Полный текст (1 399 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قبلك إلا رجالا نُوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزّبر) أي أرسلناهم بالبيّنات فهذا مثال تأخر المجرور، ومثال تأخر المنصوب قول الشاعر:
وما كَفَّ إلا ماجدٌ ضَيْرَ بائِسِ ... أمانيُّه منه أُتيحتْ بلا مَنِّ
أي إلا ماجد كفّ ضير بائس. ومثال تأخر المرفوع قول الشاعر:
تزَوّدت من ليلى بتكليم ساعةٍ ... فما زادني إلا غراما كلامُها
ومثله قول الآخر:
وهل يُنبت الخَطّيَّ إلا وَشيجُه ... وتُغرسُ إلا في منابتها النَّخْلُ
ومثله ما أنشد سيبويه من قول الآخر:
مَشائِيمُ ليسوا مصلحين عشيرةَ ... ولا ناعبٍ إلا ببيْن غُرابها
وأجاز الكسائي الأوجه الثلاثة على تعليق المعمولات بما قبل إلا، ووافقه ابن الأنباري في المرفوع خاصة. وفرّق بينه وبين غيره بأن قال: الدليل يقتضي ألا يتأخر مرفوع ولا غيره، لأن مسائل الاستثناء المفرَّغ فيها العامل لما بعد إلا حقيقة بأن تختم بالمستثنى. فإن كان الواقع بعده مرفوعا نُوي تقديمه واتصاله برافعه لأنه كجزء منه، وتأخره لفظا لا يمنع أن ينوى تقديمه فإنه الأصل. ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختوما به، وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه، لأنه
стр. 702
متأخر بالأصالة وقد وقع في موضعه فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظا ولا تقديرا.
فصل: ص: يستثنى بحاشا وخلا وعدا، فيجررن المستثنى أحرفا، وينصبنه أفعالا. ويتعيّن الثاني، لخلا وعدا بعد "ما" عند غير الجرمي. والتزم سيبويه فعلية عدا وحرفية حاشا. فإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها خلافا للمبرد، بل اسميتُها لجواز تنوينها وكثر فيها حاشا وقلّ حشا وحاشْ. وربما قيل ما حاشى، وليس أحاشي مضارع حاشا المستثنى بها خلافا للمبرد. والنصب في (ما النساءَ وذكرَهُنَّ) بعدا مضمرة خلافا لمن أوّل "ما" بإلا.
ويستثنى بليس ولا يكون فينصبان المستثنى خبرا واسمها وبعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثة. وقد يوصف على رأي المستثنى منه منكرا أو مصوب "أل الجنسية" بليس ولا يكون، فيلحقهما ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة.
ش: من أدوات الاستثناء "حاشا وعدا وخلا" والمستثنى بهن منصوب أو مجرور، فإن كان منصوبا فهن أفعال مستحقة منع التصرّف لوقوعها موقع الحروف وتأديتها معناها. وإن كان المستثنى بهنّ مجرورا فهن أحرف جر.
وكون "حاشا" حرفا جارا هو المشهور، ولذلك لم يتعرّض سيبويه لفعليتها والنصب بها، إلا أنّ ذلك ثابت بالنقل الصحيح عمّن يوثق بعربيته، فمن ذلك قول بعضهم: "اللهم اغفر لي ولمن سمعني حاشا الشيطان وأبا الأصبغ". رواه أبو
стр. 703
عمرو الشيباني وغيره. وقال الأخفش: وأما حاشا فقد سمعت من ينصب بها، وأنشد ابن خروف في شرح الكتاب:
حاشا قُرَيْشًا فإن اللهَ فضّلهم ... على البريّة بالإسلام والدِّين
وتعصّب بعض المتأخرين مانعا فعلية حاشا بقول بعض العرب: حاشاي ولم يقل حاشاني وأنشد:
في فتيةٍ جعلوا الصليب إلههم ... حاشايَ إنِّي مسلمٌ معذورُ
والجواب أن هذا ورد على استعمالها حرفا، لأنه أكثر من استعمالها فعلا. ولو أن من قال حاشا الشطان فنصب بها دعته حاجة إلى استثنائه نفسه قاصدا للنصب لقال حاشاني كما يقال عساني. وإنما نظرت حاشا بعسى لتساويهما في عدم التصرّف وتأدية كل واحد منهما معنى حرف، وكما قيل في عدا عداني كقوله:
تملُّ الندامَى ما عداني لأنّني ... بكلِّ الذي يهوى نَديمي مُولَعُ
وأجاز الفراء نصب المستثنى بحاشا وخفضه وقال: إذا استثنيت بما عدا وما خلا ضميرا لمتكلم قلت: ما عداني وما خلاني. ومن نصب بحاشا قال حاشاني، ومن خفض قال حاشايَ. وهذا نصّه. وقال بعض المتعصبين أيضا: لو كانت حاشا فعلا لجاز أن يوصل بها "ما" كما وُصلت بعدا وخلا. وهذا غير لازم، فإن من أفعال هذا الباب "ليس ولا يكون" ولم توصل "ما" بهما، وأيضا فإن الدليل يقتضي ألا توصل "ما" وغيرها من الحروف الموصولة بالأفعال إلا بفعل له مصدر مستعمل حتى يُقَدَّر الحرف وصلته واقعين موقع ذلك المصدر. ومعلوم أن أفعال هذا الباب ليس لها مصادر مستعملة. فإذا وُصل ببعضها حرف مصدري فهو على خلاف الأصل فلا يُبالى بانفراده بذلك، فيقال لمَ لمْ يوافقْه غيره، فإن موافقته تكثير
стр. 704
للشذوذ، ومخالفته استمرار على مقتضى الدليل، على أنه قد قيل ما حاشا في حديث ابن عمر من مسند أبي أمية الطرسُوسيّ عن ابن عمر قال "قال رسول الله ﷺ : أسامةُ أحبُّ الناسِ إليّ ما حاشا فاطمةَ". ومن ورود الجر بحاشا وإن كان هو المجمع عليه قول الشاعر:
حاشا أبي ثوبان إنَّ به ... ضَنًّا عن المَلْحاةِ والشَّتْمِ
كذا أنشده أكثر النحويين والصحيح:
حاشا أبي ثوبان إن أبا ... ثوبان ليس ببكمةَ فَدْمِ
عمرو بن عبد الله إن به ... ضنا عن الملحاة والشتم
والبيتان للجميح الأسديّ، وقبلهما:
وبنو رواحة ينظرون إذا ... نظر النديُّ بآنف خُثْم
ثم استثنى فقال حاشا أبي ثوبان. وقال المرزوقي رواه الضَّبيّ: حاشا أبا ثوبان، بالنصب.
وإذا وليها مجرور باللام فارقت الحرفية بلا خلاف، إذ لا يدخل حرفُ جر على حرف جرّ. وإذا لم تكن حرفا فهي إما فعل وإما اسم، فمذهب المبرد أنها حينئذ فعل والصحيح أنها اسم، فينتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل. فمن قال "حاشى الله" فكأنه قال تنزيها لله.
ويؤيد هذا قراءة أبي السمّال "حاشًى لله" بالتنوين، فهذا مِثل قولهم رعْيًا
стр. 705
لزيد. وقرأ ابن مسعود "حاشى الله" بالإضافة، فهذا مثل سُبْحانَ الله ومعاذَ اللهِ. وأما القراءة المشهورة "حاشى لله" بلا تنوين. فالوجه فيها أن يكون حاشا مبنيا لشبهه بحاشى الذي هو حرف، فإنه شبيه به لفظا ومعنى فجرى مجراه في البناء كما جرى "عن" في قوله: - من عن يميني تارة وأمامي ? مجرى عن في نحو رويت عن زيد وأعرضت عن عمرو. وقيل حاشا كثيرا وحاشا قليلا. واستدل المبرد على فعلية حاشا بقول النابغة: ولا أحاشِي من الأقوام من أحد
وهذا منه غلط لأن حاشا إذا كانت فعلا وقُصد بها الاستثناء فهي واقعة موقع إلا ومؤدية معناها، فلا تتصرف كما لا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف، لأن فيها مع مساواتها الأربع شبها بحاشا الحرفية لفظا ومعنى.
وأما أحاشي فمضارع حاشيت بمعنى استثنيت وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشى المستثنى بها كما اشتق سوّفت من لفظ سوف، ولويت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيّهت من لفظ أيّها، وأمثال ذلك كثيرة. وفعلية عدا أشهر من حرفيتها ولذلك قال سيبويه: "وما جاء من الأفعال فيه معنى إلا فلا يكون وليس وعدا وخلا" ثم قال: وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة وليس باسم فحاشا وخلا في بعض اللغات. وسوَّى المبرّد بين خلا وعدا في الفعلية ثم قال: وقد تكون خلا حرف خفض فتقول حاشى القوم خلا زيد مثل سوى زيد. وأنشد غيرهما في حرفية عدا والخفض بها:
стр. 706
تركنا في الحضيض بنات عَوْجٍ ... عواكفَ قد خَضَعن إلى النُسورِ
أبحنا حَيَّهم، قَتْلا وأسْرا ... عدا الشَّمْطاءِ والطفلِ الصغيرِ
ومن النصب بها وإن كان هو المشهور قول الراجز:
يا مَن دحا الأرضَ ومن طحاها ... أنزِلْ بهم صاعقةً أراها
تحرّق الأحشاءَ من لظاها ... عدا سُلَيْمى وعدا أباها
ومن الجر بخلا قول الشاعر:
خلا اللهِ لا أرجو سواكَ وإنما ... أعُدُّ عيالي شُعْبةَ من عيالكا
هكذا رواه من يوثق بعربيته خلا الله، بالجر. واتفق النحويون إلا أبا عمرو والجرمي على وجوب نصب المستثنى بما عدا وما خلا كقول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
لأن "ما" مصدرية، ولا يليها حرف جر، وإنما توصل بجملة فعلية، وقد توصل بجملة من مبتدأ وخبر. وروى الجرميّ عن بعض العرب جرّ ما استثني بما عدا وما خلا، والوجه فيه أن تُجعل ما زائدة وعدا وخلا في حرفي الجرّ، وفيه شذوذ، لأنّ ما إذا زيدت مع حرف جر لا تتقدّم عليه، بل تتأخّر عنه نحو (فبِما رحمةٍ) و (عمّا قليل).
ومن كلام العرب: "كل شيء مهه ما النساءَ وذَكرهن" ومعناه: كل شيء يسير ما عدا النساء وذكرهن. فحذفوا عدا وأبقوا عملها. وزعم بعض الناس أن "ما" ههنا بمعنى إلا وليس بشيء.
стр. 707
وليس ولا يكون المستثنى بهما هما الرافعان الاسم الناصبان الخبر، فلذا يجب نصب ما استثنى بهما لأنه الخبر، ولوقوعهما موقع إلا التزم حذف اسمهما لئلا يفصلهما من المستثنى فيجهل قصد الاستثناء. ومن شواهد الاستثناء بليس قول النبي ﷺ : "يُطْبع المؤمنُ على كل خُلُق ليس الخيانة والكذبَ" أراد إلا الخيانة والكذب، فأوقع ليس موقع إلا، [وتقول قام القوم ليس زيدا] وأصله: ليس بعضهم زيدا، وكذلك إذا قلت قاموا لا يكون زيدا، معناه إلا زيدا، وأصله لا يكون بعضهم زيدا. وكذا يقدّر أكثر النحويين فاعل عدا وخلا، وفيه ضعف؛ لأن قولك قاموا عدا زيدا إن جُعل تقديره جاوز بعضهم زيدا لم يستقم، إلا بأن يراد بالبعض مَن سوى زيد، وهذا وإن صحّ إطلاق البعض على الكل إلا واحدا فلا يحسن لقلته في الاستعمال.
فالأجود أن يجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيقدّر قاموا عدا زيدا، جاوز قيامهم زيدا ويستمرّ على هذا السنن أبدا إذا دعتْ إليه حاجة. وأما المرفوع بليس ولا يكون فلا يقدّر إلا بعضا مضافا إلى ضمير المستثنى منه، فلذلك لا يختلف اللفظ بهما، فيقال جاءني القوم لا يكون زيدا وأتوني ليس عمرا، ومررت بالنساء لا يكون فلانة وليس فلانة، والتقدير لا يكون بعضهم زيدا وليس بعضهم عمرا، ولا يكون بعضهم فلانة وليس بعضهم فلانة. وهذا هو القياس؛ ألا يتحمّل ليس ولا يكون ضميرا يطابق ما تقدّم، لأن الاستثناء مقدّر الاستئناف. وإن جعلتهما وصفا للمستثنى منه ألحقتهما ما يلحق الأفعال المتصرفة إذا وصفت بها من ضمير يطابق الموصوف ومن علامة تأنيث إن كان مؤنثا، ولا يكون الموصوف إلا نكرة أو معرّفا تعريف الجنس لا تعريف العهد، وذلك قولك أتتني امرأة لا تكون فلانة، وأتاني القوم ليسوا إخوتك، وهما من أمثلة أبي العباس مثّل بهما بعد أن قال: وإن جعلته وصفا فجيّد. وكان الجرميّ يختاره.
فصل: ص: يستثنى بغير، فتجرّ المستثنى معربةً بما له بعد إلا، ولا يجوز فتحها مطلقا لتضمّن معنى إلا خلافا للفراء. بل قد تفتح في الرفع والجر لإضافتها إلى
стр. 708
مبنيّ واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز. ويساويها في الاستثناء المنقطع "بَيْدَ" مضافا إلى أنّ وصلتها وتساويها مطلقا سوى، وينفرد بلزوم الإضافة لفظا، وبوقوعه صلة دون شيء قبله.
والأصحّ عدم ظرفيته ولزومه النصب، وقد تضم سينُه. وقد تفتح ويمد وقد يقال ليس إلّا، وليس غيرُ، وغيرَ، إذا فهم المعنى، وقد ينوّن، وقد يقال ليس غيرُه وغيرَه ولم تكن غيره وغيره وفاقا للأخفش. والمذكور بعد "لا سيَّما" منبّه على أولويته بالحكم لا مستثنى. فإن جُرّ فبالإضافة وما زائدة، وإن رُفع فخبر مبتدأ محذوف، وما بمعنى الذي، وقد توصل بظرف أو جملة فعلية. وقد يقال لا سيما بالتخفيف، ولا سواء ما.
ش: الاستثناء بغير حُمل على إلّا، والوصف بها هو الأصل. والاستثناء بإلا هو الأصل. والوصف بها وما بعدها حمل على غير، ولذلك لا يحكم على غير بأنها مستثنى بها حتى يكون موضعها صالحا لإلّا، فتقدّر إلا في موضعها وتنظر ما يستحقه الواقع بعدها من نصب لازم أو نصب مرجَّح عليه الإتباع، أو تأثر بعامل مفرّغ فتعطاه غير ويجرى هو على مقتضى الإضافة، فتقول جاءني القوم غيرَ زيد، بنصب لازم، وما جاءني أحد غيرُ زيد بنصب مرجح عليه الإتباع، وما لزيد علم غير ظنّ، بنصب مرجّح على الإتباع. وما جاءني غيرُ زيد بإيجاب التأثر بالعامل. فتفعل بغير ما كنت تفعل بالواقع بعد إلا.
وقد سبق تبيين الخلاف في نصب "غير" وترجيح كونها إذا نصبت حالا يؤدى معنى الاستثناء فأغنى ذكرُه ثَمَّ عن إعادته هنا. وأجاز الفراء بناء "غير" على الفتح عند تفريغ العامل، سواء كان المضاف إليه معربا أو مبنيا، فيقال على رأيه: ما جاء غيرَ زيد وما جاءك أحد غيرَك ولم يذكر في الاحتجاج لذلك من كلام العرب غير مضاف إلى مبني، وكان حامله على العموم جعل سبب البناء تضمّن غير معنى إلّا، وذلك عارض فلا يُجعل وحده سببا. بل إذا أضيف غير إلى مبني جاز بناؤها، صلح موضعها لإلا أو لم يصلح، لكن بناءها إذا أضيفت إلى مبني وصلح موضعها لإلا أقوى من بنائها إذا أضيفت إلى مبني ولم يصلح موضعها لإلا، فمثال الأول قول
стр. 709
الشاعر:
لم يَمْنعْ الشرْب منها غيرَ أنْ نطقتْ ... حمامةٌ في غُصونٍ ذاتِ أوقالِ
ومثال الثاني قول الشاعر:
لُذْ بقَيْسٍ حين يأبى غيرَه ... تُلْفِه بَحْرًا مُفِيضا خَيْرَه
وقولي "واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز" أشرت به إلى قول سيبويه: زعم الخليل ويونس أنه يجوز ما أتاني غير زيدٍ وعمرٌو، والوجه الجرّ، وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه محمولة على الموضع كما قال: فلَسْنا بالجبال ولا الحديدا
فلما كان في موضع إلا زيد وكان معناه كمعناه حملوه على الموضع. والدليل على أنك إذا قلت غير زيد فكأنك قلت إلا زيد أنك تقول ما أتاني غير زيد وإلا عمرو.
قلت إذا قيل ما أتاني غير زيد وعمرو بالرفع فلا يخلو أن يحكم لغير هنا بحكم إلا وتنزل منزلتها أوْلا. فإن لم يحكم لها بحكم إلا فسد المعنى المراد، وذلك أن المراد
стр. 710
إدخال زيد وعمرو في الإتيان، وأن يقال ما أتاني غير هذين، فإن لم تجعل غير بمنزلة إلا ورفع عمرو كان المعنى إخراجه من الإتيان وكأنه قيل ما أتاني غير زيد، وما أتاني عمرو. والمراد خلاف ذلك، فلزم ألا يصح المعنى حتى تنزّل "غير" منزلة "إلا" ويُعرب "عمرو" بإعراب ما بعد إلا وبإعراب ما بعد غير لا بإعرابها نفسه.
ومثال مساواة "بَيْدَ" لغير في الاستثناء المنقطع قول النبي ﷺ "أنا أفْصَح من نطق بالضاد بَيْد أني من قريش، واستُرضعت في بني سَعْد".
وقولي "وتساويها مطلقا "سوى" أردت بذلك أن سوى يستثنى به كما يستثنى بغير استثناء متصلا نحو قاموا سوى زيد، ونحو قول الشاعر:
كلُّ سعيٍ سوى الذي يُورث الفَوْ ... زَ فعُقْباه حسرةٌ وخَسارُ
واستثناء منقطعا كقوله:
لم ألْف في الدار ذا نُطْقٍ سوى طَلَلٍ ... قد كاد يعفو وما بالعهد مِن قِدَمِ
وتُساويها أيضا في الوصف بها كقول الشاعر:
أصابَهم بَلاءٌ كان فيهم ... سوى ما قد أصاب بني النَّضيرِ
وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرَّغة رافعةً وناصبةً وخافضةً في نثر ونظم كقول النبي ﷺ "دعوتُ ربّي ألا يُسَلِّط على أمّتي عدوّا من سِوى أنفسهم" وقوله "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشَعرة البيضاء في جلد الثور الأسود
стр. 711
وكالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض". وكقول بعض العرب: أتاني سواكَ، رواه الفراء. ومن أمثلته أتيت سواك أي غيرِك، وكقول أبي دواد:
وكلُّ مَن ظنَّ أنّ الموتَ مُخطِئُه ... معلَّلُ بسواء الحقِ مَكْذُوبُ
وكقول الآخر:
أأتركُ ليلى ليسَ بيني وبينها ... سوى ليلةٍ إنّي إذَنْ لصَبُورُ
وكقول الآخر:
ولديك كفيلٌ بالمنى لمؤمِّل ... وإن سواكَ مَن يُؤمِّلُه يَشْقَى
وكقول الآخر:
وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرى ... فسواك بائِعُها وأنت المُشتري
وكقول الآخر:
ذِكْرك اللهَ عند ذكرِ سواه ... صارفٌ عن فؤادِك الغفلاتِ
وكقول الآخر:
فلمّا صَرَّح الشَّرُّ ... فأمْسَى وهْو عُرْيانُ
ولم يَبْقَ سوى العُدْوا ... نِ دِنّاهُم كما دانُوا
وجعل سيبويه سوى ظرفا غير متصرف فقال في باب ما يحتمل الشعرُ مما لا يُحتمل في غيره: "وجعلوا ما لا يجري من الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء
стр. 712
وذلك قول المرار العجليّ:
ولا يَنْطقُ الفحشاءَ مَن كان منهم ... إذا جلسوا مِنّا ولا مِن سوائنا
ثم قال: "فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غير".
قلت: قد صرّح سيبويه بأن معنى سواء معنى غير، فلذلك يستلزم انتفاء الظرفية كما هي منتفية عن غير، فإن الظرف في العُرْف ما ضُمّن معنى "في" من أسماء الزمان أو المكان، وسوى ليس كذلك فلا يصح كونه ظرفا. وإن سُلِّم كونه ظرفا لم يُسلَّم لزوم الظرفية للشواهد التي تقدّم ذكرها نثرا ونظما، فإن تعلّق في ادعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك، فوصلوا الموصول بسواك وَحْدَه كما وصلوه بعِنْدي ونحوه من الظروف.
فالجواب أن يقال لا يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا، فإن حرف الجر يعامل معاملة الظرف ولم يكن بذلك ظرفا، وإن سُمّي ظرفا فمجاز، وإن أُطلق على "سوى" ظرف إطلاقا مجازيا لم يمتنع. وإنما يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة. وإن كان ذلك مع عدم التصرف فامتناعه أحقُّ.
فإن قيل فلِمَ استُجيز الوصل بسوى ولم يُستجر بغير وهما بمعنى واحد، فعن ذلك جوابان: أحدهما أن هذا من النوادر كنصب "غُدْوةً" بعد "لدُنْ" وكإضافة "ذي" إلى تسلم في قولهم: اذهبْ بذي تَسْلَم. والثاني أن سوى لازمة الإضافة لفظا ومعنى فشبّه بعند وَلدي في ذلك مع كثرة الاستعمال، فعُومِل بالوصل به معاملتهما، ولم تعامل "غير" هذه المعاملة، لأنها قد تنفك عن الإضافة لفظا.
فإن قيل: فما موضع سوى من الإعراب بعد الموصول؟ قلت يحتمل أن يكون موضعه رفعا على أنه خبر مبتدأ مضمر، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على أنه حال، وقبله ثبت مضمرا، كما أضمر قبل أنّ في قولهم: "لا أفعل ذلك ما أنّ حِراء مكانه". ويقوّي هذا الوجه قول مَن قال: رأيت الذي سواكَ، بالنصب، ونظيره أيضا
стр. 713
قولهم: "كل شيء مههٌ ما النساءَ وذِكْرهنّ" ولنا أن نجعل سواك بعد الموصول خبر مبتدأ محذوف، على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبني كما فعل ذلك بغير في قوله:
لُذْ بقيْس حين يأبَى غيره ... تلْفه بحرا مفيضا خيره
وقد يكتفى بإلا وبغير عن المستثنى إذا عُرف المعنى. ولم تستعمل العرب ذلك بعد غير "ليس" فيقال: قبضت عشرة ليس إلا، وليس غيرُ وغيرَ: فالأول على تقدير ليس غيرُ ذلك مقبوضا، والثاني على تقدير: ليس المقبوض غيرَ ذلك. ومن هذا القبيل قول سيبويه في باب مجاري أواخر الكلم من العربية: "وأما الفتح والكسر [والضم] والوقف فللأسماء [غير] المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم [ولا فعل] مما جاء لمعنى ليس غير"
وذكر ابن خروف أنه رُوي مضموم الراء ومفتوحها، والأخفش يراه معربا في الحالين، ويرى أن التنوين نُزع للإضافة، لأن المضاف إليه ثابت في التقدير، وذكر أن بعض العرب ينوّن غيرا لأنه في اللفظ غير مضاف. قال السيرافي: وينبغي أن يكون تنوينه على وجهين: الرفع والنصب. قلت: تنوين "غير" يؤول على أنه معرب، لأن تنوينه إما للصرف، وإما للتعويض من المضاف إليه. وأيهما كان لزم كون ما هو فيه معربا، لأن تنوين الصرف لم يلحق مبنيّا، وتنوين العِوَض يوجب للمنوّن ماله مع المضاف إليه من بناء أو إعراب، لأنه قام مقامه، ولذلك حُكم ببناء "إذْ" وإعراب "كل وبعض".
وذهب المبرد وأكثر المتأخرين إلى بناء غير في: ليس غير، لشبهها بقبْلُ وبعْدُ
стр. 714
في الإبهام والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه. وأجاز الأخفش أن يقال ليس غيرُه وغيرَه، ولم يكن غيرُه وغيرَه في موضع ليس غيرُ، وماله على ذلك دليل غير القياس.
قال السيرافي: الحذف الذي استعملوه بعد إلا وغير إنما يستعمل إذا كانت إلا وغير بعد ليس ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف.
ومن النحويين من جعل "لا سيّما" من أدوات الاستثناء. وذلك عندي غير صحيح، لأن أصل أدوات الاستثناء هو إلا، فما وقع موقعه وأغنى عنه فهو من أدواته، وما لم يكن كذلك فليس منها.
ومعلوم أن إلا تقع موقع حاشا وعدا وخلا وليس ولا يكون وغير وسوى وغير ذلك مما لم يختلف في الاستثناء به. فوجب الاعتراف بأنه من أدواته، ولا سيّما بخلاف ذلك فلا يعدّ من أدواته، بل هو مضادّ لها، فإن الذي يلي لا سيما داخل فيما قبله ومشهود له بأنه أحق بذلك من غيره، وهذا المعنى مفوهم بالبديهة من قول امرئ القيس:
ألا رُبَّ يومٍ صالحٍ لكَ منهما ... ولا سيَّما يومٌ بدارة جُلْجُل
فلا تردّد في أن مراده دخول يوم "دارة جلجل" فيما دخلت فيه الأيام الأخر من الصلاح وأنّ له مزية. وهذا ضد المستفاد بإلا. فلا سبيل إلى إلحاق "لا سيما" بأدوات الاستثناء.
وإذا ثبت هذا فلْتعلمْ أن "لا" من لا سيما هي العاملة عمل إنّ وسيّ اسمها وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة لأنه كمثل معنى وحكما و"ما" بعده زائدة إن جُرّ ما يليها.
стр. 715
وبمعنى الذي إن رُفع، وهو حين يُرفع خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة "ما". وحسّن حذف هذا المبتدأ ما حصل من الاستطالة بذكر دارة جلجل. ويجوز أن تجعل "ما" عوضا من المضاف إليه، ويوما منصوبا على التمييز، كما كان ينتصب بعد ذكر مضاف إليه كقولك لي مثلُه يوما وكقولهم على التمرة مثلُها زُبْدا. أشار إلى هذا الوجه الفارسيّ واستحسنه أبو علي الشلوبين ولا بأس به في كل ما وقع بعد لا سيما من صالح للتميز.
ويجوز أن يجعل "يوما" من البيت المذكور منصوبا على الظرف ويكون صلة لما، وبدارة جلجل صفة ليوما أو متعلقا به لما فيه من معنى الاستقرار. ويجوز أن يجعل بدارة جلجل صلة ما ويوما منصوبا لما فيه من معنى الاستقرار، فإن ما المذكورة قد توصل بظرف كقولك يعجبني الاعتكافُ ولا سيّما عند الكعبة، والتهجّد ولا سيّما قربَ الصبح. وقد توصل بجملة فعلية كقولك: يعجبني كلامُك لا سيما تَعِظُ به، فمن الأول قول الشاعر:
يَسُرُّ الكريمَ الحمدُ لا سيَّما لدى ... شهادةِ مَن في خيره يَتقلَّبُ
ومن الثاني قوله:
فُقِ الناس في الحمْد لا سِيّما ... يُنيلُك من ذي الجلال الرِضا
وقد تخفف "لا سيَّما" كقول الشاعر:
فِهْ بالعقود وبالأيمانِ لا سِيَما ... عَقْدٌ وفاءٌ به من أعظمِ القُرَبِ
стр. 716
وقد يقال: لا سواما، بمعنى لا سيِّما.
كمل السِّفر الأول من شرح تسهيل الفوائد لمصنّفه جمال الدين بن مالك رحمة الله عليه. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كثيرا
стр. 717
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب
باب الحال
ص: وهو ما دل على هيئة وصاحبها، متضمنا ما فيه معنى "في" غير تابع ولا عمدة، وحقه النصب، وقد يجر بباء زائدة.
ش: ما دل على هيئة يعم الحال نحو: جئت ماشيا، وبعض الأفعال نحو تربّعت وبعض أسماء المعاني نحو: رجعت القهقرى، وبعض الأخبار نحو زيد متكئ، وبعض النُعوت نحو مررت برجل راكب. فخرج بعطف صاحبها الفعل وأسماء المعاني وخرج بتضمن معنى "في" ما ليس معناها في نفسه، ولا في جزء مفهومه، مما هو دال على هيئة وصاحبها نحو بنيت صومعة. وخرج بتخصيص معنى في مما تضمنه المذكور، ما معنى في لمجموعه لا لجزء مفهومه نحو دخلت الحمام، فإن معناه دخلت في الحمام، فليس بعض الحمام أولى بفي من بعض، بخلاف قولك جئت ماشيا، وزيد متكئ، ومررت برجل متكئ، فإن معناه جئت في حال مشي، وزيد في حال اتكاء، ومررت برجل في حال اتكاء، فمعنى في مختص بجزء مفهوم المذكور، فشارك الحال في هذا المعنى بعض الأخبار وبعض النُعوت، فأخرجتهما بقولي "غير تابع ولا عمدة".
ولا يعترض على هذا بما لا يجوز حذفه من الأحوال نحو ضربي زيدا قائما، فيظن أنه قد صار بذلك عمدة، فإن العمدة في الاصطلاح ما عدمُ الاستغناء عنه أصيلٌ لا عارض، كالمبتدأ والخبر. والفضلة في الاصطلاح ما جواز الاستغناء عنه أصيل لا عارض كالمفعول والحال. وإن عرض للعمدة جواز الاستغناء عنها لم تخرج بذلك
стр. 718
عن كونها عمدة. وإن عرض للفضلة امتناع الاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها فضلة.
وأشرت بقولي: "وقد يجر بباء زائدة" إلى قول رجل من فصحاء طيء:
كائِنْ دُعيتُ إلى بأساءَ داهمةٍ ... فما انبعثتُ بمَزْءُود ولا وَكِل
ص: واشتقاقه وانتقاله غالبان لا لازمان، ويغني عن اشتقاقه وصفه أو تقدير مضاف قبله أو دلالته على مفاعلة أو سعر أو ترتيب، أو أصالة أو تفريع أو تنويع أو طور واقع فيه تفضيل. وجعل "فاه" حالا من كلمته فاه إلى فيّ أولى من أن يكون أصله جاعلا فاه إلى فيّ، أو من فيه إلى فيّ. ولا يقاس عليه خلافا لهشام.
ش: كون الحال بلفظ مشتق، وبمعنى منتقل كجئت راكبا وذهبت مسرعا أكثر من كونه بلفظ جامد، أو معنى غير منتقل، لأن اللفظ المشتق الدال على معنى منتقل أكثر في الكلام مما ليس كذلك.
ومن ورودِ الحال بلفظ غير مشتق قوله تعالى (فانْفِروا ثُباتٍ) و (فما لكم في المنافقين فئتين) و (فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً) و (هذه ناقةُ الله لكم آيةً).
ومن ورودها دالة على غير معنى منتقل قوله تعالى (وهو الذي أنزل إليكم
стр. 719
الكتاب مُفصَّلا) و (خُلِق الإنسانُ ضعيفا) و (يوم أُبعثُ حَيّا) و (طِبتم فادخلوها خالدين). ومن كلام العرب: خلق الله تعالى الزرافةَ يديها أطولَ من رجليها.
وقد اجتمع الجمود وعدم الانتقال في قولهم: هذا خاتمك حديدا، وهذه جُبّتك خَزّا، وهما من أمثلة سيبويه. وإنما كان الحال جديرا بوروده مشتقا وغير مشتق، ومنتقلا وغير منتقل، لأنه خبر في المعنى والخبر لا حجر فيه، بل يرد مشتقا وجامدا، ومنتقلا ولازما، فكان الحال كذلك، وكثيرا ما يسميه سيبويه خبرا وقد يسميه مفعولا وصفة؛ فمن تسميته خبرا قوله: هذا باب ما ينتصب لأنه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء قدمته أو أخرته، وذلك فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما.
ومن ذلك قوله: هذا باب ما ينتصب خبره وهي معرفة لا توصف ولا تكون وصفا وذلك قولك مررت بكلٍّ قائما. ومن ذلك قوله في باب ما يختار فيه الرفع والنصب لقبحه أن يكون صفة، ألا ترى أنك تقول: هذا مالُك درهما، وهذا خاتمك حديدا، ولا يحسن أن تجعله صفة، فقد يكون الشيء حسنا إذا كان خبرا، وقبيحا إذا كان صفة.
ومن تسميته مفعولا فيه قوله: هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست صفات ولا مصادر لأنه حال يقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول فيه، وذلك قولك: كلمته فاه إلى فيّ، وبايعته يدًا بيد. ومن تسميته صفة قوله بعد أن مثل بأما صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف: والرفع لا يجوز هنا، لأنك قد أضمرت
стр. 720
صاحب الصفة وحيث قلت أما العلم فعالم لمْ يتضمن مذكورا قبل كلامك هو العلم، فمن ثَم حسن في هذا الرفع ولم يجز الرفع في الصفة، ولا يكون في الصفة الألف واللام. ومراده بالصفة هنا الحال.
وأكثر ورود الحال مستغنيا عن الاشتقاق إذا كان موصوفا كقوله تعالى: (فتمثَّلَ لها بشرًا سَوِيًّا). أو مقدرا قبله مضاف كقول بعض العرب "وقع المُصْطرعان عِدْلَيْ عَيْر". وكقول الشاعر:
تضوّعَ مِسْكا بطنُ نَعْمان أنْ مَشَتْ ... به زينبٌ في نِسْوة خَفِرات
أو دالا على مفاعلة كقولهم: كلمته فاه إلى فيّ، أو بايتعه يدا بيد، أو دالا على سعر كقولهم: بعت الشاء شاة ودرهما، والبر قفيزا بدرهم، والدار ذراعا بدرهم.
أو دالّا على ترتيب نحو ادخلوا رجلا رجال، وتعلم الحساب بابا بابا. أو دالا على أصالة الشيء كقوله تعالى: (أأسْجُد لمَنْ خلقت طينا) ونحوه هذا خاتمك حديدا، وهو من أمثلة سيبويه. أو دالا على فرعية الشيء كقوله هذا حديدك خاتما. أو دالا على نوعه هذا تمرك شهريزا، وهذا مالك ذهبا. أو دالا على طَوْر واقع فيه تفضيل نحو ذا بُسْرا أطيب منه رطبا.
ومذهب سيبويه في كلمته فاه إلى فيّ أنه نصب نصب الحال، لأنه واقع موقع مشافها ومؤد معناه. ومذهب الكوفيين أن أصله كلمته جاعلا فاه إلى فيّ. ومذهب الأخفش أن أصله كلمته من فيه إلى فيّ. وأولى الثلاثة أوّلها، لأنه قول يقتضي تنزيل جامد منزلة مشتق على وجه لا يلزم منه لبس ولا عدم للنظير، وذلك موجود بإجماع
стр. 721
في هذا الباب وغيره فوجب الحكم بصحته. ومن نظائره المستعملة في هذا الباب بايعته يدا بيد، وبعت الشاء شاة ودرهما، والبرّ قفيزا بدرهم، والدار ذراعا بدرهم. فلا خلاف في أن يدا وشاة قفيزا وذراعا منصوبة الحال لا نصب المفعول به، ولا نصب المسقط منه حرف الجر، فإذا أجري ذلك المجرى كلمته فاه إلى فيّ توافقت النظائر وأُمن الضائر، بخلاف تقديرنا جاعلا أو من فلا نظير له في هذا الباب، وفي التقدير ضعف زائد، وهو أنه يلزم منه تقدير من في موضع إلى، ودخول إلى في موضع مِن، لأن مبدأ غاية كلام المتكلم فمه لا فم [غيره] المخاطب. فلو كان معنى من مقصودا لقيل كلمته من فيّ إلى فيه، على إظهار مِن، وكلمته فيّ إلى فيه على تقديرها.
وأجاز القياس عليه هشام الكوفي، فيقال على رأيه ماشيته قدمه إلى قدمي، وكافحته وجهه إلى وجهي. وذكر ابن خروف أن الفراء حكى حاذيته ركبته إلى ركبتي، وجاورته بيته إلى بيتي، وصارعته جبهته إلى جبهتي، بالرفع والنصب، ولا يرد شيء من ذلك، ولكن الاقتصار فيه على السماع أولى، لأن فيه إيقاع جامد موقع مشتق، وإيقاع معرفة موقع نكرة، وإيقاع مركب موقع مفرد. وأجاز أكثر البصريين بعد سيبويه تقديم فاه على كلمته لتصرّفه، ومنع ذلك الكوفيون وبعض المتأخرين من البصريين.
فصل: ص: الحال واجب التنكير، وقد يجيء معرفا بالأداة والإضافة. ومنه عند الحجازيين العدد من ثلاثة إلى عشرة مضافا إلى ضمير ما تقدم. ويجعله التميميون توكيدا، وربما عومل بالمعاملتين مركب العدد، وقضهم بقضيضهم. وقد يجيء المؤول بنكرة علما.
ش: لما كان الغالب اشتقاق الحال وتعريف صاحبه، لأنه مخبر عنه به ألزموه
стр. 722
التنكير، لئلا يتوهم كونهما نعتا ومنعُوتا. وأيضا فإن الحال فضلة ملازم للفضلية فاستثقل واستحق التخفيف بلزوم التنكير. وليس غيره من الفضلات ملازما للفضلية، لجواز صيرورته عمدة بقيامه مقام الفاعل كقولك في ضربت زيدا: ضُرِب زيدٌ. وفي اعتكفتُ يومَ الجمعة: اعتُكِف يوم الجمعة وفي اعتكفت اعتكافا مباركا: اعتُكف اعتكافٌ مبارك. وفي قمت إجلالا لك: قيم إجلال لك، فلصلاحية ما سوى الحال من الفضلات لصيرورته عمدة جاز تعريفه بخلاف الحال.
فإن قيل بعض التمييز بعد فعل قد يدخل عليه مِن فيصلح حينئذ أن يقام مقام الفاعل كقولك امتلأ الكوز من ماء: امتلئ من ماء، ومع ذلك لا يجوز تعريف التمييز. قيل مثل هذا في التمييز نادر فلا يعتد به فيحكم بجواز تعريفه. على أن الكسائي حكى عن العرب مطيوبَة بها نفسي فأقاموا التمييز مقام الفاعل. وإذا كان التمييز مستحقا للزوم التنكير مع أنه قد ندر قيامه مقام الفاعل فالحال بلزوم التنكير أحق، إذ لا تفارقه الفضلية بوجه.
وقد يجيء الحال معرفا بالألف واللام أو بالإضافة، فيحكم بشذوذه وتأوله بنكرة، فمن المعرف بالألف واللام قولهم: ادخلوا الأول فالأول، أي مترتبين، وجاءوا الجماء الغفير أي جميعا، وأرسلها العراك أي معتركة. ومنه قراءة بعضهم (ليُخرجَنّ الأعزُّ منها الأذلَّ). ومن المعرف بالإضافة قولهم: رجع عوده على بدئه، وجلس وحده، وفعل ذلك جهدَه وطاقته، والمعنى رجع عائدا وجلس منفردا وفعل جاهدا ومطيقا. ومن المعرف بالإضافة مؤولا بنكرة قولهم تفرقوا أيدي
стр. 723
سبا أي متبددين تبددا لا بقاء معه. ومن هذا القبيل قول بعض نساء الصحابة ﵃: "وما لنا أكثر أهل النار" فإن أفعل التفضيل عند سيبويه إذا أضيف إلى معرفة تعرف. نص على ذلك في باب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة وذلك قولك: "هذا أول فارسٍ مقبلٌ". وقد وقع هنا حالا مع أنه مضاف إلى معرفة فيتأول بنكرة كما فعل بغيره من المعارف المتضمنة أحوالا. ويجوز أن تكون المرأة أرادت: وما لنا ترانا أكثر أهل، فحذفت لأنها قالت ذلك بعد قول النبي ﷺ "تصدّقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" والرؤية هنا كانت بصرية فضمنها معنى العلم فتتعدى إلى مفعولين. ومن وقوع المعرف بالإضافة حالا لتأوله بنكرة قول أهل الحجاز: جاء القوم ثلاثتهم وأربعتَهم، والنساء ثلاثهن وأربعهن إلى عشرتهم وعشرهن؛ النصب عند الحجازيين على تقدير جميعا، ورفعه التميميون توكيدا على تقدير جميعهم. وذكر الأخفش في "الأوسط" أن من العرب من يقول جاءوا خمسة عشرهم وجئن خمسة عشرتهن. وحكى سيبويه النصب والرفع في جاءوا قضَّهم بقضيضهم، ومعناه جاءوا جميعا. ومن وقوع الحال معرفة مؤولة بنكرة قول العرب: جاءت الخيل بدادِ، فبدادِ علم جنسي وقع حالا لتأوله بنكرة كأنهم قالوا: جاءت الخيل متبددة.
فصل: ص: إن وقع مصدر موقع الحال فهو حال لا معمول حال محذوف، خلافا للمبرد والأخفش، ولا يطرد فيما هو نوع للعامل نحو أتيته سرعة خلافا للمبرد، بل يقتصر فيه وفي غيره على السماع إلا في نحو أنت الرجل علما، وهو
стр. 724
زهير شعيرا، وأما عِلْما فعالم. وترفع تميم المصدر التالي أما في التنكير جوازا مرجوحا، وفي التعريف وجوبا. وللحجازيين في المعرّف رفع ونصب. وهو في النصب مفعول له عند سيبويه. وهو والمنكّر مفعول مطلق عند الأخفش.
ش: قد تقدم التنبيه على أن الحال خبر في المعنى، وأن صاحبه مخبر عنه، فحق الحال أن يدل على نفس ما يدل عليه صاحبه كخبر المبتدأ بالنسبة إلى المبتدأ. وهذا يقتضي ألا يكون المصدر حالا لئلا يلزم الإخبار بمعنى عن جثة، فإن ورد عن العرب شيء منه حُفظ ولم يُقس عليه، كما لا يقاس على وقوع المصدر نعتا.
فمن ورود المصدر حالا قوله تعالى (ثم ادْعُهنّ يأتينك سَعْيًا) و (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرًّا وعلانيةً) و (ادْعوه خوفًا وطمعًا) و (إنّي دعوتهم جهارًا)، وقتلته صبرا، ولقيته فُجاءه، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا ومشيا. فهذه في عدم القياس عليها بمنزلة الواردة نُعوتا في نحو رجل رضًى وعدْل وصوْم وفِطْر وزور، إلا أن جعل المصدر حالا أكثر من جعله نعتا.
والأخفش والمبرد يريان أن المصادر الواقعة مواقع الأحوال مفاعيل مطلقة، وأن قبل كل واحد منها فعلا مقدرا هو الحال، وليس بصحيح، لأنه إن كان الدليل على الفعل المضمر نفس المصدر المنصوب فينبغي أن يجيزوا ذلك في كل مصدر له فعل ولا يقتصروا على السماع، ولا يمكن أن يفسره الفعل الأول، لأن القتل لا يدل على الصبر، ولا اللقاء على الفجاءة، ولا الإتيان على الركوب.
وقد اطرد ورود المصدر حالا في نحو هو الرجل علما وأدبا ونبلا، أي الكامل في حال علم وحال أدب وحال نبل. ومذهب ثعلب في هو الرجل علما ونحوه أن المصدر فيه مؤكد على تأول الرجل باسم فاعل من معناه. واطرد أيضا ورود المصدر
стр. 725
حالا في نحو هو زهير شعرا، وحاتم جودا، والأحنف حلما، ويوسف حسنا، أي مثل زهير في حال شعر، ومثل حاتم في حال جود ومثل الأحنف في حال حلم، ومثل يوسف في حال حسن. ومن هذا القبيل قول الشاعر:
تخبّرنا بأنك أحوذِيٌّ ... وأنت البْسكاءُ بنا لُصُوقا
واطرد أيضا ورود المصدر حالا عند سيبويه في نحو أما علما فعالم يريد مهما يذكر إنسان في حال علم فالذي وصفت عالم، كأنه مُنكِر ما وصفه به من غير العلم، فصاحب الحال على هذا التقدير المرفوع بفعل الشرط المحذوف، وفعل الشرط المحذوف هو ناصب الحال. ويجوز أن يكون ناصبه ما بعد الفاء وصاحبه ما فيه من ضمير، والحال على هذا مؤكدة، والتقدير مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم. فلو كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله تعين نصب ما ولى أمّا بفعل الشرط المقدّر نحو قولك أما علما فلا علم له، وأما علما فإن له علما، وأما علما فهو ذو علم.
وبنو تميم يلتزمون رفع المصدر بعد أمّا إذا كان معرفة، ويجيزون رفعه ونصبه إذا كان نكرة، والنصب عندهم أكثر. والحجازيون يجيزون نصب المعرفة ورفعه، ويلتزمون نصب المنكّر. وسيبويه يجعل المنصوب المعرف مفعولا له. والأخفش يجعل المنصوب مصدرا مؤكدا في التنكير والتعريف، ويجعل العامل فيه ما بعد الفاء إن لم يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله، فتقدير أمّا علما فعالم في مذهب الأخفش: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم علما، فلزم القائل أن يقدم علما والعامل فيه ما بعد الفاء، كما لزم تقدم المفعول به في (فأمّا اليتيمَ فلا تقهر)، والتقدير مهما يكن من شيء فاليتيم لا تقهر، أو فلا تقهر اليتيم. وقال سيبويه في أما الضرب فضارب مثل قول الأخفش في أما علما فعالم. وأجاز بعض النحويين أن يكون
стр. 726
المنصوب بعد أما من المصادر مفعولا به في التنكير والتعريف، والعامل فيه فعل الشرط المقدر فيقدر متعديا على حسب المعنى، فتقدير أما علما فعالم على هذا: مهما تذكر علما فالذي وصفت عالم.
قلت: وهذا القول عندي أولى بالصواب، وأحق ما اعتمد عليه في الجواب: لأنه لا يخرج فيه شيء عن أصله، ولا يمنع من اطراده مانع، بخلاف الحكم بالحالية، فإن فيه إخراج المصدر عن أصله بوضعه موضع اسم فاعل، وفيه عدم الاطراد لجواز تعريفه، وبخلاف الحكم بأنه مصدر مؤكد فإنه يمتنع إذا كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله. وأما الحكم بأنه مفعول به فلا يعرض مانع يمنع منه في لفظ ولا في معنى، فكان أولى من غيره، ومما يؤيده الرجوع إليه على أحسن الوجهين في قول الشاعر:
ألا ليت شعري هل إلى أمّ مالك ... سبيلٌ فأما الصبرُ عنها فلا صبرا
فيروى بالرفع على الابتداء، وبالنصب على تقدير مهما تذم الصبر عنها فلا صبر، هذا تقدير السيرافي وهو أسهل من جعل الصبر مفعولا له، وإن كان هو قول سيبويه.
والنصب لغة الحجازيين والرفع لغة تميم. ويؤيده في المصدر مجيئه فيما ليس مصدرا نحو أما قريشا فأنا أفضلها، رواه الفراء عن الكسائي عن العرب. وتقديره مهما تذكر قريشا فأنا أفضلها، أو تصف قريشا فأنا أفضلها. ومثله ما رواه يونس عن قوم من العرب أنهم يقولون: أما العبيدَ فذو عبيد، بالنصب وتقديره عندي: مهما تذكر العبيد فهو ذو عبيد، ومهما تذكر العبد فهو ذو عبد، فلو كان تالي أما صفة منكرة نحو أما صديقا فصديق تعيّنت الحالية وكان العامل فعل الشرط المقدر، ويجوز أن يكون العامل الصفة التي بعد الفاء، ويكون الحال مؤكدا، وكذلك يجوز الوجهان في أما صديقا فليس بصديق. ومنع المبرد في هذا إعمال صديق، لاقترانه بالباء، وغيره لا يمنع ذلك، لأن الباء زائدة فوجودها كعدمها. وزعم الأخفش أن صديقا
стр. 727
منصوب بيكون والتقدير أما أن يكون إنسان صديقا فالمذكور صديق. وردّ المبرد قوله، ولم يذكر حجة الرّدّ. والحجة أنا إذا قدرنا أن يكون لزم كون أن وصلتها في موضع نصب على المذهب المختار. وينبغي أن يقدر قبلها أن يكون آخر ويؤدي إلى التسلسل والتسلسل محال.
فصل: ص: لا يكون صاحب الحال في الغالب نكرة ما لم يختصّ أو يسبقه نفي أو شبهه، أو تتقدم الحال، أو تكن جملة مقرونة بالواو، أو يكن الوصف به على خلاف الأصل، أو يشاركه فيه معرفة.
ش: قد تقدم أن الحال خبر في المعنى وأن صاحبه مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة كما أن أصل المبتدأ أن يكون معرفة. وكما جاز أن يبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس، كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى وأمن اللبس. ولا يكون ذلك في الأكثر إلا بمسوّغ؛ فمن المسوغات تخصّص صاحب الحال بوصف كقوله تعالى (فيها يُفْرق كل أمرٍ حكيم* أمرًا من عندنا) وكقول الشاعر:
نجّيت يا ربِّ نُوحًا واستجبت له ... في فُلْك ماخرٍ في اليمّ مشحونا
وعاشَ يدعو بآياتٍ مُبَيَّنَةٍ ... في قومه ألفَ عامٍ غير خَمسينا
وتخصّصه بالإضافة كقوله تعالى (وقدَّر فيها أقْواتها في أربعة أيّام سواءً للسائلين) ومثله (وحشرنا عليهم كل شيء قُبُلا) في قراءة غير نافع وابن عامر.
стр. 728
ومن المسوغات أن يكون قبل صاحب الحال نفي كقوله تعالى (وما أهلكنا من قريةٍ إلّا ولها كتابٌ معلومٌ)، فلها كتاب معلوم جملة حالية مقرونة بواو الحال، وصاحب الحال قرية، وحسن جعله صاحب حال مع أنه نكرة محضة تقدم النفي عليه، كما حسّن الابتداء به في نحو: ما قرية إلا لها كتاب معلوم. وقد مضى في باب الاستثناء الكلام على هذه الآية، وإبطال رأي الزمخشري فيها. وأن من أمثال أبي علي في التذكرة: ما مررت بأحد إلا قائما إلا أخاك، فجعل قائما حالا من أحد لاعتماده على المنفي، وأبطل جعله صفة بعد أحد، لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف.
ومن مسوغات جعل صاحب الحال نكرة وقوعه بعد نهي أو استفهام، وإليهما أشرت بقولي "ما لم يختص أو يسبقه نفي أو شبهه". ومن مجيء ذلك بعد النهي قول قطري:
لا يَركنَنْ أحدٌ إلى الإحجام ... يومَ الوغى مُتخوِّفا لحِمامِ
ومن مجيء ذلك بعد الاستفهام:
يا صاحِ هل حُمّ عيش باقيا فترى ... لنفسك العذرَ في إبعادها الأملا
ومن مسوغات جعل صاحب الحال نكرة تقدم الحال كقولك: هذا قائما رجل. قال سيبويه بعد تمثيله بهذا المثال: (لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم وقبح أن تقول فيها قائم فتضع الصفة موضع الاسم كما قبح مررت بقائم وأتاني قائم، جعلت
стр. 729
القائم حالا وكان المبني على الكلام الأول ما بعده. ثم قال: وحمل هذا على جواز فيها رجل قائما، وصار حين أُخّر وجه الكلام فرارا من القبح. وأنشد لذي الرمة:
وتحت العوالي في القَنا مُسْتَظِلَّةً ... ظباءٌ أعارَتْها العُيونَ الجآذرُ
وأنشد لغيره:
وبالجسم منّي بيّنا لو علمته ... شحوبٌ وإنْ تستشهدي العينَ تَشْهَدِ
وأنشد غير سيبويه:
وما لام نفسي مثلَها لي لائمٌ ... ولا سَدَّ فقْري مثلُ ما ملكتْ يدي
قلت: أشار سيبويه بقوله: حمل هذا على جواز فيها رجل قائما، أي أن صاحب الحال قد يكون نكرة دون مسوغ.
ومن المسوغات التي ذكرتها نحو قوله فيها رجل قائما، لكن على ضعف لإمكان الإتباع فإذا قدم الحال زال الضعف لتعذر الإتباع، وكان هذا بمنزلة قولنا في الاستثناء: ما قام أحد إلا زيد. فإن النصب مع تأخر المستثنى ضعيف لإمكان الإتباع. فإذا قدم المستثنى لزم النصب في المشهور من كلامهم لتعذر الإتباع. فظهر من كلام سيبويه أن صاحب الحال الكائن في نحو فيها رجل قائما هو المبتدأ. وذهب قوم إلى أن صاحبه الضمير المستكن في الخبر. وقول سيبويه هو الصحيح، لأن الحال خبر في المعنى، فجعله لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما. وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا لا ضمير فيه عند سيبويه والفراء، إلا إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه؛ واستدل على ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد وأن يعطف عليه وأن يبدل منه، كما فعل ذلك مع التأخر.
стр. 730
ومن مسوغات جعل صاحب الحال نكرة كون الجملة مقرونة بالواو كقوله تعالى (أوْ كالذي مَرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها)، وكقول الشاعر:
مضى زمنٌ والناسُ يستشفعون بي ... فهلْ لي إلى ليلى الغداةَ شفيعُ
لأن الواو رفعت توهم كون الجملة نعتا.
ومن مسوغات جعل صاحب الحال نكرة توقي الوصف بما لا يصلح للوصفية كقولهم: هذا خاتم حديدا، وعندي راقود خلا. ظاهر كلام سيبويه أن المنصوب في هذين المثالين وأشباههما منصوب على الحال، وأن الذي سوغ ذلك مع تنكير ما قبله التخلص من جعله نعتا مع كونه جامدا غير مؤول بمشتق، وقد تقدم أن ذلك يغتفر في الحال، لأنه بالإخبار أشبه منه بالنعوت. والمشهور في غير كلام سيبويه نصب ما بعد خاتم وراقود وشبههما على التمييز، فلو كان ما قبله معرفة لم يكن إلا حالا نحو هذا خاتمك حديدا وهذه جبتك خزا.
ومن مسوغات جعل صاحب الحال نكرة اشتراكها مع المعرفة نحو قولك هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين وقد جعل سيبويه لهذه المسألة بابا فقال: هذا باب ما غلبت فيه المعرفة النكرة، ثم قال: وذلك قولك هذان رجلان وعبد الله منطلقين. فنصب منطلقين على الحال والعامل فيه التنبيه.
ص: ويجوز تقديم الحال على صاحبه وتأخيره إن لم يعرض مانع من التقديم، كالإضافة إلى صاحبه، أو من التأخير كاقترانه بإلا على رأي، وكإضافته إلى ضمير ما لابس الحال، وتقديمه على صاحبه المجرور بحرف ضعيف على الأصح لا ممتنع.
стр. 731
ولا يمنع تقديمه على المرفوع والمنصوب خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا، وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه عن الحال. واستثنى بعضهم من حال المنصوب ما كان فعلا، ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه.
ش: نسبة الحال من صاحبه نسبة الخبر من المبتدأ، فالأصل تأخيره وتقديم صاحبه، كما أن الأصل تأخير الخبر وتقديم المبتدأ. وجواز مخالفة الأصل ثابت في الحال، كما كان ثابتا في الخبر ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو الخروج عنه.
فمما يوجب البقاء على الأصل الإضافة إلى صاحب الحال مع كون الإضافة مخصّصة نحو عرفت قيام زيد مسرعا. ومما يوجب الخروج عن الأصل اقتران صاحب الحال بإلا نحو ما قام مسرعا إلّا زيد، فإن ورد نحو ما قام إلّا زيد مسرعا أضمر ناصب الحال بعد صاحبها كقول الراجز:
ما راعني إلّا جناحٌ هابِطا ... حول البيوت قَوْطَهُ العُلابِطا
أراد ما راعني إلا جناح راعني هابطا، وجناح اسم رجل، ومما يوجب الخروج عن الأصل إضافة صاحب الحال إلى ضمير يعود إلى ملابس الحال بإضافة نحو جاء زائر هند أخوها، أو بغير إضافة نحو جاء منقاد العمرو صاحبه. وإذا كان صاحب الحال مجرورا بإضافة محضة لم يجز تقديم الحال عليه بإجماع، لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول. فإن كانت الإضافة غير محضة جاز تقديم الحال على المضاف كقولك: هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا، لأن الإضافة في نية الانفصال فلا يعتدّ بها. فإن ورد تقديم حال ما جر بإضافة محضة حمل على وجه لا خلاف في جوازه كقول الراجز:
стр. 732
نحنُ وطِئْنا خُسَّئًا دِياركم ... إذْ أسْلمتْ كُماتُكم ذِمارَكم
فقد يتوهم سامع هذا أن خسّأ بمعنى بعداء مزدجرين كقوله تعالى (كُونوا قِرَدةً خاسئين) فيجعله حالا من ضمير المخاطبين، ويقول قد تقدم حال المضاف إليه على المضاف وليس كذلك. ولكن خسّأ جمع خاسِئ بمعنى زاجر من قولهم خسأتُ الكلب، أي أبعدته وزجرته، فهو حال وصاحبه الفاعل من وطئنا. وقد يتوهم أن فُرَّارا من قول الشاعر:
ليستْ تُجرِّحُ فُرَّارًا ظُهورُهم ... وفي النُّحورِ كُلُومٌ ذاتُ أبْلادِ
حال من الهاء والميم، وظهورهم مرفوعة بتجرّح على أنه مفرغ وليس كذلك، بل تجرح مسند إلى ضمير الجماعة الموصوفة وهو صاحب الحال، وظهورهم بدل بعض من كل. وهذا توجيه لا تكلف فيه.
وإذا كان صاحب الحال مجرورا بحرف لم يجز عند أكثر النحويين نحو مررت بهند قائمة فيخطئون مَن يقول مررت قائمة بهند، ودليلهم في منع ذلك، أن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأن فعلا واحدا لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير. وبعضهم يعلل منع التقدم بالحمل على حال المجرور بالإضافة. وبعضهم يعلل بأن حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار نحو زيد في الدار متكئا، فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر في هذا وأمثاله، لا يتقدم عليه نحو: مررت بهند جالسة.
وهذه شبه وتخيلات لا تستميل إلّا نفس مَن لا تثبّت له، بل الصحيح جواز التقديم في نحو مررت بهند جالسة، وإنما حكمت بالجواز لثبوته سماعا، ولضعف
стр. 733
دليل المنع. أما ثبوته سماعا ففي قوله تعالى (وما أرْسلناك إلا كافّة للناس) وفيه ثلاثة أقوال: أحدها أن كافة صفة لإرسالة فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وهو قول الزمخشري. والثاني أن كافة حال من الكاف وهو قول الزجاج والتاء فيه للمبالغة. والثالث أن كافة حال من الناس، والأصل للناس كافة، أي جميعا، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أبي علي وابن كيسان، أعني تقديم حال المجرور بحرف، حكاه ابن برهان وقال: "وإليه نذهب، كقوله تعالى (وما أرسلناك إلا كافّةً للناس) وكافة حال من الناس وقد تقدم على المجرور باللام، وما استعملت العرب كافة قط إلا حالا". كذا قال ابن برهان. وكذلك أقول، ولا يلتفت إلى قول الزمخشري والزجاج؛ أما الزمخشري فلأنه جعل كافة صفة ولم تستعمله العرب إلا حالا، وهذا شبيه بما فعل في خطبة المفصل من إدخال باء الجر عليه. وإضافته، والتعبير به عما لا يعقل.
وليته إذ أخرج كافة عن استعمال العرب سلك به سبيل القياس، بل جعله صفة موصوف محذوف، ولم تستعمله العرب مفردا ولا مقرونا بالصفة أعني إرسالة، وحق الموصوف المستغنى بصفته أن يعاد ذكره مع صفته قبل الحذف، وألا تصلح الصفة لغيره، والمشار إليه بخلاف ذلك فوجب الإعراض عما أفضى إليه.
وأما الزجاج فبطلان قوله بيّن أيضا؛ لأنه جعل كافة حالا مفردا ولا يعرف ذلك من غير محل النزاع، وجعله من مذكر مع كونه مؤنثا، ولا يتأتى ذلك إلا بجعل تائه للمبالغة وبابه مقصور على السماع، ولا يتأتي غالبا ما هي فيه إلا على أحد أمثله المبالغة كنسّابة وفَروقة ومِهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها،
стр. 734
لكونها على فاعلة. فإن حملت على رواية حملت على شاذ الشاذ، لأن لحاق تاء المبالغة لأحد أمثلة المبالغة شاذ ولما لا مبالغة فيه أشذ فيعبر عنه بشاذ الشاذ، والحمل على الشاذ مكروه فكيف على شاذ الشاذ. وإذا بطل القولان تعين الحكم بصحة القول الثالث وهو أن يكون الأصل (وما أرسلناك إلا للناس كافة) فقدم الحال على صاحبه مع كونه مجرورا. ومن أمثلة أبي علي في التذكرة زيدٌ خيرَ ما تكون خيرٌ منك، على أن المراد زيد خير منك خيرَ ما تكون، فجعل خير ما تكون حالا من الكاف المجرورة وقدّمها، وهذا موافق لقول ابن برهان.
ومن تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف قول الشاعر:
فإنْ تكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونسوةٌ ... فلن يذهبوا فِرْغًا بقتل حبالِ
أراد فلن يذهبوا بدم حبال فرغا. وحبال اسم رجل. ومن ذلك قول الشاعر:
لئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صاديًا ... إليَّ حبيبًا إنّها لحَبيبُ
أراد لئن كان برد الماء حبيبا إليّ هيمان صاديا. ومن ذلك قول الآخر:
تسَلّيت طُرًّا عنكم بعدَ بينكم ... بذِكْراكُم حتّى كأنكمُ عندي
أراد تسليت عنكم طرا. وربما قدم الحال على صاحبه المجرور وعلى ما يتعلق به الجار، كقول الشاعر:
غافِلا تعْرِضُ المنيَّة للمرْ ... ء فيُدعَى ولاتَ حين إباءِ
أراد تعرض المنية للمرء غافلا. ومثله:
стр. 735
مَشغوفةً بك قد شُغِفتُ وإنّما ... حُتم الفراقُ فما إليك سبيلُ
أراد شغفت بك مشغوفة.
وإذ قد بيّنت دلائل السماع مستوفاة، فلْأبيّن ضعف شبه المنع، فمن ذلك ادعاء أن حق الحال إذا عُدي العامل لصاحبه بواسطة أن يُعدّى إليه بتلك الواسطة، فيقال لمدّعي ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخير تعويضا، بل حق الحال لشبهه بالظرف أن يستغنى عن واسطة، على أن الحال أشد استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدى بحرف الجر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمني. ومن الشُّبَه التزام التأخير إجراء لحال المجرور بحرف مجرى حال المجرور بإضافة فيقال لصاحب هذه الشبهة المجرور بحرف كالأصل للمجرور بالإضافة، فلا يصلح أن يحمل المجرور بحرف عليه، لئلا يكون الأصل تابعا والفرع متبوعا، وأيضا فالمضاف بمنزلة موصول والمضاف إليه بمنزلة صلة، والحال منه بمنزلة جزء صلة، فوجب تأخيره، كما يجب تأخير أجزاء الصلة، وحال المجرور بحرف لا يشبه جزء صلة فأجيز تقديمه إذ لا محذور في ذلك.
ومن الشبه تشبيه مررت بهند جالسة بباب زيد في الدار متكئا، وإلحاق أحدهما بالآخر، فيقال للمعتمد على هذا: بين البناءين بَون بعيد، وتفاوت شديد، فإن جالسة من قولنا مررت بهند جالسة منصوب بمررت وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة، كما لا يفتقر إليها في نصب ظرف أو مفعول له أو مفعول مطلق، وحرف الجر الذي عداه لا عمل له إلا الجر ولا جيء به إلا لتعدية مررت، والمجرور به بمنزلة منصوب فيتقدم حاله، كما يتقدم حال المنصوب، ولكونه بمنزلة المنصوب أجرى في اختيار النصب "أزيدا مررت به" مجرى أزيدا لقيته. وأما متكئا في المسألة الثانية فمنصوب بفي لتضمنها معنى الاستقرار، وهي أيضا رافعة ضميرا عائدا على زيد وهو صاحب الحال فلم يجز لنا أن نقدم متكئا على في لأن العمل لها وهي عامل ضعيف متضمن معنى الفعل دون حروفه، فمانع التقديم في نحو زيد
стр. 736
في الدار متكئا غير موجود في نحو مررت بهند جالسة. وربما قدم الحال في نحو زيد في الدار متكئا.
وإذا كان صاحب الحال منصوبا أو مرفوعا جاز تقديم الحال عليه ظاهرا كان أو مضمرا عند البصريين نحو لقيت راكبة هندا، وجاء مسرعا زيد. ومنع الكوفيون تقديم حال المنصوب إذا كان ظاهرا لئلا يتوهم كون الحال مفعولا وكون صاحبه بدلا. فإن كان الحال فعلا لم يمنع بعضهم تقديمه لزوال المحذور، أعني توهم المفعولية والبدلية. والصحيح جواز التقديم مطلقا، لأن راكبة من قولنا لقيت راكبة هندا يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية. ومن شواهد تقديم حال المنصوب قول الشاعر:
وصلتُ ولم أَصْرِم مُسِئينَ أسْرتي ... وأعْتَبْتُهم حتى يُلاقوا وَلائيا
أراد وصلت أسرتي مسيئين. ومثله قول الحارث بن ظالم:
وقطّع وصلها سَيْفي وإنّي ... فجَعْتُ بخالدٍ طُرًّا كِلابا
ومن تقديم المنصوب فعلا قول الشاعر:
لن يراني حتى يرى صاحبٌ لي ... أجْتَني سُخْطَهُ يشيبُ الغُرابا
أراد لن يراني صاحب لي أجتني سخطه حتى يرى الغراب يشيب. وأجمعوا على جواز تقديم حال المرفوع إذا كان ضميرا كقوله تعالى (خُشَّعًا أبصارُهم يخرجون من الأجداثِ) وكقول الشاعر:
стр. 737
مُزْبِدًا يَخْطِرُ ما لم يرَني ... وإذا يخلو له لحْمِي رَتَعْ
فإن كان المرفوع ظاهرا لم يجز عند الكوفيين تقديم حاله. وبعض العلماء يزعم أن الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع الظاهر إذا كان الفعل متقدما نحو قام مسرعا زيد، وإنما يمنعون تقديم حال المرفوع إذا كان الفعل متأخرا نحو مسرعا قام زيد. والصحيح جواز تقديم حال المرفوع مطلقا، فمن تقديمه والفعل متقدم قول الشاعر:
يطيرُ فِظاظا بيْنهم كلُّ قَوْنَس ... وتَتْبَعُها منهم فَراشُ الحواجبِ
ومثله:
فسقى بلادَك غيرَ مُفسِدها ... صَوْبُ الغمام وديمةٌ تَهْمى
ومثله:
تَرحَّلَ من أرض العراق مُرقّشٌ ... على طَرَبٍ تَهوي سِراعًا رواحِلُهْ
ومثله:
فما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أبو حَجر إلا ليالٍ قلائلُ
ومن تقديمه والفعل متأخر قول العرب: "شَتَّى تَئُوبُ الحَلَبَةُ" أي متفرقين
стр. 738
يرجع الحالبون. ومثله قول الشاعر:
سريعًا يهونُ الصعْبُ عند أولي النّهى ... إذا برجاءٍ صادقٍ قابَلوا اليَأسا
وحق المجرور بالإضافة ألا يكون صاحب حال كما لا يكون صاحب خبر، لأنه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين. فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال نحو عرفت قيام زيد مسرعا، وهو راكب الفرس عريا.
وإلى هذين المثالين ونحوهما أشرت بقولي "ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه" فعلم أن إضافة عامل الحال إلى صاحب الحال جائزة، وأن إضافة ما ليس عاملا في الحال إلى صاحبها غير جائزة، إلا ما استثني. ومن إضافة عامل الحال إلى صاحبها قوله تعالى (إلى الله مرجعُكم جميعا) ومثله قول الشاعر:
تقول أبنتي إنّ انطلاقَك واحدًا ... إلى الرَّوْع يومًا تاركي لا أباليا
قلت إلا أن يكون المضاف جزءه أو كجزئه. فأشرت بكون المضاف جزء ما أضيف إليه إلى نحو قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ إخوانا) وأشرت بكون المضاف كجزء ما أضيف إليه إلى نحو قوله تعالى (أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حنيفًا) وإنما حسن جعل الذي أضيف إليه جزؤه أو كجزئه صاحب حال، لأنه قد يستغنى به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: نزعنا ما فيهم من غل إخوانا، واتبع إبراهيم حنيفا لحسُنَ، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس بمعنى الفعل وما ليس جزءا ولا كجزء، فإنه لا سبيل إلى جعله صاحب حال، لو قلت ضربت غلام هند جالسة أو نحو ذلك لم يجز بلا خلاف.
فصل: ص: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرفا، أو صفة
стр. 739
تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لأل أو حرف مصدري، ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم. ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف أو صلة لأل أو حرفا مصدريا أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم أو جامدا ضمن معنى مشتق أو أفعل تفضيل أو مفهم تشبيه. واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين. وقد يفعل ذلك بذي التشبيه. فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جر مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصح توسيط الحال بقوة إن كانت ظرفا أو حرف جر. وبضعف إن كانت غير ذلك. ولا تلزم الحالية في نحو: فيها زيد قائما، بل تترجح على الخبرية. وتلزم هي في نحو: فيك زيد راغب، خلافا للكوفيين في المسألتين.
ش: تقدم الحال على عاملها إذا كان فعلا متصرفا نحو مسرعا أتيت، وإذا كان صفة تشبهه تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية، فهو في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة كقول الشاعر:
لَهِيّك سَمْحٌ ذا يسارٍ ومُعْدِما ... كما قد ألِفْتَ الحِلْم مُرْضًى ومُغْضَبا
فلو قيل في الكلام إنك ذا يسار ومعدما سمح لجاز، لأن سمحا عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل لتضمنه حروف الفعل ومعناه مع قبوله لعلامات التأنيث والتثنية والجمع. فلو كان العامل القوي نعتا لم يجز تقديمه نحو مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها. وكذا لو كان صلة لأل أو أنّ أو إحدى أخواتها لم يجز أن يتقدم عليه ما يتعلق به من حال وغيره. فلو كان العامل صلة اسم غير أل لم يمنع تقديم الحال عليه كما لا يمتنع تقديم غيرها، مثال ذلك مَن الذي خائفا جاء. ومن العوامل التي لا يتقدم عليها الحال ولا غيرها المصدر المقدر بأنْ أو ما أختها نحو سرني ذهابك غدا غازيا، ولأجزينّك بودّك إياي مخلصا. والفعل المقرون بلام الابتداء أو القسم نحو لأصبر محتسبا. ولأقومنّ طائعا، ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف نحو ما أكرمك مُستنجدا، أو صلة لأل نحو أنت المصلّى فذّا، أو بحرف مصدري
стр. 740
نحو لك أن تتنفّل قاعدا، أو مصدرا مقدرا بأنْ أو ما أختها، أو فعلا مقرونا بلام الابتداء أو قسم، وقد تقدمت أمثلة ذلك.
ومن العوامل التي لا يتقدم الحال عليها الجامد المضمّن معنى مشتق كأمّا وحرف التنبيه والتمنّي والترجّي واسم الإشارة والاستفهام المقصود به التعظيم نحو:
يا جارَتا ما أنْتِ جارَهْ
والجنس المقصود به الكمال نحو أنت الرجل عِلْما، والمشبّه به نحو هو زهير شعرا، وأفعل التفضيل نحو هو أكفاهم ناصرا. وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المضمنة معنى الفعل، لأن فيه ما فيهن من معنى الفعل ويفوقهن بتضمن حروف الفعل ووزنه ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى، وفيه من الضعف بعدم قبول علامة التأنيث والجمع ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبهة فيجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين نحو هو أكفاهم ناصرا، وجعل موافقة للصفة المشبهة إذا توسط نحو تمرنا بُسرا أطيب منه رُطبا، ومررت برجل خيرَ ما يكون خيرٍ منك خيرَ ما تكون، فنصب أطيب بُسرا ورطبا ونصب خيرا منك خير ما يكون وخير ما تكون. وليس هذا على إضمار كان كما ذهب إليه السيرافي ومن وافقه، لأنه خلاف قول سيبويه، وفيه تكلف إضمار ستة أشياء من غير حاجة، ولأن أفعل هناك أفعل في قوله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقربُ منهم للإيمان) في أن القصد بهما تفضيل شيء على نفسه باعتبار متعلقين؛ فكما اتحد هنا المتعلق به كذا يتحد في الأمثلة المشار إليها. وبعد تسليم يلزم إعمال أفعل في إذ وإذا فيكون ما وقع فيه شبيها بما فُرّ منه. وللحال هنا زيادة شبه بالظرف. ثم قال
следующие страницы →