لقد أحسنت، فتراها بمنزلة اليمين. قلت: ولإجرائهم إياها مجرى اليمين، حكى عن بعض العرب كسر إن بعدها. وذكر ابن كيسان في نحو: والله إن زيدا كريم، بلا لام، أن الكوفيين يفتحون ويكسرون، والفتح عندهم أكثر. وقال الزجاجي في جمله: وقد أجاز بعض النحويين فتحها بعد اليمين، واختاره بعضهم على الكسر، والكسر أجود وأكثر في كلام العرب، والفتح جائز قياسا، كذا قال أبو القاسم. قلت: قد تقدم قوله: والكسر أجود وأكثر في كلام العرب، وهذه العبارة تقتضي أن يكون الفتح مستعملا في كلامهم استعمالا أقل من استعمال الكسر، ثم أشار إلى أن الفتح جائز قياسا. وليس كما قال، فإن الفتح يتوقف على كون المحل مغنيا فيه المصدر عن العامل والمعمول. وجواب القسم ليس كذلك. والكسر يتوقف على كون المحل محل جملة لا يغني عنها مفرد، وجواب القسم كذلك،

стр. 421

فوجب لأن الواقعة فيه الكسر قياسا، ولذلك اجتمعت القراء على كسر: (إنا أنزلناه) في أول الدخان، و: (إنا جعلناه) في أول الزخرف، مع عدم اللام، فإن ورد أن بالفتح في جواب قسم حكم بشذوذه، وحمل على إرادة على، وعلى ذلك يحمل قول الراجز: لتقْعُدِنّ مقعد القصيِّ ... مِنِّيَ ذي القاذورة المَقْلِيِّ أو تحلفي بربك العَلِيِّ ... أني أبو ذيّالك الصبي في رواية من رواه بالفتح، كأنه قال: على أني أبو ذيالك الصبي. فصل: ص: يجوز دخولُ لام الابتداء بعد إنّ المكسورة على اسمها المفصول، وعلى خبرها المؤخر عن الاسم، وعلى معموله مقدما عليه بعد الاسم، وعلى الفصل المسمى عمادا. وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما. ولا تدخل على حرف نفي إلا في ندور، ولا تدخل على أداة شرط، ولا فعل ماض متصرف خال من قد، ولا على معموله المتقدم خلافا للأخفش. وربما دخلت على خبر كان الواقعة خبرا لإن، ولا على جواب الشرط خلافا لابن الأنباري، ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر خلافا للكسائي. وقد يليها حرف التنفيس خلافا للكوفيين، وأجازوا دخولها بعد لكنّ، ولا حجة فيما أوردوه لشذوذه، وإمكان الزيادة كما زيدت مع الخبر مجردا، أو معمولا لأمسى أو زال أو رأى أو أنّ أو ما. وربما زيدت بعد إن قبل الخبر المؤكد بها، وقبل همزتها مبدلة هاء مع تأكيد الخبر أو تجريده. فإن صحبت بعد إنَّ نونَ توكيد أو ماضيا متصرفا عاريا من قد نوى قسم وامتنع الكسر. ش: لام الابتداء هي المصاحبة للمبتدأ توكيدا نحو: لزيد منطلق، وهي غير

стр. 422

المصاحبة جواب القسم لدخولها على المقسم به في نحو: لعمرك، وليمن الله، والمقسم به لا يكون جواب قسم. ولاستغنائها عن نون التوكيد في نحو: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة). والمصاحبة جواب القسم لا تستغني في مثل: ليحكم، عن نون التوكيد إلا قليلا. ولما كان مصحوب اللام في الأصل المبتدأ، وكان معنى الابتداء باقيا مع دخول إن، اختصت بدخولها معها لذلك، ولتساويهما في التوكيد، وحَسُن اجتماع توكيدين بحرفين كما حسن اجتماعهما باسمين في نحو: (فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون). وموضعها في الأصل قبل إن، لأنها تعلق أفعال القلوب، وهي أقوى عملا من إن، فلو أخرت ولم ينو تقديمها لعلقت إن، وإلا لزم ترجيحها على أفعال القلوب. وأزيلت لفظا عن موضعها الأصلي، فأوْلَوْها إنّ مجعولا همزتها هاء. ولكون اللام في الأصل للمبتدأ قدم اتصالها به عن اتصالها بغيره، وبينت أن ذلك مشروط بفصل الاسم من إن، ولا فرق بين الفصل بالخبر نحو: إن عندك لزيدا، وبين الفصل بمعمول الخبر نحو: إن فيك لزيدا راغب. ولم أقيد تأخير الخبر بقرب ليعلم أن بعده لا يضر، كقول الشاعر: وإني على أن قد تجشمت هجرها ... لِما ضَمِنَتْني أمُّ سَحْر لَضامن وكقول الآخر: وإن امرأ أمسى ودون حبيبه ... سواسٌ فوادي الرسِّ فالهَمَيان لمُعْتَرِفٌ بالناي بعد اقترابه ... ومعذورة عيناه بالهَمَلان فلو كان الخبر منفيا لم يجز اتصالها به، لأن أكثر النفي بما أوله لام، فكره دخول

стр. 423

لام على لام، ثم جرى النفي على سنن واحد، فلم يؤكد بلام خبر منفي إلا في نادر من الكلام، كقول الشاعر: وأعلم إن تسليما وتركا ... للا متشابهان ولا سواءُ أنشده أبو الفتح بن جني في المحتسب. وقيدت دخولها على الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم تنبيها على امتناع: إن لعندك زيدا، وإن غدا لعندنا زيدا. وقيدت دخولها على معمول الخبر بكونه مؤخرا عن الاسم مقدما عن الخبر، لأن المعمول كجزء من العامل، فإذا قدم كان كالجزء الأول، وإذا أخر كان كالجزء الآخر، فلذلك جاز: إن زيدا لطعامك آكل، وامتنع: إن زيدا آكل لطعامك. ومثال: إن زيدا لطعامك آكل، قول الشاعر: إن امرأ خصني عَمْدًا مودّته ... على التنائي لعندي غير مكفور ومن مواضع هذه اللام الفصل المسمى عمادا، كقوله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق). وجاز أن تدخل عليه لأنه مقو للخبر، برفعه توهم السامع كون الخبر تابعا، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، فحسن دخولها عليه لذلك. وإذا كان الخبر المؤكد بها جملة اسمية فمحل اللام منها صدرها، كقول الشاعر: إنّ الكريم لَمَنْ يرجوه ذو جِدَة ... وإن تعذر إيسار وتنويل وهذا هو القياس، لأن صدر الجملة الاسمية كصدر الجملة الفعلية، ومحل اللام في الجملة الفعلية صدرها، فكذا من الجملة الاسمية، وقد شذ دخولها على ثاني جزأي الجملة الاسمية في قوله:

стр. 424

فإنك مَنْ حاربته لمُحارَبٌ ... شقيٌّ ومن سالمْتَه لسعيد ومثله: إن الأُلى وُصِفوا قومي لهم فبهم ... هذا اعتصم تَلْقَ مَنْ عاداك مخذولا وإلى مثل هذا أشرت بقولي: وأول جزأي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما. وأشرت بقولي: وربما دخلت على خبر كان الواقعة خبرا لإنّ إلى ما في بعض نسخ البخاري من قول أم حبيبة ﵂: "إني كنت عن هذا لغنية". ثم بينت أن الخبر إذا كان جملة شرطية لم تدخل عليه اللام لا في صدره ولا في عجزه، ونبهت على أن أبا بكر الأنباري أجاز دخولها على جواب الشرط، والمانع من دخولها على أداة الشرط خوف التباسها بالموطئة للقسم فإنها تصحب أداة الشرط كثيرا، نحو: (لئن لم يرحمْنا ربُّنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين). فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحق المؤكِّد ألا يلبس بغير مؤكد. ولما كان الجواب غير صالح للموطئة أجاز ابن الأنباري أن تلحقه لام الابتداء، إلا أن ذلك غير مستعمل، فالأجود ألا يحكم بجوازه. ولا تدخل هذه اللام على فعل ماض إلا إن كان مقرونا بقد، أو كان غير متصرف، وذلك لأنها في الأصل للاسم، فدخلت على الفعل المضارع لشبهه به، ولم تدخل على الماضي لعدم الشبه، فإن قرن بقد قربته من الحال فأشبه المضارع، فجاز أن تلحقه نحو: إنك لقد قمت. وإن كان الماضي غير متصرف كنعم جاز أن تلحقه، لأنه يفيد الإنشاء، والإنشاء

стр. 425

يستلزم الحضور، فيحصل بذلك شبه المضارع، فجاز أن يقال: إن زيدا لنعم الرجل. وأجاز الأخفش دخول هذه اللام على معمول الفعل الماضي مقدما عليه نحو: إن زيدا لطعامَك أكل. ومنعُ ذلك أولى، لأن دخول اللام على معمول الخبر فرع دخولها على الخبر، فلو دخلت على معموله مع أنها لا تدخل عليه بنفسه لزم ترجيح الفرع على الأصل. وحكى ابن كيسان عن الكسائي: إن كل ثوب لو ثمنه. وأجاز البصريون: إن زيدا لسوف يقوم، ولم يجزه الكوفيون، ولا مانع من ذلك فجوازه أولى. وأجاز الكوفيون دخول هذه اللام بعد لكن اعتبارا ببقاء معنى الابتداء معها، كما بقي مع إنّ، واحتجوا بقول بعض العرب: ولكنني من حُبِّها لعَمِيد ولا حجة لهم في ذلك، أما الأولى فلأن اللام لم تدخل بعد إن لبقاء معنى الابتداء فحسب، بل لأنها مثلها في التوكيد، ولكن بخلاف ذلك. ولأن معنى الابتداء مع لكن لم يبق كبقائه مع إن، لأن الكلام الذي فيه إن غير مفتقر إلى شيء قبله، بخلاف الذي فيه لكن فإنه مفتقر إلى الكلام قبله. فأشبهت أن المفتوحة المجمع على امتناع دخول اللام بعدها. وأما: ولكنني من حبها لعميد فلا حجة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة، ولا قائل، ولا راو عدل يقول: سمعت من يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية من الضعف. ولو صح إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجه، فجعل أصله: ولكن إنني، ثم حذفت همزة إن ونون لكن، وجيء باللام في الخبر لأنه خبر إن، أو حمل على أن لامه زائدة كما زيدت
следующие страницы →