← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

إضافته معنى من أشبه بذي الألف واللام منه بالعاري، فإجراؤه مجرى ذي الألف واللام أولى من إجرائه مجرى العاري. فإذا لم يعط الاختصاص بجريانه مجراه فلا أقلّ من أن يشارك، والإلزام ترجيح أضعف الشبهين، أو ترجيح أحد المتساويين دون مرجح. وقد يستعمل العاري الذي ليس معه من مجردا عن التفضيل مؤولا باسم فاعل كقوله تعالى: (هوأ علمُ بكم إذ أنشأكم من الأرض) ومؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيدُه وهو أهونُ عليه) فأعلم هنا بمعنى عالم إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك، وأهون بمعنى هيّن إذ لا تفاوت في نسب المقدورات إلى قدرته ﵎. ومن ورود أفعل مؤولا بما لا تفضيل فيه قول الشاعر: إنَّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزُّ وأطولُ أي عزيزة وطويلة. ومنه قول الشنفري: وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكنْ ... بأعْجلهم إذْ أجشعُ القوم أعْجلُ أراد لم أكن عجلًا، ولم يرد أكن أكثرهم عجلة، لأن قصد ذلك يستلزم ثبوت العجلة غير الفائقة وليس غرضه إلا التمدّح بنفي العجلة قليلها وكثيرها. وأجاز أبو العباس محمد بن يزيد استعمال أفعل مؤوّلا بما لا تفضيل فيه قياسا. والأولى أن يمنع فيه القياس ويقتصر منه على ما سمع، والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير إذا كان ما هو له مجموعا لفظا ومعنى كقوله تعالى: (أصحابُ الجنّة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مقيلا) أو لفظا لا معنى كقوله تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون

стр. 877

به) و (نحنُ أعلمُ بما يقولون). وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعا كقول الشاعر: إذا غابَ عنّا أسودُ العين كنتم ... كِراما وأنتم ما أقام ألائمُ أراد وأنتم ما أقام لائم، فألائم جمع ألأم بمعنى لئيم، فلذلك جمعه، إلا أن ترك جمعه أجود، لأن اللفظ المستقر له حكم إذا قصد به غير معناه على سبيل النيابة لا يغير حكمه، ولذا لم يغير حكم الاستفهام في مثل: علمت أيّ القوم صديقك، ولا حكم النفي في: ألا طعانَ ألا فرسانَ عادية وإذا جمع أفعل العاري لتجرده من معنى التفضيل إذا جرى على جمع جاز أن يؤنث إذا جرى على مؤنث. ويجوز أن يكون منه قول "حنيف الحناتم" في صفات الإبل: سَرْعى وبَهيا وغزرى. وكان الأجود أن يقال أسرع وأبهى وأغزر، إلا أنه لما لم يقصد التفضيل جاء بفَعْلى موضع فعيلة، كما جاء قائل البيت بألائم في موضع لئام. وعلى هذا يكون قول ابن هانئ: كأنّ صُغْريَ وكُبْرى صحيحا لأنه لم يؤنث أصغر وأكبر المقصود بهما التفضيل، وإنما أنث أصغر بمعنى صغير وأكبر بمعنى كبير.

стр. 878

ص:"ويجوز هو أفضل رجل، وهي أفضل امرأة، وهما أفضل رجلين أو امرأتين، وهم أفضل رجال، وهنّ أفضل نسوة، معناه ثبوت المزية للأول على المتفاضلين واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة. وإن كان المضاف إليه مشتقا جاز إفراده مع كون الأول غير مفرد. وألحق بأسبق مطلقا "أوّل" صفة، وإن نويت إضافته بني على الضم. وربما أعطى مع نيّتها ماله مع وجودها. وإن جرد عن الوصفية جرى مجرى "أفكل" وألحق "آخر" بأوّل غير المجرد فيما له من الإفراد والتذكير وفروعهما من الأوزان، إلا أن "آخر" يطابق في التنكير والتعريف ما هو له. ولا تليه "من" وتاليها، ولا يضاف، بخلاف أوّل. وقد تنكّر الدُّنْيا والجُلّى لشبههما بالجوامد. وأما حُسْنى وسُوءى فمصدران. ش: إذا قيل زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، فمعناه زيد أفضل من كل واحد قيس فضله بفضله، والزيدان أفضل من كل رجلين قيس فضلهما بفضلهما، والزيدون أفضل من كل رجال قيس فضلهم بفضلهم، فحذفت من كل وأضيف أفعل إلى ما كان مضافا إليه. والكلام في أفضل امرأة وأفضل امرأتين وأفضل نسوة كالكلام في أفضل رجل وأفضل رجلين وأفضل رجال. ويلزم أفعل المستعمل هذا الاستعمال الإفراد والتذكير لشبهه بالعاري في التنكير وظهور من بعدها بأسهل تقدير. ولا بد من كون المضاف إليه مطابقا لما قبل المضاف ما لم يكن المضاف إليه مشتقا، فيجوز إفراده مع جمعية ما قبل المضاف كقوله تعالى: (ولا تكونوا أوّل كافر به) وقد تضمن الإفراد والمطابقة ما أنشده الفراء من قول الشاعر: وإذا هم طعموا فأوّلُ طاعم ... وإذا هم جاعوا فشرُّ جياع وإنما جاز الوجهان مع المشتق لأنه وأفعل مقدران بمَنْ والفعل. ومَن المعنى بها جمع يجوز في ضميرها إفراد اللفظ والجمع باعتبار المعنى.

стр. 879

واستعمل "أوّل" صفة جارية مجرى أفعل التفضيل في اللفظ مطلقا، فألزمت في التنكير الإفراد والتذكير، وأوليت "من" ومجرورا بها على حدّ ما وليا ما سبق. وأضيف إلى نكرة [كقوله تعالى (إنّ أوّل بيتٍ) وإلى معرفة] كقوله تعالى: (وأنا أوّلُ المسلمين). وجعل له فروع مخصوصة بحال التعريف كما فعل بأفعل التفضيل، فقيل الأوّلان والأولون والأوائل والأولى والأوليان والأوليات والأُوَل. وحكى الفارسي: ابدأ بهذا من أوّلَ، بالفتح على أنه مجرور ممنوع الصرف للوصفية والوزن. ومن أولُ، بالضم لنية الإضافة وقطعه عنها. ومن أوّلِ، بالخفض على تقدير الإضافة إلى مقدر الثبوت كما قال الراجز: خالطَ من سلمى خياشيمَ وَفا أراد وفاها فحذف المضاف إليه وقدّر ثبوته، فأعطى المضاف ما كان له مع عدم الحذف. واستعمل "أوّل" مجردا عن الوصفية فجرى مجرى "أفكل" في الصرف نحو: ماله أولٌ ولا آخرٌ. فلو جعل علما منع الصرف كقول الشاعر: أُؤمّلُ أن أعيشَ وأنّ يومي ... بأوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبار فأول هنا علم ليوم الأحد ممنوع الصرف. فلو جعل أفكل – وهو الرعدة – علما منع الصرف. وأجرت العرب "آخر" مجرى أفعل التفضيل في الوصفية والتأنيث والتصحيح والتكسير فقالوا الآخر والأخرى والآخرون والأواخر والأخريات والأُخَر، كما قالوا الأكبر والكُبرى [والأكبران والكبريان] والأكبرون [والأكابر] والكبريات

стр. 880

والكُبَر. إلا أنه لا دلالة فيه على التفضيل بنفسه ولا بتأويل، إذ لا يصح في موضعه ما يدل على تفضيل كصلاحية أسبق في موضع أول، وكصلاحية أمرّ في موضع أصبر، وكصلاحية أسرق في موضع ألصّ؛ فلذلك لم يله مجرور بمن على حدّ ما يلي أفعل التفضيل ولا بإضافة، لكن مقتضى جعله من باب أفعل التفضيل أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير وألا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع إلا معرّفا، فمنع هذا المقتضى، وكان لذلك معدولا عما هو به أولى، فلذلك مُنع "أُخَر" من الصرف وأجرى مجرى ثُلاثَ وأخواته. ويأتي تتميم الكلام على ذلك في باب موانع الصرف إن شاء الله تعالى. والدُّنيا والجُلّى مؤنثا الأدنى والأجلّ فكان حقهما ألا ينكرا إلا إذا ذكرا، لكنهما كثر أنْ يستعملا استعمال الأسماء المحضة، فلذلك جاز تنكيرهما، كقوله: في سعْيِ دُنيًا طالما قَد مُدَّتِ وكقول الآخر: وإنْ دعوتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمة ... يوما سراة كِرامِ الناسِ فادْعينا وقرأ بعض القراء الشواذ (وقولوا للناس حسنى) وهو مصدر على فُعْلى كالرُجعى، والحُسْنُ والحُسْنى والعُذر والعُذرى والسُّوء والسُّوءى، من المصادر التي جاءت على فُعْل وفُعْلى بمعنى واحد.

стр. 881

فصل: ص: ولا يرفع أفعل التفضيل في الأعرف ظاهرا إلا قبل مفضول هو هو مذكور أو مقدر، وبعد ضمير مذكور أو مقدر، مفسر بعد نفي أو شبهه بصاحب أفعل، ولا ينصب مفعولا به. وقد يدل على ناصبه وإن أول بما لا تفضيل فيه جاز على رأي أن ينصبه، وتتعلق به حروف الجر على نحو تعلقها بأفعل المتعجب به. ش: لأفعل التفضيل شبه بأفعل المتعجب به، أوجب له القصور عن الصفة المشبهة في اللفظ وفي العمل، أما في اللفظ فلزومه في حال التنكير لفظا واحدا، وأما في العمل فكونه لا يرفع فاعلا ظاهرا إلا على لغة ضعيفة حكاها سيبويه، فقال على تلك اللغة: مررت برجل أكرمَ منه أبوه، لأنه بمعنى مررت برجل فائقه في الكرم أبوه. ومن هذه اللغة احترزت بقولي "لا يرفع أفعل التفضيل في الأعرف ظاهرا". ثم أشرت إلى قرائن تهيئته لرفع الظاهر عند جميع العرب، وذلك بأن يكون الظاهر مفضلا على ما هو له في المعنى من مذكور بعده أو مقدر، وأن يكون الظاهر أيضا بعد ضمير مذكور أو مقدر، وذلك الضمير مفسّر بعد نفي أو شبهه بما أفعل صفة له، وذلك كقول الشاعر: ما علمتُ امرأ أحبَّ إليه الـ ... تَبدلُ منه إليكَ يا بنَ سِنانِ ومثله: لا قولَ أبعدَ عنه نفع منه عن ... نهْي الخلِيّ عن الغرامِ مُتَيَّما والعَلَم في ذلك: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحلُ منه في عين زيد. وقد يختصر فيقال ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحلُ من عين زيد، ومن زيد، على تقدير من كحل عين زيد. فمن قال من عين زيد حذف مضافا واحدا، ومن قال

стр. 882

من زيد، حذف مضافين، كما حذفا في قولهم: لا أفعل ذلك هبيرة بن سعد، أي مدة مغيب هبيرة بن سعد. ومن كلامهم المأثور ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبه أمير على مِنبر. فهذا فيه حذف واحد، والتقدير ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من شهود كذبة أمير على منبر. وقد يستغنى عن المفضول للعلم به، ولا يقام مقامه شيء كقولك: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرُّ. والأصل ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشر منه إليه، فحذف منه وإليه للعلم بهما. وأنشد سيبويه في مثل هذا: مررتُ على وادي السباعِ ولا أرى ... كوادي السباعِ حين يُظْلِمُ واديا أقلَّ به رَكْبٌ أتَوه تئيّة ... وأخْوفَ إلّا أن يقِي الله ساريا فركب مرفوع بأقل كارتفاع الشر بأبغض. والأصل: ولا أرى واديا أقل به ركب منه بوادي السباع، فحذف المفضول للعلم به ولم يقم مقامه شيئا. ومثله قول الآخر: ما إن رأيتُ كعبدِ الله من أحدٍ ... أوْلى به الحمدُ في وجْدٍ وإعْدام وقد يستغنى عن تقدير مضاف في: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد، بأن يقال إن تقديره: ما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد. فأدخلوا "من" على زيد مع ارتفاع الكحل على حد إدخالها عليه مع جره، لأن المعنى واحد. وهذا وجه حسن لا تكلف فيه، وله نظائر فيها يلحظ المعنى ويرتّب الحكم عليه مع تناسي اللفظ. ومن نظائره قوله تعالى: (أولم يَروا أنّ اللهَ الذي خلق السمواتِ والأرضَ ولم يعيَ بخلقهنّ بقادرٍ). فدخلت الباء على خبر أن لتقدم أو لم وجعلها الكلام بمعنى أو ليس الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر. ومَن قدّر: ما رأيت

стр. 883

أحدا أحسن في عينه الكحل من زيد بما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدر: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبَة أمير على منبر. وكذا يفعل بكل ما أشبه ذلك حيثما ورد. وكل واحد من هذه الأمثلة التي ذكرتها آنفا متضمن لضمير مذكور بين أفعل والظاهر المرفوع عائد على موصوف بأفعل مسبوق بنفي. وقد يحذف الضمير إذا كان معلوما. ومن المسموع في ذلك قول بعضهم: ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض من شبه بعض قومك ببعض، فجعل أشبه في موضع أبين، واستغنى به عن ذكر الشبه المضاف إلى بعض، ثم كمل الاختصار لوضوح المعنى. ومَن قدّر ما رأيت أحدًا أحسن في عينه الكحل من زيد بما رأيت أحدا أحسن بالكحل من زيد، يقدّر هذا بما رأيت قوما ما أشد تشابها من قومك. والسبب في رفع أفعل التفضل للظاهر في هذه الأمثلة ونحوها تهيّؤه بالقرائن التي قارنته لمعاقبة الفعل إياه على وجه لا يكون بدونها. ألا ترى أن قولك ما رأيت أحدا في عنيه الكحل منه في عين زيد، لو قلت بدله: ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد، لكان المعنى واحدا. بخلاف قولك في الإثبات رأيت رجلا الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد، فإن إيقاع الفعل فيه موقع أفعل يغيّر المعنى، فكان رفع الفعل للظاهر لوقوعه موقعا صالحا للفعل على وجه لا يغير المعنى بمنزلة اسم الفاعل الماضي معنى إذا وصل بالألف واللام، فإنه كان ممنوع العمل لعدم شبهه بالفعل الذي في معناه، فلما وقع صلة قدّر بفعل وفاعل ليكون جملة، فإن المفرد لا يوصل به موصول، فانجبر لوقوعه موقع الفعل ما كان فائتا من الشبه، فأعطى العمل بعد أن مُنِعه فكذلك أفعل الواقع في الموقع المشار إليه حدث له بالقرائن التي قارنته فيه معاقبة للفعل على وجه لم يكن بدونها، فرفع الفاعل الظاهر بعد أن كان لا يرفعه. وأيضا فإنه حدث له في الموقع المشار إليه معنى زائد على التفضيل، وذلك أنك إذا قلت: ما الكحل في عين زيد أحسن منه في عين عمرو، لم يكن فيه تعرض لنفي المساواة، وإنما تعرض فيه لنفي المزية، بخلاف قولك ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فإن المقصود به نفي المساواة ونفي المزيّة. ولهذا قدّره سيبويه بما رأيت أحدا يعمل في عينه الكحل كعمله في عين

стр. 884

زيد. فكان لأفعل في هذا الموضع ما للصفة المشبهة من تناول المساواة والمزية، فاستحق بذلك التفضيل على أفعل المقصور على المزية ففضل برفعه الظاهر. وأيضا فإن قاصد المعنى المفهوم من ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، إمّا بأن تجعل أفعل صفة لما قبلها رافعة ما بعدها، وإما أن تجعله خبرا للكحل، وهذا الوجه ممتنع بإجماع العرب، لاستلزامه الفصل بالمبتدأ بين أفعل و"من" مع كونهما بمنزلة المضاف إليه. والوجه الآخر لم يجمع على منعه، بل هو جائز عند بعضهم، فلما ألجأت الحاجة إليه اتفق عليه. فإن قيل لا نسلم الالتجاء إليه لإمكان أن يقال ما رأيت أحدا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيد. فالجواب أن إمكان هذا اللفظ مسلّم، ولكن ليس بمسلم إفادة ما يفيده اللفظ الظاهر من اقتضاء المزية والمساواة معا. وإنما يقتضي ما رأيت أحدا الكحل أبين منه في عينه منه في عين زيد: نفي رؤية الزائد حسنه لا نفي رؤية المساواة، وإذا لم يتوصل إلى ذلك المعنى إلا بالترتيب المذكور الذي عليه صح القول بالالتجاء إليه. ولم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل التفضيل إلا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي كقولك: لا يكن غيرك أحبّ إليه الخير منه إليك. وهل في الناس رجل أحق به الحمد لله منه بمحسن لا يمنّ بمنّه. ولا ينصب أفعل التفضيل مفعولا به، بل يُعدّى إليه باللام إن كان متعديا إلى واحد كقولك زيد أوعى للعلم وأبذل للمعروف. وإن كان من متعدّ إلى اثنين عُدّي إلى أحدهما باللام وأضمر ناصب الثاني كقولك: هو أكسى للفقراء الثياب، أي يكسوهم الثياب. فإن ورد ما يوهم نصب مفعول به بأفعل نسب العمل لفعل محذوف، وجعل أفعل دليلا عليه، فمن ذلك قول الشاعر:

стр. 885

فلم أر مثل الحيّ حيّا مُصَبَّحا ... ولا مثلَنا يومَ الْتقينا فَوارسا أكرَّ وأحمى للحقيقة منهم ... وأضْربَ منّا بالسِّيوفِ القوانِسا ومثله قول الآخر: فما ظفرتْ نفسُ امرئٍ يبتغي المنى ... بأبْذَلَ مَن يَحيى جزيل المواهب ومنه قوله تعالى: (اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه) فحيث هنا ليس بظرف، وإنما هو مفعول به وناصبه فعل مدلول عليه بأعلم، والتقدير: الله أعلم يعلم مكان جعل رسالاته. وأجاز بعضهم أن يكون أعلم مجردا عن التفضيل ويكون هو العامل. وتعلق حروف الجر بأفعل التفضيل على نحو ما تعلق بأفعل التمعجب به فيقال زيد أرغب في الخير من عمرو، وعمرو أجمع للمال من زيد، ومحمد أرأف بنا من غيره، وكذلك ما أشبهه.

стр. 886

باب اسم الفاعل ص: وهو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي. وتوازن في الثلاثي المجرد فاعلا، وفي غيره المضارع مكسور ما قبل الآخر مبدوءا بميم مضمومة، وربما كسرت في مفعِل أو ضمت عينه، وربما ضمت عين منفعِل مرفوعا. وربما استغنى عن فاعل بمُفعِل وعن مُفعَل بمفعول فيما له ثلاثي، وفيما لا ثلاثي له وعن مفعِل بفاعل ونحوه أو بمفعَل، وعن فاعل بمُفعِل أو مِفعَل. وربما خلف فاعل مفعولا ومفعول فاعلا. ش: ذكر الصفة مخرج للأسماء الجامدة، ومتناول لاسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة وغير المشبهة. وذكر الدلالة على الفاعل مخرج لاسم المفعول والمؤدّي معناه، وذكر الجارية على المضارع مخرج للجارية على الماضي كفرِح وحَسن ويقُظ، ولغير الجاريةِ كسهْل وكريم ومتناول لاسم الفاعل ولنحو ضامر الكشح ومنطلق اللسان من الصفات الموافقة اسم الفاعل لفظا لا معنى، ولنحو أهيف وأعمى من الصفات التي على أفعل وفعلهما على فَعِل، فالنوعان جاريان على المضارع من أفعالهما، أي موافقان له في عدة الحروف وتقابل الحركات والسكون، فخرج باب ضامر بقولي "لمعناه أو معنى الماضي" فإنّ ضامرا ونحوه لا يتعرض به لاستقبال ولا مضي، وإنما يراد به معنى ثابت، ولذلك أضيف إلى ما هو فاعل في المعنى كما تضاف الصفة التي لا تجاري المضارع فيقال ضامر الكشح، كما يقال لطيف الكشح، فخالف باب ضامر الفعل معنى وإن وافقه لفظا. وخرج باب أهيف بذكر التذكير والتأنيث فإن مؤنثه على فَعْلاء فلا مجاراة فيه لا في حال التذكير بخلاف اسم الفاعل فإن تأنيثه لا يغير بنيته فيعرى من المجاراة، بل هو

стр. 887

مستصحبها في حالتي تذكيره وتأنيثه لأن تأنيثه بالتاء وهي في نية الانفصال. ولزم من تقييد اسم الفاعل بكونه صفة جارية خروج أمثلة المبالغة ولم يكن في ذلك ضير لأن اسم الفاعل غيرها، وجريانها في العمل مجراه سننبه عليه في موضعه إن شاء الله. ولما كمل الكلام على حدّ اسم الفاعل نبهت على كيفية صوغه من الأفعال، وأعلمت أنه من الثلاثي المجرد على زنة فاعل كضارب وشارب، ومن غيره على زنة المضارع بكسر ما قبل آخره وزيادة ميم مضمومة موضع حرف المضارعة كمكرِم ومُعلِم ومتعلِّم ومستخرِج ومدحرِج ومطمئِن ومحرنجم. وقالوا أنتن الشيء فهو مُنتن على القياس، وقالوا أيضا مِنتن بإتباع الميم العين. وإليهما أشرت بقولي "وربما كسرت في مُفعل أو ضمت عينه" ومثل منتن قولهم في المُغيرة مِغيرة ثم قلت "وربما ضمت عين منفعل مرفوعا" فأشرت بذلك إلى قولهم هو منحدُر بضم الدال إتباعا للراء، حكاه أبو الفتح بن جني وغيره. ثم قلت "وربما استغني عن فاعل بمُفعِل وعن مُفعَل بمفعول فيما له فعل ثلاثي وفيما لا ثلاثي له" إلى حبّه فهو مُحِبّ ولم يقولوا حابّ. وأشرت بالثاني إلى قولهم أحزنه الأمر فهو محزون، فأغناهم عن محزن، وكذا أحبه فهو محبوب أغناهم عن مُحَب. وندر قول عنترة: ولقد نزلتِ فلا تظني غيره ... منّي بنمزلة المُحبِّ المكْرَمِ وأشرت بما لا ثلاثي له إلى قول الشاعر: معى رُدَيْنيُّ أقوام أرُدّ به ... عن عِرْضهم وفَرِيصي غير مَرْعُود ولم يقولوا رعد الفرائص، وإنما قالوا أرعدت. ثم قلت "وربما استغني عن مُفعِل بفاعل ونحول، أو بمُفْعَل" فأشرت إلى قولهم أيفع الغلام إذا شب فهو يافِع، وأورس الرِّمث، وهو شجر إذا اصفر فهو وارس. وأشرت بقولي "ونحوه" إلى قولهم أعقت الفرس فهي عقوق إذا حملت. وأحصرت الناقة إذا ضاق مجرى لبنها فهي حصور. وأشرت بقولي "أو بمفعَل" إلى قولهم أسهب الرجل في الكلام إذا أكثر فهو

стр. 888

مسهَب. وكذا إذا ذهب عقله من لدغ الحية، وألفج الرجل إذا ذهب ماله فهو ملفَج. وقيل أيضا يفع وورس وعقت وحصرت، وأسهب اللديغ، وألفج ذو المال على المبنى على أسهب وألفج. ولم يرد في أفعل إلا فعل الفاعل، هذا إذا كان بمعنى أكثر الكلام. فأما أسهب بمعنى فصح، وبمعنى بلغ الرجل في حفره، وبمعنى أكثر في العطاء، وبمعنى تغيّر وجهه، وبمعنى نزل السهب، أي المكان السهل، فاسم الفاعل منه بكسر الهاء على القياس، وكذا من أسهب الفرس إذا كان سابقا. وحكى ابن سيده أنه يقال عمّ الرجل بمعروفه ولمّ متاع القوم فهو مُعِم ومعَمّ، ومُلِمّ وملَمّ ولا نظير لهما، وإليهما أشرت بقولي "عن فاعل بمُفعِل أو مِفعَل" ثم قلت "وربما خلف فاعل مفعولا ومفعول فاعلا" فأشرت بالأول إلى كاس بمعنى مكسوّ، وبالثاني إلى قولهم قطّ السعرُ فهو مقطوط إذا غلا ولم يقولوا قاطّ ذكره ابن سيده، وهو نادر. ومما خلف فيه فاعل مفعولا قول الشاعر: لقد عيّل الأيتامَ طعنةُ ناشره ... أناشِر لا زالتْ يمينُك ماشره أي مأشوة، والمأشورة المقطوعة بمئشار. فصل: ص: يعمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف مفردا وغير مفرد عمل فعله مطلقا. وكذا إن حُوّل للمبالغة من فاعل إلى فعّال أو فَعول أو مِفعال، خلافا للكوفيين. وربما عمل محولا إلى فعيل أو فَعِل. وربما بني فعّال ومِفعال وفَعيل وفَعول من أفعل. ولا يعمل غير المعتمد على صاحب مذكور أو منويّ أو على نفي صريح أو مؤوّل أو استفهام موجود أو مقدر. ولا الماضي غير الموصول به "أل"

стр. 889

أو محكي به الحال خلافا للكسائي. بل يدل على فعل ناصب لما يقع بعده مفعولا به يتوهّم أنه معمول له، وليس نصب ما بعد المقرون بأل مخصوصا بالمضي خلافا للرماني ومن وافقه، ولا على التشبيه بالمفعول به خلافا للأخفش، ولا بفعل مضمر خلافا لقوم. ش: قد تقدم أن اسم الفاعل هو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، وسأبين ذلك ببيان تام. ثم أشير بعد ذلك إلى عمله. فليعلم أنه يعمل عمل فعله إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور نحو زيد مكرم رجلا طالبا العلم محققا معناه، أو على صاحب منوي كقول الشاعر: وما كلُّ ذي لُبّ بمُؤتيك نُصْحَه ... وما كلُّ مُؤتٍ نصْحَه بلبيب وكقول الآخر: وكم مالئٍ عينيه من شيء غيره ... إذا راج نحو الجمرة البيضُ كالدُّمى ويروى: ومن مالئ عينيه أو على نفي صريح كقول الشاعر: ما راع الخَلّانُ ذمّةً ناكِث ... بلْ مَن وفى يَجد الخليلَ خليلا أو على نفي مؤوّل كقوله: وإنَّ امْرأ لم يُعْن إلّا بصالِح ... لغير مُهين نفسَه بالمطامع أو على استفهام موجود كقول الشاعر: أناوٍ رجالُك قتلَ امرئٍ ... من العزّ في حُبّك اعتاضَ ذُلّا

стр. 890

أو على استفهام مقدّر كقوله: ليت شعري مقيمٌ العُذْرَ قومي ... أم هم لي في حبّها عاذِلونا ولا يعمل اسم الفاعل إذا لم يقصد به معنى الفعل كصاحب في أكثر الاستعمال، لعدم الاعتماد على صاحب مذكور أو منويّ. ولا إذا صُغّر أو وُصف أو قُصد به المضيّ ولم توصل به الألف واللام، ولا حكيت به الحال، فلا يقال هذا ضُويرب زيدا، ولا هذا ضارب عنيف زيدا، ولا هذا ضارب أمس زيدا لا اليوم. وإنما امتنع العمل بالتصغير والوصف لأنهما من خصائص الأسماء، فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا، ولم ير الكسائي ذلك مانعا، لأنه حكى عن بعض العرب أظنني مرتحلا وسويّرا فرسخا. وأجاز أن يقال أنا زيدا ضارب أيّ ضارب، ولا حجة فيما حكاه، لأن فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل. وأما إجازته أنا زيدا ضارب أيّ ضارب فلا حجة فيه، لأنه لم يقل أنا سمعته عن العرب، بل ذكره تمثيلا، ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجة، لأنه كان يحمل على أن زيدا منصوب بضارب وضارب خبر أنا وأي ضارب خبر ثان. وهذا توجيه سهل موافق للأصول المجمع عليها فلا يعدل عنه، وقد احتج الكسائي بقول الشاعر: إذا فاقِدٌ خطباءُ فرخين رجَّعتْ ... ذكرتُ سُلَيْمَى في الخليط المُزايل ولا حجة في هذا لإمكان تخريجه على جعل فرخين منصوبا برجعت على إسقاط حرف الجر، وأصله رجعت على فرخين، فحذف على وتعدى الفعل بنفسه فنصب، ويجوز نصب فرخين بفقدت مقدرا مدلولا عليه باسم الفاعل الموصوف، فإن مالا يعمل يجوز أن يدل على ما يعمل. وقد احتج للكسائي أيضا بقول

стр. 891

الشاعر: وقائلةٍ تخشى عليَّ أظُنُّه ... سيُودي به تَرْحالُه ومذاهبُهْ فإن تخشى صفة لقائلة وقد وقعت قبل المفعول الذي هو أظنه. والجواب أن يقال أظنه محكي بقالت أو تقول مقدرا فبطل الاحتجاج. وأجاز الكسائي أيضا إعمال اسم الفاعل المقصود به المضيّ مع كونه عاريا من الألف واللام. ومذهبه في هذه المسألة ضعيف، لأن اسم الفاعل الذي يراد به المضي لا يشبه الفعل الماضي إلّا من قِبَل المعنى، فلا يُعطى ما أعطى المشابه لفظا ومعنى، أعني الذي يراد به معنى المضارع، كما لم يعط الاسم من منع الصرف بعلة واحدة ما أعطى ذو العلتين، وأيضا فإن الفعل المضارع محمول على اسم الفاعل في الإعراب، فحمل اسم الفاعل عليه في العمل. ولم يحمل الفعل الماضي على اسم الفاعل في إعراب فلم يحمل اسم الفاعل عليه في العمل. قال سيبويه: "وإذا أخبر أن الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير التنوين البتة؛ لأنه إنما أجرى مجرى الفعل المضارع له كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكل واحد منهما داخل على صاحبه" هذا نصه. قلت: فالمسوى في العمل بين اسم الفاعل المقصود به معنى الماضي وبين اسم الفاعل المقصود به معنى المضارع، كالمسوّى بين الفعل الماضي والفعل المضارع في الإعراب، وهذا لا يصح، فلا يصح ما هو بمنزلته. وإن وقع الذي بمعنى الماضي صلة للألف واللام استوى هو والذي بمعنى المضارع في استحقاقه العمل، لانه وقع موقعا يجب تأوله فيه بالفعل، كما يجب تأول الألف

стр. 892

واللام بالذي أو أحد فروعه، فقام تأوّله مقام ما فاته من الشبه اللفظي، كما قام لزوم التأنيث في المؤنث بالألف وعدم النظير في الجمع مقام سبب ثان في منع الصرف. وإذا كان في وقوع الذي بمعنى المضي صلة تصحيح لعمله بعد أن لم يكن عاملا كان في وقوع الذي بمعنى المضارع صلة توكيدا لاستحقاق ما كان له من العمل. والحاصل أن اسم الفاعل الموصول بالألف واللام يعمل في المضي والحضور والاستقبال. وقد ظن قوم منهم الرماني أنه لا يعمل إلا في المضي، وحملهم على ذلك أن سيبويه حين ذكر إعمال اسم الفاعل المقرون بالألف واللام لم يقدره إلا بالذي فعل فقال: "هذا باب من الاستفهام يكون فيه الاسم رفعا، ومما لا يكون فيه إلا الرفع أعبد الله أنت الضاربه، لأنك تريد معنى أنت الذي ضربه". وقال بعد هذا الباب بأبواب يسيرة: "هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى" ثم قال بعد ذلك: "قولك هذا الضارب زيدا فصار بمعنى الذي ضرب زيدا وعمل فيه عمله" هذا نصه. ثم تمادى على مثل هذا في جميع الباب، ولم يتعرض للذي بمعنى المضارع، لأنه قد صح له العمل دون الألف واللام فعمله عند اقترانه بهما على معنى الذي أحق وأولى، للعلة السابق ذكرها. ولو لم يكن إعمال الذي بمعنى المضارع مسموعا عند وصل الألف واللام به لوجب الحكم بجوازه للأولوية المشار إليها. فكيف وقد ثبت إعماله في القرآن وغيره: فمن إعماله في القرآن قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله

стр. 893

كثيرا والذاكرات)، ومن إعماله في غير القرآن قول الشاعر: فَبتُّ والهمُّ تغشاني طوارقُه ... من خَوْف رِحلة بين الظاعنين غدا ومثله قول عمرو بن كلثوم: وقد علم القبائل غيرَ فَخْرٍ ... إذا قُبَبٌ بأبْطَحها بُنينا بأنّا العاصِمون بكُلّ كَحْل ... وأنّا الباذِلون لمُجْتَدينا وأنا المانعون لما يَلينا ... إذا ما البيضُ زايلت الجفونا وأنا المانعون إذا قَدَرْنا ... وأنا المهلكون إذا لقينا وأنا الشاربون الماء صَفْوًا ... ويشربُ غيرُنا كدِرا وطينا ومثله قول الآخر: إذا كنت مَعْنِيّا بجُود وسُودَد ... فلاتكُ إلّا المُجْمل القولَ والفعلا ولا تلفَ إنْ أوذيتَ يوما مكافئا ... فمَنْ كافَأ الباغين لم يكْمُل الفضلا ومذهب الأخفش أن النصب بعد مصحوب أل على التشبيه بالمفعول به، وأصحابه يقولون إن قصد بأل العهد فالنصب على التشبيه بالمفعول به، وإن قصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل. وقال قوم النصب بفعل محذوف

стр. 894

بعد ما قرن بأل من اسم الفاعل أو مصدر. وكل ذلك تكلف لا حاجة إليه. وقد نبه على ذلك كله في متن الكتاب: وإذا أضيف اسم الفاعل الذي بمعنى المضي واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به جيء به منصوبا كقولك: هذا معطي زيد أمس درهما. ونصبه عند الجمهور بفعل مقدر مدلول عليه باسم الفاعل، لأن الدلالة يُكْتَفى فيها بالمعنى المجرد، فإذا اكتُفِي فيها بمعنى ولفظ متضمن حروف المدلول عليه أحق وأولى. وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي، لأنه اكتسب بالإضافة إلى الأول شبها بمصحوب الألف واللام ولأن ارتباطه بما يقتضيه لا بد منه. والارتباط إما بالإضافة وإما بنصبه إياه. وتنزل هذا منزلة رفع أفعل التفضيل الظاهر في مسألة الكحل ونظائرها، وإن كان أصلها المنع. وقوّى أبو علي الشلوبين مذهب السيرافي بقولهم: هو ظان زيد أمس فاضلا؛ فإن فاضلا تعيّن نصبه بظانّ، لأنه إن أضمر له ناصب لزم حذف أول مفعوليه وثاني مفعولي ظان، وذلك لا يجوز، لامتناع الاقتصار على أحد مفعولي ظن. والصحيح قول الجمهور، والتعليل بشبه المضاف بذي الألف واللام ضعيف، لأن عمل ذي الألف واللام إنما يصح لوقوعه صلة، ووجوب تأوله لذلك بفعل، والمضاف بضد ذلك. وأما الارتباط بزائد على المضاف إليه فيكفي فيه شعور الذهن به. وأما هو ظان زيد فاضلا فليس إلا حذف أول مفعولي ظن المدلول عليه بظان وذلك شبيه بحذف ثاني مفعولي ظن المحذوف في أزيدا ظننته فاضلا، وأما ظان فيست إضافته على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا ولكن إضافته كإضافة اسم جامد، وكاستعماله غير مضاف نحو هذا ظان أمس زيدا فاضلا، على نصب زيد وفاضل بظن مدلولا عليه باسم الفاعل، فهذا وأمثاله لا خلاف في جوازه، وبه يتخلص من إعمال اسم الفاعل الماضي غير موصول به الألف واللام. ولا يمنع التثنية ولا الجمع مطلقا إعمال اسم الفاعل المستوفي شروط العمل، ولا فرق في ذلك بين جمع التكسير وجمعي التصحيح. فإن قيل: هلا امتنع لجمع التكسير العمل كما امتنع بالتصغير لاستوائهما في تغير نظم الواحد. فالجواب أن التصغير لم يمنع العمل لتغيير نظم الواحد فحسب. بل لكونه

стр. 895

مغيرا نظم الواحد ومحدثا فيه معنى غير لائق بالفعل وهو معنى الموصوفية، فإن معنى قولك ضويرب: ضارب صغير. والجمع وإن غير نظم الواحد فليس محدثا في المجموع معنى لا يليق بالفعل، لأن الجمع بمعنى العطف، فإن معنى قولك ضُرّاب: ضارِب وضارِب وضارِب والعطف لائق بالفعل. فلذلك امتنع عمل اسم الفاعل بالتصغير دون التكسير. وأما التثنية وجمع التصحيح فحقيقان بأن يبقى العمل معهما، لأنهما يساويان جمع التكسير في تضمن معنى العطف ويفوقانه بأنهما لم يغيرا نظم الواحد. ويساوي اسم الفاعل العامل بالشروط المذكورة في إفراد وغيره ما قُصد به المبالغة من موازن: فعّال وفَعول ومِفعال، كقول مَن سمعه سيبويه يقول: أمّا العسلَ فأنا شرّاب، وكقول الشاعر: أخا الحَرْبِ لبّاسًا إليها جِلالَها ... وليسَ بوَلّاج الخلائفِ أعْقلا وكقول الآخر: هَجُومِ عليها نَفْسَه غير أنّه ... متى يُرْمَ في عينيه بالشَّبْح ينهضِ وكقول الآخر: عشيةَ سُعْدى لو تراءَتْ لراهِب ... بدُومة تَجْدٌ دونَه وحَجيجُ قلى دينَه واهتاجَ للشَّوق إنها ... على الشَّوقِ إخوانَ العزاءِ هيوجُ وكقول بعض العرب: إنه لَمِنْحار بوائكها وكقول الشاعر:

стр. 896

شُمٌّ مهاوينُ أبْدانِ الجزور مخا ... مِيصُ العشيّاتِ لا خُورٌ ولا قُزُمُ وكقول الآخر: ثم زادوا أنّهم في قومهم ... غُفرٌ ذَنبهم غيرُ فُخُرْ فغفر جمع غَفور، ومهاوين جمع مهوان وكان أصله مُهين، فبنى على مفعال لقصد المبالغة، واستصحب العمل له مفردًا ومجموعا. وكذلك فَعُول إذا جمع على فُعُل كما قال غُفُر ذنبَهم. ولو كسّر فعّال لاستصحب أيضا عمله، إلا أن العرب استغنت بتصحيحه عن تكسيره لاستثقال فك التضعيف. وألحق سيبويه بالثلاثة فَعيلا وفَعِلا مقصودا بهما المبالغة ثم قال: "وفَعِل أقلّ من فعيل بكثير" ثم قال: ومنه قول ساعدة بن جؤية: حتى شآها كليلٌ مَوْهنًا عَمِلٌ ... باتتْ طِرابًا وبات الليلَ لم يَنَم قال أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري: قال النحويون هذا غلط من سيبويه، وذلك أن الكليل هو البرق الضعيف وفعله لا يتعدى. والموهن الساعة من الليل فهو منتصب على الظرف. واعتذر لسيبويه بأن كليلا بمعنى مكلّ كأنه قال: هذا البرق مكلّ الوقتَ بدوامه عليه، كما يقال أتعبت يومك وغير ذلك من المجاز. قلت: وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه. وإنما ذكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أن فاعلا قد يعدل به إلى فعيل وفعِل على سبيل المبالغة، كما يعدل به إلى فعول

стр. 897

وفعّال ومِفعال، فذكر هذا البيت لاشتماله على كليل للعدل به عن كالّ، وعلى عمِل المعدول به عن عامل، لم يتعرض لوقوع الإعمال. وإنما يحتج له في ثبوت إعمال فعيل بقول بعض العرب: إن الله سميع دعاء مَن دعاه. ورواه بعض الثقات. ومما يحتج له به قول الشاعر: فتاتانِ أمّا منهما فَشبيهةٌ ... هِلالًا والأخرى منهما تُشْبِهُ البَدْرا فأعمل شبيهة أنثى شبيه مع كونه من أشبه كنذير من أنذر. وإذا ثبت إعمال فعيل من أفعل مع قلة نظائره كان إعمال فعيل من الثلاثي أولى لكثرته. وأنشد سيبويه مستشهدا على إعمال فعِل قول الشاعر: حذِرٌ أمُورا لاتَضيرُ وآمِنٌ ... ما ليس مُنْجِيَه من الأقْدار وروي عن المازني أن اللاحقي قال سألني سيبويه عن شاهد في تعدّي فعِل فعملت له هذا البيت، وينسب مثل هذا القول إلى ابن المقفع، ولا اختلاف في تسمية هذا المدّعى بشعر بإنها موضوعة، ووقوع مثل هذا مستبعد، فإن سيبويه لم يكن يحتج بشاهد لا يثق بانتسابه إلى من يحتج بقوله، وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنه من وضع الحاسدين وتقوّل المتقوّلين. وقد جاء إعمال فعِل فيما لا سبيل إلى القدح فيه وهو قول زيد الخيل: أتاني أنّهم مَزِقون عِرْضى ... جِحاشُ الكرْمَلين لهم فَدِيدُ

стр. 898

فأعمل مزقا وهو فَعِل عدل به للمبالغة عن مازق. ووافق الجرمي سيبويه في إعمال فعِل وقال إنه على وزن الفعل فجاز أن يجرى مجراه، ويحق لفعِل أن يكثر استعماله لأنه مقصور عن فاعل، ومنه قول الشاعر: أصْبَحَ قلبي صردا ... لا يَشْتَهي أن يردا إلا عَرادًا عَردَا ... وصلِيّانا بَرِدا أراد عاردا وباردا، وكثر ذلك في المضاعف كقولهم بَرّ وشرّ بمعنى بارّ وشارّ. والمشهور بناء هذه الأمثة من الثلاثي. وقد يبنى من أفعل فعّال كأدرك فهو درّاك، وأسأر فهو سارّ، وفعيل كأنذر فهو نذير، وآلم فهو أليم، وأسمع فهو سميع. ومنه قول الشاعر: أمِنْ رَيْحانة الداعي السميعُ ... يُؤرّقني وأصْحابي هجُوعُ أراد الداعي المسمع. وقد يبنى أيضا من أفعال مفعال، كمعطاء ومهداء ومعوان ومهوان، وندر بناء فعول ذي المبالغة من أفعل في قول الشاعر يصف ناقة: جَهولٌ وكان الجهلُ منها سَجِيّةً ... ولكنّها للقائدين رَهُوقُ أي كثيرة الإرهاق لمن يقودها. ص: يضاف اسم الفاعل المجرد الصالح للعمل إلى المفعول به جوازا إن كان ظاهرا، ووجوبا إن كان ضميرا متصلا، خلافا للأخفش وهشام في كونه منصوب المحل. وشذ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول أو ظرف. ولا يضاف المقرون بالألف واللام إلا إذا كان مثنى أو مجموعا على حده، أو كان المفعول به معرفا بهما، أو مضافا إلى معرف بهما، أو إلى ضميره. ولا يغني كون المفعول

стр. 899

به معرفا بغير ذلك، خلافا للفراء، ولا كونه ضميرا خلافا للرماني والمبرد في أحد قوليه. ويجر المعطوف على مجرور ذي الألف واللام إن كان مثله أو مضافا إلى مثله أو إلى ضميره، لا إن كان غير ذلك، وفاقا لأبي العباس". ش: اسم الفاعل المجرد هو العاري من الألف واللام. وذكره مخرج للمقرون بهما، وذكر الصالح للعمل مخرج المجرد الذي أريد به المضيّ، ومدخل المحول إلى أحد أبنية المبالغة، فإن اسم الفاعل واقع عليه بعد التحويل. والحاصل أن اسم الفاعل المشار إليه إذا ذكر بعده مفعول به ظاهر متصل جاز نصبه بمقتضى المفعولية، وجره بمقتضى الإضافة. وإن كان المفعول به ضميرا متصلا وجب كونه مجرورا بالإضافة فمثال ذي الوجهين لكون المعمول ظاهرا متصلا قوله تعالى (واللهُ مخرجٌ ما كنتم تكتمون) وقوله تعالى (ربَّنا إنك جامعُ الناس ليومٍ لا ريبَ فيه). ومثال ذي الوجه الواحد لكون المعمول ضميرا متصلا قولك هذا مكرمك وهذان مكرماك وهؤلاء مكرموك. فالكاف في الأمثلة الثلاثة وشبهها في موضع جر على مذهب سيبويه وأكثر المحققين، وهو الصحيح لأن الظاهر هو الأصل والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها إعراب لا ينسب إليه إلا إذا كان المضمر بلفظ غير صالح بالإعراب الظاهر الذي وقع موقعه كالكاف والهاء من لولاك ولولاه، فإن الجر إليهما منسوب عند سيبويه مع أنه إعراب غير صالح للظاهر الذي وقعها موقعه، وحمله على ذلك أن لفظ الكاف والهاء غير صالح للرفع بل للنصب والجر، لكن النصب ممتنع لامتناع لازمه، وهو أن يقال لولاني، وإنما يقال لولاي دون لولاني، فتعين الحكم بالجر. وزعم الأخفش وهشام الكوفي أن كاف مكرمك وشبهه في موضع نصب، لأن موجب النصب المفعولية وهي محققة، وموجب الجر الإضافة وهي غير محققة، إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين ونون التثنية والجمع ولحذفها سبب غير الإضافة وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا، وهذه شبهة تحسب قوية وهي ضعيفة؛

стр. 900

لأن النصب الذي تقتضيه المفعولية لا يلزم كونه لفظيا، بل يكتفى فيه بالتقدير، ولذلك جاز أن تزاد بعض حروف الجر مع بعض المفعولات نحو (ردفَ لكم) وخشّنت بصدره، ولولا ذلك لامتنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول به الظاهر، وأيضا فإن عمل الأسماء النصب أقلّ من عملها الجر، فينبغي عند احتمال النصب والجر في معمول اسم أن يحكم بالجر حملا على الأكثر. وأما جعل حذف التنوين والنون لصون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا فمستغنى عنه لوجهين: أحدهما أن حذفه للإضافة محصّل لذلك فلا حاجة إلى سبب آخر. الثاني أن مقتضى الدليل بقاء الاتصال بعد التنوين ونوني التثنية والجمع، لأن نسبتها من الاسم كنسبة نون التوكيد من الفعل، واتصال الضمير لا يزال بنون التوكيد، فكذلك لا يزول بالتنوين ونوني التثنية والجمع ولو قصد النصب. وقد نبّهوا على جواز ذلك باستعماله في الشعر بقول الشاعر: هم القائلونَ الخيرَ والآمِرونه ... إذا ما خَشوا من مُحْدَث الأمرِ مُعْظما ومثله قول الآخر: ولم يرتفقْ والناسُ مُحتَضِرونَه ... جميعًا وأيْدي المُعْتفين رَواهِقُهْ ويتعين غالبا نصب معمول اسم الفاعل إذا انفصل ظاهرا كان كقوله تعالى: (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً) أو مضمرا كالهاء التي بعد الكاف في قول الشاعر: لا تَرْجُ أو تخشَ غير الله إنّ أذًى ... واقِكَهُ اللهُ لا ينفكُّ مأمونا ومن هذين المثالين وأشباههما احترزت بذكر "متصلا" بعد قولي "إن كان ضميرا" ثم قلت: "وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول أو ظرف" فنبهت

стр. 901

بذلك على قراءة بعض القراء (فلا تحسبنَّ الله مخلفَ وعده رُسُلِه) وعلى قول الشاعر: وكرّارِ خلفِ المُجْحريْن جوادَه ... إذا لم يُحام دون أنثى حليلُها وعلى قول الراجز: رُبَّ ابن عَمٍ لسُلَيْمى مَشمَعِلّ ... طباخِ ساعات الكرى زاد الكسِلْ ثم نبهت على أن المقرون بالألف واللام يجوز أن يضاف إذا كان مثنى أو مجموعا على حده إلى المفعول به مطلقا، وإن لم يكن مثنى ولا مجموعا على حده لم يضف إلّا إلى معرف بالألف واللام، أو إلى مضاف إلى المعرف بهما، أو إلى ضمير المعرف بهما؛ فالأول كقول الشاعر: إنْ يغْنيا عنِّي المُسْتوطِنا عَدَنٍ ... فإنّني لستُ يومًا عنهما بِغَنِي والثاني كقوله: ليس الأخلاءُ بالمُصْغِي مسامِعهم ... إلى الوشاةِ ولو كانوا ذَوي رحمِ والثالث كقول الآخر: أبأنا بها قتلى وما في دمائها ... وفاءٌ وهُنّ الشّافيات الحوائمِ والرابع كقول الآخر:

стр. 902

لقد ظفِرَ الزوّارُ أقفيةِ العِدى ... بما جاوز الآمالَ مِ القتلِ والأسْر والخامس كقول الشاعر: الودُّ أنتِ المُسْتَحقةُ صفْوِه ... منّي وإنْ لم أرْجُ منكِ نَوالا وأجرى الفراء العلم وغيره من المعارف مجرى ذي الألف واللام في الإضافة إليه، فيقال على مذهبه: هذا الضارب زيد والضارب عبده والمكرم ذينك والمعين اللذين نصراك، ولا مستند له في هذا من نثر ولا نظم وله من النظر حظ؛ وذلك بأن تقدر الإضافة قبل الألف واللام، وهي إضافة كلا إضافة، إذ هي لمجرد التخفيف، فلم يمنع لحاق الألف واللام عند قصد التعريف، فإن مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توقّي اجتماع معرّفَين وهو مأمون فيما نحن بصدده، فلم يضر جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز الحسن وجهِه، لأن المضاف والمضاف إليه فيه وفيما أشبهه شيء واحد في المعنى، فحقه أن يمنع هو وغيره مما إضافته كإضافته، إلا أنّ المستعمل مقبول وإن خالف القياس. وما خالف القياس ولم يستعمل تعيّن اجتنابه كالحسن وجهِه. وزعم الزمخشري أن كاف المكرمك وشبهه في موضع جر مع منعه جر الظاهر الواقع موقعه. وقد تقدم في قولي أن الظاهر أصل والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب مالا ينسب إلى المنوب عنه، فمذهب الزمخشري في هذا ضعيف، وقد سبقه إلى ذلك الرماني والمبرد، إلا أن المبرد رجع عن ذلك، كذا قال ابن السراج. والحاص أنّ الضمير المتصل باسم الفاعل مقرون بالألف واللام غير مثنى ولا مجموع على حده منصوب على مذهب سيبويه والأخفش، مجرور على مذهب الفراء وعلى مذهب الرماني والزمخشري، إلا أن في مذهبهما مخالفة النائب للمنوب عنه، ومذهب الفراء سالم من ذلك. وهما يلتزمان الحكم بالجر والفراء يجيز النصب والجر، كما أجازهما في زيد ونحوه من: هو الضارب زيدا. وأما الضمير في نحو جاءك الزائراك والمكرموك فجائز فيه الوجهان بإجماع، لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه. ويجوز جر المعطوف في نحو جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب

стр. 903

الأبرار، لأنه صالح للوقوع في موضع المعطوف عليه. وكذلك نحو جاء المشتري الناقة وفصيلها جائز أيضا؛ لأنه بمنزلة جاء المشتري الناقة وفصيل الناقة؛ لأن الضمير عائد عليها. ومثله قول الشاعر: الواهبُ المائة الهجان وعبدِها ... عُوذا تُزجِّي أطفالُها فجاز هذا، لأنه بمنزلة الواهب المائة وعبد المائة. فالمسائل الثلاثة جائزة بلا خلاف. فإن كان المعطوف كزيد مما لم يقرن بالألف واللام ولم يضف إلى مقرون بهما ولا إلى ضمير المقرون بهما فإن سيبويه يجيز جره أيضا، ومنع ذلك أبو العباس وهو المختار عند أبي بكر بن السراج، وهو عندي أصح القولين، لأن العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه. واسم الفاعل المقرون بالألف واللام على مذهب سيبويه وغيره من البصريين لا يجر زيدا ونحوه، فلا يصح أن يعطف على المجرور به، ولا حجة في نحو رب رجل وأخيه و: أيُّ فتى هيْجاء أنتَ وجارِها لأنهما في تقدير رب رجل وأخ له، وأي فتى هيجاء أنت وجارٍ لها. ومثل هذا التقدير لا يتأتى فيما نحن بسبيله فلا يصح جوازه. ص: "يعمل اسم المفعول عمل فعله مشروطا فيه ما شرط في اسم الفاعل، وبناؤه من الثلاثي على زنة مفعول ومن غيره على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخره، ولم يستغن فيه بمفعول عن مفعَل. وقد ينوب عن مفعول فِعْل أو فَعْل أو فُعْلة أو فعيل، وهو مع كثرته مقصور على السماع. وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس [له] فعيل بمعنى فاعل. وقد يصاغ بقصد المفعولية من أفعل".

стр. 904

ش: الهاء من قولي عمل فعله عائدة على المفعول، فكأنه قيل يعمل اسم المفعول عمل فعل المفعول أي عمل الفعل الذي لم يسم فاعله، فيقال هذا مذهوب به، ومضروب عنده، ومعطى ابنه درهما، ومعلم أخوه زيدا صديقك، كما يقال ذُهب به، وضُرب عنده، وأعطى ابنه درهما، وأعلم أخوه زيدا صديقك. ويشترط في إعمال ما شرط في إعمال اسم الفاعل من اعتماد على صاحب مذكور أو منوي أو على نفي صريح أو مؤول أو على استفهام موجود أو مقدر أو غير ذلك. ومن إعماله معتمدا على مقدر قول الشاعر: فهنَّ مِن بين مَتْروك به رَمَقٌ ... صرعى وآخر لم يُتْرَك به رَمَقُ ومثله: ونحن تَرَكْنا تغلبَ ابنةَ وائِل ... كمَضْروبة رجلاه مُنْقَطِع الظّهر وبناؤه من الثلاثي على زنة مفعول نحو علم فهو معلوم، ومن الرباعي والخماسي والسداسي على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخر نحو مُدحرَج ومجتذَب ومستفهَم ما لم يستغن فيه بمفعول عن مُفعَل كمزكوم ومحموم ومحزون، ومنه محبوب في الأكثر. وقد نبهت على ذلك فيما مضى. ومثال فِعْل النائب عن مفعول ذِبْح وطِرْح وطِحْن بمعنى مذبوح ومطروح ومطحون. ومثال فَعْل لَفْظ ولَقْط ونَفْض وقَبْض، بمعنى ملفوظ وملقوط ومنفوض ومقبوض. ومثال فُعْلة أُكلَة ولُقْمة ومُضغة وغُرْفة وحُرْقة. ومثال فعيل خبيء وجريح وكليم وصريع وأخيذ، وقتيل وأسير ودهين وخضيب ولديغ وغسيل ودقيق وفعيل هذا مع كثرته مقصور على السماع، وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل كقتيل، لا فيما له فعيل بمعنى فاعل. وقد يصاغ فعيل بقصد المفعولية من أفعل، فمن ذلك قولهم أعقدت العسل فهو عقيد. وأعلّ الله فلانا فهو عليل.

стр. 905

باب الصفة المشبهة باسم الفاعل ص: وهي الملاقية فعلا لازما ثابتا معناها تحقيقا أو تقديرا قابلة للملابسة والتجرد والتعريف والتنكير بلا شرط. ش: احترز بالملاقية فعلا من نحو قرشيّ وقتّات، وبكون الفعل الذي تلاقيه لازما من نحو عارف وجاهل، وبالثابت معناها من نحو قائم وقاعد، ونبه بتقدير الثبوت على متقلب ونحوه، واحترز بقبول الملابسة والتجرد من أب وأخ ونحوهما. وبقبول التعريف والتنكير بلا شرط من أفعل التفضيل. ص: وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي، ولازمة إن كانت من غيره، ويميّزها من اسم فاعل الفعل اللازم اطراد إضافتها إلى الفاعل معنى. ش: إذا كانت الصفة المشبهة مصوغة من فعل ثلاثي فالغالب كونها غير موازنة للفعل المضارع كضخم الجثة ولين العريكة وعظيم المقدار وحسن السيرة وخشن البشرة، ويقظان القلب، وألمى الشفة. وقد توازن المضارع، كضامر البطن وساهم الوجه وخامل الذكر وحائل اللون وظاهر الفاقة وطاهر العرض. وإذا كانت مصوغة من غير ثلاثي فلا بد من موازنتها المضارع كمنطلق اللسان ومطمئن القلب ومستسلم النفس، ومغدودن الشعر، ومتناسب الشمائل. ويميزها من اسم الفاعل إمكان إضافتها إلى ما هو فاعل في المعنى كما رأيت من إمكان ذلك في منطلق وما بعده. فيخرج بهذا اسم الفاعل الذي لا يتعدى ولم يصلح أن يضاف إلى ما هو فاعل في المعنى كماشٍ وجالس ومنطلق إلى كذا ومستكين ومبسمل ومتجاهل. ص: وهي إما صالحة للمذكر والمؤنث معنى ولفظا، أو معنى لا لفظا أو

стр. 906

لفظا لا معنى، أو خاصة بأحدهما معنى ولفظا. فالأولى تجرى على مثلها وضدّها، والبواقي تجرى على مثلها لا ضدها خلافا للكسائي والأخفش". ش: الصالحة للمذكر والمؤنث معنى ولفظا كحسن، فإن لكل واحد من المذكر والمؤنث نصيبا من لفظها ومعناها، فمذكرها يجرى على مثله نحو مررت برجل حسن بشره، وعلى ضده نحو مررت بامرأة حسن بشرها ومؤنثها يجرى على مثله نحو مررت بامرأة حسنة صورتها، وعلى ضده نحو مررت برجل حسنة صورته. والصالحة للمذكر والمؤنث معنى لا لفظا كعجزاء، وهي المرأة العظيمة العجز، فهذه صفة للمذكر نصيب من معناها لا لفظها، إذ لا يقال للرجل العظيم العجز أعجز، وإنما يقال له آلى. والصالحة لهما لفظا لا معنى كأتوم، وهي المرأة التي اختلط مسلكها، فلفظها صالح للمذكر والمؤنث، ولا نصيب للمذكر في معنى هذه الصفة، بل هو خاص بالمؤنث، والصفة الخاصة بأحدهما معنى ولفظا كأكمر وهو الرجل الكبير الكمرة وهي رأس الذكر فهي صفة لا نصيب للمؤنث في معناها ولا لفظها، بل هي خاصة بالمذكر معنى ولفظا. وتقابلها العَفلاء وهي المرأة التي في رحمها صلابة مانعة من الجماع تسمى عَفِلة، فالعَفْلاء في الاختصاص بالمرأة كالأكمر في الاختصاص بالرجل. فهذه الصفات الثلاث تجرى على مثلها ولا تجرى على ضدها، فيقال مررت بامرأة عجزاء أمتها أتوم جاريتها عفلاء كنَّتها، ولا يقال مررت برجل عجزاء أمته ولا نحو ذلك. وأجازه الكسائي والأخفش. فصل: ص: معمول الصفة المشبهة ضمير بارز متصل، أو سببي موصول، أو موصوف يشبهه، أو مضاف إلى أحدهما، أو مقرون بأل أو مجرد أو مضاف إلى ضمير الموصوف لفظا أو تقديرا، أو إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف. ش: مثال الصفة التي معمولها ضمير قول الشاعر:

стр. 907

حَسَنُ الوجهِ طَلْقُهُ أنتَ في السّلـ ... ـم وفي الحرب كالحٌ مكْفهِر ومثال التي معمولها موصول سببي قول عمر بن أبي ربيعة: أسيلاتُ أبْدانٍ دقاقٍ خُصورُها ... وثيراتُ ما التفّت عليها المَلاحِفُ وفي هذا البيت أيضا أسيلات أبدان، وهو نظير حسن وجهٍ، ودقاق خصُورها، وهو نظير حسن وجهُه. ومثال التي معمولها موصوف يشبه الموصول قوله: أزورُ امرأً جمًّا نوالٌ أعدَّه ... لمَن أمَّه مسكتفيا أزمةَ الدّهر ومثال التي معمولها مضاف إلى أحدهما قول الشاعر: فعجتُها قِبلَ الأخْيارِ منزلةً ... والطيّبي كِل ما التاثتْ به الأُزُرُ ومثال التي معمولها مقرون بأل قوله تعالى (والله سريع الحساب) وقال ابن رواحة ﵁: تباركتَ إنّي من عذابك خائفٌ ... وإني إليكَ تائبُ النفسِ ضارعُ ومثال التي معمولها مجرد قول الشاعر: إذا المرءُ لم يَبْرحْ سريعَ إجابةٍ ... لداعي الهوى لم يَعْدِمْ الضُّرَّ والشّكوى ومثال التي معمولها مضاف إلى ضمير الموصوف قوله تعالى (ومَن يكتمها فإنه آثِمٌ قلبُه) ومثال المضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف لفظا قول

стр. 908

الشاعر: تراهِنّ مِن بعد إسآدها ... وشدّ النهارِ وتدآبها طوال الأخادِع خوصُ العيون ... خماصًا مواضعُ أحْقابها ومثال المضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف تقديرا قول الفرزدق: أأطعمتَ العراقَ ورافدَيْه ... فزارِيّا أحذّ يدِ القميصِ أراد أخذّ يد قميصه، فأقام أل مقام الضمير. وقد اجتمع هذا والذي قبله في قوله: إن كثيرًا كثير فضل نائِله ... مرتفعٌ في قريش مُوقِدُ النار ومثال المضاف إلى ضمير مضاف إلى ضمير الموصوف مررت بامرأة حسنة وجه جاريتها جميلة أنفه، فالأنف معمول جميلة، وهو مضاف إلى ضمير الوجه، والوجه مضاف إلى الجارية والجارية مضاف إلى ضمير المرأة، فالأنف مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف. ص: وعملها في الضمير جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل، ونصب على التشبيه بالمفعول به إن فصلت أو قرنت بأل. ويجوز النصب مع المباشرة والخلو من "أل" وفاقا للكسائي. وعملها في الموصول والموصوف رفع ونصب مطلقا، وجرّ إن خلت من أل وقصدت الإضافة. وإن وليها سببيّ غير ذلك عملت فيه مطلقا رفعا ونصبا وجرّا، إلا أن مجرور المقارنة بأل مقرون بأل أو مضاف إلى المقرون بها أو إلى ضمير المقرون بها، ويقل نحو حسن وجهِه وحسنٌ وجهَه وحسن وجهٌ، ولا يمتنع خلافا لقوم.

стр. 909

ش: إذا جررت بالصفة المتصل بها ضمير بارز، فقد تقصد إضافتها إليه وقد لا تقصد؛ فإن قصدت حكم بالجر، وإن لم تقصد حكم بالنصب على التشبيه بالمفعول به. وإنما يمكن القصدان والمفعول ضمير إذا كانت الصفة غير متعرفة نحو: رأيت غلاما حسن الوجه أحمره، فالحكم على الهاء بالجر بالإضافة، وبالنصب على التشبيه بالمفعول به جائز عند الكسائي، والجر عند غيره متعيّن، ومذهب الكسائي وهو الصحيح، لأنه روي عن بعض العرب: لا عهد لي بألأم منه عمّا ولا أوضعَه، بفتح العين. وبمثل هذا يظهر الفرق من قصد الإضافة وغيرها. وعلى هذا يقال إذا قصدت الإضافة مررت برجل أحمر الوجه لا أصفره إلا أن هذا الوجه لم يجزه من القوم [إلا] الكسائي. ومما يؤيد قوله ما أنشده ثعلب من قول الشاعر: فإنْ يكُنِ النكاح أحلَّ شيءٍ ... فإنَّ نِكاحَها مَطَرٍ حرامُ بجرّ مطر – وهو اسم رجل – وجرُّه يدل على نصب الضمير مع اتصاله بالمضاف، فعلم بهذا جواز نصب الضمير المتصل بما يصلح أن ينصب الظاهر أو يجرّه. ولو قرنت بأل الصفة المتصل بها الضمير تعين الحكم بالنصب نحو مررت بالغلام الحسن الوجه الأحمره. والظاهر من كلام الفراء جواز الجر وترجيحه على النصب، فإنه قال في معاني سورة الحج: فإذا أضافوا إلى مكنى قالوا أنت الضاربه وأنتما الضارباه، فالهاء خفض، ولو نويت بها النصب كان وجها، هذا نصه. فحكم على الهاء من الضاربه بالجر والنصب ورجّح الجرّ، والهاء في الأحمره كذلك، ولكن هي في النصب مع الضارب مفعول بها، ومع الأحمر وشبهه مشبه بالمفعول به. وحكى ابن السراج أن المبرد حكم بالجر ثم رجع إلى النصب وفاقا لسيبويه، فالنصب على مذهبه متعيّن. ويتعين النصب بلا خلاف في الضمير الذي انفصلت الصفة منه بضمير آخر

стр. 910

كقولك: قريش نجباء الناس ذرية وكرامهموها. والأصل في صحة هذا الاستعمال ما روى الكسائي من قول بعض العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها. وإذا ولى الصفة المشبهة سببي موصول أو موصوف عملت فيه الرفع أو النصب مطلقا، أي مقرونة بأل أو غير مقرونة، فمثال المقرونة قول الشاعر: إنْ رُمتَ أمْنًا وعزة وغِنى ... فاقْصِدْ يزيد العزيزَ من قصده فيجوز أن يحكم على "من" بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التشبيه بالمفعول به. ومثال غير المقرونة الجائز كونها رافعة الموصول وناصبته قول الشاعر: عزّ امرؤ بطل مَن كان معتصِما ... به ولو أنَّه من أضعف البشَر فيجوز كون "مَن" مرفوعة المحل على الفاعلية ومنصوبة على التشبيه بالمفعول به، ولو استقام الوزن بالإضافة لجازت كما جازت في قول الآخر: وثيراتُ ما التفتْ عليه الملاحف ولو استقام الوزن بتنوين وثيرت لجاز الحكم على "ما" بالرفع والنصب، كما حكم بهما على [من بعد] بطل. ونبهت بقولي: "وإن وليها سببي غير ذلك عملت فيه مطلقا رفعا ونصبا وجرا" على أنها إذا قصد إعمالها في غير الضمير والموصول والموصوف الذي يشبهه، فإما أن تكون مجردة من أل، وإما أن تكون مقرونة بها ومعمولها إما مقرون بأل وإما مضاف وإما مجرد. وهو في أحواله الثلاثة مع المجردة مرفوع بالفاعلية أو مجرور بالإضافة، أو منصوب على التمييز إن كان نكرة، وعلى التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وكذلك هو مع المقرونة بأل، إلا أن عمل المقرونة الجر مشروط باقتران معمولها بأل أو إضافة إلى المقرون بها أو إلى ضمير المقرون بها. وأمثلة المجردة في الرفع رأيت رجلا جميلا الوجهُ، ووجهُه، وجميلا وجهُ الأب،

стр. 911

ووجهُ أبيه، ووجه أب، وأمثلتها في النصب رأيت رجلا جميلا وجها، ووجهَه، والوجهَ، وجميلا وجهَ أب ووجهَ الأب. وأمثلتها في الجر رأيت رجلا جميل وجهٍ وجميل وجهِه، والوجهِ، وجميل وجه أب ووجه أبيه ووجه الأب. وأمثلة المقرونة بأل في الرفع رأيت الرجل الجميل الوجهُ ووجهُه ووجهٌ، ورأيت الرجل الجميل وجُه الأب ووجهُ أبيه ووجهُ أب. وأمثلتها في النصب رأيت الرجل الجميل وجها ووجهَه والوجهَ، ورأيت الرجل الجميل وجهَ أب ووجهَ الأب. وأمثلتها في الجر رأيت الرجل الجميل الوجهِ، وعمرا الكريم حسبِ الآباء، البيّن سُودَدِهم ونحو هذا المثال نادر كقول الشاعر: سبتْني الفتاةُ البضّةُ المتجرَّد الـ ... لطيفةُ كَشْحِه وما خِلْتُ أنْ أُسْبَى ونحو حسن وجهِه، وحسن وجهَه قليل غير ممتنع، وكذا حسن وجهٌ. ومن أمثال مررت برجل حسن وجهِه ما في الحديث من وصف الدجال "أعور عينِه اليمنى"، وما في حديث أم زرع من قوله "صفر وشاحها" وفي وصف النبي ﷺ "شثن أصابعه" وقال أبو علي القالي في حديث علي ﵁ يصف النبي ﷺ "كان ضخم الهامة كثير شعر الرأس شثن الكفين والقدمين طويل أصابعه ضخم الكراديس". فهذه أربعة شواهد من أفصح الكلام الذي لا ضرورة

стр. 912

فيه تدل على صحة استعمال مررت برجل حسن وجهِه. وقد أجاز ذلك الكوفيون في نثره ونظمه، ومنع سيبويه جوازه في غير الشعر، ومنعه المبرد مطلقا، والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه مطلقا. وأما رأيت رجلا حسنا وجهَه فهو مثل قراءة بعض السلف (فإنه آثم قلبَه) بالنصب، ومثله ما أنشد الكسائي من قول الراجز: أنْعَتُها إنّيَ من نُعاتِها ... مُدارةَ الأخفاف مُحْمرّاتِها غلبَ الذفارى وعِفرنياتها ... كُومَ الذرَى وادِقةً سرّاتِها فانتصاب سراتها بوادقة كانتصاب وجه بحسن. وأما نحو مررت برجل حسن وجهٌ فمنعه أكثر البصريين. وهو عند الكوفيين جائز، وبجوازه أقول. ويدل على جوازه قول الراجز: ببهمة منيت شهم [قلب] ... منجّذ لا ذي كهَمام ينبو ومثله ما أنشد الفراء عن بعض العرب: بثوب ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهم ... فهل أنتَ مرفوعٌ بما ههنا رأسُ وقال ابن خروف في مررت برجل حسن وجهٌ والحسن وجه لا سبيل إلا إلى جوازها بقول الراجز وبما أنشده الفراء، فلا مبالاة بمن منع. ونظير رأيت [رجلا] جميلا الوجه قول النابغة: ونأخُذْ بعدَه بذِناب عيشٍ ... أجبّ الظهرُ ليس له سنامُ

стр. 913

على رواية مَن رفع الظهر، ويروى بالنصب فيكون نظيرَ رأيت رجلا جميلا الوجه. ويروى بكسر الباء والراء على الإضافة، فيكون نظير مررت برجل حسن الوجه، ومثله في احتمال أوجه ثلاثة قول الشاعر: لقد علم الأيقاظُ أخفيةَ الكرى ... تَزَجُّجَها من حالكٍ واكْتِحالها فمن رفع جلعه نظير الحسن وجهُ الأب، ومن نصب جعله نظير الحسن وجهَ الأب، ومن جرّ جعله نظير الحسن وجهِ الأب. ومثلهما في احتمال ثلاثة أوجه قول الأغلب العجلي: ليستْ بكَرْواءَ ولا بمُدَحْدَح ... ولا من السود القصار الزُّمَّح ... قبّاءُ غرْثى موضِع المُوَشّح فمن رفع موضع الموشح فبالفاعلية، ونظيره حسن وجهُ الأب، ومن نصب فعلى التشبيه بالمفعول به ونظيره حسن وجهَ الأب، ومن جرّ فبالإضافة ونظيره حسن وجهِ الأب. ومثله في احتمال الأوجه الثلاثة قول الآخر: ومنهلٍ أعورِ إحدى العينين ... بَصيرِ أخرى وأصمّ الأذنَيْن فمن كسر راء أعور أضافه إلى إحدى وجعله نظير حسن وجه الأب، ومن فتح جاز له أن يرفع إحدى بالفاعلية، ويجعله نظير حسنا وجه الأب، وأن ينصبه على التشبيه بالمفعول به، ويجعله نظير حسنا وجه الأب. وبصير أخرى نظير حسن وجه، وأصم الأذنين نظير حسن الوجه. ونظير حسن وجه أيضا قول الشاعر: ألِكْني إلى قوم السلامَ رسالةً ... بآيةِ ما كانوا ضِعافا ولا عُزْلا ولا سيّئي زِيٍّ إذا ما تَلَبَّسوا ... إلى حاجةٍ يوْما مُخَيّسة بُزْلا

стр. 914

ونظير حسن وجه الأب قول الخرنق: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هم ... سَمّ العُداة وآفة الجُزُر النازلين بكُلّ مُعْتَركٍ ... والطّيّبون معاقِدَ الأُزُرِ ونظير حسن وجه الأب دون احتمال قول عروة بن الورد: وما طالبُ الأوْتارِ إلّا ابنُ حُرّة ... طويلُ نجادِ السيفِ عاري الأشاجع ومثل غرثى موضع الموشح وأعور إحدى العينين، في موافقة حسن وجهُ الأبِ وحسن وجهَ الأبِ قول الفرزدق: أأطْعَمْتَ العراقَ ورافدَيْه ... فزارِيًّا أحذّ يَدَ القميص ونظير الحسن وجها: الحَزْنُ بابًا والعَقورُ كَلْبا ونظير الحسن الوجه: وما قَومْي بثعلبةَ بن سعدٍ ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرقابا ومثله:

стр. 915

مِن وَليّ أو أخِي ثِقَةٍ ... والبعيد الشاحِطِ الدّارا ونظير حسن وجها: هيفاءُ مقبلةً عَجْزاءُ مُدْبرةً ... مَحْطوطةٌ جُدِلتْ شَنْباءُ أنيابا ونظير حسن وجهه قول الشماخ: أمِنْ دِمْنَتَين عرّسَ الركبُ فيهما ... بحقل الرَّخامى قد عفا طَللاهما أقامتْ على ربْعيهما جارتا صَفًا ... كميتا الأعالي جَوْنتا مُصْطَلاهما والضمير في مصطلاهما للأثفيتين المعبّر عنهما بجارتين فوصفهما بسواد أسفليهما وحمرة أعلييهما. وزعم المبرد أن الضمير عائد على الأعالي وجاء بلفظ التثنية لأن الأعالي جمع في اللفظ مثنى في المعنى، كما يقال قلوبكما نورهما الله، وهذا صحيح في الاستعمال منافر للمعنى، لأن مصطلى الأثفية أسفلها، فإضافته إلى أعلاها بمنزلة إضافة أسفل إليه؛ وأسفل الشيء لا يضاف إلى أعلاه، ولا أعلاه إلى أسفله، بل يضافان إلى ماهما له أسفل وأعلى. فصل: ص: إذا كان معنى الصفة لسابقها رفعت ضميره وطابقته في إفراد وتذير وفروعهما ما لم يمنع من المطابقة مانع. وكذلك إن كان معناها لغيره ولم ترفعه. فإن رفعته جَرت في المطابقة مجرى الفعل المسند، وإن أمكن تكسيرها حينئذ مسندة إلى جمع فهو أولى من إفرادها. وتثنى وتجمع جمع المذكر السالم على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة". وقد يعامل غير الرافعة ما هي له إن قرن بأل معاملتها إذا
следующие страницы →