Полный текст (1 399 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ووجهُ أبيه، ووجه أب، وأمثلتها في النصب رأيت رجلا جميلا وجها، ووجهَه، والوجهَ، وجميلا وجهَ أب ووجهَ الأب. وأمثلتها في الجر رأيت رجلا جميل وجهٍ وجميل وجهِه، والوجهِ، وجميل وجه أب ووجه أبيه ووجه الأب.
وأمثلة المقرونة بأل في الرفع رأيت الرجل الجميل الوجهُ ووجهُه ووجهٌ، ورأيت الرجل الجميل وجُه الأب ووجهُ أبيه ووجهُ أب. وأمثلتها في النصب رأيت الرجل الجميل وجها ووجهَه والوجهَ، ورأيت الرجل الجميل وجهَ أب ووجهَ الأب. وأمثلتها في الجر رأيت الرجل الجميل الوجهِ، وعمرا الكريم حسبِ الآباء، البيّن سُودَدِهم ونحو هذا المثال نادر كقول الشاعر:
سبتْني الفتاةُ البضّةُ المتجرَّد الـ ... لطيفةُ كَشْحِه وما خِلْتُ أنْ أُسْبَى
ونحو حسن وجهِه، وحسن وجهَه قليل غير ممتنع، وكذا حسن وجهٌ. ومن أمثال مررت برجل حسن وجهِه ما في الحديث من وصف الدجال "أعور عينِه اليمنى"، وما في حديث أم زرع من قوله "صفر وشاحها" وفي وصف النبي ﷺ "شثن أصابعه" وقال أبو علي القالي في حديث علي ﵁ يصف النبي ﷺ "كان ضخم الهامة كثير شعر الرأس شثن الكفين والقدمين طويل أصابعه ضخم الكراديس". فهذه أربعة شواهد من أفصح الكلام الذي لا ضرورة
стр. 912
فيه تدل على صحة استعمال مررت برجل حسن وجهِه. وقد أجاز ذلك الكوفيون في نثره ونظمه، ومنع سيبويه جوازه في غير الشعر، ومنعه المبرد مطلقا، والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه مطلقا. وأما رأيت رجلا حسنا وجهَه فهو مثل قراءة بعض السلف (فإنه آثم قلبَه) بالنصب، ومثله ما أنشد الكسائي من قول الراجز:
أنْعَتُها إنّيَ من نُعاتِها ... مُدارةَ الأخفاف مُحْمرّاتِها
غلبَ الذفارى وعِفرنياتها ... كُومَ الذرَى وادِقةً سرّاتِها
فانتصاب سراتها بوادقة كانتصاب وجه بحسن. وأما نحو مررت برجل حسن وجهٌ فمنعه أكثر البصريين. وهو عند الكوفيين جائز، وبجوازه أقول. ويدل على جوازه قول الراجز:
ببهمة منيت شهم [قلب] ... منجّذ لا ذي كهَمام ينبو
ومثله ما أنشد الفراء عن بعض العرب:
بثوب ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهم ... فهل أنتَ مرفوعٌ بما ههنا رأسُ
وقال ابن خروف في مررت برجل حسن وجهٌ والحسن وجه لا سبيل إلا إلى جوازها بقول الراجز وبما أنشده الفراء، فلا مبالاة بمن منع. ونظير رأيت [رجلا] جميلا الوجه قول النابغة:
ونأخُذْ بعدَه بذِناب عيشٍ ... أجبّ الظهرُ ليس له سنامُ
стр. 913
على رواية مَن رفع الظهر، ويروى بالنصب فيكون نظيرَ رأيت رجلا جميلا الوجه. ويروى بكسر الباء والراء على الإضافة، فيكون نظير مررت برجل حسن الوجه، ومثله في احتمال أوجه ثلاثة قول الشاعر:
لقد علم الأيقاظُ أخفيةَ الكرى ... تَزَجُّجَها من حالكٍ واكْتِحالها
فمن رفع جلعه نظير الحسن وجهُ الأب، ومن نصب جعله نظير الحسن وجهَ الأب، ومن جرّ جعله نظير الحسن وجهِ الأب. ومثلهما في احتمال ثلاثة أوجه قول الأغلب العجلي:
ليستْ بكَرْواءَ ولا بمُدَحْدَح ... ولا من السود القصار الزُّمَّح ... قبّاءُ غرْثى موضِع المُوَشّح
فمن رفع موضع الموشح فبالفاعلية، ونظيره حسن وجهُ الأب، ومن نصب فعلى التشبيه بالمفعول به ونظيره حسن وجهَ الأب، ومن جرّ فبالإضافة ونظيره حسن وجهِ الأب. ومثله في احتمال الأوجه الثلاثة قول الآخر:
ومنهلٍ أعورِ إحدى العينين ... بَصيرِ أخرى وأصمّ الأذنَيْن
فمن كسر راء أعور أضافه إلى إحدى وجعله نظير حسن وجه الأب، ومن فتح جاز له أن يرفع إحدى بالفاعلية، ويجعله نظير حسنا وجه الأب، وأن ينصبه على التشبيه بالمفعول به، ويجعله نظير حسنا وجه الأب.
وبصير أخرى نظير حسن وجه، وأصم الأذنين نظير حسن الوجه. ونظير حسن وجه أيضا قول الشاعر:
ألِكْني إلى قوم السلامَ رسالةً ... بآيةِ ما كانوا ضِعافا ولا عُزْلا
ولا سيّئي زِيٍّ إذا ما تَلَبَّسوا ... إلى حاجةٍ يوْما مُخَيّسة بُزْلا
стр. 914
ونظير حسن وجه الأب قول الخرنق:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هم ... سَمّ العُداة وآفة الجُزُر
النازلين بكُلّ مُعْتَركٍ ... والطّيّبون معاقِدَ الأُزُرِ
ونظير حسن وجه الأب دون احتمال قول عروة بن الورد:
وما طالبُ الأوْتارِ إلّا ابنُ حُرّة ... طويلُ نجادِ السيفِ عاري الأشاجع
ومثل غرثى موضع الموشح وأعور إحدى العينين، في موافقة حسن وجهُ الأبِ وحسن وجهَ الأبِ قول الفرزدق:
أأطْعَمْتَ العراقَ ورافدَيْه ... فزارِيًّا أحذّ يَدَ القميص
ونظير الحسن وجها:
الحَزْنُ بابًا والعَقورُ كَلْبا
ونظير الحسن الوجه:
وما قَومْي بثعلبةَ بن سعدٍ ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرقابا
ومثله:
стр. 915
مِن وَليّ أو أخِي ثِقَةٍ ... والبعيد الشاحِطِ الدّارا
ونظير حسن وجها:
هيفاءُ مقبلةً عَجْزاءُ مُدْبرةً ... مَحْطوطةٌ جُدِلتْ شَنْباءُ أنيابا
ونظير حسن وجهه قول الشماخ:
أمِنْ دِمْنَتَين عرّسَ الركبُ فيهما ... بحقل الرَّخامى قد عفا طَللاهما
أقامتْ على ربْعيهما جارتا صَفًا ... كميتا الأعالي جَوْنتا مُصْطَلاهما
والضمير في مصطلاهما للأثفيتين المعبّر عنهما بجارتين فوصفهما بسواد أسفليهما وحمرة أعلييهما. وزعم المبرد أن الضمير عائد على الأعالي وجاء بلفظ التثنية لأن الأعالي جمع في اللفظ مثنى في المعنى، كما يقال قلوبكما نورهما الله، وهذا صحيح في الاستعمال منافر للمعنى، لأن مصطلى الأثفية أسفلها، فإضافته إلى أعلاها بمنزلة إضافة أسفل إليه؛ وأسفل الشيء لا يضاف إلى أعلاه، ولا أعلاه إلى أسفله، بل يضافان إلى ماهما له أسفل وأعلى.
فصل: ص: إذا كان معنى الصفة لسابقها رفعت ضميره وطابقته في إفراد وتذير وفروعهما ما لم يمنع من المطابقة مانع. وكذلك إن كان معناها لغيره ولم ترفعه. فإن رفعته جَرت في المطابقة مجرى الفعل المسند، وإن أمكن تكسيرها حينئذ مسندة إلى جمع فهو أولى من إفرادها. وتثنى وتجمع جمع المذكر السالم على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة". وقد يعامل غير الرافعة ما هي له إن قرن بأل معاملتها إذا
стр. 916
رفعته. وإذا قصد استقبال المصوغة من ثلاثي على غير فاعل ردت إليه مالم يقدر الوقوع. وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبهة، ولو كان من متعدّ إن أمن اللبس وفاقا للفارسي. والأصح أن يجعل اسم مفعول المتعدي إلى واحد من هذا الباب مطلقا. وقد يفعل ذلك بجامد لتأوله بمشتق.
ش: الصفة التي معناها لسابقها نحو مررت برجل حسن وبرجلين حسنين وبرجال حسنين أو حسان، وبامرأة حسنة وبامرأتين حسنتين وبنساء حسنات أو حسان، فمعنى هذه الصفات لما سبق من رجل ورجلين ورجال وامرأة وامرأتين ونساء فجيء بها مطابقة ونوى معها ضمائر موافقة. واحترزت بقولي ما لم يمنع من المطابقة مانع من صفة اشترك فيها المذكر والمؤنث كثيب وربعة، ومما وقع فيها الاشتراك مطلقا كجُنُب، ومما يخص المذكر أو المؤنث لفظا ومعنى، أو لفظا لا معنى، أو معنى لا لفظا. وقد نبهت على ذلك في صدر هذا الباب. ثم نبهت بقولي وكذا إن كان معناها لغيره ولم ترفعه، على أنه يقال مررت برجلين حسني الغلمان، أو حسنين غلمانا، ورجال حسان الغلمان أو حسان غلمانا وبامرأة حسنة الغلام أو حسنة غلاما، وبنساء حسنات الغلمان، أو حسنات غلمانا، فيجاء بهذه الصفات مطابقة لما قبلها، وإن كان معناها لما بعدها لأنها لم ترفعه، وإنما رفعت ضمائر ما قبلها فجرت مجرى ما هي لما قبلها معنى ولفظا. فلو رفعت ما بعدها لم تطابق ما قبلها، بل تعطى ما يعطى الفعل المؤدي معناها إذا وقع موقعها، فيقال مررت برجلين حسن غلاماهما، وبرجال حسن غلمانهم، كما يقال حسُنَ غلاماهما، وحسن غلمانهم، وحسن غلامها وحسنت جاريته وحسن غلمانهنّ.
والأحسن فيما فاعلها جمع أن تجمع جمع تكسير كقولك مررت برجال حسان غلمانهم. ومن لغته أن يقدم على الفاعل علامة تثنيته وجمعه فيقول مررت برجلين حَسُنا غلاماهما، ورجال حسنوا غلمانهم، فإنه يقول: مررت برجلين حسنين
стр. 917
غلاماهما، وبرجال حسنِين غلمانهم. وعلى هذا نبهت بقولي وتثنى وتجمع جمع المذكر السالم على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة".
ثم قلت: وقد تعامل غير الرافعة ما هي له إن قرن بأل معاملتها إذا رفعتهن فأشرت بذلك إلى أنه قد يقال مررت برجل حسنةٍ العين كما يقال حسنت عينه. وحكى ذلك الفراء في معاني سورة "ص" قال: العرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة فيقولون مررت على رجل حسنةٍ العين قبيحٍ الأنف، والمعنى حسنة عينه، قبيح أنفه.
قلت: فعلى هذا يقال مررت برجل حسان الغلمان، وبرجل كريمة الأم، وبامرأة كريم الآباء وكريم الأب، كما يقال مررت برجال حسان غلمانهم وبرجل كريمة أمه وبامرأة كرام آباؤها وكريم أبوها ومنه قول الشاعر:
أيا ليلةً خُرْسَ الدَّجاجُ سَهرتُها ... ببغدادَ ما كادتْ عن الصُّبْح تَنْجلي
فقال خُرس الدجاج كما يقال خرساء دجاجها. ومثله قول الآخر:
فماحت به غرَّ الثنايا مفلّجا ... وسيمًا جلا عنه الظلام موشّما
أراد فمًا غر الثنايا، فجمع مع الألف واللام، كما يجمع مع الضمير إذا قيل فماحت فمًا غُرًا ثناياه. ومثله قول الآخر في وصف عقاب:
تأوي إلى قُنُّة خلقاءَ راسيةٍ ... حُجْن المخالبِ لا يغتالُها الشِبَع
стр. 918
فقال حجن المخالب، كما يقال حجن مخالبها، أي لا يغتالها فقد الشبع.
ومن وقوع الألف واللام خلفا عن الضمير في غير هذا الباب قوله تعالى (فأمّا مَن طغى* وآثر الحياة الدُّنيا * فإنَّ الجحيم هي المأوى * وأمّا من خاف مقامَ ربِّه ونهى النَّفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى). ومن ذلك قول الأعشى القيسي:
وأمّا إذا ركبُوا فالوجُو ... هـ في الرَّوْع مِن صدأ البيضِ حُمّ
أي فوجوههم، فجعل الألف واللام خلفا عن الضمير، ومن ذلك قول الآخر:
ولكن نرى أقدامنا في نعالكم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب
أي بين لحاكم، فجعل الألف واللام خلفا عن الضمير. ومن ذلك قول ذي الرمة:
تخلّلنَ أبوابَ الخدور بأعْيُنٍ ... غرابيب والألوانُ بيضٌ نواصِعُ
وقد سوّى سيبويه بين ضُرب زيد ظهره وبطنه وضُرب زيد الظهر والبطن، وبين مطرنا سهلنا وجبلنا ومطرنا السهل والجبل. فالظاهر من قوله أنه موافق لقول الفراء، وليس هذا على تقدير "منه" إذ لو كان ذلك لاستوى وجود الألف واللام وعدمها، كما استويا في مثل البر الكرّ بستين، فكان يجوز أن يقال ضُرب زيد ظهر وبطن ومطرنا سهل وجبل، كما جاز أن يقال البر الكر بستّين، والتمر منوان بدرهم، لأن البعضية مفهومة مع عدم الألف واللام، كما هي مفهومة مع وجودهما.
ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام قوله تعالى (وإنّ للمتقين لحسن
стр. 919
مآب * جنّاتِ عدْن مُفَتّحةً لهم الأبوابُ). أي مفتحة لهم أبوابها. وزعم بعضهم أن الأبواب بدل من ضمير مستكن في مفتحة. وهذا لا ينجيه من كون الألف واللام خلفا عن الضمير؛ لأن الحاجة [إليه] في الإبدال كالحاجة إليه في الإسناد.
وقول الفراء العرب تقول لمن لم يمت إنك مائت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات هذا مائت إنما يقال في الاستقبال. وكذا يقال هذا سيّد قومه، فإذا أخبرت أنه سيسودهم قلت هو سائد قومه عن قليل.
وكذا الشرف والطمع وأشباههما إذا قصد بهما الاستقبال صيغت على فاعل. وإلى هذا أشرت بقولي: وإذا قصد استقبال المصوغة من ثلاثي على غير فاعل ردت إليه بصيغة فاعل. ومن هذا الردّ قوله تعالى: (فلعلّك تاركٌ بعضَ ما يُوحى إليك وضائقٌ به صدرُك) وعلى هذا المعنى قراءة بعض السلف (إنك مائت وإنهم مائتون) والمعنى على قراءة الجماعة وإنك وإياهم وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى، لأن ما هو كائن فكأن قد كان، وهذا شبيه بـ (أتى أمرُ الله فلا تستعجلوه) وعلى هذا نبهت بقولي: ما لم يقدر الوقوع. ومن الردّ إلى فاعل بقصد الاستقبال قول الحكم بن صخر:
أرى الناسَ مثل السَّفر والموتُ منهلٌ ... له كلَّ يومٍ واردٌ ثم واردُ
إلى حيثُ يشفي اللهُ من كان شافيا ... ويَسْعَدُ مَن في علمه هو ساعدُ
ومثله قول قيس بن العيزاره:
فقلتُ لكَمْ شاةٍ رعيتُ وجاملٍ ... فكلُكُم من ذلك المالِ شابعُ
وأشرت بقولي: وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة المشبهة،
стр. 920
إلى أنّ قصد ثبوت معنى اسم الفاعل يسوّغ إضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، ونصبه إياه على التمييز إن كان نكرة، وعلى التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة بشرط السلامة من اللبس. فيقال زيد ظالم العبيد خاذلهم، راحم الأبناء ناصرهم، إذا كان له عبيد ظالمون خاذلون، وأبناء راحمون ناصرون. قال أبو علي في التذكرة: من قال زيد الحسن عينين فلا بأس أن تقول زيد الضارب أبوين، والضارب الأبوين، والضارب الأبوان. والأبوان فاعل على قولك الحسن الوجهُ، الأمر في ذلك كله واحد. ومثله الضارب الرجل إذا أردت الضارب رجله.
قلت: هكذا قال أبو علي في التذكرة، ولم يقيد بأمن اللبس، والصحيح أن جواز ذلك متوقف على أمن اللبس. ويكثر أمن اللبس في اسم فاعل غير المتعدي، فلذلك يسهل فيه الاستعمال المذكور. ومنه قول ابن رواحة الأنصاري ﵁:
تباركتَ إنّي من عذابكَ خائفُ ... وإنّي إليك تائبُ النفسِ باخعُ
ومنه قول رجل من طيئ:
ومن يَكُ مُنْحلّ العزائم تابِعا ... هواه فإنَّ الرشْدَ منه بعيدُ
ومن وروده في المصوغ من متعدّ قول الشاعر:
ما الراحمُ القلبِ ظلّاما وإنْ ظُلِما ... ولا الكريمُ بمنّاعٍ وإنْ حُرِما
وقد أغفل أكثر المصنفين إجراء اسم المفعول مجرى الصفة، وهو يجرى مجراها مطلقا إن كان مصوغا من متعدّ إلى واحد كمضروب ومرهوب ومرفوع ومجموع، فيقال هذا مضروب العبدِ ومرهوب قوم ومرفوع قدرا، وهو مجموع الأمر وأمرَه وأمْرًا، ومجموع الأمرِ وأمْرُه كما يقال هو حسنُ الوجهِ وحسُنُ وجهٍ وحسنٌ وجْهًا وحسنٌ الوجهُ وحسن وجْهُه وحسن وجهٌ والوجهَ ووجهَه. وكذا البواقي.
стр. 921
وأقل مسائل الصفة استعمالا نحو حسن وجهِه وحسن وجهَه وحسن وجهٌ. ولها مع ذلك نظائر من اسم المفعول. فنظير حسن وجهِه قول الشاعر:
تمنى لقائي الجَوْنُ مغرور نفسِه ... ولما رآني ارْتاعَ ثمت عردا
ونظير حسن وجهَه قول الشاعر:
لو صُنْت طرفَك لم تُرَعْ بصفاتها ... لمّا بَدَتْ مَجْلُوّةً وجَناتِها
ونظير حسن وجهٌ قول الآخر:
بثوب ودينارٍ وشاةٍ ودرهم ... فهل أنت مرفوعٌ بما ههنا رأسُ
ونبهت بقولي: "وقد يُفعل ذلك بجامد لتأوله بمشتق" على أنه قد يقال وردنا منهلا عسلا ماؤه، وعسل الماء، ونزلنا بقوم أسدٍ أنصارُهم وأسْد الأنصارِ، وصاهرنا حيّا أقمارا نساؤه وأقمارِ النساءِ، على تأويل عسل بحلو، وأُسْد بشجعان، وأقمار بحسان. ومنه قول الشاعر:
فراشةُ الحِلْمِ فرعونُ العذاب وإنْ ... يُطلَبْ نَداه فكَلبٌ دونه كلبُ
فعامل فراشة وفرعون معاملة طائش ومهلك. ومثله قول الآخر:
فولا اللهُ والمهرُ المفدَّى ... لأبْتَ وأنتَ غِربالُ الإهاب
فعامل غربالا معاملة مثقب. وأكثر ما يجيء هذا الاستعمال في أسماء النسب كقولك مررت برجل هاشمي أبوه تميمة أمّه. وإن أضفت قلت: مررت برجل هاشمي الأبِ، تميميّ الأمِّ. وكذلك ما أشبهه.
стр. 922
باب إعمال المصدر
ص: يعمل المصدر مظهرا مكبّرا غير محدود ولا منعوت قبل تمامه، والغالب إن لم يكن بدلا من اللفظ بفعله تقديره بعد أن المخففة أو المصدرية أو ما أختها. ولا يلزم ذكر مرفوعه.
عمل المصدر عمل الفعل، لأنه أصل والفعل فرعه، فلم يتقيد عمله بزمان دون زمان بل يعمل عمل الماضي والحاضر والمستقبل، لأنه أصل لكل واحد منها، بخلاف اسم الفاعل فإنه عمل للشبه، فتقيد عمله بما هو شبهه وهو المضارع. وكما ترتب عمل المصدر على الأصالة اشترط في كونه عاملا بقاؤه على صيغته الأصلية التي اشتق منها الفعل، فلزم من ذلك ألا يعمل إذا غيّر لفظه بإضمار، ولا بردّه إلى فَعْلة قصدا للتوحيد، ولا تبعية قبل تمام مطلوبه، فلا يقال مرورك بزيد حسن وهو بعمرو قبيح فيعلق المجرور بهو، لكونه ضمير المرور، فإنه مباين للصيغة التي هي أصل الفعل. وقد شذ مثل هذا في قول زهير:
وما الحربُ إلّا ما علمتُم وذُقْتُم ... وما هو عنها بالحديث المرجَّم
فهو ضمير الحديث وعن متعلقه به. وقد يتخرج هذا على أن يكون التقدير وما هو الحديث عنها فيتعلق "عن" بالحديث، ويجعل الحديث بدلا من هو، ثم حذف الأول وترك المتعلق به دالّا عليه. ولا يخفى ما في هذا التقدير من التكلف، مع أن البدل هو المقصود بالنسبة ولا يذكر متبوعه غالبا إلا توطئة له.
ولا يعمل المصغر فلا يقال عرفت ضريبك زيدا ونحوه، لأن التصغير يزيل المصدر عن الصيغة التي هي أصل الفعل زوالا يلزم منه نقص المعنى بخلاف الجمع فإن
стр. 923
صيغته وإن زال معها الصيغة الأصلية فإن المعنى معها باق ومتضاعف بالجمعية، لأن جمع الشيء بمنزلة ذكره متكررا بعطف، فلذلك منع التصغير إعمال المصدر وإعمال اسم الفاعل، ولم يمنع الجمع إعمال المصدر ولا إعمال اسم الفاعل، لأن إعمال اسم الفاعل كثير. فكثرت شواهد إعماله مجموعا، وجمع المصدر قليل فقلت شواهد إعماله مجموعا، فمنها قول علقمة:
وقد وعدتْكَ موعدًا لو وَفَتْ به ... مواعِدَ عُرقُوب أخاه بيَثْرب
فنصب أخاه بمواعد وهي جمع موعد بمعنى وعد. ويروى: كموعودٍ عرقوب أخاه. وموعود هذا أحد المصادر الجائية على وزن مفعول. ويروى: مواعيد، على أنه جمع ميعاد بمعنى وعد. ومنه قول العرب: تركته بملاحس البقر أولادها، أي بموضع ملاحس، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والملاحس جمع ملحس بمعنى لحس. ومنها قول ابن الزبير الأسدي:
كأنك لم تُنْبأ ولم تكُ شاهدا ... بلائي وكرّاتي الصَّنيعَ ببَيْطَرا
ومنه قول أعشى قيس، يمدح هوذة بن علي الحنفي:
قد حمّلوه فتيَّ السنّ ما حملتْ ... ساداتُهم فأطاقَ الحملَ واضْطَلعا
وجرّبوه فما زادتْ تجاربُهم ... أبا قدامةَ إلّا الحزمَ والفَنَعا
وله أيضا:
إنّ عداتِك إيّانا لآتيةٌ ... حقّا وطيّبةٌ ما نفسٌ بموعود
стр. 924
ولا يعمل المحدود، وهو المردود إلى فَعْلة قصدا للتوحيد والدلالة على المرة، لأنه غيّر عن الصيغة التي اشتق منها الفعل، فلا يقال عرفت ضربتك زيدا، ونحو ذلك.
فإن روى مثله عمن يوثق بعربيته حُكم بشذوذه ولم يُقَس عليه، فمن ذلك ما أنشد الفارسي في التذكرة من قول الشاعر:
يحايى بها الجلدُ الذي هو حازِمٌ ... بضَرْبة كفّيه المَلا نفسَ راكب
يريد يحيى الجلد الحازم نفس راكب، بأن تضرب كفّاه الملا متيمما مؤثِرا بما عنده من الماء راكبا كاد يموت عطشا. وقد اجتمع في قول ابن الزبير:
ولم تك شاهدا ... بلائي وكراتي الصنيع ...
شاهد على إعمال المجموع، وشاهد على إعمال المحدود، لأن الكرات جمع كرّة. وقد نصب به الصنيع فواحده أحق بذلك، لأن الواحد أقرب إلى اللفظ الأصلي وهو الكرّ. ومن إعمال المحدود قول كثير:
وأجمعُ هِجْرانا لأسماءَ إنْ دَنَتْ ... بها الدارُ لا مِن زَهدتٍ في وصالها
فلو كان "فَعْلة" مصدرا غير مقصود بهائه التحديد كرهْبة ساوى العاري منها في صحة العمل. فمن ذلك قول الشاعر:
فلولا رجاءُ النَّصْر منك ورَهبةٌ ... عقابَكَ قد كانوا لنا كالمَوارد
ولا يتقدم نعت المصدر على معموله فلا يقال عرفت سوقك العنيف الإبل، لأن معمول المصدر منه بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يتقدم نعت المصدر على معموله، كما لا يتقدم نعت الموصول على صلته، فإن ورد ما يوهم خلاف ذلك قدر فعل بعد
стр. 925
النعت يتعلق به المعمول المتأخر. فمن ذلك قول الحطيئة:
أزمَعْتُ يأسًا مُبِينا من نَوالكم ... ولنْ ترى طارِدًا للحُرِّ كاليأسِ
فالمتبادر إلى فهم سامع هذا البيت تعليق من نوالكم بيأسا، وهو غير جائز كما ذكرت، بل يتعلق بيئست مضمرا فلو أخّر النعت وقدّم المعمول لم يمتنع كقول الشاعر:
إنَّ وجدِي بك الشديدَ أراني ... عاذِرًا مَن عَهِدْتُ فيك عَذُولا
ونبهت بقولي "عمل فعله" على أن المصدر العامل يرفع الفاعل [نحو] عظم نفع الحليم حلمه. والنائب عن الفاعل نحو سرني إعطاء الدنانير الفقير، واسم كان نحو من نعم الله كون المقهور عدوّنا، وكون عدوّنا المقهور، والكون عدوّنا المقهور. ويفهم من ذلك أنه يتعدى إلى غير المرفوع على حسب تعدّي فعله نحو عرفت مرورك بزيد، وقدومك على عمرو، وطلبك العلم، وإعطاءك الفقير درهما، وإعلامك خالدا جعفرا مقيما. وشرطت في ذلك تقديره بفعله وبأنْ الخفيفة أو أنْ المصدرية أو ما أختها، احترازا من المصدر المؤكد والمبين الهيئة.
ومثال المقدر بأن المخففة علمت ضربك زيدا، فتقديره: علمت أنْ قد ضربت زيدا، فأنْ هذه المخففة من أنّ لأنها بعد علمٍ، وهو موضع مخصوص بالمخففة غير صالح للمصدرية، كقوله تعالى (عَلِم أنْ سيكون) و (أفلا يرون ألّا يرجعُ). ومثال المقدر بأن المصدرية قوله تعالى (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم
стр. 926
ببعْض) وقول القائل: أرجو نصر الله للمسلمين، وخذلانه للكافرين. وكذا كل مصدر وقع بعد لولا أو بعد فعل إرادة أو كراهة، أو خوف أو طمع أو شبه ذلك، ولا يكون المقدر بهذه إلا ماضي المعنى كقوله:
أمِن بعدِ رمي الغانياتِ فُؤادَه ... بأسْهُم ألحاظٍ يُلام على الوجد
أو مستقبل المعنى كقول الفرزدق:
فرُم بيَدَيْكَ هل نسطيع نَقْلًا ... جبالًا من تِهامةَ راسيات
وأما المقدر بأن المخففة فيجوز مضيه وحضوره واستقباله، وكذا المقدر بما المصدرية، فمضيّ المقدر بأنْ المخففة كقول الشاعر:
علمتُ بَسْطَك بالمعروف خيرَ يدٍ ... فلا أرى فيكَ إلّا باسِطًا أمَلا
وحضوره كقول الراجز:
لو عملتْ إيثارِيَ الذي هَوَتْ ... ما كنتُ منها مُشْفِيا على القَلْت
واستقباله كقول الشاعر:
لو علِمنا إخْلافكم عدةَ السَّلـ ... ـم عَدِمتُم على النَّجاة مُعينا
ومضى المقدر بما المصدرية كقول الله تعالى (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم) وكقول الشاعر:
وعذَّبَهُ الهوى حتّى براهُ ... كبَرْيِ القَيْنِ بالسَّفَن القِداحا
وكقول الآخر:
стр. 927
مُدْمنُ البَغْي سوفَ يأخذُه با ... ريه أخْذَه لثمود وعادا
وحضوره كقوله تعالى (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) وكقول الفرزدق:
وَدَدْتُ على حُبّي الحياةَ لو انَّها ... يُزادُ لها في عُمْرها من حَياتيا
واستقباله كقول الشاعر:
ومَن يَمُتْ وهْو لم يُؤمِن يَصْلَ غدا ... شُواظَ نارٍ دوامَ النارِ في سَقَرا
وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاث شرطا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك. ومن وقوعه غير مقدر بأحدها قول العرب: سمع أذني زيدا يقول ذلك. وقول أعرابي: اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لغى، وقول الشاعر:
عهدي بها الحيّ الجميعَ وفيهم ... قبلَ التّفرقُ مَيْسرٌ ونِدام
وقول الراجز:
ورأيُ عَينيَّ الفتى أباكا ... يُعطي الجزيلَ فعليكَ ذاكا
وقول الآخر:
لا رغبةٌ عمّا رغبْتِ فيه ... منّي فانقُصيه أو زيديه
ومن أمثلة سيبويه: متى ظنك زيدا أميرا. وذكر سيبويه في باب من المصادر
стр. 928
يجرى مجرى الفعل المضارع عجبت من ضربٍ زيدٌ عمرا إذا كان هو الفاعل. ثم قال: كأنه قال: عجبت من أنه يضرب زيد عمرا. ولم يقدره في الباب بغير أن الثقيلة. وإذا ثبت أن عمل المصدر غير مشروط بتقدير حرف مصدري أمكن الاستغناء عن إضمار في نحو له صوت صوت حمار.
ونبهت بقولي "ولا يلزم ذكر مرفوعه" على أن المصدر الصالح للعمل قد يجاء به دون مرفوع ظاهر ولا مضمر ودون معمول آخر: وقد يجاء به دون مرفوع كائنا معه معمول آخر. فالجائي دون مرفوع ولا غيره نحو (ولا يرضى لعباده الكفرَ) والكائن معه معمول لا مرفوع معه نحو (فكُّ رقبةٍ * أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ * يتيمًا) وخصصت المرفوع بجواز الاستغناء عنه مع المصدر، لأن الاستغناء عن غير المرفوع جائز مع كل عامل ليس من النواسخ. وقلت بدل ولا يلزم ذكر فاعله: ولا يلزم ذكر مرفوعه لأعم الفاعل ونائبه واسم كان. وقد تقدم من قولي بيان أن مرفوع المصدر قد يكون نائب فاعل نحو سرني إعطاء الدينار الفقير، واسم كان نحو: من نعم الله كون المقهور عدوّنا. وجاز أن يستغنى عن مرفوع المصدر دون مرفوع الفعل وما أشبهه مما ليس مصدرا لأن الفعل لو ذكر دون مرفوع لكان حديثا عن غير محدث عنه، وكذا ما يعمل عمله من صفة أو اسم فعل، فإنه لا يعمل إلا وهو بنفسه واقع موقع الفعل، ومؤدّ معناه فاستحق ما يستحقه الفعل من مرفوع يحدّث به عنه ظاهرا أو مضمرا. فلو خلا منه لكان في تقدير فعل خلا من مرفوع، وليس كذلك المصدر، لأنه إذا عمل العمل المنسوب إليه بإجماع لم يكن إلا في موضع غير صالح للفعل فجرى مجرى الأسماء الجامدة في عدم تحمل الضمير. وجاز أن يرفع ظاهرا لكونه أصلا لما لا يستغنى عن مرفوع به، وبسبب اقتضائه الرفع عدمت في غير ندور مصاحبته مرفوعا إن لم يكن مضافا. وقلت إن كان مضافا
стр. 929
حتى قال بعض النحويين إنها لا تجوز إلا في الشعر، والصحيح جوازها مطلقا لكن استعمالها في النثر قليل. ومن ذلك قول النبي ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" فمَن في موضع رفع فاعلا بحجّ البيت. والتقدير: وأن يحج البيتَ من استطاع إليه سبيلا. وقلت في مصاحبة غير المضاف: "ومرفوعا دون ندور" احترازا من قول أبي العباس ثعلب: العرب تقول عجبت من قراءة في الحمام القرآنُ، أي من أن قُرئ.
ص: ومعموله كصلة في منع تقدمه وفصله. ويضمر عامل فيما أوهم خلاف ذلك أو يُعدّ نادرا.
ش: قد تقدم بيان كون المصدر العامل بإجماع مقدرا بحرف مصدري موصول بفعل، وأن ذلك التقدير غالب لا لازم، فاستحق بلزوم هذا التقدير أن يخالف معموله الصلة بجواز الاستغناء عنه، وأن يوافقها في منع التقدم والفصل. فلهذا قلت "ومعموله كصلة في منع تقديمه وفصله". ثم قلت "ويضمر عامل فيما أوهم خلاف ذلك، أو يعد نادرا" فنبهت بذلك على أنه قد يجيء ما قبل المصدر متعلقا به من جهة المعنى تعلق المعمول بالعامل، كقول تميم العجلاني:
لقد طالَ عن دَهماءَ لدِّي وعِذْرتي ... وكِتمانُها أكْنِي بأُمِّ فلان
وكقول عمر بن أبي ربيعة:
ظنُّها بي ظنُّ سوءٍ كله ... وبها ظنِّي عَفافٌ وكَرَم
стр. 930
وكقوله:
طال عن آلِ زينبَ الإعراضُ ... للتعدِّي وما بنا الإبغاض
وكقول الآخر:
وبعضُ الحِلْم عند الجَهـ ... ـلِ للذلة إذعانُ
فلنا في هذه أن نعلق ما تقدم بمصدر آخر محذوف لدلالة الموجود عليه، كأنه لدّى عن دهماء لدّى، وظني بها ظني، وطال الإعراض عن آل زينب الإعراض، وبعض الحلم إذعن للذلة إذعان.
ويكون هذا التقدير نظير قولهم في (وكانوا فيه من الزّاهدين) أن تقديره وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين. ونظير قولهم في:
أيْنما الريحُ تُميّلْها تَمِلْ
أن تقديره: أينما تميلها الريح تميلها تمل. ولنا أن نجعل ما تقدم متعلقا بنفس المصدر الموجود، إمّا على نية التقديم والتأخير، وإما على أن ذلك استبيح في المصدر وإن لم يستبح مثله في الموصول المحض، كما استبيح استغناؤه عن معمول لا دليل عليه، وإن لم يستبح مثله في صلة الموصول. وهكذا يفعل فيما أوهم الفصل كقوله تعالى (إنّه على رجْعِه لقادرٌ * يومَ تُبلى السرائرُ) فإن ظاهره أن "يوم "منصوب برجعه، ولا يجوز ذلك لاستلزامه الفصل بخبر إنّ الذي هو لقادر، فالمخلص من ذلك أن ينصب (يوم تبلى السرائر) بعامل مقدر مدلول عليه برجعه، كأنه قيل يرجعه يوم تبلى السرائر. ومما يوهم الفصل قول الشاعر:
وهنَّ وقوفٌ ينتظِرْنَ قضاءَه ... بضاحي عَذاة أمرَه وهو ضامِزُ
стр. 931
فقد يظن أن بضاحي عذاة متعلق بينتظرن، وقد فصل بين قضائه وأمره وليس كذلك، بل الواجب أن يجعل قضاؤه متعلقا به الجار والمجرور فلا يكون بينه وبين منصوبه فصل بأجنبي. ومثل هذا قول الآخر:
ليت شِعْري إذا القيامةُ قامتْ ... ودعا بالحِساب أيْنَ المصيرا
أنشده الشجري وجعل التقدير المصير أين هو فحذف المبتدأ وفصل المصدر بما عمل فيه، وأسهل من هذا أن يكون التقدير أين يصير المصير أو أين هو أعني المصير.
ص: وإعماله مضافا أكثر من إعماله منونا، وإعماله منونا أكثر من إعماله مقرونا بالألف واللام. ويضاف إلى المرفوع والمنصوب، ثم يستوفي العمل كما كان يستوفيه الفعل، ما لم يكن الباقي فاعلا فيستغنى عنه غالبا. وقد يضاف إلى ظرف فيعمل بعده عمل المنوّن.
ش: المصدر الذي نحن بصدده مضاف أو منون تنوينا ظاهرا أو مقدرا، أو مقرون بالألف واللام نحو: عرفت ضربك زيدا، وشتما عمرا، والإكرام خالدا. وإعمال المضاف أكثر من إعمال غير المضاف، لأن الغضافة تجعل المضاف إليه كجزء من المضاف، كما يجعل الإسناد الفاعل كجزء من الفعل، ويجعل المضاف كالفعل في عدم قبول التنوين والألف واللام، فقويت بها مناسبة المصدر الفعل، فكان إعماله أكثر من إعمال عادم الإضافة، وهو المنوّن والمقترن بالألف واللام، إلا أن في المنون شبها بالفعل المؤكد بالنون الخفيفة، استحق به أن يكون أكثر إعمالا من المقترن بالألف واللام.
ومن إعمال المنون قراءة نافع وابن عباس وعاصم وحمزة (فكّ رقبة * أو إطعام
стр. 932
في يوم ذي مسغبة * يتيما)، وقراءة أبي بكر بن عاصم (بزينةٍ الكواكب).
أي بتزيين الكواكب ويجوز أن يكون منه (ويعبدون من دون الله ما لا يملكُ لهم رزقا من السموات والأرض شيئا) ومنه قول زياد الأعجم:
ببَذْلٍ في الأمورِ وصِدْقِ بأسٍ ... وإعطاءٍ على العِلَلِ المتاعا
وقول الفرزدق:
فَرُم بيَدَيْكَ هل تسطيع نقلا ... جبالًا من تهامةَ راسيات
ولم يجئ إعمال المقترن بالألف واللام إلا في موضع محتمل وهو قوله تعالى (لا يُحب اللهُ الجهرَ بالسُّوء من القول إلّا مَن ظُلِمَ) فيحتمل أن يكون "مَن" في موضع رفع بالجهر على تقدير لا يحب الله أن يجاهر بالسوء من القول إلا مَن ظلم، ويحتمل أن يكون الكلام قد تم قبل "إلا" وتكون في موضع نصب على الاستثناء. ومما جاء في الشعر قول الشاعر:
لقد علمتْ أُولى المغيرة أنَّني ... كَرَرْتُ فلم أنكُلْ عن الضَّرْبِ مسْمِعا
ومنه:
ضعيفُ النِكايةِ أعداءَه ... يخالُ الفِرارَ يُراخي الأجل
ومن النحويين من يزعم أن العمل بعد المقترن بالألف واللام بفعل مضمر،
стр. 933
فيقدر في الأول ضربت مسمعا – وهو اسم رجل – ويقدر في الثاني ينكى أعداءه، وهذا مع ما فيه من التكلف مردود بإتيان النصب في مواضع لا يصلح فيها إتيان فعل، كقول كثير:
تلومُ امرأ في عنفوانِ شبابِه ... وللتَّرْكِ أشياعَ الضَّلالة حينُ
وكقول الآخر:
فإنكَ والتأبينَ عُرْوَةَ بعدَما ... دعاكَ وأيْدينا إليه شوارعُ
لكا لرجُل الحادي وقد تَلَعَ الضُّحى ... وطيرُ المنايا فوقهنّ أواقِع
ونبهت بقولي "ومضاف إلى المرفوع أو المنصوب، ثم يستوفي العمل، كما كان يستوفيه الفعل" على أنه إذا أضيف المصدر إلى مرفوع كان في الأصل مبتدأ لم يجز حذف المنصوب كما لم يجز حذفه مع الفعل نحو: عرفت كون زيد صديقك. وكذا إذا أضيف إلى منصوب هو في الأصل مبتدأ أو خبر لا يجوز الاكتفاء به، بل لا بد من ذكر الجزء الثاني، كما كان مع الفعل. وذلك قولك عرفت كون صديقك زيد، وتبيّنت ظنّ عمرو عدوّك، فيمتنع حذف ما بعد المجرور في ذا وأمثاله، كما يمتنع مع الفعل، لأنه خبر ومخبر عنه، وإن لم يكن المنصوب بعد الإضافة خبرا ولا مخبرا، فحذفه جائز، كما كان في الفعل نحو (فاستبْشِروا بِبَيْعِكم) (وما كان استغفارُ إبراهيمَ) (وكذلكَ أخذُ ربّكَ إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ إنّ أخذَه أليمٌ شديدٌ) (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون بنصر الله).
стр. 934
ونبهت بقولي "ما لم يكن الباقي فاعلا فيستغنى عنه غالبا" على أن ذكر الفاعل مرفوعا بعد إضافة المصدر إلى المفعول به أقل من الاستغناء عنه، ولذا لم يجئ في القرآن رفعه بعد الإضافة إلا في رواية يحيى بن الحارث عن ابن عامر أنه قرأ (ذكرُ رحمت ربك عبده زكريا) بضم الدال والهمزة، وجاء الاستغناء عنه كثيرا نحو (وهو مُحرَّمٌ عليكم إخراجُهم) (وإنْ أردتم استبدال زوج) (ولا تَهنوا في ابتغاء القوم) (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) (لقد ظلمك بسؤال نعجتك).
ومن ذكر الفاعل مرفوعا بعد الإضافة إلى المنصوب به قول النبي ﷺ في المباني "وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" فمَن في موضع رفع بحجّ. ويمكن أن يكون مثله (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) على تقدير: ولله على الناس أن يحج البيت من استطاع، والمشهور جعل "مَن" بدلا من الناس. ومِن رفع المصدر الفاعل بعد الإضافة قول الشاعر:
ألا إنّ ظلم نفسِه المرءُ بيّنٌ ... إذا لم يَصُنْها عن هوًى يَغْلِبُ العقلا
ومثله:
أمِن رسمِ دارٍ مربعٌ ومَصيفُ ... لعينيْك من ماء الشُّئونِ وكيفُ
стр. 935
ومثله:
ردّ إضناؤُك الغرامُ الذي كا ... ن عذُولًا فمهَّدا لك عُذْرا
وأكثر استعمال المضاف مضافا إلى الفاعل ناصبا بعده المفعول به نحو (ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض) (وأخذِهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلِهم أموالَ الناسِ بالباطل) (لولا ينهاهم الرّبّانيّون والأحبارُ عن قولهم الإثمَ وأكلهم السُّحتَ).
ويضاف المصدر إلى الظرف كثيرا نحو (للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر) و (فمَن لم يجدْ فصيامُ ثلاثة أيامٍ) و (فمَن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين) (بل مكرُ الليل والنهار). ويجوز أن يجاء معه بعد الإضافة بالفاعل والمفعول معطيَيْن الرفعَ والنصب نحو عرفت انتظار يوم الجمعة زيد عمرا. ذكر ذلك سيبويه غير مستشهد بشيء. وإليه أشرت بقولي "ويضاف إلى ظرف فيعمل بعده عمل المنون".
ص: ويتبع مجروره لفظا ومحلا، ما لم يمنع مانع، فإن كان مفعولا ليس بعده مرفوع بالمصدر جاز في تابعه الرفع والنصب والجر، ويعمل عمله اسمه غير العلم، وهو ما دلّ على معناه وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما في فعله. وإن وجد عمل بعدما تضمن حروف الفعل من اسم ما يفعل به أو فيه، فهو لمدلول به عليه.
стр. 936
ش: المجرور بالمصدر المضاف إما مرفوع المحل وإما منصوبه، فلك فيما نعت به أو عطف عليه أن تجره حملا على اللفظ، وهو الأجود ما لم يعرض مانع. ولك أن تنصبه حملا على الموضع إن كان المجرور منصوب الموضع، وإن ترفعه إن كان المجرور مرفوع الموضع، فالجر مستغن عن شاهد، ومن شواهد الرفع قراءة الحسن (عليهم لعنة الله والملائكةِ والناسِ أجمعون) فهذا شاهد على رفع المعطوف، لكون المجرور فاعلا في المعنى ومثله قول الشاعر:
يالعنةُ الله والأقوام كلهم ... والصالحون على سِمْعانَ مِن جار
ومن شواهد رفع النعت قول الشاعر:
لقد عجبتُ وما في الدهر من عَجَب ... أنَّى قُتِلْتَ وأنتَ الحازمُ البطلُ
السالكُ الثغرةَ اليقظان سالِكها ... مشى الهَلُوك عليها الخَيْعَلُ الفضُلُ
ومن شواهد نصب المعطوف لكون المجرور منصوب المحل قول الراجز:
قد كنتُ داينتُ بها حَسّانا ... مخافةَ الإفْلاسِ والّليانا
ومثله:
هويتَ ثناءً مُستطابا مؤبَّدا ... فلم تَخْلُ من تمهيد مجْدٍ وسُوددا
ومن شواهد نصب النعت لكون المجرور منصوب المحل قول الراجز:
ما جعلَ امرأ القومُ سَيِّدًا ... إلّا اعتيادُ الخلُقِ المُمَجَّدا
стр. 937
ونبهت بقولي "فإن كان مفعولا ليس بعده مرفوع بالمصدر" على ثلاثة أوجه في تابع المجرور من نحو: "عرفت تطليق المرأة" في نعت المرأة والمعطوف عليها: الجر على اللفظ، والنصب على تقدير المصدر بفعل الفاعل، والرفع على تقديره بفعل ما لم يُسمَّ فاعله. وفي الحديث "أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين" على تقدير: أمر بأن يُقتل الأبتر وذو الطفيتين.
ونبهت بقولي "ويعمل عمله اسمه غير العلم" على أن من الأسماء ما يقال له "اسم مصدر" وأنه على ضربين: علم، وغير علم. فالعلم ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام لتضمن الإشارة إلى حقيقة، كقول الشاعر:
فقلتُ أمْكُثِي حتى يسارِ لعلَّنا ... نحجُّ معًا، قالت: أعامًا وقابِله
وكبرَّة، وفجار في قول الشاعر:
أنّا اقتسمْنا خُطّتَيْنا بيننا ... فحملتُ بَرّةَ واحْتملتَ فجارِ
فهذه وأمثالها لا تعمل عمل الفعل، لأنها خالفت المصادر الأصلية، بكونها لا يقصد بها الشياع ولا تضاف ولا تقبل الألف واللام، ولا توصف، ولا تقع موقع
стр. 938
الفعل، ولا موقع ما يوصل بالفعل. ولذلك لم تقم مقام المصدر الأصلي في توكيد الفعل أو تبيين نوعه أو مرّاته.
والثاني من ضربي اسم المصدر ما ساواه في المعنى والشياع وقبول الألف واللام والإضافة والوقوع موقع الفعل، أو موقع ما يوصل بالفعل، وخالفه بخلوّه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما في الفعل، كوضوء وغسل فإنهما مساويان للتوضؤ والاغتسال في المعنى والشياع وجميع ما نُفي عن العَلَم، وخالفه بخلوه دون عوض من بعض ما في فعليهما، وهما توضّأ واغتسل. وحق المصدر أن يتضمن حروف الفعل بمساواة كقولك توضأ توضؤًا، أو بزيادة عليه كأعلم إعلاما ودحرج دحرجة. وقلت لفظا وتقديرا احترازا من فِعال مصدر فاعل كقتال فإنه مصدر مع خلوه من المدّة الفاصلة بين فاء فعله وعينه، لأنها حذفت لفظا واكتفى بتقديرها بعد الكسرة. وقد تثبت فيقال قيتال. وقلت دون عوض احترازا من عدة، فإنه مصدر وعد مع خلوه من الواو، لأن التاء في آخره عوض منها، فكأنها باقية.
وكذا تعليم مصدر علّم مع خلوه من التضعيف، ولكن جعلنا التاء في أوله عوضا من التضعيف، فكأنه باق؛ ولذلك جيء بالمصدر مضعفا ككذّب كِذّابا، استغنى عن التاء ونسب التعويض إلى تاء تعليم، لأن ياءه مساوية لألف إكرام وإسماع وانطلاق واستخراج ونحوها م المزيدات التي قصد بها ترجيح لفظ المصدر على لفظ الفعل الزائد على ثلاثة أحرف دون حاجة إلى تعويض. ومن المحكوم بمصدريته مع خلوه من بعض حروف فعله كينونة فأصلة كيونونة ثم عومل معاملة ميّت وميْت، فحذفت عينه وعوض منها الياء والتاء. ومن المحكوم بمصدريته ثواب وعطاء أصلهما إثواب وإعطاء. فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والمصدرية باقية كطاعة وطاقة وجابة والأصل إطاعة وإطاقة وإجابة، لأنها مصادر أطاع وأطاق وأجاب، فحذفت الهمزة واكتفى بالتقدير.
هذه وأمثالها مصادر لقرب ما بينها وبين أصلها بخلاف ما بينه وبين الأصل بُعد وتفاوت كعون وعِشرة وكِبْر وعُمر وغرق وكلام، بالنسبة إلى إعانة ومعاشرة وتكبّر وتعمير وإغراق وتكليم. فهذه وأمثالها أسماء مصادر. وأما ما ليس فيه الإغرابة وزنه كدعابة ورعْيا وغلوّ فهو مصدر، وجعله اسم مصدر تحكم بغير دليل. ومن إعمال ثواب
стр. 939
قول حسان ﵁:
لأنّ ثوابَ الله كلَّ مُوَحَّد ... جِنانٌ من الفردوس فيها يُخَلَّد
ومن إعمال عطاء قول القطامي:
أكفْرًا بعد ردّ الموتِ عنّي ... وبعد عطائك المائةَ الرِتاعا
ومن إعمال اسم المصدر حديث الموطأ "من قُبْلة الرجلِ امرأتَه الوضوءُ". ومنه قول الشاعر:
إذا صحَّ عونُ الخالق المرءَ لم يَجدْ ... عسيرا من الآمالِ إلّا ميسّرا
ومنه:
بعشْرتك الكرامَ تعدّ منهم ... فلا تُرين لغيرهُم ألوفا
ومنه:
قالوا كلامُكَ دَعْدًا وهي مُصْغِيةٌ ... يَشْفيك قلتُ صحيحٌ ذاك لو كانا
ولا يعمل ما تضمن حروف الفعل من اسم ما يفعل به أو فيه. فإن وُجد بعد شيء منه عمل أضمر له عامل من معناه كقولك أعجبني دهن زيد لحيته، وكحل هند عينها، فقد روي مثل هذا عن العرب، وجعل النصب فيه بعامل مضمر، كأنه قيل دَهَن لحيته وكحلت عينها. ومنه – والله أعلم – قوله تعالى (ألم نَجعل الأرضَ كِفاتا * أحياءً وأمواتًا)، لأن الكفات هو ما تكفت فيه الأشياء، أي تجمع وتحفظ فكان ذكره منبها على فعله، أو ما هو بمنزلة فعله، كأنه قيل تكفت أحياء وأمواتا،
стр. 940
ولك أن تنصب أحياء وأمواتا على التمييز لأن كِفات الشيء مثل وعائه والموعى ينتصب بعد الوعاء على التمييز وأما قول الشاعر:
كأنَّ مَجرّ الرامِسات ذيُولَها ... عليه قضيمٌ نمّقتْهُ الصَّوانِعُ
فيحتمل أن يكون من هذا. ويحتمل "المجرّ" موضع الجرّ، كأنه قال كأن مهب الرامسات جارّة ذيولها عليه قضيم، فحذف العامل وأخبر عن المجر بعليه قضيم. ويحتمل أن يكون المجر مصدرا والتقدير كأن موضع مجر الرامسات، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، وجاء الخبر على وفق المحذوف والعمل للمجر، لأنه بمنزلة الجرّ. ومثله.
كأنَّ مَجرةَ الأبطالِ نسْرًا ... إلى أشبالِه حطبٌ رَفيت
أي مكسور. وأما قول الآخر يصف حمارا وأتنا:
فظَلت بملقَى واحفٍ جرع المِعى قيامًا تُقاسي مُصْلَخِمًّا أميرُها
تقديره فظلت بموضع ملقى واحف جرع المعى وهما موضعان، وملقى بمعنى لقاء، ولذلك عمل. ومثله من المصادر المبدوءة بميم مزيدة كثير. فما كان فعله ثلاثيا فميمه مفتوحة، وما كان من غير ثلاثي فميمه مضمومة، كأنه اسم مفعول لذلك الفعل، وهي في العمل كالمصادر الأُخَر. فمن ذلك إنشاد ثعلب:
أظلومُ إنَّ مُصابكم رجُلًا ... أهْدى السلامَ تحيّةً ظُلْمُ
стр. 941
ومنها قول لقيط الإيادى.
يا دارَ ميّةَ من مُحْتلّها الجرَعا ... هاجتْ لي الهمَّ والأحزانَ والوجَعا
ومنها إنشاد سيبويه لكعب بن زهير:
فلم يَجدوا إلّا مناخَ مطيّة ... تجافى بها زَوْر نبيلٌ وكَلكلُ
ومَفحصَها عنها الحصا بجرانها ... ومَشْيَ نواج لم يَخُنهُنَّ مَفْصِلُ
وسمرٌ ظباءٌ راسهنّ بُعيدما ... مضتْ هجمةٌ من آخر الليلِ ذُجّلُ
ومثله قول الآخر:
مُستعانٌ العبدُ الإلةَ يُريه ... كلّ مُستصْعب من الأمر هيْنا
فصل: ص: يجيء بعد المصدر الكائن بدلا من الفعل معمولٌ عاملُه على الأصح البدل لا المبدل منه وفاقا لسيبويه والأخفش.
ش: المصدر الكائن بدلا من الفعل الذي يمتنع أن يباشره عامل ظاهر، ويصلح في موضعه فعل عارٍ من حرف مصدري. وقد بينت في باب المفعول المطلق مواقعه، دون تعرض لتعدّيه. والغرض هنا بيان مواقعه متعديا، وأكثر وقوع المتعدي أمرا كقول الشاعر:
يَمرُّون بالدَّهْنا خفافًا عيابُهم ... ويَخرجْنَ من دارين بُجْرَ الحقائب
على حين ألهى الناسَ جُلُّ أمورهم ... فنَدْلا زُريقُ المالَ ندْل الثعالبِ
وكقول الآخر:
هجرًا المظهرَ الإخاءَ إذا لم ... يكُ في النائبات جدَّ معينِ
стр. 942
وقد يجيء دعاء كقول الشاعر:
ياقابلَ التَّوْبِ غُفرانًا مآثم قدْ ... أسْلَفْتُها أنا منها مُشْفِق وَجِلُ
ومثله:
إعانةَ العبدَ الضعيفَ على الذي ... أمَرّت فمِيقاتُ الجزاءِ قريبُ
وقد يكون توبيخا بعد همزة الاستفهام كقول المرار الأسدي:
أعلاقةً أمَّ الوليد بعدما ... أفنانُ رأسك كالثَّغام المُخْلِس
وكقول الآخر:
أبغْيا وظُلما مَن علمتم مُسالما ... وذُلّا وخوفا مَن يُجاهركُم حرْبا
وكقوله:
أبسْطا بإطراري يمينا ومقْولًا ... ومُدّعيا مجْدًا تليدا وسُوددا
وقد يكون توبيخا بغير استفهام، كقوله:
وِفاقا بني الأهواءِ والغيِّ والوَنى ... وغيرُك مَعْنيٌّ بِكُلِّ جميل
ويكثر أيضا وقوعه بعد فعل خبري مقصود به الإنشاء كقول مَن أبصر ما يتعجب منه: عَجَبًا. وكقول المعترف بالنعمة: حَمْدا وشُكْرا لا جحودا ولا كُفْرا. ومنه قول الشاعر:
حمدًا اللهَ ذا الجلالِ وشُكْرا ... وبِدارًا لأمْره وانقيادا
وقد يقع الخبر وعْدا كقوله:
стр. 943
قالت: نَعم وبُلوغًا بغيةً ومُنًى ... فالصادقُ الحُبّ مبذولٌ له الأمَلُ
وهذه الأنواع عند أبي الحسن الأخفش وأبي زكريا الفراء مطردة صالحة للقياس على ما سُمع منها. وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب، ولما في ذلك من الاختصار والإيجاز. وأكثر المتأخرين يزعمون أن سيبويه يقصرها كلها على السماع، وليس له نصّ على ذلك، بل في كلامه ما يشعر بأن ما كان منها أمرا أو دعاء أو توبيخا أو إنشاء مقيس. فمن كلامه المشعر بذلك قوله في باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره "وذلك قولك سقيا ورعيا" ونحو قوله: خيبة ودَفْرا. ثم قال: "ومن ذلك قولك تعْسا وتبّا وجَدْعا ونحوه" ثم قال: "وإنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه على إضمار الفعل".
فقوله: ومن ذلك قولك ولم يقل قولهم فيه إشعار بأنه موكول إلى القياس. وكذا قوْله: ومن ذلك قولك تعسا وتبّا وجَدْعا ونحوه، فأطلق القول بنحوه، فعلم أن مراده القياس وعدم التقييد بالمسموع. مع أن كلامه في جميع الباب موافقٌ لهذا المفهوم. ومثل هذا كلامه في باب ما ينتصب من المصادر في غير الدعاء على إضمار الفعل المتروك إظهاره نحو حمدا وشكرا لا كفرا. وقد نصّ سيبويه على أن باب تراك مقيس، فمن المستبعد ألا يكون عنده باب سقيا مقيسا، مع كون المصدر أصل الفعل وكثير المصاحبة له في توكيد وغيره، فأحق ما ينوب عن الشيء ما كثرت مصاحبته له وإن لم يكن أصله. فإذا ثبت الأصالة مع كثرة المصاحبة لزم الترجيح وكان إلغاؤه غير صحيح.
وأيضا فإن استعمال القياس في باب نزال يلزم منه استئناف عمل واستئناف
стр. 944
وضع. واستعمال القياس في المصدر المذكور يلزم منه استئناف عمل دون وضع. وقياس موضوع على موضوع أقرب وأنسب من قياس مهمل على موضوع. وأيضا فإن المصدر المتعدّي على الوجوه المذكورة وارد على أربعة أقسام: بمعنى الأمر كبَذْلًا المال، وبمعنى المضارع الحاضر نحو أعلاقة أمّ الوليد – وبمعنى المضارع المستقبل نحو – وبلوغا بغية ومنى- وبمعنى الماضي كقول الشاعر:
عَهْدي بها الحيَّ لم تَخْفُفْ نعامتُهم
ولم يرد اسم الفعل المتعدي إلا بمعنى الأمر فدل ذلك على رجحان عناية العرب بإقامة المصدر مقام الفعل على عنايتهم بإقامة اسم الفعل مقامه. والقياس على الراجح العناية أولى من القياس على المرجوحها. وصرّح سيبويه – ﵀ بأن النصب بعد المصادر المذكورة بها أنفسها لا بالأفعال المضمرة. وأما الأخفش والفراء فمذهبهما في ذلك مشهور.
وذهب السيرافي – ﵀ – إلى أن النصب بالأفعال المضمرة، ووافقه على ذلك كثير من النحويين، وليس بصحيح، ومن نصوص سيبويه قوله في الباب الذي ترجمته: هذا باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل: ومما يجرى مجرى فعل من المصدر قوله:
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب
ثم قال سيبويه: وقال المرار الأسدي:
أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
وقال الشاعر:
стр. 945
بضَرْبٍ بالسيوف رُءوسَ قومٍ ... أزَلْنا هامَهُنَّ عن المقيل
فجعل ندلًا وعلاقة مساويين لضرب بالسيوف، وكذلك ينبغي. بل إعمال ندلا وعلاقة وأشبهاهما أولى من إعمال ضرب وشبهه، لأن في: ندلا وعلاقة ما في ضرب من وجود أصالة الفعل، إلا أن ندلا وعلاقة واقعان موقع فعلين محضين، وبضرْب واقع موقع حرف وفعل. ونسبة العمل إلى ما هو بمعنى ما هو العامل نفسه أولى من نسبته إلى ما هو بمعنى جزءين أحدهما عامل والآخر جزء غير عامل. ولا يمنع من ذلك كون الفعل لا يستغنى عن تقدير عامليّته بالنسبة إلى نصب المصدر، كما لا يمتنع عند الأكثر نصب الظرف بعامل مقدر ورفع الظرف الضمير في نحو زيد عندك، بل ناصب الظرف أحق بأن ينسب العمل إليه لكونه صالحا للإظهار قريب العهد بالإضمار، بخلاف عامل المصدر المشار إليه، فإنه غير صالح للإظهار ولا قريب العهد بالإضمار، فقد صار نسيا منسيا، من كلام سيبويه في الباب الذي ترجمته: هذا باب من الفعل يسمى الفعل فيه بأسماء لم تدخل بين أمثلة الفعل أن قال: "يدلك على أن حَذرك بمنزلة عليك قولك تحذيري زيدا، إذا أردت حذري زيدا، فالمصدر وغيره في هذا الباب سواء" فإعلامه بتساوي المصدر وغيره من أسماء الأفعال في هذا الباب صريح، فإن زيدا منصوب بتحذيري زيدا، كما هو منصوب بعليك في عليك زيدا. وكذلك جَعْله حذرك بمنزلة عليك، ويلزم منه تساويهما في العمل إذا قيل حذرك زيدا وعليك زيدا والله أعلم.
стр. 946
باب حروف الجر سوى المستثنى منها
ص: فمنها مِن، وقد يقال مِنا وهي لابتداء الغاية مطلقا، وللتبعيض، ولبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة، وللانتهاء، وللاستعلاء، وللفصل، ولموافقة الباء، ولموافقة في وإلى. وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرد التوكيد بعد نفي أو شبهه جارة نكرة مبتدأ أو فاعلا أو مفعولا به. ولا يمتنع تعريفه ولا خلوه من نفي أو شبهه وفاقا للأخفش. وربما دخلت على حال. وتنفرد مِن بجر ظروف لا تتصرف كقبل وبعد وعند ولدى ولدن ومع وعن وعلى اسمين. وتختص مكسورة الميم ومضمومتها في القسم بالربّ، والتاء واللام بالله. وشذّ فيه: "مُن الله وتَربّى.
ش: حكى الفراء أن بعض العرب يقول في من: مِنا، وزعم أنه الأصل وخففت لكثرة الاستعمال بحذف الألف وتسكين النون. ومجيء من لابتداء الغاية في المكان مجمع عليه كقوله تعالى (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ومجيؤها لابتداء غاية الزمان مختلف فيه؛ فبعض النحويين منعه، وبعض أجازه. وقول من أجاز ذلك هو الصحيح الموافق لاستعمال العرب. وفي كلام سيبويه تصريح بجوازه وتصريح بمنعه. فأما التصريح بجوازه فقوله في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف: "ومن ذلك قول العرب:
مِن لدُ شَوْلًا فإلى إتْلائِها
стр. 947
نصب لأنه أراد زمانا. والشوال لا يكون زمانا ولا مكانا فيجوز فيها الجر كقولك من لدن صلاة العصر إلى وقت كذا، وكذا من لد الحائط إلى مكان كذا، فلما أراد الزمان حمل الشول على شيء يحسن أن يكون زمانا إذا عمل في الشول، كأنك قلت من لد أن كانت شولا إلى إتلائها". هذا نصه في هذا الباب. وفيه تصريح بمجيء من لابتداء غاية الزمان ولابتداء غاية المكان.
وقال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأما مِن فتكون لابتداء الغاية في الأماكن" ثم قال: "وأما مُذْ فتكون لابتداء الغاية في الأيام والأحيان، كما كانت مِن فيما ذكرت لك، ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها". فظاهر هذا الكلام منع استعمال "مِن" في الزمان، ومنع استعمال "مذ" في المكان. فأما منع استعمال مذ في المكان في الكلام فمجمع عليه، وأما استعمال من في الزمان فمنعه غير صحيح، بل الصحيح جوازه لثبوت ذلك في القرآن والأحاديث الصحيحة والأشعار الفصيحة، فالذي في القرآن قوله تعالى (لمسجدٌ أُسِّسَ على التّقوى من أوّل يومٍ أحقُ أن تقومَ فيه). وقال الأخفش في المعاني: قال بعض العرب من الآن إلى غد. وأما الأحاديث فمنها قول رسول الله ﷺ : "مثلُكم ومثلُ اليهودِ والنصارى كرجل استعمال عمّالا فقال: مَن يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط ثم قال مَن يعمل لي مِن نصف النهار على قيراط قيراط فعملت النصارى مِن نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال ومَن يعملُ لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين
стр. 948
تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرّتين". فقد استعملت "مِن" في هذا الحديث لابتداء غاية الزمان أربع مرات. ومن الأحاديث على ذلك قول مَن روى حديث الاستسقاء "فمطرنا من جمعة إلى جمعة" وقول عائشة ﵂ "فجلس رسول الله ﷺ ، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل". وقول أنس ﵁ "فلمْ أزلْ أحِبُّ الدُّبّاء من يومئذ". وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري. وفي جامع المسانيد أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵂ "هذا أوّلُ طعامٍ أكله أبوكِ من ثلاثة أيام".
وأما الأشعار فمنها قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيُوفَهم ... بهنَّ فُلول من قِراع الكتائب
تُخيّرنَ من أزمانِ يومِ حليمةٍ ... إلى اليومِ قد جُرِّبْنَ كلَّ التجاربِ
ومنها قول جبل بن جوال:
وكل حُسام أخلصتْه قُيونُه ... تُخيّرنَ من أزمان عاد وجُرْهُمِ
ومنها قول الراجز:
تنتهض الرِّعدة في ظُهَيرى ... من لدُنِ الظُّهر إلى العُصير
стр. 949
وقول الآخر:
إنّي زعيمٌ يانو ... يقَةُ إنْ أمِنْتِ من الرَّزاح
ونجوْتِ من عَرَض المنُو ... نِ من الغُدوّ إلى الرواحِ
ومنها قول بعض الطائيين:
من الآن قد أزمعتُ حِلْمًا فلن أُرى ... أغازل خَوْدا أو أذوقُ مداما
ومنه:
ألِفتُ الهوى من حين أُلْفيتُ يافِعا ... إلى الآن مَمْنوًّا بواشٍ وعاذِلِ
ومثله:
ما زلت من يوم بِنتُم والهًا دَنِفا ... ذا لوعةٍ، عيشُ مَن يُبْلى بها عَجَبُ
وتكون "مِن" أيضا لابتداء الغاية في غير مكان ولا زمان، كقولك: قرأت من أوّل سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار، ولذلك قلت: "لابتداء الغاية مطلقا" ولم أقل في الزمان والمكان. وأشار سيبويه إلى هذا فقال: "وتقول إذا كتبت كتابا: من فلان إلى فلان، فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها" هذا نصه.
ومجيء من التبعيض كثير كقوله تعالى (خلق كلَّ دابّة من ماءٍ فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم مَن يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع).
стр. 950
وعلامتها جواز الاستغناء ببعض عنها كقراءة عبد الله (لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا بعض ما تحبّون).
ومجيؤها لبيان الجنس كقوله تعالى (يُحَلَّوْن فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرًا من سندس) وقوله تعالى: (خلق الإنسانَ من صلصالٍ كالفخّار * وخلق الجانَّ من مارج من نار) ومجيؤها للتعليل كقوله تعالى (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) و (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل). ومنه قول عائشة ﵂ "فما أستطيع أن أقضيَه إلّا في شعبان الشغلُ من رسول الله ﷺ " أي يمنعني الشغل من أجل رسول الله ﷺ . وكقول الشاعر:
ومُعتصمٍ بالحقّ مِن خَشْية الرّدى ... سَيَرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سيئوبُ
والتي للبدل كقوله تعالى (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكةً في الأرض يخلفون). ومنه قول الشاعر:
أخذوا المخاض من الفصيل غُلُبّةً ... ظُلْما ويُكتَب للأمير أفيلا
ومجيؤها للمجاوزة: غُذت منه وشبعت ورويت. ولهذا المعنى صاحبت أفعل
следующие страницы →