← Акыда

Акыда · id 132618

الإشاعة لأشراط الساعة

البرزنجي

Полный текст (356 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فيخرجون من مدائنهم وحصونهم وَيُسرّحُون مواشيهم، فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكَر عنه -بفتح الكاف؛ أي: تسمن- بأحسن ما شكَرت عن شيء، وحتى إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم، ويهبط نبي الله عيسى وأصحابهم إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم -أي: شحمهم-، ونتنهم -أي: ريحهم- من الجيف، فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله فيبعث ريحًا ثمانية غبراء، فتصير على الناس غمًا ودخانًا، وتقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاث وقد قذفت جيفهم في البحر". وفي رواية: "فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيرًا كأعناق البُخت فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى". وفي رواية: "في النار"، ولا منافاة فإن البحر يسجر فيصير نارًا يوم القيامة. ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة -أي: المرآة، بحيث يرى الإنسان فيها وجهه من صفائها-، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين. فائِدَة اختلفوا في اشتقاق يأجوج ومأجوج، فقيل: من أجيج النار؛ وهو التهابها. وقيل: من الأجة بالتشديد؛ وهي الاختلاط أو شدة الحر. وقيل: من الأج؛ وهو سرعة العدو. وقيل: من الأُجاج؛ وهو الماء الشديد الملوحة. وعلى التقادير كلها: وزنهما يفعول ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم؛ فإنه وحده قرأه بالهمزة. وكذا قراءة الباقين إن كانت الألف مُسهلة من الهمزة. وقيل: فاعول، من يج ومج. وقيل: مأجوج؛ من ماج إذا اضطرب، ووزنه أيضًا مفعول، قاله أبو حاتم قال: والأصل موجوج.

стр. 282

وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاقَ وقولَ من جعله من ماج قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، وذلك حين يخرجون من السد. خَاِتمَة اشتملت قصة عيسى ﵇ على جملة من الأشراط، فلنشر إليها: منها: قتال اليهود: أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله؛ هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود". ومنها: قتال يأجوج ومأجوج: أخرج أحمد، والطبراني: عن خالة خالد بن حرملة: "إنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب الشعور، من كل حدب ينسلون". ومنها: مطرٌ لا يكن منه بيت مدر ولا وبر: أخرج أحمد عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يمطر الناسُ مطرًا لا تكن منه بيوت المدر ولا بيوت الوبر". ومنها: انقطاع الجهاد ورجوع الناس حراثين: أخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين". ومنها: نزول الخلافة في الأرض المقدسة: أخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم: عن ابن حوالة؛ مرفوعًا: "يا بن حوالة؛ إذا رأيت الخلافة نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور

стр. 283

العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك"، وكان وضع يده على رأسه. وهذا: إن أريد مطلق الخلافة فقد وقع في زمن بني أمية، فيكون من القسم الأول وقد ذكرنا هناك بعض الأمور العظام. وإن أريد الخلافة الكاملة فسيكون في زمن المهدي وعيسى ﵉. والأمور العظام هي: الدابة، والشمس، والنار، والريح. . . إلى غير ذلك. ويدل للثاني آخر الحديث: "الساعة يومئذ أقرب". . . إلى آخره. ومنها: كثرة المال: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مُروجا وأنهارًا". وفي رواية: "حتى يكثر المال فيكم". وقد ذكر هذا في القسم الأول، ولا مانع أن تكون الرواية الثانية إشارة إلى ما وقع في زمن عثمان وعمر بن عبد العزيز ﵄؛ لقرينة قوله: "فيكم"؛ يعني: الصحابة. والرواية الأولى لما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵉، ولذا ذكرناه في القسمين. ومنها: أن يكون رأس الثور بالأوقية: أخرج ابن أبي شيبة عن قيس: لا تقوم الساعة حتى يُقَوَّمَ رأس البقرة بالأوقية؛ أي: وذلك في حصار يأجوج ومأجوج لعيسى ﵇ وأصحابه؛ كما مر. ومنها: نُشُوفُ بحيرة طبرية: كما مر أنها يشربها يأجوج ومأجوج. ومنها: رخص الخيل، وغلاء الثور: أخرج ابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهما: عن أبي أمامة ﵁: "إن من

стр. 284

أشراطها: "أن يكون الفرس بالدريهمات، ويكون الثور بكذا وكذا مئة دينار"، قيل: وما يُرخِصُ الخيل يا رسول الله؟ قال: "عدم الجهاد". قيل: فما يُغلي الثور؟ قال: "إن الأرض تُحرث كلها". ومنها: نزول البركات: ونَزعُ سُمِّ كل صاحب سُمْ ... إلى غير ذلك. ومن الأشراط القريبة: خراب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وخروج أهلها منها: أخرج أبو داود عن معاذ ﵁؛ مرفوعًا: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال". وَروى الطبراني: "سيبلغ البناء سَلعًا، ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول: قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر"، وروى أحمد نحوه بإسنادٍ حسن. وروي أيضًا برجال ثقات: "المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة، قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع والعوافي". وفي "الصحيحين": "لتتركن المدينة على خير ما كانت، مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي الطير والسباع- وآخر من يحشر منها راعيان من مُزينة. . . ." الحديث. وَروى ابن زَبالة، وتبعه ابن النجار: "لا تقوم الساعة حتى يَغْلِبَ على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يُصلي فيه، فما يقدر عليه". وَروى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح حديث: "أما والله لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع". ورواه ابن زَبالة بنحوه.

стр. 285

وَروى الديلمي في "مسند الفردوس": عن عوف بن مالك قال: "تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة". ورُوي عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربضَ على منبر رسول الله ﷺ ، فلا ينهضه أحد". وَروى ابن شبة حديث: "ليخرجن أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها أبدًا، وليدعنها خير ما تكون مونقة"، وروي أيضًا عن عمر ﵁ نحوه مرفوعًا. وقد مر في القسم الأول الترك الأول، وهذا هو الترك الثاني. وسبب خرابها -والله أعلم- أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال، ثم يبقى فيها المؤمنون الخُلص، فيهاجرون إلى بيت المقدس. فقد ورد: "ستكون هجرة بعد هجرة، وخِيَارُ الناس يومئذ ألزمهم مهاجر إبراهيم. . . ." الحديث. ومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة -التي يأتي ذكرها- أرواحهم، فتبقى خاوية، وهذا سر خرابها قبل غيرها. تنبيه رَوى المَرجاني في "أخبار المدينة": عن جابر ﵁ مرفوعًا: "ليعودن هذا الأمر -أي: الدِّين- إلى المدينة كما بدأ منها، حتى لا يكون إيمان إلَّا بها. . . ." الحديث. ورَوى النسائي عن أبي هريرة ﵁: "آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة"، ورواه ابن حبان بلفظ: "آخر قرية في الإسلام خرابًا المدينة". وصح: "إنَّ الدين ليأرز إلى المدينة؛ كما تأرز الحية إلى جحرها". وهذه الروايات بحسب الظاهر تنافي الروايات السابقة، وطريق الجمع بينها أن

стр. 286

الفتن تَعُمّ الدنيا كلها كما مر في خروج المهدي، ويبقى أهل المدينة مع المهدي، فيأرز الدين إلى المدينة حينئذ؛ لأنهم المؤمنون الكاملون التابعون للخليفة الحق، فإنه إذا كان الإمام الحق موجودًا فمن لم يعرفه، ولم يبايعه مات مِيتةً جاهلية، فهذا محط: "إن الدين ليأرز إلى المدينة". ثم إنها تنفي خبثها في زمن الدجال، وتخرج منافقيها ويبقى فيها الإيمان الخالص، بخلاف بيت المقدس وغيرها من البلدان؛ فإنه يبقى فيهم أهل الذمة والمنافقون؛ لأنهم إنما يؤمنون بعد نزول عيسى ﵇، وهذا محط حديث جابر ﵁: "حتى لا يكون إيمان إلَّا بها"؛ أي: إيمان خالصٌ لا يشوبه نفاق. ثم إنه تجيء الريح الباردة -الآتية فيما بعد-، فتقبض كل مؤمن ومؤمنة، وإنها تأتي من الشام أو من اليمن، أو من كليهما؛ كما جُمِعَ به بين الروايتين، ولا شك أن التي تأتي من الشام تبدأ بأهل الشام، وأن التي تأتي من اليمن تبدأ بأهل اليمن، فلا تنتهيان إلى المدينة إلا بعد هلاك أهل الإقليمين من المؤمنين، فيكون آخر من يُقبض من المؤمنين أهل المدينة، وهذا محط حديث أبي هريرة ﵁ الذي عند النسائي، والترمذي، وابن حبان المارّ. ثم إنها حينئذ لا يكون بها غير المؤمنين؛ لأنها تخلصت في زمن الدجال، فبمجرد موتهم تخرب، وتبقى بقية الدنيا عامرة بشرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، كما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. وهذا مما ظهر لي عند كتابتي لهذا المحل، ولعله ليس بعيدًا عن الصواب، ولم أقف في كلام أحدٍ عليه، فإن يكن خطأ فهو مني لا من أحد، ونسأل الله السداد. وإنما ذكرته هنا وإن كان يصلح أن يذكر بعد طلوع الشمس من مغربها والدابة أيضًا؛ لأن ابتداء خرابها بالخروج عنها كما دلت عليه الأحاديث، والخروج يكون في زمن عيسى ﵇، فلهذا ذكرناه هنا، والله أعلم.

стр. 287

ومنها: بلوغ بناء المدينة سلعًا: وهذا وقع زمن الصحابة، وهو واقعٌ اليومَ أيضًا، وقد مرَّ حديثُه. ومنها: بلوغ بنائها إهاب أو يهاب؛ بالهمز أو الياء: فقد ورد: "لا تقوم الساعةُ حتى يبلغ البناء إهاب أو يهاب" وهو موضعٌ قريبٌ بالحرة العربيَّة. وهذا قد كادَ أن يقع. ومنها: مطرٌ لا تكنُّ منه بيوت الشعر: فقد وردَ: "لا تقوم السَّاعة حتى يمطر بالمدينة مطر لا تكن منه بيوت المدر، إنما تكنّ منه بيوت الشعر". وفي لفظٍ: "ولا يكن منه إلا بيوت الشعر"، والله أعلم. ومنها: خروج القحطاني (١)، والجهجاه، والهيثم، والمقعد، وغيرهم بعد عيسى والمهدي ﵉: أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ويمكث أربعين عامًا يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنتي، ويموت، فيستخلفون بأمر عيسى رجلًا من بني تميم يقال له: المقعد، فإذا مات المقعد لم يأت على الناس ثلاث سنين حتى يُرفع القرآن من صدور الرجال؛ أي: من صدور

стр. 288

بعضهم، ويبدو النقص فيهم"؛ ليوافق ما يأتي من بقاء الدين مدة مديدة بعد عيسى ﵇. وأخرج الطبراني عن علياء السلمي قال: "لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من الموالي يقال له: جهجاه". وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه". وأخرج الشيخان عنه: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه". وأخرج الطبراني في "الكبير"، وابن منده، وأبو نُعيم، وابن عساكر: عن قيس بن جابر، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: "ستكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جَورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه". وأخرج نُعيم بن حماد، عن سليمان بن عيسى قال: بلغني أن المهدي يملك أربع عشرة سنة ببيت المقدس، ثم يموت، ثم يكون من بعده رجلٌ من قوم تبع يقال له: المنصور؛ أي: وهو القحطاني، يمكث ببيت المقدس إحدى وعشرين سنة، ثم يقتل، ثم يملك رجلٌ من الموالي ويمكث ثلاث سنين، ثم يقتل، ثم يملك بعده هيثم المهدي ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام. وأخرج نُعيم بن حماد: عن كعب قال: يموت المهدي ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته فيه خيرٌ وشَرّ، وشره أكثر من خيره، يُغْضِبُ الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة، بقاؤه قليل، يثور به رجلٌ من أهل بيته فيقتله. وأخرج أيضًا عن الزُّهري قال: يموت المهدي موتًا يصير الناس بعده في فتنة، ويُقْبِلُ إليهم رجلٌ من بني مخزوم فيبايع له، فيمكث زمانًا، ثم يُنادي مُنادٍ من السماء ليس بإنس ولا جان: بايعوا فلانًا، ولا ترجعوا على أعقابكم بعد الهجرة. فينظرون

стр. 289

فلا يعرفون الرجل، ثم يُنادي ثلاثًا، ثم يُبايع المنصور، فيسير إلى المخزومي فينصره الله عليه فيقتله ومن معه. وأخرج أيضًا عن كعب قال: يتولى رجل من بني مخزوم، ثم رجلٌ من الموالي، ثم يسير رجلٌ من العرب جسيم طويل عريض ما بين المنكبين، فيقتل من لقيه حتى يدخل بيت المقدس، فيموت موتًا، ثم تكون الدنيا شرًا مما كانت، ثم يلي بعده رجل من مضر، يقتل أهل الصلاح، ظلوم غشوم، ثم يلي من بعد المضري اليماني القحطاني، يسير بسيرة المهدي، وعلى يديه تفتح مدينة الروم. وأخرج أيضًا عن الوليد، عن معمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما القحطاني بدون المهدي؟ ! ". وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "بعد الجبابرة الجابر، ثم المهدي، ثم المنصور، ثم السلام، ثم أمير العصب". وأخرج أيضًا عن ابن عمرو ﵄ قال: "ثلاثة أمراء يتوالون يفتح اللهُ الأرض كلها عليهم: صالح الجابر، ثم المفرج، ثم ذو العصب، يمكثون أربعين سنة، ثم لا خير في الدنيا بعدهم". وأخرج أيضًا عن كعب قال: "يكون بعد المهدي خليفة من أهل اليمن من قحطان أخو المهدي في دينه، يعمل بعمله وهو الذي يفتح مدينة الروم ويصيب غنائمها". وأخرج أيضًا عن أرطاة قال: بلغني أن المهدي يعيش أربعين عامًا، ثم يموت على فراشه، ثم يخرج رجلٌ من قحطان مثقوب الأذنين على سيرة المهدي، بقاؤه عشرين سنة، ثم يموت قتيلًا بالسلاح، ثم يخرج من بيت النبي ﷺ مهديٌّ حسن السيرة يغزو مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد ﷺ ، ثم يخرج في زمانه الدجال. تنبيه هذه الأحاديث أكثرها متعارضة، وقد قال الفقيه ابن حجر في "القول المختصر": الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي

стр. 290

المنتظر الذي يخرج الدجال، وعيسى ﵇ في زمانه، ويُصلي عيسى خلفه، وأنه المراد حيث أُطْلِقَ المهدي، والمذكورون قبله لم يصح فيهم شيء، والذين بعده أمراء صالحون أيضًا لكن ليسوا مثله، فهو الأَخْيَر في الحقيقة. انتهى أقول: غاية ما يمكن في الجمع: أن المهدي الكبير هو الذي يفتح الروم، ويخرج الدجال في زمنه، ويُصلي عيسى ﵇ خلفه، وأن الخلافة تكون له ولقريش من بعده، وأن عيسى ﵇ لا يَسْلبُ قريشًا مُلكها رأسًا، وإنما تكون إليه المشورة وهو الحَكَمُ فيهم يعلمهم الدين، ومر إشارةٌ إلى ذلك، ثم يلي بعد المهدي رجلٌ من أهل بيته في سيرته، ويكون القحطاني مع المهدي في زمانه. ومعنى فتحه لمدينة الروم كما ورد عن كعب: أنه يكون أميرًا على السرية التي يُرسلها المهدي إلى فتح مدينة الروم، فيفتحها في حال تابعيته لا في حال خلافته ومتبوعيته، ثم يموت عيسى ﵇، ثم بعد عيسى ﵇ يتولى باستخلافه المقعد؛ وهو أيضًا من قريش، فإذا مات تولى من قريش من لا يحسن سيرته، فيخرج عليه المخزومي، ولعله الجهجاه، ويدعو إلى الفُرقَة، فيخرج عليه القحطاني بسيرة المهدي؛ وهو الملقب بالمنصور، وهو المراد: بـ"رجل من تبع" وبـ"رجل من اليمن"، ويمكث إحدى وعشرين سنة، والذي قال: عشرين. ألغى الكسر، ثم تنتقص الدنيا ويملك الموالي، ويغلب الشر إلى أن تطلع الشمس من المغرب، والله أعلم. ومن الأشراط العظام: هدم الكعبة، وسَلبُ حُلِيها، وإخراج كنزها: أخرج الشيخان والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة". وأخرج أحمد عن ابن عمرو ﵄ نحوه، وزاد: "ويَسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أُصَيلع أُفَيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله". وأخرج الأزرقي عنه: "يجيش البحر بمن فيه من السودان، ثم يسيلون سيل النمل

стр. 291

حتى ينتهوا إلى الكعبة فيخربونها، والذي نفسي بيده إنى لأنظر إلى صفته فى كتاب الله تعالى؛ أُفَيحج أُصَيلع أُفَيدع، قائمًا يهدمها بمسحاته". وأخرج الحاكم عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصلع وأفدع، بيده معول يهدمها حجرًا حجرًا، فقلت له: شيء تقول برأيك أو سمعته من النبي ﷺ ؟ فقال: لا والذي فَلق الحبة وبرأ النَّسمة، ولكني سمعته من نبيكم. وفي "الصحيحين": "كأني به أسود أفحج يهدمها حجرًا حجرًا". وفي حديث علي كرم الله وجهه عند أبي عُبيد في "غريب الحديث": من طريق أبي العالية قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع، أو قال: أصمع، أحمش الساقين، قاعد عليها وهي تُهدم. ورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه: "أصعل" بدل "أصلع"، وقال: قائمًا عليها يهدمها بمسحاته. ورواه يحيى الحِمّاني في "مسنده" من وجه آخر عن عليٍّ مرفوعًا، ورواه الأزرقي عنه بنحوه. تنبيه (السويقتان): تصغير الساقين؛ أي: دقيق الساقين؛ كما هو غالب في سوق الحبشة. و(الأصلع): من ذهب شعر مقدم رأسه، و (الأُصيلع): تصغيره. و(الأفيدع): تصغير (الأفدع)؛ وهو من في يديه اعوجاج. و(الأصعل): الصغير الرأس، و (الأصمع): الصغير الأذنين، وقيل: الكبير الأذن، و (الأسود) واضح، و (الأفحج): المتباعد الفخذين. قال في "فتح الباري": ووقع في هذا الحديث عند أحمد من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة ﵁ بأتم من هذا السياق.

стр. 292

ولفظه: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلَّا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يَعْمُر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه"، ورواه بهذا اللفظ الأزرقي في "تاريخ مكة"، والحاكم وصححه. وفي رواية عنه مرفوعًا: "لا يستخرج كنز الكعبة إلَّا ذو السويقتين من الحبشة". تنبيه قيل: هذا مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ , ولأن الله رد عن مكة الفيل ولم يُمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وأجيب: بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة، حتى لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله وفيه: أنه يخالف ما يأتي عن كعب أنه يقع في زمن عيسى. والأولى ما أشار إليه في "فتح الباري"؛ وهو أن يقال: قد أشار ﷺ إلى الجواب في الحديث بقوله: "ولن يستحل هذا البيت إلا أهله"، ففي زمن أصحاب الفيل ما كان أهله استحلوه، فمنعه الله منهم، وأما الحبشة فلا يهدمونه إلَّا بعد استحلال أهله له مرارًا، فقد استباحها أهل الشام في زمن يزيد بأمره، ثم الحجاج في زمن عبد الملك بأمره، ثم القرامطة بعد الثلاث مئة، فقتلوا من المسلمين في المطاف ما لا يُحصى، وقلعوا الحجر ونقلوه لبلادهم، وقد مر جميع ذلك في القسم الأول. فلما وقع استحلاله من أهله مرارًا أمكن الله غيرهم من ذلك أيضًا، على أنه ليس في الآية استمرار إلا من المذكورين فيه. خاتمة اختلفوا في هدم الكعبة: هل هو في زمن عيسى (١) ﵇، أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟

стр. 293

فعن كعب ﵁: أنه في زمن عيسي ﵇، وكذا قال الحليمي، وأن الصريخ يأتي عيسى ﵇ بذلك، فيبعث إليه طائفة ما بين الثمانية إلى التسعة. وقيل: هدمها في زمانه، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج يحج الناس ويعتمرون؛ كما ثبت، وأن عيسي ﵇ يحج أو يعتمر، أو يجمعهما، ولا ينافيه ما ورد: "لا تقوم الساعة حتي لا يُحَج البيت". وفي لفظ: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُرفع؛ فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة". قال الحافظ ابن حجر: وجدت في كتاب "التيجان" لابن هشام: أنَّ عمر بن عامر كان ملكًا مُتوجًا، وكان كاهنًا مُعمرًا، وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة: إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين، فالسخطة الأولي: هدم سد مأرب، وخراب البلاد بسببه. والثانية: غلبة الحبشة علي اليمن. والرحمة الأولي: بِعثَةُ نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة، ويغلب أهل الشرك. والثانية: إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلًا يقال له: شعيب بن صالح، فَيُهلك من خَرّبهُ، ويخرجهم حتي لا يكون في الدنيا إيمان إلا بأرض اليمن. قال الحافظ: إن ثبت هذا عُلم منه اسم القحطاني وسيرته وزمانه. اهـ قُلْتُ: ليس فيما ذكر أنَّ ذلك هو القحطاني، ولم لا يجوز أن يكون شعيب بن صالح التميمي القادم بالرايات السود إلي المهدي، وأنه يُرسله عيسي ﵇ إليه حين يأتيه الصريخ؟ ويؤيده كون لقبه: المنصور، وبتقدير أن يكون هو إياه، فجائز أن يكون قبل خلافته، ويكون فيمن أرسله عيسي ﵇ أميرًا عليهم، وكونه رحمة لأهل اليمن لا يلزم أن يكون منهم، ويكفي في كونه رحمة لهم كونه يدفع الحبشة عنهم بحيث لا يبقي إيمان إلَّا باليمن، ثم إنَّ الحجاز من اليمن، ولذا يقال للكعبة يمانية، ومنه يُعلم أن ليس في هذا دليلٌ علي تأخر إيمان أهل اليمن عن أهل

стр. 294

المدينة حتي يتعارض الحديثان، ويؤيد ذلك: أن المراد باليمن الحجاز؛ لأن الخلافة حينئذ تكون بالأرض المقدسة لا باليمن، والله أعلم. وأيما كان فهذا أيضًا يدل علي تقدم هدمها علي موت المؤمنين. ولكن يبقي احتمال أن يكون بعد الدابة؛ لما مر أنها تخرج ليلة المزدلفة، وأنها تطوف علي الناس بمني، إلا أن يقال إنها تحج بعد خرابها أو هدمها، وأن مكة تبقي معمورة بعدها. وقيل: إن هدمها بعد الآيات كلها قرب قيام الساعة حتي ينقطع الحج، ولا يبقي في الأرض من يقول: الله الله. ويؤيد هذا: أن زمن عيسي ﵇ كله زمن سِلْمٍ وخير وبركة وأمن، وأنها قبلة المسلمين والحج إليها أحد أركان الدين، فينبغي أن تبقي ببقاء المسلمين، وأنها تهدم مع رفع القرآن، وسنشير إليه ثَمَّ أيضًا إن شاء الله تعالي. فائِدَة قال الفقهاء: إذا هدمت الكعبة -والعياذ بالله- فَعَرصَتُهَا بمنزلتها، فمن صلى خارجها جاز استقبالها مُطلقًا ولو كان أعلي منها؛ كمن صلي علي أبي قُبيس، ومن صلي فيها لابد وأن يستقبل شاخصًا قدر ثلثي ذراع إلى ذراع من بنائها، أو ما لحق بذلك؛ كعصًا مُسَمّرة، أو شجرة نابتة ولو يابسة، أو تراب منها مجتمع، أو حجر منها، أو حفرة ينزل فيها مقدار ما ذكر، وإلا فلا تصح صلاته. وكذا الطواف يجب أن يكون خارجها، وبالله التوفيق. تَذْنيبٌ يناسب ذكره المقام، نورده تتميمًا للفائدة في "مسند الروياني": عن أبي ذر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "سيكون رجل من قريش أخنس يلي سُلطانًا، ثم يُغلب عليه -أو: يُنْزَعُ منه- فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الإِسكندرية، فيقاتل أهل الإسلام بها، فذلك أول الملاحم".

стр. 295

وفي رواية عنه: "سيكون بمصر رجلٌ من بني أمية أخنس"، بنحوه. وروي نُعيم بن حماد: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم، فيأتيكم مددكم من الشام فيهزمهم الله". وعن عمر ﵁: أنه قال لرجل من أهل مصر: ليأتينَّكم أهل الأندلس فيقاتلونكم بوسيم حتي تركض الخيل في الدم؛ يهزمهم الله، ثم تأتيكم الحبشة في العام الثاني. وأخرج أيضًا عن أبي قبيل قال: خرج يومًا وردان من عند مسلمة بن مخلد وهو أمير علي مصر، فمر علي عبد الله بن عمرو مستعجلًا، فناداه فقال: أين تريد؟ فقال: أرسلني الأمير إلى مَنَفْ فأحفر له كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأقرئه مني السلام، وقل له: إن كنز فرعون ليس لك، ولا لأصحابك، إنما هو للحبشة، يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط، فيسيرون حتي ينزلوا منفًا، فيظهر الله لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما شاؤوا، فيقولون: ما نبغي غنيمة أفضل من هذه. فيرجعون ويخرج المسلمون في آثارهم حتي يدركوهم، فيهزم الله الجيش، فيقتلهم المسلمون، ويأسرونهم. أخرجها الحافظ السيوطي في جزءٍ له. وقال في "أزهار العروش في أخبار الحبوش": أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني أبو قبيل: عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلًا من أعداء المسلمين بالأندلس يقال له: ذو العرف، يجمع من قبائل الشرك جمعًا عظيمًا، يعرف من بالأندلس أن لا طاقة لهم، فيهرب أهل القوة من المسلمين في السفن فيجيزون إلى طنجة ويبقي ضعفة الناس وجماعتهم ليس لهم سفنٌ يجيزون عليها، فيبعث الله وَعْلًا وينشره لهم في البحر، فيجيز الوعل لا يغطي الماء أظلافه، فيراه الناس فيقولون: الوعل الوعل؛ اتبعوه. فيجيز الناس علي أثره كلهم، ثم يصير البحر علي ما كان عليه، ويجيز العدو في المراكب، فإذا حستهم أهل إفريقية هربوا كلهم من أفريقية ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين حتي يدخلوا الفسطاط، وَيُقْبِل ذلك العدو حتي ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام مسيرة خمسة بُرُد، فيملؤون ما هناك شرًا، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله

стр. 296

عليهم، فيهزمونهم ويقتلونهم إلى لوعة مسيرة عشر ليال، ويستوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأوانيهم سبع سنين، وينفلت ذو العرف من القتل ومعه كتابٌ لا ينظر فيه إلَّا وهو منهزم، فيجد فيه ذكر الإسلام، وأنه يؤمر فيه بالدخول في السلم، فيسأل الأمان علي نفسه وعلي من أجابه إلى الإسلام من قومه، فيسلم. ثم يأتي في العام الثاني رجلٌ من الحبشة يقال له: أسيس، وقد جمع جمعًا عظيمًا، فيهرب المسلمون منهم من أسوان حتي لا يبقي فيها ولا فيما دونها أَحدٌ من المسلمين إلا دخل الفسطاط، فينزل أسيس بجيشه منف، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله عليهم، فيقاتلونهم ويأسرونهم حتي يباع الأسود بعباءة. قال الحاكم: موقوفٌ صحيح الإسناد. اهـ وفي هذا الحديث إشكال؛ وهو أن واقعة ذي العرف المذكورة لم تقع إلى الآن، وإلا لكان ذكر في التواريخ، وإن قلنا إنها ستقع فيما سيأتي يُشكُل عليه أن الأندلس ليس بها إذ ذاك، بل ولا اليوم مسلم، فكيف يهربون في السفن وغيرها؟ وقد يقال: يمكن أن يكون هناك مسلمون قد أقروا علي الجزية، وإذا آن الأوان هربوا. ويقربه: أن في هذه الأعصر قدمت طائفة من المسلمين من الأندلس في المراكب إلى طنجة؛ وهي نهرٌ في بلاد الروم عليها مدينة أدرنه. فيسمون: المنجل، فيمكن أن يكون لهم هناك بقايا ضعفة إذا أراد الله تعالي أجازهم البحر. ويمكن أن يقال: إن هذا إنما يقع بعد موت المهدي، وتناكص الدين، ورجوع الناس إلى الشرك، وأن مصر إذ ذاك لكون الخلفاء ببيت المقدس تكون عامرة بالإسلام، فيكون قُبَيل هدم البيت أو بعده علي ما سبق من الخلاف في وقته، وبالله التوفيق. لكن في "التذكرة" للقرطبي: أن أولئك أولياء المهدي وأتباعه، وأن المحل الذي يمشي فيه الوعل جسرٌ بناه ذو القرنين لهذا الأمر، وأنه إذا جاء أوانه مروا عليه. والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 297

ومن الأشراط العظام: طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض: وهذان أيهما سبق الآخر فالآخر علي أثره، فإن طلعت الشمس قبل خرجت الدابة ضحي يومها أو قريبًا من ذلك، وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد. أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : إن أول الآيات خُروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحيً، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخري علي أثرها. قال عبد الله -وكان يقرأ الكُتُب-: وأظن أولهما خروجًا طلوع الشمس من مغربها. وقال أبو عبد الله الحاكم: والذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها قبل خروج الدابة. قال الحافظ ابن حجر معتمدًا لما قاله الحاكم: ولعل الحكمة في ذلك أن بطلوع الشمس من مغربها ينسد باب التوبة، فتجيء الدابة، فتميز بين المؤمن والكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة. اهـ فلنبدأ بطلوع الشمس من المغرب: ونقول: أما طلوع الشمس من مغربها: فقد قال الله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أجمع المفسرون أو جمهورهم علي أنه طلوع الشمس من مغربها. وقال تعالي: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾. وروي الفريابي، وعَبدُ بن حُميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ: عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرينين، ثم قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.

стр. 298

وروي عبد الرزاق، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، والستة غير الترمذي، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها"، ثم قرأ الآية. وروى ابن مردويه عن حذيفة ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: تَطُول تلك الليلة حتي تكون قدر ليلتين". وروي هو، وابن أبي حاتم: عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: "آية تلكم الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال"، والقليل لا ينافي الكثير. وفي رواية البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ بلفظ: "قدر ليلتين أو ثلاث، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون، ويعملون كما كانوا ولا يري قد قامت النجوم مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون، ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقض فيضطجعون، حتي إذا استيقظوا والليل مكانه حتي يتطاول عليهم الليل، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، ففزع الناس وهاج بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرون طلوعها من المشرق إذا هي طلعت عليهم من مغربها، فضج الناس ضجةً واحدة، حتي إذا صارت في وسط السماء رجعت فطلعت من مطلعها". وروي أبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوي الدواوين، وتجف الأقلام؛ لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا". وروي البيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب الأحمر فلا يُقْبَلُ منهم ويقال: لو كان بالأمس".

стр. 299

وروي ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتي يأتي الوقت الذي جعل الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع، ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يُؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم بقية أهل الأرض، وحملة القرآن، يقرأ كل رجلٍ في تلك الليلة منهم ورده، حتي إذا فرغ منه نظر؛ فإذا الليلة علي حالها، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن فينادي بعضهم بعضًا، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة ثلاث ليال، يرسل الله جبريل إلى الشمس والقمر فيقول: إن الرب تعالي يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها؛ فإنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فيبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، وترجع الشمس والقمر فيطلعان من مغاربهما، فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله والغافلون في غفلاتهم إذ نادي مُنادٍ: ألا إن باب التوبة قد أُغْلِق، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما. فينظر الناس وإذا بهما أسودان كالعكمين ولا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ ". تَنبيه (العكمة): الغرارة؛ أي: كالغرارتين العظيمتين، ومنه يقال لمن يشد الغرائر علي الجمل: العكام، وفي حديث أم زرع: "عكومها رداح". "فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين ينازع كل منهما صاحبه استباقًا، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حملٍ حملها. فأما الصالحون والأبرار: فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار: فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة. فإذا بلغت الشمس والقمر سُرَّةَ السماء؛ وهو منتصفها جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما -أي: مغارب طلوعهما ذلك اليوم؛ وهو جهة المشرق- ولكن يغربهما في مغاربهما الذي في باب التوبة".

стр. 300

فقال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ : وما باب التوبة؟ فقال: "يا عمر؛ خلق الله بابًا للتوبة خلف المغرب، فهو من أبواب الجنة، له مصراعان من ذهب، مكللان بالدر والجواهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوحٌ منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عَبْدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرْفَعُ إلى الله". فقال معاذ بن جبل ﵁: يا رسول الله؛ وما التوبة النصوح؟ قال: "أن يندم العبد علي الذنب الذي أصاب، فيهرب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتي يعود اللبن في الضرع". قال: "فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ﴾ ... الآية". فقال أُبي بن كعب: يا رسول الله؛ فداك أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: "يا أُبيّ؛ إن الشمس والقمر يكسبان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان علي الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس: فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها، يلحون علي الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، فأما الدنيا: فإنه لو نتج رجلٌ مهرًا لم يركبه حتي تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور". فائِدَة قال الفقهاء: تلك الليلة عن ليلتين ويوم، فيقضي خمس صلوات؛ لأن الليلة الأولي ما فيها صلاة؛ لأن الفرض أنهم ناموا بعد فعل العشاءين، والليلة الثانية مع

стр. 301

اليوم فيها خمس صلوات، فتقضي قياسًا علي أيام الدجال بجامع الطول، كما قاسوا يوميه الأخيرين علي يومه الأول. وعلي هذا: فمن نام عن صلاته فعليه مع قضاء الخمس قضاء ما نام عنه، وهو واضح، ويدخل وقت صلاة الصبح يوم طلوعها من مغربها بطلوع الفجر، وصلاة الظهر برجوعها عن وسط السماء فإنه بمنزلة الزوال، والعصر والمغرب والعشاء كبقية الأيام، وبالله التوفيق. تَنبيه رَوي ابن أبي شيبة، عن ابن عمر ﵄ قال: "الأشرار بعد الأخيار عشرين ومئة سنة"، كذا في الأصل المنقول عنه، فيحتمل أن الناصب سقط، وأن يُقدر بدليل الروايتين بعدها؛ فتمكث، أو تبقي. وروي عن ابن عمر ﵁ قال: "يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة". وروي عبدُ بن حُميد عنه أيضًا قال: "يبقي شرار الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة". وروي نُعيم عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تقوم الساعة حتي تعبد العرب ما كان يَعْبدُ آباؤهم عشرين ومئة عام بعد نزول عيسي ابن مريم وبعد الدجال". وروي عَبدُ بن حُميد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما لصاحبه: متي ولدت؟ فيقول: زمن طلعت الشمس من مغربها". وروي هو وابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه قال: "الآيات كلها في ثمانية أشهر". وأخرجوا غير ابن أبي شيبة عن أبي العالية، قال: "الآيات كلها في ستة أشهر". ومَرَّ: "لو أن رجلًا نتج مهرًا لم يركبه حتي ينفخ في الصور". قال في "فتح الباري" وتبعه في "القناعة": وطريق الجمع بين الروايات أن المدة

стр. 302

كما في الروايات الأول عشرون ومئة سنة، لكنها تمر مرًا سريعًا كمقدار عشرين ومئة شهر، كما في "صحيح مسلم": عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "لا تقوم الساعة حتي تكون السنة كالشهر" ... الحديث، وفيه: "اليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة". اهـ وعلي هذا: فيكون تقارب الزمان وتقاصر الأيام مرتين، مرةً في زمن الدجال، ثم ترجع بركة الأرض وطول الأيام إلى حالها الأولي، ثم تتناقص بعد موت عيسي ﵇ إلى أن تصير في آخر الدنيا إلى ما ذكر. وهذا تنبيهٌ حسن لم أر من نبه عليه، وبالله التوفيق. وأقول: ما قالاه يقتضي أن تكون المدة مقدار اثنتي عشرة سنة من سنينا، فالإشكال بحاله؛ لأن المهر قد يركب في سنتين، وبتسليم ذلك وتمحل أن المراد الركوب للكر والفر في الحرب، وذلك في الخيل الأصيل لا يكون إلا في العشر وما بعدها، ولا يمكن الجمع بينها وبين رواية ثمانية وستة أشهر. وأيضًا ينافيه حديث أبي هريرة ﵁ المار عند عَبد بن حُميد؛ مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران. . . ." الحديث، إلا أن يقال: إن كِبَرَ أهل ذلك الزمان علي حسب سنيهم، وعليه فَيُقدرُ إنتاج المهر وركوبه في السنين المعتادة، والأولي أن يُجمع بأن المدة القليلة بالنظر لبقاء المؤمنين، والمئة والعشرون للكفار والأشرار؛ كما تصرح به الروايات السابقة: "الأشرار بعد الأخيار". مع هذا لابد من القول بتقاصر الزمان؛ ليكون أربعون سنة الواقعة في حديث ابن مسعود السابق في بقاء المؤمنين مقدار أربعين شهرًا، فيكون التقدير بإنتاج المهر وركوبه واضحًا. ومعني: "تقوم الساعة" علي هذا: أنها تقوم علي المؤمنين بموتهم، ونظيره ما في البخاري: أن رجلًا سأله ﷺ عن الساعة فنظر إلى أحدث القوم سنًا فقال: "إن يستنفد هذا عمره لم يمت حتي تقوم الساعة". قال العلماء: أراد ساعة الحاضرين، لا ساعة عامة الخلق. ولكن رواية الثمانية أشهر، والستة أشهر، فيجب -إن صحتا- تأويلهما قطعًا.

стр. 303

تَنبيه آخَر اختلفوا: هل إذا كان كذلك، وامتدت الدنيا بعد ذلك إلى أن يُنسي هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذ وتاب تُقْبَلُ منه أم لا؟ ذكر أبو الليث السمرقندي في "تفسيره": عن عمران بن حصين ﵁ قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع، فمن أسلم أو تاب بعد ذلك قُبِلت توبته. قال الحافظ في "فتح الباري" ما حاصله: إن الذي دلت عليه الأحاديث الثابتة الصحاح والحسان أن قبول التوبة مَلغِيٌّ بطلوع الشمس من مغربها، ومفهومها: أن بعد ذلك لا تقبل، بل وفي بعض الروايات التصريح بعدم القبول. كما عند أحمد، والطبراني: عن مالك بن يخامر، ومعاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو؛ رفعوه: "لا تزال التوبة مقبولة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع علي كل قلب بما فيه، وَكُفي الناس العمل". وفي حديث ابن عباس ﵄ عند ابن مردويه السابق: "فإذا أُغْلِقَ ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة". وعند نُعيم بن حماد، عن ابن عمرو ﵄: "فيناديهم مُنادٍ: يا أيها الذين آمنوا؛ قد قُبِلَ منكم، ويا أيها الذين كفروا؛ قد أُغْلِقَ عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف". ومن طريق يزيد بن شريح، وكثير بن مرة: "إذا طلعت الشمس من المغرب يُطبع علي القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا". وأخرج عَبدُ بن حُميد، والطبري بسندٍ صحيح عن عائشة ﵂: "إذا خرجت أول الآيات -يعني: طلوع الشمس من المغرب- طُرِحت الأقلام، وطويت الصحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد علي الأعمال". وعن ابن مسعود ﵁ قال: "الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها".

стр. 304

قال: فهذه آثارٌ يَشُدُّ بعضها بعضًا متفقةٌ علي أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يُفتح بعد ذلك، ولا يختص ذلك بيوم طلوعها، بل يمتد إلى يوم القيامة. قُلْتُ: ويؤيد هذا ما يأتي في الخاتمة: أن إبليس يخر عند طلوعها ساجدًا، وأن الدابة تقتله؛ فإنه لا يموت إبليس إلا وقد فُرغ من العمل. تَنبيه آخَر ورد في بعض الروايات: أن أول الآيات (١) خروج الدجال. وفي بعضها: أن أولها طلوع الشمس من مغربها. وفي بعضها: الدابة. وفي بعضها: نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم. قال الحافظ ابن حجر: وطريق الجمع: أن الدجال أول الآيات العظام المُؤذِنة بتغيير أحوال العامة في الأرض؛ أي: فلا ينافي تقدم المهدي عليه. قال: وينتهي ذلك بموت عيسي ابن مريم ﵇، ومِنْ بَعْدِه القحطاني وغيره، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة؛ أي: والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. انتهي وهذا جَمعٌ حسن ﵀ تعالي.

стр. 305

ويدل علي ذلك ما في بعض الروايات: "وآخر ذلك -يعني: الآيات- نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم". ورَوي نُعيم عن وهب بن منبه قال: أول الآيات: الروم، ثم الدجال، والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسي ﵇. أي: وكون عيسي ﵇ رابعة باعتبار تأخره عن يأجوج ومأجوج، وإن كان باعتبار وقت نزوله مُقدّمًا عليهما فهو باعتبارٍ ثالث، وباعتبار آخر رابع. والخامسة: الدخان، وسيأتي بيانه وتفصيله. والسادسة: الدابة؛ أي: وَعَدُّه هذا باعتبار الآيات الأرضية، ومن ثم لم يعد طلوع الشمس، فهو أيضًا يؤيد ما ذكره الحافظ، لكن لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة بدل قوله: بموت عيسي ﵇ لكان أولي وأوضح، وكون الروم أولًا حقيقي، وكون الدجال أولًا إضافي؛ لأنه أعظم من الروم، وكأن الروم بالنظر إليه ليس بشيء. تَبْصِرَة قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: فيه بحسب الظاهر إشكال. وتقريره: أن قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ صفة لـ (نفسًا) فصل بينها وبين موصوفها بالفاعل. وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾، عطف علي الصفة. فيكون المعني: إذا جاء بعض الآيات لا ينفع الإيمان نفسًا، موصوفةً بأحد الأمرين: عدم الإيمان، ويلزمه عدم كسب الخير فيه. وعدم كسب الخير في الإيمان ولو وجد الإيمان واتصفت به. وهذا إنما يتأتي علي مذهب الاعتزال، وأهل السُّنَّة لا يقولون بذلك.

стр. 306

ومن ثم قال صاحب "الكشاف". لم يفرق كما تري بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكتسب خيرًا؛ ليعلم أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمعٌ بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخري حتي يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. انتهي كلام "الكشاف". وأشار البيضاوي لظهور دلالة الآية لهذا المعني؛ فقال: والمعني أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا، وهو دليل لمن لا يعتبر الإيمان المجرد عن العمل؛ أي: بل يجعل العمل جزءًا من أصل الإيمان وحقيقته كالمعتزلة، لا من يجعله جزءًا من كماله، وزيادته كجمهور أهل السُّنَّة وعامة أهل الحديث وأكثر الأئمة. ثم أشار البيضاوي إلى الجواب عن ذلك بثلاثة أجوبة اختصارًا؛ فقال: وللمُعْتبِر؛ أي: لمن يعتبر الإيمان المجرد عن العمل تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم، وحمل الترديد علي اشتراط النفع بأحد الأمرين علي معني ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ خلت عنها إيمانها، والعطف علي ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيرًا. انتهي وتقرير كلامه: أنا نُجِيبُ أولًا: بأنا نُسَلّم أن المعني كذلك لكن نَخُصُّ الحكم بذلك اليوم، ولا نعممه بجميع الأزمنة؛ فمن مات مؤمنًا قبل ذلك اليوم نفعه إيمانه وإن لم يكن كسب فيه خيرًا ولم يعمله، ومن أدرك ذلك اليوم: إن قدم الإيمان عليه، وكسب فيه خيرًا نفعه، وإلا؛ بأن لم يقدمه أو قدمه من غير كسب خير فيه فلا. هذا حاصل الجواب الأول، وفيه أن العمومات دلت علي أن الإيمان المجرد نافعٌ في جميع الأحوال والأوقات. وحاصل الجواب الثاني: أن (أو) تكون تارة لعموم النفي؛ كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾؛ أي: واحدًا منهم، وأخري لنفي العموم وذلك إذا قدر عطف النفي علي النفي، ثم جيء بـ (أو) والآية من الأول، فالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم

стр. 307

إيمانًا ولا كسبت فيه خيرًا؛ أي: نفسًا خالية من الأمرين جميعًا، عارية عنهما، وعليه اقتصر أبو السعود في "تفسيره". واعترض هذا الوجه بأن انتفاء الإيمان مُستلزمٌ لانتفاء كسب الخير فيه، فلا وجه للترديد بينهما. وأجاب عنه أبو السعود بأجوبة، وأطال فيها الكلام، وكلها مخدوشة، وهي بالنكات البيانية الخطابية أشبه منها بالأجوبة. وأقربها: قوله: ولك أن تقول المقصود من وصف نفسًا بما ذكر من العدمين التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحدٍ من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطًا بالآخر؛ كما في قوله : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ تسجيلًا علي كمال طغيانهم، وإيذانًا بتضاعف عقابهم؛ لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة؛ كما يُنبيء عنه قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ اهـ وهذا الذي قاله قريبٌ، لكنه خلاف مذهبه، فإن الكفار عندهم غير مكلفين بالفروع، والله أعلم. وحاصل الجواب الثالث من أجوبة البيضاوي: أنَّا لا نعطف ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ علي ﴿آمَنَتْ﴾ كما في الوجهين الأولين حتي يلزم دخول الأمرين في حيز النفي، بل نعطفه علي النفي نفسه، أعني: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾، فيكون الترديد بين النفي والإثبات لا بين المنفيين. فالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم إيمانًا علي ذلك اليوم إيمانها، سواء لم تؤمن أصلًا؛ لأنه يصدق علي من لا يؤمن أنه لا ينفعه الإيمان؛ لأن النفع فرع الوجود، فإذا انتفي انتفي نفعه أيضًا. أو أحدثته ذلك اليوم وكسبت فيه خيرًا أيضًا؛ لأن الإيمان شرطه أن يكون بالغيب، فإذا صار الأمر معاينة لم ينفعها. وهذا هو معني قول البيضاوي: بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته وإن كسبت فيه خيرًا. فانظر إلى هذا السحر الحلال: كيف أدرج ﵀ ثلاثة أجوبة في مقدار

стр. 308

سطرين، وغيره سود وجه ورقة كاملة بجوابٍ واحد ولم يقدر علي بيانه حق البيان! ! قال ﷺ : "إنّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمة". ولا شك أن التأييد والهداية من الرحمن؛ فإنه الذي: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾. ثم لما كان كلٌّ من الجوابين الأولين فيه ما مر، والثالث فيه خَفاءٌ وفي دلالة الكلام عليه بعد اختيار جَمْعٍ من المحققين -كالعلامة التفتازاني، وابن الحاجب، وصاحب "الانتصاف"، وابن هشام، وعليه اقتصر المحقق الكوراني في "تفسيره"- جوابًا آخر غير الثلاثة، وهو أن الآية من قبيل اللف التقديري؛ أي: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا. والمعني: أن الناس في التوبة قسمان؛ قسمٌ تائب عن الكفر، وقسمٌ عن المعاصي، فالكافر إن قدم الإيمان علي ذلك اليوم قُبِل منه ونفعه إيمانه بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا، والعاصي إن تاب عن المعصية قبل ذلك قُبِلت منه ونفعته بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا قبول ولا نفع. وهذا هو معني ما مر في الحديث: أنهم يجري لهم وعليهم بعد ذلك اليوم ما كانوا يعملون قبل ذلك اليوم. قال صاحب "الانتصاف": هذا الفن من الكلام في البلاغة يُلقب باللف التقديري، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد، ولا نفسًا لم تكتسب في إيمانها خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا؛ اختصارًا وإيجازًا وبلاغة. قال: فظهر بذلك أنه لا يُخالف مذهب أهل الحق، ولا ينقطع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير؛ أي: في النوع الذي كان يعمله قبل، لا في مطلق الخير؛ لئلا يُخالف ما مر، وأن نفع الإيمان المتقدم باقٍ في السلامة من الخلود في النار. وقال: فهو بالرد علي مذهب الاعتزال أولي من أن يدل له. وقال ابن هشام: بهذا التقدير تندفع هذه الشبهة.

стр. 309

قال: وقد ذكر هذا التأويل ابن عطية، وابن الحاجب. اهـ واعترض أبو السعود هذا الجواب: بأن مبني اللف التقديري أن يكون المقدر من مُتممات الكلام ومُقتضيات المقام، وقد ترك ذكره تعويلًا علي دلالة الملفوظ عليه، واقتضائه إياه، ولا ريب في أن ما هنا ليس مما يستدعيه قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، ولا هو من مقتضيات المقام. اهـ أقول: إنكار دلالة الكلام عليه واقتضاء المقام يُشبه مكابرة المحسوس في المرام أمام دلالة الكلام؛ فلأنه بدون التقدير يؤدي لاختلال النظام أو لتناقض الأحكام، وأما اقتضاء المقام فلأنه في بيان حكم عام لكافة الأيام، فيعم الكفر والإسلام والطاعة والآثام، وبالله التوفيق؛ وليِّ الإنعام. وقد أجابوا بأجوبةٍ أُخر فلنشر إليها: أحدها: أن الآية من قبيل القلب؛ أي: لم تكن كسبت خيرًا أو آمنت من قبل، وذِكر نفي الإيمان بعد نفي الكسب مُفيدٌ؛ لأنه ترقٍّ، وليس كعكسه السابق في عدم إفادة الترديد، ونكتة القلب التنبيه بتقديم الإيمان في أنه الأصل الذي نيط به النجاة. ثانيها: حمل الإيمان علي اللغوي السابق علي نزول القرآن وهو المعرفة؛ أي: وهو من قبيل التصور لا من قبيل التصديق، وقد فسر به الإيمان في قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾. قال البيضاوي: معناه منهم من يُصدق به ويعلم أنه حَقٌّ ولكن يُعاند، وسبقه إليه "الكشاف"، ويُحمل الكسب علي الإذعان والقبول. ثالثها: أن يُحمل الإيمان علي التصديق القلبي، والكسب علي الإقرار اللساني؛ أي: وهو كسبٌ؛ لأنه بالجارحة. وهذا ظاهرٌ؛ لأن الإسلام غير الإيمان، فيصح أن يقال: إن الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما، فيكون الظاهر معنا لا مع المخالف. أشار إلى الجوابين الأخيرين شيخ مشايخنا العلامة المحقق الشريف صبغة الله الحسيني ﵀ فيما كتب علي هامش "تفسير الكوراني" بخطه، لكن قوله: (إن

стр. 310

الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما) مبنيٌّ علي القول بأن الشهادتين شطرٌ من الإيمان لا شرط، والأصح خلافه كما هو مُبينٌ في محله. ولبعض متأخري مُحققي العجم علي هذه الآية رسالة مبسوطة بلسان المناطقة، أتي فيه بالعجب العجاب، وكشف عن وجه المقصود الحجاب، لكن لبعدها عن أفهام العامة سيما المبتدئين لم ننقل منها شيئًا هنا، ولبعض المحشين علي البيضاوي هنا خَبطٌ واضطراب، فاجتنبه؛ فإنه جعل الأجوبة الثلاثة واحدًا، وإنما نبهنا عليه؛ لئلا يُغتر به فيظن أن كلام البيضاوي متناقض، والله أعلم. خَاتِمَة أخرج نُعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "المستدرك": عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لا يلبثون -يعني: الناس- بعد يأجوج ومأجوج حتي تطلع الشمس من مغربها، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، ولا يقبل من أحدٍ توبةٌ ويخر إبليس ساجدًا يُنادي: إلهي؛ مُرني أن أسجد لمن شئت، وتجتمع إليه الشياطين فتقول: يا سيدنا؛ إلى من تفزع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث، فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم، وقد طلعت الشمس من مغربها، وهذا يوم الوقت المعلوم، وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتي يقول الرجل: هذا قريني الذي كان يغويني، فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال إبليس ساجدًا باكيًا حتي تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد". قُلْتُ: وهذا يدل علي تأخر الدابة عن الشمس، ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئًا إلا أعطوه، حتي يتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم، حتي ينكح الرجل أمه في وسط الطريق، يقوم واحد عنها، وينزل واحد، وأفضلهم من يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن. فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعْقِمُ الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.

стр. 311

وأخرج الطبراني، وابن مردويه: عن ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: "إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا يُنادي ويجهر: إلهي؛ مُرني أسجد لمن شئت، فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدنا، ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم. قال: "وتخرج دابة الأرض من صدعٍ في الصفا، فأول خطوة تضعها بأنطاكية، فتأتي إبليس فتخطمه". تَنبيه في طلوعها من المغرب ردٌّ علي أهل الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير عما هي عليه. قال الكرماني: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلي تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج علي المعدل بحيث يصير المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا. اهـ وأما دابة الأرض (١): فقد قال تعالي: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ... ﴾ الآية. قال أهل التفسير: إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر. وقال البيضاوي: إذا دنا وقوع معناه؛ وهو ما وعدوا من البعث والعذاب. وعن ابن مسعود ﵁: إذا مات العلماء، وذهب العلم، ورُفِعَ القرآن ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، من الكلام، ويؤيده: أنه قُريء: (تنبئهم) وقُريء: (تحدثهم)، وقُريء وحمل علي التفسير: (تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوي الإسلام). وقيل: من الكلم الجرح، والتفعيل للتكثير، ويؤيده أنه قُريء (تَكْلمهم) بفتح فسكون، وقريء: (تجرحهم).

стр. 312

وسأل أبو الحواري ابن عباس ﵄: تُكَلِّمُهم أو تَكْلَمُ؟ فقال: كِلا ذلك تفعل؛ تُكَلِّمُ المؤمن وتَكْلُمُ الكافر، وقد مر أنه قيل: إنها الجساسة، وجزم به البيضاوي وغيره. وقرأ الكوفيون ويعقوب: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة، والباقون بكسرها علي أنه حكاية معني قولها وحكايتها لقول الله. ويؤيدهما ما يأتي أنها تُنادي بأعلي صوتها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، أو استئناف علة لخروجها، أو علة لتكلمها علي قراءة الكسرة، أو علة فحذف الجار علي قراءة الفتح؛ أي: إنما أخرجناها؛ لأن الناس كانوا، أو إنما تكلمهم؛ لأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وعن أبي العالية: أن وقوع القول؛ سَدُّ باب الإيمان والتوبة. قُلْتُ: وعلي هذا التفسير يكون في القرآن أيضًا الإشارة إلى تأخرها عن طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه به يقع القول. والكلام في حليتها، وسيرتها، وخروجها: أما حليتها: فعن ابن عباس ﵄: أن لها عُنقًا مُشرفًا؛ أي: طويلًا، يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه الإنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب. وعن أبي هريرة ﵁: أنها ذات عصب وريش. وعن ابن عباس ﵄: أنها ذات وبر وريش مؤلفة، وفيها من كل لون لها أربع قوائم. وعن ابن عمر ﵄: زغباء ذات وبر وريش. وعن حذيفة ﵁: أنها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب.

стр. 313

وعن علي (١) بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد قيل له: إن ناسًا يزعمون أنك دابة الأرض. فقال: والله إن لدابة الأرض ريشًا وزغبًا، وما لي ريشٌ ولا زغب، وإن لها حافرًا وما لي حافر، وإنها لتخرج حُضْرُ الفرس الجواد ثلاثًا، وما أخرج ثلثاها. وعن عمرو بن العاص ﵁: أن رأسها يمس السماء، وما خرجت رجلاها من الأرض. وعن ابن عمرو ﵄: أنها تخرج كجري الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها، وهذا يقرب من رواية علي كرم الله وجهه المارة. وعن أبي هريرة ﵁: أن فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن ابن عباس ﵄: أنها مؤلفة ذات زغب وريش، فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما، وسيماها من هذه الأمة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين، تكلمهم بكلامهم. تَنبيه الزغب: صغار الريش أول ما يطلع، قاله في "النهاية". وعن أبي الزبير أنه وصف الدابة؛ فقال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير. أي: وقد مر عن ابن عباس ﵄: أن وجهها وجه إنسان، ومنقارها منقار طير، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ذراعًا. (الأيل)؛ بفتح الهمزة وكسر التحتانية مشددة، وبالعكس، وبضم وفتح: الوعل، وهو تيس الجبل. وعن عاصم بن حبيب بن أصبهان قال: سمعت عليًا ﵁ علي المنبر

стр. 314

يقول: إن دابة الأرض تأكل بفيها، وتكلم من استها. وعن الحسن ﵁: أن موسي سأل ربه أن يريه الدابة؟ فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء لا يُري واحدٌ من طرفيها. قال: فرأي منظرًا فظيعًا، فقال: رَبِّ؛ ردها. فردَّها. وأما سيرتها: فإن معها عصا موسي، وخاتم سليمان بن داود، تُنادي بأعلي صوتها: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وإنها تسم الناس المؤمن والكافر، فأما المؤمِن فَيُرَي وجهه كأنه كوكب دُري، وَيُكتَب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فَيُكْتَبُ بين عينيه نكتةٌ سوداء: كافر. تَنبيْه يجوز في إعراب هذا أن يكون "نكتة" مرفوعًا علي أنه نائب فاعل (يكتب)، و (سوداء) صفتها، و (كافر) بدلًا منه، وأن يكون (كافر) نائب الفاعل، و (نكتة) منصوبًا علي أنه حال منه تقدمت عليه، و (سوداء) نعتها. وفي رواية: "فتلقي المؤمن لتسمه في وجهه، ولكنه يبيض له وجهه، وتسم الكافر ولكنه يسود وجهه". وفي رواية: "فارفضَّ -أي: تفرق- الناس عنها شتي ومعًا، وثبت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم؛ حلت وجوههم حتي جعلتها كأنها الكوكب الدُري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتي إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان؛ الآن تُصلي! فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يصرف المؤمن الكافر وبالعكس، حتي إن المؤمن يقول: يا كافر؛ اقضني حقي، وحتي إن الكافر ليقول: يا مؤمن؛ اقضني حقي". وفي رواية: "تخرج فتصرخ ثلاث صرخات، فيسمعها مَنْ بين الخافقين". وفي لفظ: "تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل الشام فتصرخ

стр. 315

صرخة تنفذها، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذها". وفي رواية: "لا يبقي مؤمن إلَّا نكتت في مسجده (١) بعصا موسي نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتي يَبْيَضَّ لها وجهه، ولا يبقي كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتي يسود لها وجهه، حتي إن الناس ليتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ وبكم ذا يا كافر؟ ويقول هذا: خذ يا مؤمن. ويقول هذا: خذ يا كافر". وفي رواية: "تأتي الرجل وهو يُصلي في المسجد، فتقول: ما الصلاة من حاجتك، ما هذا إلا تعوذٌ ورياء. فتخطمه وتكتب بين عينيه كذاب". وقد مر أنها تقتل إبليس أو تخطمه. وأما خروجها: فقد ورد أن لها ثلاث خرجات في الدهر، فتخرج خرجةً من أقصي البادية. وفي رواية: "من أقصي اليمن، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-، ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخري دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-". قال ﷺ : "ثم بينما الناس في أعظم المساجد علي الله حرمة وأكرمها المسجد الحرام لم ترعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتي". هكذا ورد عن ابن عباس، وحذيفة ﵃، وبعض طرق حديث حذيفة صحيح. وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنها تخرج من بعض أودية تهامة -أي: وهذا في بعض خرجاتها-، والأول في خرجاتها الأخيرة.

стр. 316

وعن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة ﵃: أنها تخرج بأجياد. وعن ابن عمر ﵄ أيضًا: أن رسول الله ﷺ أراه المكان الذي تخرج منه الدابة، وأنه من قبل الشق الذي في الصفا. وعن ابن عمر ﵄ قال: يكون خروجها من الصفا ليلة مِني، فيصبحون بين ذنبها ورأسها، لا يدحض داحضٌ، ولا يخرج خارجٌ، حتي إذا فرغت مما أمر الله، فهلك من هلك ونجي من نجي كان أول خطوة تضعها بأنطاكية. وفي بعضها: أنها تخرج من المروة. وفي بعضها: من مدينة قوم لوط. وفي بعضها: من وراء مكة. تَنبيْه وجه الجمع بين هذه الروايات من وجهين: أحدهما: أن لها ثلاث خرجات، ففي بعضها تخرج من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصي البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثم قيل: الكعبة يمانية. وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمسك مقدار ثلاثة أيام وأكثر، وحينئذ يصدق عليها أنها خرجت من المروة، ومن الصفا، ومن أجياد، ومن المسجد، وبالله التوفيق. والوجه الثاني: أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آنٍ واحد خرقًا للعادة في صور مثالية، وهذا أيضًا مبنيٌّ علي تحقق المثال المحسوس. وقد أفتي السيوطي في رجلين حلفا بالطلاق كُلٌّ حلف علي أن الشيخ عبد القادر الطحطوحي بات عنده في ليلةٍ واحدة معينة، بأنه لا يقع طلاق واحد منهما بناءً علي هذا. قال: وقد وقعت هذه المسألة قديمًا، وأفتي فيه العلماء بعدم الحنث. انتهي

стр. 317

ثم رأيت ابن عَلَّان قال في تفسيره "ضياء السبيل" ما لفظه: وقيل: تخرج في كل بلدٍ دابةٌ مما هو مثبوت نوعها في الأرض وليست واحدة، فدابة علي هذا القول اسم جنس. انتهي وإذا قلنا بتعدد الصور المثالية أغني عن القول بالجنسية، وبالله التوفيق. ومن الأشراط: الدخان: عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: "اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: الساعة يا رسول الله. قال: إنها لن تقوم حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ." فذكر الدخان والدجال. الحديث رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، ورواه حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : وأنه يمكث في الأرض أربعين عامًا. وفي رواية: "أنه يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام". وقد مر أنه يكون دُخانٌ عند هلاك يأجوج ومأجوج، وأنه يمكث ثلاثًا، فيحتمل أن يكون هذا هو ويحتمل غيره، لكنه لابد أن يكون قبل الريح الآتية؛ لأن بعد الريح لا يبقي مؤمنٌ، وعند الدخان يُوجد المؤمنون؛ كما هو صريح العبارة. ومنها: ريح طيبة تقبض روح كل مؤمن، ورجوع الناس إلى عبادة الأوثان ودين آبائهم: أخرج مسلم وغيره: عن عائشة ﵂: "لا تذهب الأيام والليالي حتي تُعبد اللات والعزي من دون الله. . . ." الحديث. وفيه: "فيبعث الله ريحًا طيبة فيتوفي بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وله شاهدٌ من حديث حذيفة بن أسيد. وأخرج أحمد ومسلم: عن ابن عمرو ﵄ قال: "ثم يُرسل الله -يعني: بعد موت عيسي- ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الأرض أحَدٌ

стр. 318

في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتي تقبضه، فيبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها: وهم في ذلك دَارٌّ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور". تَنبيْه هذا ينافي ما مر من قتل الدابة إبليس بحسب الظاهر، ويمكن أن يُقال علي بُعْدٍ: إن هذا الشيطان غير إبليس. وروي أحمد، ومسلم، والترمذي: عن النواس بن سمعان: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقي شرار الناس يتهارجون فيها -أي: يتسافدون- تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة". وقد مر عن ابن مسعود ﵁: "أن المؤمنين يتمتعون بعد الدابة أربعين سنة، ثم يعود فيهم الموت ويُسرع، فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم. . . ." الحديث. وفيه: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". وأخرج الحاكم عن أبي هريرة ﵁: "أن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته". تَنبيْه قال المناوي في "تخريج أحاديث المصابيح": ويُجاب عن اختلاف الروايتين -يعني: كون الريح من قبل الشام ومن اليمن- بأنهما ريحان شامية ويمانية. وأخرج ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتي لا يُدري ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة،

стр. 319

ويبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة فنحن نقولها. فقال رجلٌ لحذيفة: فما تغني عنهم الكلمة؟ فأعرض عنه حذيفة، فأعاد عليه السؤال ثانيًا وثالثًا، فقال في الثالثة: تُنْجِيهم من النار. وأخرج أحمد بسندٍ قوي عن أنس ﵁ قال: "لا تقوم الساعة حتي لا يُقال في الأرض: لا إله إلا الله". وهو عند مسلم، لكن بلفظ: "الله الله". فدلت الأحاديث المذكورة علي أن المراد بالشرار في الحديث: هم الذين لا يقولون: (لا إله إلا الله)، و (الله الله)، وأنه ما دام في النوع الإنساني من يقول هذه الكلمة لا تقوم الساعة، وإنما تقوم علي الكفار الذين لا يعرفون نكاحًا ولا يولدون من نكاح، فيكونون بهائم في صورة الإنسان وليسوا بإنسان حقيقة، أولئك كالأنعام بل هم أضل. تَكْمِلَة في فائدةٍ ذكرها الشيخ الكبير محيي الدين بن عربي ﵀ في "الفصوص" في (الفص الشيثي)، فلنذكر كلامه مع شرحه للعلامة المحقق نور الدين عبد الرحمن الجامي قدس الله أسرارهما. قال ﵀: (وعلي قدم شيث ﵇ بل علي قلبه في التهيؤ للتجليات الذاتية، والعطايا الوهبية (يكون آخر مولود يولد في النوع الإنساني)؛ لأن مراتب الوجود دورية، فكما أن شيثَ ﵇ كان أول مولود من سلسلة أولاد آدم المنتهية إلينا ينبغي أن يكون آخر مولود أيضًا كذلك؛ ليتم الدائرة بانطباق آخرها علي أولها (وهو حامل أسراره) من علومه وتجلياته؛ لما ذكرنا (وليس يولد بعده) ولدٌ آخر (في هذا النوع الإنساني، فهو خاتم الأولاد يولد معه) في بَطنٍ واحد (أخت له) كما أن شيثَ ﵇ أيضًا كان كذلك؛ فإن حواء كانت تلد لآدم في كل بَطنٍ ذكرًا وأنثي (فتخرج أخته) قبله (ويخرج) هو بعدها؛ لأنه لو لم يتأخر عنها في الولادة لم

стр. 320

يكن خاتم الأولاد، ويشبه أن يكون شيث ﵇ مع أخته بعكس ذلك، ليكون أول مولود (يكون رأسه عند رجليها، ويكون مولده بالصين) أقصي البلاد (ولغته لغة بلده، ويسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، فيكثر النكاح من غير ولادة، ويدعوهم إلى الله، فلا يُجاب في هذه الدعوة، (فإذا قبضه الله)، وقبض مؤمني زمانه (بقي من بقي مثل البهائم)، فهم حيوانات في صور الإنسان؛ لإظهار كمال الحقائق الحيوانية الطبيعية البهيمية السبعية في الصورة الإنسانية تمامًا علي ما تقتضيه الطبيعة من حيث هي هي، من غير وازعٍ عقلي أو مانعٍ شرعي، (لا يحلون حلالًا، ولا يحرمون حرامًا، ويتصرفون) بحكم الطبيعة (بشهوة مجردة عن) العقل والشرع، (فعليهم تقوم الساعة، وتخرب الدنيا، وانتقل الأمر إلى الآخرة). انتهي تَنبيْه مراد الشيخ ﵁ بقوله: (ليس يُولد بعده ولدٌ في هذا النوع الإنساني فهو خاتم الأولاد). انتهي الإنساني الحقيقي، فهو خاتم أولاد المؤمنين، أو خاتم أولاد النكاح، فيكون العقم مرتين مرةً في المنكوحات، ومرةً في مطلق النساء؛ كما يشير له قول الشارح: (فيكثر النكاح من غير ولادة)، فإن النكاح يُطلق علي العقد كما يطلق علي الجِمَاع، فلا يُنافي أن يُولد بعده بهائم في صورة الإنسان كما يشير إليه كلامه، أو من الزنا كما صرح به حديث ابن مسعود ﵁ المار: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا، شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". فلا منافاة بين الحديث وكلام الشيخ، والحديث وإن ضعفه الحاكم فالكشف الصحيح يدل علي صحة هذا المقدار منه، ولبقيته، بل ولمجموعه شواهد، وقد مرت. تَنبيْه آخَر حكمة عقم النساء ثلاثين سنة -والعلم عند الله تعالي- أنهم لو توالدوا لزم تعذيب الصبيان قبل البلوغ وقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة"، ومنهم:
следующие страницы →