← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في الدار متكئا غير موجود في نحو مررت بهند جالسة. وربما قدم الحال في نحو زيد في الدار متكئا. وإذا كان صاحب الحال منصوبا أو مرفوعا جاز تقديم الحال عليه ظاهرا كان أو مضمرا عند البصريين نحو لقيت راكبة هندا، وجاء مسرعا زيد. ومنع الكوفيون تقديم حال المنصوب إذا كان ظاهرا لئلا يتوهم كون الحال مفعولا وكون صاحبه بدلا. فإن كان الحال فعلا لم يمنع بعضهم تقديمه لزوال المحذور، أعني توهم المفعولية والبدلية. والصحيح جواز التقديم مطلقا، لأن راكبة من قولنا لقيت راكبة هندا يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية. ومن شواهد تقديم حال المنصوب قول الشاعر: وصلتُ ولم أَصْرِم مُسِئينَ أسْرتي ... وأعْتَبْتُهم حتى يُلاقوا وَلائيا أراد وصلت أسرتي مسيئين. ومثله قول الحارث بن ظالم: وقطّع وصلها سَيْفي وإنّي ... فجَعْتُ بخالدٍ طُرًّا كِلابا ومن تقديم المنصوب فعلا قول الشاعر: لن يراني حتى يرى صاحبٌ لي ... أجْتَني سُخْطَهُ يشيبُ الغُرابا أراد لن يراني صاحب لي أجتني سخطه حتى يرى الغراب يشيب. وأجمعوا على جواز تقديم حال المرفوع إذا كان ضميرا كقوله تعالى (خُشَّعًا أبصارُهم يخرجون من الأجداثِ) وكقول الشاعر:

стр. 737

مُزْبِدًا يَخْطِرُ ما لم يرَني ... وإذا يخلو له لحْمِي رَتَعْ فإن كان المرفوع ظاهرا لم يجز عند الكوفيين تقديم حاله. وبعض العلماء يزعم أن الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع الظاهر إذا كان الفعل متقدما نحو قام مسرعا زيد، وإنما يمنعون تقديم حال المرفوع إذا كان الفعل متأخرا نحو مسرعا قام زيد. والصحيح جواز تقديم حال المرفوع مطلقا، فمن تقديمه والفعل متقدم قول الشاعر: يطيرُ فِظاظا بيْنهم كلُّ قَوْنَس ... وتَتْبَعُها منهم فَراشُ الحواجبِ ومثله: فسقى بلادَك غيرَ مُفسِدها ... صَوْبُ الغمام وديمةٌ تَهْمى ومثله: تَرحَّلَ من أرض العراق مُرقّشٌ ... على طَرَبٍ تَهوي سِراعًا رواحِلُهْ ومثله: فما كان بين الخير لو جاء سالمًا ... أبو حَجر إلا ليالٍ قلائلُ ومن تقديمه والفعل متأخر قول العرب: "شَتَّى تَئُوبُ الحَلَبَةُ" أي متفرقين

стр. 738

يرجع الحالبون. ومثله قول الشاعر: سريعًا يهونُ الصعْبُ عند أولي النّهى ... إذا برجاءٍ صادقٍ قابَلوا اليَأسا وحق المجرور بالإضافة ألا يكون صاحب حال كما لا يكون صاحب خبر، لأنه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين. فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال نحو عرفت قيام زيد مسرعا، وهو راكب الفرس عريا. وإلى هذين المثالين ونحوهما أشرت بقولي "ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه" فعلم أن إضافة عامل الحال إلى صاحب الحال جائزة، وأن إضافة ما ليس عاملا في الحال إلى صاحبها غير جائزة، إلا ما استثني. ومن إضافة عامل الحال إلى صاحبها قوله تعالى (إلى الله مرجعُكم جميعا) ومثله قول الشاعر: تقول أبنتي إنّ انطلاقَك واحدًا ... إلى الرَّوْع يومًا تاركي لا أباليا قلت إلا أن يكون المضاف جزءه أو كجزئه. فأشرت بكون المضاف جزء ما أضيف إليه إلى نحو قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ إخوانا) وأشرت بكون المضاف كجزء ما أضيف إليه إلى نحو قوله تعالى (أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حنيفًا) وإنما حسن جعل الذي أضيف إليه جزؤه أو كجزئه صاحب حال، لأنه قد يستغنى به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: نزعنا ما فيهم من غل إخوانا، واتبع إبراهيم حنيفا لحسُنَ، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس بمعنى الفعل وما ليس جزءا ولا كجزء، فإنه لا سبيل إلى جعله صاحب حال، لو قلت ضربت غلام هند جالسة أو نحو ذلك لم يجز بلا خلاف. فصل: ص: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرفا، أو صفة

стр. 739

تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لأل أو حرف مصدري، ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم. ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف أو صلة لأل أو حرفا مصدريا أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم أو جامدا ضمن معنى مشتق أو أفعل تفضيل أو مفهم تشبيه. واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين. وقد يفعل ذلك بذي التشبيه. فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جر مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصح توسيط الحال بقوة إن كانت ظرفا أو حرف جر. وبضعف إن كانت غير ذلك. ولا تلزم الحالية في نحو: فيها زيد قائما، بل تترجح على الخبرية. وتلزم هي في نحو: فيك زيد راغب، خلافا للكوفيين في المسألتين. ش: تقدم الحال على عاملها إذا كان فعلا متصرفا نحو مسرعا أتيت، وإذا كان صفة تشبهه تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية، فهو في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة كقول الشاعر: لَهِيّك سَمْحٌ ذا يسارٍ ومُعْدِما ... كما قد ألِفْتَ الحِلْم مُرْضًى ومُغْضَبا فلو قيل في الكلام إنك ذا يسار ومعدما سمح لجاز، لأن سمحا عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل لتضمنه حروف الفعل ومعناه مع قبوله لعلامات التأنيث والتثنية والجمع. فلو كان العامل القوي نعتا لم يجز تقديمه نحو مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها. وكذا لو كان صلة لأل أو أنّ أو إحدى أخواتها لم يجز أن يتقدم عليه ما يتعلق به من حال وغيره. فلو كان العامل صلة اسم غير أل لم يمنع تقديم الحال عليه كما لا يمتنع تقديم غيرها، مثال ذلك مَن الذي خائفا جاء. ومن العوامل التي لا يتقدم عليها الحال ولا غيرها المصدر المقدر بأنْ أو ما أختها نحو سرني ذهابك غدا غازيا، ولأجزينّك بودّك إياي مخلصا. والفعل المقرون بلام الابتداء أو القسم نحو لأصبر محتسبا. ولأقومنّ طائعا، ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف نحو ما أكرمك مُستنجدا، أو صلة لأل نحو أنت المصلّى فذّا، أو بحرف مصدري

стр. 740

نحو لك أن تتنفّل قاعدا، أو مصدرا مقدرا بأنْ أو ما أختها، أو فعلا مقرونا بلام الابتداء أو قسم، وقد تقدمت أمثلة ذلك. ومن العوامل التي لا يتقدم الحال عليها الجامد المضمّن معنى مشتق كأمّا وحرف التنبيه والتمنّي والترجّي واسم الإشارة والاستفهام المقصود به التعظيم نحو: يا جارَتا ما أنْتِ جارَهْ والجنس المقصود به الكمال نحو أنت الرجل عِلْما، والمشبّه به نحو هو زهير شعرا، وأفعل التفضيل نحو هو أكفاهم ناصرا. وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المضمنة معنى الفعل، لأن فيه ما فيهن من معنى الفعل ويفوقهن بتضمن حروف الفعل ووزنه ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى، وفيه من الضعف بعدم قبول علامة التأنيث والجمع ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبهة فيجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين نحو هو أكفاهم ناصرا، وجعل موافقة للصفة المشبهة إذا توسط نحو تمرنا بُسرا أطيب منه رُطبا، ومررت برجل خيرَ ما يكون خيرٍ منك خيرَ ما تكون، فنصب أطيب بُسرا ورطبا ونصب خيرا منك خير ما يكون وخير ما تكون. وليس هذا على إضمار كان كما ذهب إليه السيرافي ومن وافقه، لأنه خلاف قول سيبويه، وفيه تكلف إضمار ستة أشياء من غير حاجة، ولأن أفعل هناك أفعل في قوله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقربُ منهم للإيمان) في أن القصد بهما تفضيل شيء على نفسه باعتبار متعلقين؛ فكما اتحد هنا المتعلق به كذا يتحد في الأمثلة المشار إليها. وبعد تسليم يلزم إعمال أفعل في إذ وإذا فيكون ما وقع فيه شبيها بما فُرّ منه. وللحال هنا زيادة شبه بالظرف. ثم قال

стр. 741

سيبويه وإنما قال الناس هذا منصوب على إضمار "إذا كان فيما يستقبل، وإذا كان فيما مضى" لأن هذا لما كان معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذا كان وإذ كان. فهذا نص على تقدير "أن كان" لم تدع إليه حاجة من قِبَل العمل، بل من قبل تقريب المعنى. والعامل إنما هو أفعل وقد تقدم دليل ذلك. وإنما ذكرت نصّ سيبويه لئلا يظن مَن لا يعرف كلامه أن مذهبه مخالفا لما ذهبت إليه. وغير السيرافي من الشارحين لكتاب سيبويه مخالفون للسيرافي وذاهبون إلى ما ذهبت إليه. قال أبو علي في التذكرة مررت برجل خير ما تكون خير منك، العامل في خير ما تكون خير منك لا مررت، بدلالة زيد خير ما تكون خير منك. وصحح أبو الفتح قول أبي عليّ في ذلك. وقال أبو الحسن بن كيسان: تقول زيد قائما أحسن منه قاعدا، والمراد يزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعُوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة ولم يجمع بينهما. ومثال هذا أن تقول: حمل نخلتنا بُسْرا أطيب منه رُطبا. ومما يعمل في الحال ولا يتقدم الحال عليه لضعفه الصفة المشبهة به ونحو زيد مثلك شجاعا وليس مثلك جوادا وكذا إذا حذف مثل وضمن المشبه به معناه كقولك زيد زهير شعرا، وأبو يوسف وأبو حنيفة فقها. ومنه. فإنّي الليثُ مَرهُوبًا حماهُ ... وعندي زاجِرٌ دون افتراسي وقد يتوسط هذا النوع بين حالين فيعمل في أحدهما متأخرا وفي الآخر متقدما قول الشاعر: أنا فَذَّاكهم جميعًا فإنْ أمـ ... ـدُدْ أُبِدْهم ولاتَ حين بقاءِ

стр. 742

ومنه: تُعَيِّرُنا أنَّنا عالةٌ ... ونحنُ صعاليك أنتم ملوكا أراد ونحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف مثلا وأقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه وأعمله بما فيه من معنى التشبيه. فإن كان العامل المتضمن معنى الفعل دون حروفه ظرفا أو حرف جر مسبوقا باسم ما الحال له جاز توسيط الحال عند الأخفش صريحة كانت الحال نحو زيد متكئا في الدار، وبلفظ ظرف أو حرف جر كقول الشاعر: ونحنُ مَنَعْنا البحرَ أنْ تشربوا به ... وقد كان منكم ماؤه بمكانِ ويضعف القياس على الصريحة لضعف العامل وظهور العمل. ومن شواهد إجازته قراءة بعض السلف (والسمواتُ مَطْويّاتٍ بيمينه) وقول ابن عباس ﵁: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متواريا بمكة. وقول الشاعر: رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحْقِبي أدْراعِهم ... فيهم ورَهْطُ ربيعةَ بن جِذار ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة كشبه الحال فيه بخبر إن إذا كان ظرفا، فكما استحسن القياس على إنّ عندك زيدا، لكون الخبر فيه بلفظ الظرف الملغى، ولتوسعهم في الظروف بما لا يتوسع في غيرها بمثله، كذا يستحسن القياس على: وقد كان منكم ماؤُه بمكانِ وغير الأخفش يمنع تقديم الحال الصريحة على العامل الظرفي مطلقا. والصحيح جوازه محكوما بضعفه.

стр. 743

ولا يجرى مجرى العامل الظرفي غيره من العوامل المعنوية باتفاق، لأن في العامل الظرفي ما ليس في غيره، من كون الفعل الذي ضمن معناه في حكم المنطوق به، لصلاحية أن يجمع بينه وبين الظرف دون استقباح بخلاف غيره فإنه لازم التضمن غير صالح للجمع بينه وبين لفظ ما تضمن معناه، فكان للعامل الظرفي بهذا مزية على غيره من العوامل المعنوية أوجبت له الاختصاص بجواز تقديم الحال عليه. وأجاز الأخفش في الجملة الحالية المقرونة بالواو إذا كان العامل ظرفا ما أجاز في الحال الواقعة ظرفا أو حرف جر، فيستحسن أن يقال زيد وماله كثير في البصرة. ذكر هذه المسألة في كتاب المسائل. وإذا وقع اسم يحسن السكوت عليه مع ظرف أو جار ومجرور ومعه ما يصلح للخبرية وللحالية جاز جعله خبرا وحالا بلا خلاف، إن لم يكرر ما في الجملة من ظرف أو حرف جر نحو في الدار زيد قائم وقائما. فإن كرر الظرف أو حرف الجر جاز الوجهان أيضا وحكم برجحان النصب، لنزول القرآن به. كقوله تعالى (وأمّا الذين سُعِدوا ففي الجنّة خالدين فيها) وكقوله تعالى (فكان عاقبتَهُما أنّهما في النار خالدين فيها). وادعى الكوفيون أن النصب في مثل هذا لازم، لأن القرآن نزل به لا بالرفع. وهذا لا يدل على أن الرفع لا يجوز، بل يدل على أن النصب أجود منه. فلو كرر الظرف والمخبر عنه لجاز الوجهان أيضا وحكم برجحان الرفع، لنزول القرآن به في قوله تعالى (وأمّا الذين ابْيضَّتْ وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فإن كان ما تضمن الكلام من ظرف أو حرف جر غير مستغنى

стр. 744

به تعين المخيّل للحالية والخبرية خبرا مع التكرار ودونه نحو: فيك زيد راغب، وفيك زيد راغب فيك. وأجاز الكوفيون نصب راغب وشبهه على الحال وأنشدوا: فلا تَلْحَني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاك مُصابَ القلبِ جَمًّا بَلابلُهْ والرواية المشهورة: مصابُ القلب جمٌّ، بالرفع، على أنّا لا نمنع رواية النصب، بل نجوّزها على أن يكون التقدير: فإن بحبها أخاك شغف أو فتن مصاب القلب. فإن ذِكْر الباء داخلة على الحب يدل على معنى شُغف أو فُتن، كما أن ذِكْر في داخلة على زمان أو مكان يدل على معنى استقر، وليس كذِكْر في داخلة على الكاف كقولك فيك زيد راغب. فلا يلزم من جواز نصب مصابَ القلب جما الحكم بجواز نصب راغب ونحوه. وإلى هاتين المسألتين أشرت بقولي: ولا تلزم الحالية في نحو فيها زيد قائما إلى قولي خلافا للكوفيين في المسألتين. فصل: ص: يجوز اتحاد عامل الحال مع تعددها واتحاد صاحبها أو تعدده بجمع وتفريق. ولا تكون لغير الأقرب إلا لمانع. وإفرادها بعد إمّا ممنوع، وبعد "لا" نادر، ويضمر عاملها جوازا لحضور معناه، أو تقدم ذكره في استفهام أو غيره، ووجوبا إن جَرَت مَثَلا، أو بيّنت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا مقرونة بالفاء أو ثم، أو نابت عن خبر أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل في توبيخ وغيره. ويجوز حذف الحال ما لم تنُب عن غيرها، أو يتوقف المراد على ذكرها. وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافا لمن منع. ش: قد تقدم أن للحال شبها بالخبر وشبها بالنعت، فكما جاز أن يكون للمبتدأ الواحد والنعت الواحد خبران فصاعدا ونعتان فصاعدا، فكذلك يجوز أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعدا فيقال: جاء زيد راكبا مفارقا عامرا مصاحبا عمرا،

стр. 745

كما يقال في الأخبار زيد راكب مفارق عامرا مصاحب عمرا. وفي النعت مررت برجل راكب مفارق زيدا مصاحب عمرا. وزعم ابن عصفور أن فعلا واحدا لا ينصب أكثر من حال واحد لصاحب واحد قياسا على الظرف وقال: كما لا يقال قمت يوم الخميس يوم الجمعة، لا يقال جاء زيد ضاحكا مسرعا. واستثنى الحال المنصوبة بأفعل التفضيل نحو زيد راكبا أحسن منه ماشيا. قال: فجاز هذا كما جاز في الظرف زيد اليوم أفضل منه غدا، وزيد خلفك أسرع منه أمامك. ثم قال: وصح ذلك في أفعل التفضيل، لأنه قام مقام فعلين. ألا ترى أن معنى قولك زيد اليوم أفضل منه غدا: زيد يزيد فضله اليوم على فضله غدا. قلت: تنظير ابن عصفور جاء زيد ضاحكا مسرعا بقمت يوم الخميس يوم الجمعة لا يليق بفضله، ولا يقبل من مثله، لأن وقوع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة محال، ووقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال إسراع غير محال. وإنما نظير قمت يوم الخميس يوم الجمعة جاء زيد ضاحكا باكيا، لأن وقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال بكاء محال، كما أن وقوع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة محال. ولكن المشرفي قد ينبو واللاحقي قد يكبو. على أنه يجوز أن يقال جاء زيد ضاحكا باكيا إذا قصد أن بعض مجيئه في حال ضحك وبعضه في حال بكاء. ومثال تعدد الحال مع تعدد صاحبها بجمع جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقى بشر عمرا راكبين، فالأول مثال تعدد الحال بجمع لتعدد صاحبها مع اتحاد إعرابيهما، والثاني مثال التعدد والجمع مع اختلاف الإعرابين. ومن الأول قوله تعالى (وسَخّر لكم الشمسَ والقمرَ دائبين). ومنه هذه ناقة وفصيلها راتعَيْن، على قول من جعل فصيلها معرفة وهي أفصح اللغتين، ومن جعله نكرة على تقدير الانفصال قال هذه ناقة وفصيلها راتعان، على النعت. ومن الثاني قول عنترة:

стр. 746

متى ما تَلْقني فَردَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوانِفُ ألْيتيكَ وتُسْتطارا ومثال تعدد الحال بتفريق لتعدد صاحبها قول الآخر: عهدتُ سُعادَ ذات هوى مُعَنّى ... فزِدتُ وعاد سُلْوانًا هَواها وينبغي عند التفريق أن تجعل أول الحالين لثاني الاسمين وآخرهما لأولهما، ويتعين ذلك إن خيف اللبس لأنه إذا فعل ذلك اتصل أحد الوصفين بصاحبه وعاد ما فيه من ضمير إلى أقرب المذكورين واغتفر انفصال الثاني وعود ما فيه من ضمير إلى أبعد المذكورين، إذ لا يستطاع غير ذلك مع أن اللبس مأمون حينئذ. وأمّا إذا جعل أولى الحالين لأول الاسمين وأخراهما لثانيهما، فإنه يلزم انفصال الموضعين معا والأصل اتصالهما معا، لكنه متعذر فيهما ممكن في أحدهما، فلم يعدل عن الممكن مما يقتضيه الأصل إلا إذا منع مانع وأمن اللبس كقول امرئ القيس: خرجتُ بها أمشي تَجُرُّ وراءَنا ... على أثَرَيْنا ذيلَ مِرْط مُرحَّل ومثله: لقي ابني أخويه خائِفًا ... مُنجِدَيْه فأصابوا مَغْنما ومن الجائي على ما ينبغي قول عمرو بن كلثوم: وإنّا سوف تُدركنا المنايا ... مقدّرةً لنا ومُقَدَّرينا ويجب للحال إذا وقعت بعد إمّا أن تُردَف بأخرى معادا معها إمَّا، كقوله تعالى (إنّا هديناهُ السبيلَ إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا) وإذا وقعت بعد "لا" وجب لها أيضا أن تردف بأخرى معادا معها "لا" كقولك: مَن وجد فلْيُنْفِقْ لا مسرفا ولا مُقترا، إلا أن الإفراد بعد إمّا ممنوع مطلقا، أعني في النثر والنظم، وأما

стр. 747

الإفراد بعد "لا" فمستباح في الشعر كقول الشاعر: قَهرت العِدَى لا مُسْتعينا بعُصْبةٍ ... ولكنْ بأنواعِ الخدائع والمكرِ ويضمر عامل الحال جوازا لحضور معناه، أو لتقدم ذكره، والأول كقولك للراحل: راشدا مهديّا، وللقادم: مَبرورا مأجورا، وللمحدث: صادِقا، بإضمار: تذهب، ورجعت، وتقول. والثاني كقولك: راكبا، لمن قال: كيف جئت؟، وبلى مُسرعا، لمن قال: لم تنطلقْ، بإضمار جئت وانطلقت. ومنه قوله تعالى (بلى قادرين) بإضمار نجمع. ويضمر عاملها وجوبا، فمن ذلك الجارية مَثَلا كقولهم "حظيين بناتٍ صلفين كنّاتٍ" بإضمار عرفتم أو نحو ذلك. ومن المضمر عاملها وجوبا المبيّن بها ازدياد ثمن شيئا فشيئا أو غير ذلك كقولك: بعته بدرهم فصاعدا، تريد فذهب الثمن صاعدا، أو تصدّقْ بدينار فسافلا، تريد فانحطّ سافلا. ومن المضمر عاملها وجوبا الحال السادة مسدّ خبر نحو: ضرْبي زيدا قائما. وقد سبق بيان هذا النوع في باب المبتدأ. ومن المضمر عاملها وجوبا الواقعة بدلا من اللفظ بالفعل في توبيخ وغير توبيخ؛ فالتوبيخ كقولك أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدا وقد سار الركب? وكذلك إن أردت ذلك المعنى ولم تستفهم، تقول قاعدا قد علم الله وقد سار الركب قال سيبويه: "وذلك أنه رأى رجلا في حال قيام أو حال قعود وأراد أن ينبهه" ومن التوبيخ قولهم لمن لا يثبت على حال أتميميا مرة وقيسيّا أخرى، بإضمار أتتحول، وكقولك لمن يلهو وقرناؤه يجدّون ألاهيا وقد جدّ قرناؤك بإضمار أتثبت ونحوه.

стр. 748

ومن التوبيخ قول الشاعر: أراك جَمَعْتَ مسألةً وحرْصًا ... وعندَ الحقِّ زَحّارًا أُنانا الأُنان الأنين والعامل فيه زحّارا، لأن زحَر قريب المعنى من أنَّ. وغيرُ التوبيخ كقولك هنيئا مريئا قال سيبويه: "وإنما نصبته لأنه ذكر خيرا أصابه إنسان فقلت هنيئا مريئا كأنك قلت ثبت له هنيئا مريئا أو هنأه ذلك هناء". قلت: فقد أجاز سيبويه أن يكون الناصب هنيئا ثبت، وأن يكون الناصب هنأه على أن تكون الحال مؤكدة التي في (وأرسلناك للناس رسولا) وفي [قراءة غير حفص] (وسَخَّر لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمره). ويتناول غير التوبيخ المضمر عاملها في الإنشاء كقول الشاعر: ألحِقْ عذابك بالقوم الذين طغوا ... وعائذا بك أنْ يعلوا فيُطْغوني أراد وأعوذ بك، فحذف الفعل وأقام الحال مقامه، كما يفعل بالمصدر لو قيل عياذا منك. ويتناول غير التوبيخ قول النابغة الذبياني: أتاركةً تَدَلُّلَها قَطامِ ... وضَنًّا بالتحيّة والكلامِ

стр. 749

وقد تقدم في باب المفعول المطلق الإعلام بأن المبرد يحمل عائذا بك وأقاعدا وقد سار الركب وأشباه ذلك على أنها مصادر جاءت على وزن فاعل. وبُيّن هناك ضعف مذهبه بالدليل، فلا حاجة إلى إعادته هنا. ويجوز حذف الحال ما لم تنب عما لا يستغنى عنه كالتي سدت مسدّ الخبر، وما لم تقع بدلا من اللفظ بالفعل. وقد تقدم ذكرهما. ومن الأحوال التي لا يجوز حذفها التي لا يفهم المراد إلا بها كحال ما نفى عامله أو نهى عنه كقوله تعالى (وما خلقنا السَّماء والأرض وما بينهما لاعبين) وكقوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) و (ولا تمش في الأرض مرحا). ومن الأحوال التي لا تُحذف لكون المراد لا يُفهم إلا بثبوتها المجابُ بها استفهام كقولك جئتُ راكبا، لمن قال: كيف جئتَ؟، والمقصود بها حَصْر كقوله تعالى (وما أرسلناك إلّا مبشرًّا ونذيرا) ومن الأحوال التي لا تحذف لكون المراد لا يفهم إلا بثبوتها قوله تعالى (وهذا بَعْلي شيخا)، وقول جابر بن عبد الله ﵁ "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان اثنين بواحد) أي متفاضلا. وقول الشاعر: إنَّما المَيْتُ من يعيشُ ذَليلا

стр. 750

وقول الآخر: عدوُّك مَن يُرضيك مُبْطِنَ إحْنةٍ ... ومُبدي دليل البُغض مثلُ صديقِ ومنه قول امرئ القيس: فجُزيتِ خير جزاء ناقة واحدٍ ... ورجعتِ سالمة القَرى بسلامِ ولا ينكر كون الحال في الأصل جائزة الحذف، ثم يعرض ما يجعلها بمنزلة العمدة، فإن ذلك يعرض لغيرها كقوله تعالى (ولم يكن له كُفُوا أحدٌ) فإن "له" فضلة، ولو قدر حذفه انتفت الفائدة. ونظيره من الصفات كقولك: ما في الدنيا رجل يبغضك، فيبغضك نعت للمبتدأ ولو حذف انتفت الفائدة، ومثل ذلك كثير. والأكثر أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، لأنها وإياه كالصفة والموصوف، ولكنهما أيضا كالمميّز والمميز، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلوم أن ما يعمل في المميز والمميز قد يكون واحدا وغير واحد، وكذا ما يعمل في الخبر والمخبر عنه، فكذا الحال وصاحبها قد يعمل فيهما عامل واحد، وقد يعمل فيهما عاملان، ومثال اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة: طاب زيد نفسا، وإن زيدا قائم، وجاء زيد راكبا. ومثال عدم الاتحاد في الثلاثة: لي عشرون درهما، وزيد منطلق، على مذهب سيبويه ومن وافقه، و (إنَّ هذه أمَّتَكم أمَّةً واحدةً) فأمة حال والعامل فيها اسم الإشارة، وأمتكم صاحب الحال والعامل فيها إنّ. قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة انتصابه إذا كان ما قبله مبنيا على الابتداء، لأن المعنى واحد في أنه حال وأن ما قبله قد عمل فيه، ومنعه الاسم الذي قبله أن يكون محمولا على إن: وذلك إن هذا عبد الله منطلقا، وقال جل ذكره: "إن

стр. 751

هذه أمتُكم أمَّةً واحدةً". وقد تقدم من كلامه ما يدل على أن صاحب الحال في: لِعَزة مُوحشًا طَلَلُ هو المبتدأ لا الضمير المستكن في الخبر. وبينت رجحان قوله على قول مَن زعم أن صاحب الحال هو الضمير. ومن ورود الحال وعاملها غير عامل صاحبها قولهم: ها قائما ذا زيد، فنصب الحال حرف التنبيه وليس له عمل في صاحبها. ومنه قول الشاعر: ها بيّنًا ذا صريحُ النصْح فاصْغُ له ... وطِع فطاعةُ مُهْدٍ نُصحَهُ رَشَدُ فصل: ص: يؤكد بالحال ما نصبها من فعل أو اسم يشبهه. وتخالفهما لفظا أكثر من توافقهما، ويؤكد بها أيضا في بيان يقين أو فخر أو تعظيم أو تصاغر أو تحقير أو وعيد خبر جملة جزءاها معرفتان جامدان جمودا محضا، وعاملها أحقّ أو نحوه مضمرا بعدهما، لا الخبر مؤولا بمسمى، خلافا للزجاج، ولا المبتدأ مضمنا تنبيها خلافا لابن خروف. ش: الحال المؤكدة ضربان: أحدهما ما يؤكد عامله، والثاني ما يؤكد خبر جملة لا عمل لجزءيها فيه، فالأول ضربان: ضرب يوافق عامله معنى لا لفظا وهو كثير، وضرب يوافق عامله لفظا ومعنى وهو قليل. فمن الأول قوله تعالى (ولا تعْثَوا في الأرض مفسدين) وقوله تعالى (ثُمَّ وليْتُم مُدْبرين) وقوله

стр. 752

تعالى (ويوم أُبعثُ حيًّا)، وقوله تعالى (ولو شاء ربُّكَ لآمن مَن في الأرضِ كُلُّهم جميعا) وقوله تعالى (فتَبسَّم ضاحِكًا من قولها). ومن هذا القبيل قول لبيد: وتضيءُ في وجه الظلام مُنيرةً ... كجُمانةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نِظامُها ومثله قول لبيد أيضا: فعَلَوْت مُرتقبًا على ذي هَبْوَةٍ ... حرجٍ إلى أعلامِهنَّ قَتامُها ومنه قول الشاعر: فإنِّي اللَّيْثُ مَرْهُوبًا حِماهُ ... وعندي زاجرٌ دون افتراسي فمرهوبا حماه حال مؤكدة للخبر وهو العامل فيها بما تضمن من معنى التشبيه. ومن هذا القبيل أيضا ما مثّل به سيبويه من قولهم: هو رجل صدق معلوما ذلك، أي معلوما صلاحه، كذا قدّر سيبويه، ورجل صدق بمعنى صالح فأجرى مجراه إذا قيل هو صالح معلوما صلاحه. ومن هذا القبيل قول أمية بن أبي الصلت: سلامَكَ رَبَّنا في كُلِّ فجرٍ ... بَريئًا ما تَغَنَّثُكَ الذُّمومُ

стр. 753

فبريئا حال مؤكدة لسلامك، ومعناه البراءة مما لا يليق بجلالك، وهو العامل في الحال؛ لأنه من المصادر المجعولة بدلا من اللفظ بالفعل. ومن هذا القبيل ? عندي -: هو أبوك عطوفا، وهو الحق بيّنا، لأن الأب والحق صالحان للعمل، فلا حاجة إلى تكلف إضمار عامل بعدهما. ومن الثاني قوله تعالى (وأرسلناك للناس رسولا) وقوله تعالى (وسخَّر لكم الليلَ والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره) [في غير قراءة حفص]. ومنه قول امرأة من العرب: قُمْ قائِمًا قُمْ قائما ... صادَفْتَ عَبْدًا نائِما ... وعُشراءَ رائِما ومثله قول الشاعر: أصِخْ مُصيخًا لمَن أبدى نصيحتَه ... والزمْ توَفِّي خَلْط الجِد باللَّعب وأما الحال المؤكد بها خبر جملة جزءاها معرفتان جامدان، فمنها المؤكدة بيان اليقين نحو هو زيد معلوما ومنه قول سالم بن دارة: أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نَسَبِي ... وهل بِدارَةَ يا للنَّاسِ مِنْ عارِ كأنه قال هو زيد لا شك فيه، وأنا ابن دارة لا شك فيّ. ومنها المؤكدة بيان فخر نحو أنا فلان شجاعا أو كريما. ومنها المؤكدة بيان تعظيم نحو [هو] فلان

стр. 754

جليلا. ومنها المؤكدة بيان تصاغر نحو أنا عبدك فقيرا إلى عفوك. ومنها المؤكدة بيان تحقير نحو هو فلان مأخوذا مقهورا. ومنها المؤكدة بيان وعيد نحو أنا فلان متمكنا منك فاتَّق غضبي. ومنه قول الراجز: أنا أبو المِرْقالِ عَفًّا بَطْنًا ... لمَن أُعادِي مِدْسَرًا دَلنْظا ولا تكون هذه الحال أعني المؤكدة لهذه المعاني إلا بلفظ دال على معنى ملازم أو شبيه بالملازم في تقدم العلم به، وتقدير عاملها بعد الخبر أحقه أو أعرفه إن كان المخبر عنه غير أنا، وإن كان أنا فالتقدير أحق أو أعرف أو اعرفني. وهذا أولى من قول الزجاج هو الخبر لتأوله بمسمى، وأولى من قول ابن خروف إن العامل هو المبتدأ لتضمنه معنى تنبه. وأشرت بقولي أو شبيه بالملازم في تقدم العلم به إلى قول سيبويه وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتك لو أراد أن يخبرك عن نفسه أو غيره بأمر فقال أنا عبد الله منطلقا، أو هو زيد منطلقا كان محالا، لأنه إنما أراد أن يخبر بالانطلاق ولم يقل هو لا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأن هو وأنا علامتان للمضمر، وإنما يضمر إذا علم أنك قد عرفت مَن يعني. ثم قال: إلا أن رجلا لو كان خلف حائط أو في موضع تجهله فيه فقلت مَن أنت؟ فقال أنا عبد الله منطلقا في حاجتك كان حسنا. قلت الانطلاق في الأول مجهول والإعلام به مقصود غير مستغنى عنه، فحقه أن يرفع بمقتضى الخبرية. فالاسم الذي قبله معلوم مستغنى عن ذكره، فحقه ألا يجعل خبرا، وإذا جعل خبرا ما حقه ألا يكون خبرا، وجعل فضلة ما حقه أن يكون عمدة لزم كون الناطق بذلك مجهولا، وكون المنطوق به محالا عما هو به أولى. فهذا معنى قول سيبويه: كان محالا، وإنما استحسن قول من قال أنا عبد الله منطلقا في حاجتك، لأن السائل كان عنده منطلقا في حاجته من قبل أن يقول له: من أنت؟

стр. 755

فصار ما عهده بمنزلة شيء ثبت له في نفسه، كشجاع وكريم فأجراه مجراه. فصل: ص: تقع الحال جملة خبرية غير مفتتحة بدليل استقبال، متضمنة ضمير صاحبها، ويغني عنه في غير مؤكدة ولا مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا أو ما، أو بماضي اللفظ تال لإلّا أو متلوّ بأو ? واو تسمى واو الحال وواو الابتداء. وقد تجامع الضمير في العارية من التصدير المذكور، واجتماعهما في الاسمية والمصدرة بليس أكثر من انفراد الضمير. وقد تخلو منهما الاسمية عند ظهور الملابسة، وقد تصحب الواو المضارع المثبت أو المنفي بلا، فيجعل على الأصح خبر مبتدأ مقدر. وثبوت قد قبل الماضي غير التالي لإلا والمتلو بأو أكثر من تركها إن وجد الضمير. وانفراد الواو حينئذ أقل من انفراد قد. وإن عدم الضمير لزمتا. ش: قيدت الجملة الواقعة حالا بخبرية احترازا من الطلبية، فإنها لا تقع حالا، وكذلك المصدرة بفعل مقرون بحرف تنفيس أو منفي بلن. وإلى ذلك أشرت بقولي "غير مفتتحة بدليل استقبال" وبعد استثناء الجملة الطلبية والمفتتحة بدليل استقبال يعلم أن الجملة التي تقع حالا جملة ابتدائية نحو (وقلنا اهبطوا بعضُكم لبعضٍ عَدُوٌّ)، أو مصدرة بإنّ نحو قوله تعالى (وما أرسلنا قبلَك من المرسلين إلّا إنهم ليأكلون الطعامَ)، أو مصدرة بكأنّ كقوله تعالى (نبذ فريقٌ من الذين أُتوا الكتاب كتابَ الله وراءَ ظهورهم كأنّهم لا يعلمون). وقول زهير: يَلُحْن كأنَّهُنَّ يدا فتاةٍ ... تُرَجَّع في معاصِمها الوُشومُ وكقول ربيعة بن مقروم: فدارَتْ رَحاها بفُرْسانهم ... فعادوا كأنْ لم يكونوا رَميما

стр. 756

وكقول امرئ القيس: فظللْتُ في دِمَنِ الديارِ كأنني ... نَشْوانُ باكَرَه صَبوحُ مُدامِ أو مصدره بلا التبرئة نحو: (واللهُ يحكم لا مُعقِّبَ لحكمه) وكقول بعض الطائيين: مَن جادَ لا مَنَّ يَقْفُو جُودَه حُمِدا ... وذو ندًى مَنَّ مذمومٌ وإنْ مَجُدا ومثله: نَصَبْتُ له وجهي ولا كِنَّ دونَهُ أو مصدرة بما كقول عنترة: فرأيْتُنا ما بيننا مِن حاجز ... إلّا المِجَنُّ وحدُّ أبيضَ مفْصِل أو مصدّرة بمضارع مثبت نحو (ويَمُدُّهم في طُغيانهم يعمهون) أو مصدرة بمضارع منفي بلا نحو (وما لنا لا نؤمن بالله)، أو مصدرة بمضارع منفي بما كقوله: عَهِدتُكَ ما تَصْبوا وَفيكَ شبيبةٌ ... فما لك بعد الشَّيْب صَبًّا مُتَّيما

стр. 757

وكقول امرئ القيس: ظللْتُ ردائي فوق رأسي قاعدًا ... أعدُّ الحصى ما تنقضي عبراتي أو مصدرة بلم كقوله تعالى (فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسْهم سوءٌ) وكقوله تعالى: (وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا). وكقول زهير: كأنَّ فُتات العِهْن في كلِّ مَنزلِ ... نَزَلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحطَّمِ أو مصدرة بماض تال لإلّا نحو (ما يأتيهم من رسولٍ إلّا كانوا به يستهزئون) أو مصدرة بماض متلو بأو كقول الشاعر: كُنْ للخليل نصيرًا جارَ أو عَدَلا ... ولا تشحَّ عليه جاد أو بَخِلا أو مصدرة بماض مخالف لذينك كقوله تعالى (أو جاءوكم حَصِرتْ صدورهم) فكل واحدة من هذه الجمل في موضع نصب على الحال، ومتضمنة لضمير يعود على صاحب الحال يربطها به، وقد تجامعه واو الحال، أو تغني عنه في غير مؤكدة ولا مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا أو ماض تال لإلّا أو متلو بأو. ومجامعته الواو في الجملة الاسمية أكثر من انفراده. فمن مجامعته الواو (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون) و (وتنسونَ

стр. 758

أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) و (ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد) و (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ) و (لِمَ تكفرون بآياتِ الله واللهُ شهيدٌ على ما تعملون) و (فلا تموتُنَّ إلّا وأنتم مسلمون). ومنه قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ومنه قول امرئ القيس: نظرتُ إليها والنجومُ كأنَّها ... مصابيحُ رُهْبان تُشَبُّ لقُفّالِ وقوله: أيَقْتُلُني والمشرِفيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوال وقوله: لياليَ يَدعوني الهوى فأُجيبُه ... وأعْيُن مَن أهوى إليَّ روانِ ومن الاستغناء بالواو عن الضمير قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنةً نعاسًا يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمّتهم أنفُسُهم)، وقوله تعالى: (لئِنْ أكله الذئبُ ونحن عُصْبةٌ) وقوله تعالى (كما أخرجك ربُّكَ مِن بيتِك

стр. 759

بالحقِّ وإنَّ فريقًا من المؤمنين لكارهون) وكقوله ﷺ "كنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين". ومنه قول امرئ القيس: وقد أغتدي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... بمُنْجرد قَيْد الأوابد هَيْكلِ وقوله أيضا: إذا ركبوا الخيلَ واستلأموا ... تَحَرَّقَتِ الأرضُ واليومُ قُرُّ وقوله: بَعثتُ إليها والنجومُ طوالعٌ ... حِذارًا عليها أن تقومَ فَتُسْمَعا وقوله: لك الويلُ إنْ أمْسى ولا أمُّ هاشِم ... قريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا ومنه قول طرفة: أرَقَّ العينَ خَيالٌ لم يَقِر ... طاف والرَّكْبُ بصَحْراءَ يُسْرُ ومنه قول عنترة: يَدْعونَ عنْتَر والرماحُ كأنّها ... أشْطانُ بئْرٍ في لَبانِ الأدْهم

стр. 760

ومن الاستغناء عن الواو بالضمير قوله تعالى: (وقلنا اهبطوا بعضهم لبعض عدو) وقوله تعالى: (اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ) وقوله تعالى (ولمّا جاءهم رسول من عند الله مصدِّقٌ لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) وقوله تعالى (والله يحكم لا معقِّب لحكمه) وقوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنّهم ليأكلون الطعام) وقوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوهُهم مُسوَدّة). ومنه قول الشاعر: وتشربُ أسارِي القطا الكُدْرُ بعدما ... سَرَتْ أحْناؤُها تَتَصَلْصُلُ ومثله: حتى تركناهم لدى مَعْركٍ ... أرْجُلُهم كالخشبِ الشّائل ومثله: لهم لواءٌ بكفَّي ماجدٍ بطلٍ ... لا يقطعُ الخِرْقَ إلّا طرْفُه سامِ ومثله: راحُوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وَأَى ومثله:

стр. 761

ثم راحوا عبَقُ المِسْكِ بهم ... يُلْحِفون الأرضَ هُدّابَ الأُزُرْ ومثهل: فغَدَتْ كِلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافةِ خلفُها وأمامُها ومثله: ما بالُ عينك دمعُها لا يَرْقأ ... وحَشاك مِن خَفقانه لا يَهْدأُ ومثله: ظعنتْ أمامةُ قلبُها بك هائمٌ ... فاعصِ الذي يُغريك بالسلوان ومثله: أتاني المعليَّ عذرُه مُتبيِّنٌ ... فمنَ يعزُه للبغي فهْوَ ظلومُ ومثله: الذئبُ يَطْرُقها في الدهر واحدةً ... وكلَّ يومٍ تراني مُدْيةٌ بيدي وروى سيبويه: كلمته فوه إلى فيّ، و"رجع عوده على بدئه". وزعم الزمخشري أن قولهم كلمته فوه إلي فيّ نادر. وهو من المسائل التي حرفته عن الصواب، وعجزتْ ناصره عن الجواب. وقد تنبه في الكشاف فجعل قوله تعالى (بعضكم لبعض عدوّ) في موضع نصب على الحال، وكذا فعل بـ "لا

стр. 762

معقب لحكمه"، فقال: هو جملة محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، يريد حاسرا. هذا نصه في الكشاف. وعندي أن إفراد الضمير أقيس من إفراد الواو، لأن إفراد الضمير وُجد في الحال وشبهها وهما الخبر والنعت، وإفراد الواو مستغنى بها عن الضمير لم يوجد إلا في الحال، فكان لإفراد الضمير مزية على إفراد الواو. ومن اجتماع الواو والضمير في المصدرة بليس قوله تعالى (ولا تيَّمَموا الخبيثَ منه تنفقون ولستم بآخذيه إلّا أن تغمضوا فيه) ومنه قول الشاعر: أعَنْ سيِّء تنهى ولست بمُنتَهٍ ... وتُدْعى بخَيْر أنتَ عنه بمَعْزِلِ ومثله: وقد علمتْ سلمى وإنْ كان بعلها ... فإنّ الفتى يهذي وليس بفَعّال ومثله: صرفتُ الهوى عنهنّ مِن خشية الرّدى ... ولستْ بمقْلِيّ الخِلال ولا قالي ومن انفراد الواو قول الشاعر: دهم الشتاءُ ولستُ أمْلِكُ عُدّة ... والصَّبرُ في السَّبَرات غيرُ مُطيع ومثله:

стр. 763

تسلّت عماياتُ الرجالِ عن الصِّبا ... وليس صبايَ عن هواها بمُنْسَلِ ومن إفراد الضمير قول الراجز: إذا جرى في كفّه الرشاءُ ... جرى القَليب ليس فيه ماءُ وحكى سيبويه الاستغناء عن الواو بنية الضمير إذا كان معلوما كقولك مررت بالبر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم، وجاز هذا كما جاز في الابتداء السمن منوان بدرهم، على تقدير منوان منه بدرهم. فلو قيل بيع السمن منوان بدرهم على تقدير منه وجعل الجملة حالا لجاز وحسن. وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي "وقد تخلو منهما عند ظهور الملابسة". ثم قلت "وقد تصحب الواو المضارع المثبت أو المنفي بلا فيجعل على الأصح خبر مبتدأ مقدر" فأشرت بذلك إلى قول بعض العرب: قمت وأصك عينه، رواه الأصمعي، وإلى قول عنترة: عُلِّقْتُها عَرَضا وأقْتُلُ قومَها ... زَعْمًا ورَبِّ البيتِ ليس بمَزعَم وإلى قول زهير: بَلينَ وتحسَبُ آياتهنْـ ... ـنَ عَن فرْط حوْلَيْن رِقًّا مُحيلا وإلى قول الآخر: فلمَّا خَشيتُ أظافيرَهم ... نجوْتُ وأرْهَنُهم مالِكا ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى (قالوا نُؤمنُ بما أُنزِل علينا ويكفرون

стр. 764

بما وراءَه) وقوله تعالى (إنّ الذين كفروا ويصُدُون عن سبيل الله) وقراءة غير نافع (ولا تُسْأَلُ عن أصحاب الجحيم) وقراءة ابن ذكوان (فاستقيما ولا تَتَّبِعانِ) تخفيف النون. والتقدير: قمت وأنا أصكّ، وعلقتها عرضا وأنا أقتل قومها" وبَلين أنت تحسب آياتهن، ونجوت وأنا أرهنهم، وقالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفرون وإن الذين كفروا وهم يصدون وإنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وأنت لا تسأل عن أصحاب الجحيم، وفاستقيما وأنتما لا تتبعان. فإن كانت الجملة مصدرة بمضارع منفي بلم جاز فيها ما يجوز في الجملة الاسمية من إفراد الضمير كقوله تعالى (فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ) وكقوله تعالى (وردَّ اللهُ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) وكقول زهير: كأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِ منزل ... نزلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحطَّم وكقول امرئ القيس:

стр. 765

فأدْرَكَ لم يَجْهدْ ولم يَثْنِ شأوَه ... يَمُرُّ كخُذرُوف الوليد المثقَّبِ وكقول أبي القيس بن الأسلت: وأضْرِب القَوْنَس يومَ الوغى ... بالسَّيفِ لم يَقْصُرْ به باعِي وكقول عنترة: إذ يتَّقون بي الأسِنَّة لم أخِم ... عنها ولكنّي تَضايَقَ مُقْدَمِي ومن إفراد الواو قول عنترة: ولقد خَشيتُ بأنْ أموتَ ولم تكنْ ... للحرْب دائرةٌ على ابنَي ضَمْضَم وكقوله: وقد كنتُ أخشى أن أموتَ ولم تكنْ ... قرائبُ عَمرو وسْط نَوْح مُسَلّب ومن اجتماع الواو والضمير قوله تعالى: (أو قال أُوحِي إليّ ولم يُوحَ إليه شيء) وقوله تعالى (أنّى يكون لي غُلام ولم يمسسني بَشَرٌ) وكقول كعب: لا تأخذنّي بأقوال الوُشاةِ ولم ... أُذنبْ وإن كثرتْ فيَّ الأقاويلُ وكقول الآخر:

стр. 766

سقط النصيفُ ولم تُرِد إسقاطَه ... فتناولتْه واتَّقَتنا باليد ومثله: بأيدي رجالٍ لم يَشيمُوا سُيُوفهم ... ولم تكثُرِ القتلى بها يومَ سُلَّتِ وكثرت شواهد لم، لأن ابن خروف قال: فإن كانت ماضية معنى لا لفظا احتاجت إلى الواو، كان فيها ضميرا أو لم يكن، والمستعمل بخلاف ما قال. والمنفي بلما كالمنفيّ بلم في القياس، إلا أنّي لم أجده مستعملا إلا بالواو كقوله تعالى (ولمّا يأتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا مِن قبلكم) وكقول الشاعر: بانتْ قَطامِ ولمّا يَحْظَ ذومِقَة ... منها بوصْل ولا إنجازِ مِيعادِ فإن صُدّرت الجملة بفعل ماض لفظا وليس قبله إلا ولا بعده أو، فإما أن يتضمن ضمير صاحب الحال أو لا يتضمنه، فإن تضمنه فالأكثر أن يكون الفعل مقرونا بالواو وقد كقوله تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلامَ الله ثم يحرِّفُونه) وكقوله تعالى (أنَّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبرُ) وكقوله تعالى (وما لكم ألّا تأكلوا ممّا ذُكِر اسم الله عليه وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم عليكم)، وكقوله تعالى (الآن وقد عَصَيْتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين) وكقول امرئ القيس:

стр. 767

أيقتُلُني وقد شَغَفْتُ فُؤادَها ... كما شَغَف المهنوءةَ الرجُلُ الطّالي وكقول زهير: كأنّي وقد خلّفْتُ تسعين حجّة ... خَلَعْتُ بها عن مَنكبِيَّ رِدائيا وكقول علقمة: يكلّفُني ليلى وقد شَطَّ وَليُها ... وعادتْ عوادٍ بيننا وخُطوبُ وانفراد الضمير مع التجرد من قد والواو أكثر من اجتماعه مع أحدهما، واجتماعه مع الواو وحدها أكثر من اجتماعه مع قد وحدها. فمن انفراد الضمير قوله تعالى (أوْ جاءوكم حَصِرَتْ صدورُهم) وقوله تعالى: (هذه بضاعتُنا رُدَّتْ إلينا) وقوله تعالى (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تَولَّوا) وقوله تعالى (وجاءوا أباهم عشاءً يبكون قالوا) ومنه قول امرئ القيس: له كَفل كالدِعْص لبَّدَه الندى ... إلى حارك مثلِ الغَبيط المُذَأبِ وقوله أيضا: دَريرٍ كخُذروف الوليد أمرّه ... تقلُّبُ كَفَّيْه بخيطٍ مُوَصّل وقول طرفة: وكرِّي إذا نادى المضافُ مُحنّبا ... كسِيد الغَضا نبّهته المتورِّد

стр. 768

وقال الذبياني: سبقت الرجال الباهشين إلى العُلا ... كسَبْق الجواد اصطاد قبل الطوارد ومثله: وإني لتعروني لذكراك هِزّة ... كما انتفضَ العصفورُ بلَّلَه القطرُ ومثال اجتماع الضمير مع الواو وحدها قوله تعالى (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) وقوله تعالى (الَّذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتِلوا) وقوله تعالى (ونادى نوحٌ ابنه وكان في مَعْزِلٍ). وقوله تعالى (وقال الذي نجا منهما وادَّكر بعد أُمّةٍ) وقوله تعالى (قال ربِّ أنَّى يكون لي غلامٌ وكانت امرأتي عاقرا). ومثال اجتماع الضمير مع قد وحدها قول الشاعر: أتيناكم قد عمّكم حَذَرُ العِدى ... فنِلتم بنا أمْنا ولم تَعْدموا نصْرا ومثله: بَصرتْ بي قد لاح شيبي فصدّتْ ... فتسلَّيْتُ واكتَسيتُ وقارا وقال النابغة: وقفتُ بربْع الدار قد غَيَّر البِلى ... معارِفَها والسارياتُ الهواطِلُ وزعم قوم أن الفعل الماضي لفظا لا يقع حالا وليس قبله قد ظاهرة إلا وهي

стр. 769

قبله مقدرة. وهذه دعوى لا تقوم عليها حجة، لأن الأصل عدم التقدير، ولأن وجود قد مع الفعل المشار إليه لا يزيد معنى على ما يفهم به إذا لم توجد. وحق المحذوف المقدر ثبوته أن يدل على معنى لا يدرك بدونه. فإن قيل قد تدل على التقريب، قلنا دلالتها على التقريب مستغنى عنها بدلالة سياق الكلام على الحالية، كما أغنى عن تقدير السين وسوف سياق الكلام في مثل قوله تعالى (وكذلك يجتبيك ربُّك ويُعلّمُك من تأويل الأحاديث). بل كما استغنى عن تقدير قد مع الماضي القريب الوقوع إذا وقع نعتا أو خبرا. ولو كان الماضي معنى لا يقع حالا إلا وقبله قد مقدرة لامتنع وقوع المنفي بلم حالا، ولكان المنفي بلما أولى منه بذلك، لأن لم تنفي فَعل، ولمّا تنفي قد فعل، وهذا واضح لا ريب فيه. وأجاز بعض من قَدّر قبل الفعل الماضي الاستغناء عن تقديرها بجعل الفعل صفة لموصوف مقدّر، وهو أيضا تكلّف شيء لا حاجة إليه. قال أبو الحسن بن خروف: وزعم ابن بابشاذ أن سيبويه ﵀ يجعل حصرت صدورهم صفة لقوم. ولم يفعل ذلك سيبويه. قلت صدق أبو الحسن ﵀ وغفر لابن بابشاذ. وقال الزمخشري في الكشاف عند كلامه على قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) الواو في قوله تعالى وكنتم أمواتا للحال (فإن) قلت فكيف يصح أن يكون حالا وهو ماض ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام الأمير، إلا أن تضمر قد. قلت: لم تدخل الواو على كنتم أمواتا وحده، ولكن على جملة قوله تعالى (كنتم أمواتا) إلى (ترجعون) كأنه قيل كيف تكفرون وقصتكم هذه. قلت: حاصل كلام الزمخشري أن وقوع الفعل الماضي لفظا ومعنى حالا جائز لكن بشرط تقدم قد عليه ظاهرة أو مقدرة. وقد تقدم الرد على من اشترط ذلك.

стр. 770

فإن قيل فبأي اعتبار جاز أن يعمل تكفرون وهو حاضر المعنى في مضمون وكنتم أمواتا وهو ماضي المعنى، وحق الحال وعاملها أن يقترنا في الوجود؟ فالجواب أن الاقتران يقنع منه بالتقدير هنا كما قنع منه بالتقدير في نحو زيد اليوم في يده صقر صائدا به غدا. فالحال كنتم أمواتا ماضية مقدرة الحضور، وفي "صائدا به غدا" مستقبلة مقدرة الحضور، فإن لم تتضمن الجملة الحالية ضميرا يعود إلى صاحب الحال لزمت الواو وقد كقول امرئ القيس: فجِئْتُ وقد نَضَّتْ لنَوْم ثيابَها ... لدى الستْر إلّا لِبْسة المتفضِّل وكقول النابغة: فلو كانت غداة البين مَنَّتْ ... وقد رَفعوا الخُدورَ على الخيام سمحتُ بنظرة فرأيتُ منها ... تُحَيت الخِدر واضعةَ القِرام وكقول علقمة: فجالدتَهم حتى اتّقوْك بكبْشهم ... وقد حان من شمس النهارِ غُروب وكقول امرئ القيس: أيقتُلني وقد شَغَفْتُ فؤادَها ... كما شغف المهنوءةَ الرجلُ الطَّالِي وإن كانت الجملة الحالية مؤكدة منعت الواو اسمية كانت أو فعلية نحو هو الحق لا ريب فيه، وكقول امرئ القيس: خالي ابنُ كَبْشَةَ قد علمتَ مكانَه ... وأبو يزيدَ ورهْطُه أعمامي وخلت هذه من الواو لاتحادها بصاحبها من وجهين: أحدهما كونها حالا والحال

стр. 771

وصاحبها شيء واحد في المعنى، والثاني كونها مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى. وقد لزم من الاتحاد من وجه في غير المؤكدة تغليب عدم الواو على وجودها، فليترتب على الاتحاد من وجهين لزوم عدم الواو. فصل: ص: لا محل إعراب للجملة المفسرة، وهي الكاشفة حقيقة ما تلته مما يفتقر إلى ذلك، ولا للاعتراضية وهي المفيدة تقوية بين جزءي صلة أو إسناد أو مجازاة أو نحو ذلك، ويميزها من الحالية امتناع قيام مفرد مقامها، وجواز اقترانها بالفاء ولن وحرف تنفيس وكونها طلبية، وقد تعترض جملتان خلافا لأبي علي. ش: لما انقضى الكلام على الجملة الحالية، وكان من الجمل جملتان تشابهانها وتغايرانها وجب التنبيه عليهما، وعلى ما يتميزان به، فالجملتان هما المفسرة والاعتراضية، وكلتاهما لا موضع لها من الإعراب، فالمفسرة كقوله تعالى (خلقه من تراب) بعد قوله تعالى (إنَّ مثل عيسى عند الله) وكقول النابغة: يكوى غيره وهو راتع، من قوله: تكلّفني ذنب امرئ وتركْتَه ... كذِي العُرّ يُكْوَى غيرُه وهْو راتِعُ والاعتراضية الواقعة بين موصول وصلة، كقول الشاعر: ماذا ولا عَتّبَ في المقدورِ رُمت أمَا ... يُحظيك بالنّجْح أمْ خُسْرٌ وتضليلُ وكقول الآخر: وتركي بلادي والحوادثُ جمةٌ ... طريدًا وقِدْمَا كنتُ غيرَ مطّرِد وكقول الآخر:

стр. 772

ذاك الذي وأبيك يعرف مالِكًا ... والحقُّ يدفعُ ترّهاتِ الباطِل وبين مسند ومسند إليه كقول الشاعر: وقد أدْركتني والحوادث جمةٌ ... أسنةُ قوم لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ وبين شرط وجواب كقوله تعالى (إنْ يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللهُ أولى بهما فلا تَتَّبِعوا الهوى أنْ تعدِلوا). وكقول الشاعر: إمّا تَرَيني قد نَخِلتُ ومَن يكُنْ ... غَرضًا لأطْراف الأسنَّة يَنْحل فَلَربَّ أبلجَ مثلَ بِعْلِكِ بادِنٍ ... ضَخْمٍ على ظهر الجوادِ مهبّل غادَرْتهُ متعفِّرًا أوصالُه ... والقومُ بين مُجرَّح ومُجدّلِ وبين قسم وجوابه كقوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النُّجوم* وإنّه لقسمٌ لو تعلمون عظيمٌ * إنّه لقرآنٌ كريمٌ). وكقول الشاعر: لعمري وما عَمْري عليّ بهيّن ... لقد نطقت بُطْلًا عليّ الأقارِعُ وبين فعل ومفعول كقول الراجز: وبَدّلتُ والدهرُ ذو تبدُّلِ ... هَيفا دَبُورا بالصَّبا والشمأل أو أبين كأن واسمها كقول الشاعر:

стр. 773

كأنّ وقد أتى حوْلٌ جديدٌ ... أثافِيها حماماتٌ مُثُولُ فلو أقمت مفردا مقام ولا عتب في المقدور، أو مقام والحوادث جمة، أو مقام وأبيك، أو مقام فالله أولى بهما، أو مقام ومن يكن غرضا لأطراف الأسنة ينحل، أو مقام وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، أو مقام وما عمري عليّ بهيّن، أو مقام والدهر ذو تبدّل، لوجدته ممتنعا، فدل ذلك على أنها جمل اعتراضية لا حالية، لأن الجملة الحالية لا يمتنع أن يقام مفرد مقامها، فهذا أحد الأمور الفارقة بين الجملة الاعتراضية والحالية. ومنها اقترانها بلن كقوله تعالى (فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا) وبحرف تنفيس كقول زهير: وما أدري وسوف إخالُ أدْري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ أو بالفاء كقوله تعالى (فاللهُ أولى بهما). وكقول الشاعر: ألا أبلغُ بَنيَّ بني رَبيع ... فأشرارُ البنينَ لهم فداءُ بأنّي قد كبرت وطال عُمْري ... فلا تَشْغَلْهُم عنّي النساءُ وكقول الآخر: واعلمْ فعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُه ... أنْ سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِرا ومن الأمور الفارقة التي تتميز بها الجملة الاعتراضية كونها طلبية، كقول تعالى (ولا تؤمنوا إلّا لِمن تبع دينكم قلْ إنّ الهدى هدى اللهِ أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أُوتِيتم) فقل إن الهدى هدى الله جملة معترضة بين "تؤمنوا" و"أن يؤتى أحد"

стр. 774

ومن الجملة الطلبية المعترضة قوله تعالى (ومن يغفر الذنوبَ إلا اللهُ) اعترضت بين) استغفروا ولم يُصرُّوا) وهما جملتان معطوف إحداهما على الأخرى في صفة الذين. ومن الجمل الطلبية المعترضة قول الشاعر: إنَّ سُلَيْمى ? واللهُ يكلؤُها- ... ضنّتْ بشيءٍ ما كان يَرْزَؤُها فقوله والله يكلؤها جملة ابتدائية بمعنى الدعاء، وقد اعترضت بين اسم إنّ وخبرها. وزعم أبو علي أن الاعتراض لا يكون إلا بجملة واحدة، وليس بصحيح ما زعم، بل الاعتراض يكون بجملتين كثيرا، ومن ذلك قول زهير: لعَمرُ أبيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... وفي طُول المُعاشرةِ التقالي لقد باليت مظعنَ أمِّ أوفى ... ولكنْ أمُّ أوْفى لا تُبالي ومنه قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزُّبر) قال الزمخشري في الكشاف: (ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما "فأخذناهم بغتة" و (أفأمن أهل القرى) وهذا اعتراض بكلام تضمن سبع جمل:

стр. 775

باب التمييز ص: وهو ما فيه معنى "من" الجنسية، من نكرة منصوبة فضلة غير تابع، وتميّز إمّا جملة وستبيّن، وإمّا مفردا عددا، أو مفهم مقدار، أو مثلية أو غيرية، أو تعجب بالنص على جنس المراد بعد تمام بإضافة أو تنوين أو نون تثنية أو جمع أو شبهه. وينصبه مميزه لشبهه بالفعل أو شبهه. ويجره بالإضافة إن حذف ما به التمام. ولا يحذف إلا أن يكون تنوينًا ظاهرا في غير ممتلئ ماء ونحوه، أو مقدرا في غير ملآن ماء وأحد عشر درهما، وأنا أكثر مالا ونحوهن، أو يكون نون تثنية أو جمع تصحيح، أو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه في غير ممتلئَين، ممتلئين غضبا. ش: التمييز والتبيين والتفسير والمميز والمبين والمفسر أسماء للنكرة الرافعة للإبهام في نحو: امتلأ الإناء ماء، وزيد حسن وجها، وله رطل زيتا، ومُدبّرًا وذراعان حريرا وعشرون درهما. وحُدِّد جره بما فيه معنى من احترازا من الحال فإنها تشاركه فيما سوى ذلك من القيود، وقيدت بالجنسية ليخرج ما فيه معنى مِن وليست جنسية كذنبا من قول الشاعر: أسْتغفِر اللهَ ذنبا لستُ مُحصيه ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ فإن فيه ما في التمييز من التنكير والنصب والفضلية وعدم التابعية ووجود معنى من إلا أنها غير جنسية فلذلك لم يجعلوا ذنبا تمييزا، بل مفعولا به. وقيدت التمييز بنكرة احترازا من المعرفة المنتصبة على التشبيه بالمفعول به في نحو حسن وجهه، فإن فيه ما في حسن وجها إلا التنكير، فبذلك افترقا ولم ينتصبا من وجه واحد وذكر النصب احترازا من النكرة المضاف إليها وفيها معنى من الجنسية نحو له رطل زيتٍ. وخرج بفضلة اسم لا المحمولة على إنّ نحو لا خيرا من زيد فيها، فإن فيه ما في التمييز إلا الفضلية ففيه ضدها. وخرج بغير تابع ما جعل تابعا للعدد من جنس المعدود نحو قبضت
следующие страницы →