← Акыда

Акыда · id 132618

الإشاعة لأشراط الساعة

البرزنجي

Полный текст (356 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وعن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة ﵃: أنها تخرج بأجياد. وعن ابن عمر ﵄ أيضًا: أن رسول الله ﷺ أراه المكان الذي تخرج منه الدابة، وأنه من قبل الشق الذي في الصفا. وعن ابن عمر ﵄ قال: يكون خروجها من الصفا ليلة مِني، فيصبحون بين ذنبها ورأسها، لا يدحض داحضٌ، ولا يخرج خارجٌ، حتي إذا فرغت مما أمر الله، فهلك من هلك ونجي من نجي كان أول خطوة تضعها بأنطاكية. وفي بعضها: أنها تخرج من المروة. وفي بعضها: من مدينة قوم لوط. وفي بعضها: من وراء مكة. تَنبيْه وجه الجمع بين هذه الروايات من وجهين: أحدهما: أن لها ثلاث خرجات، ففي بعضها تخرج من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصي البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثم قيل: الكعبة يمانية. وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمسك مقدار ثلاثة أيام وأكثر، وحينئذ يصدق عليها أنها خرجت من المروة، ومن الصفا، ومن أجياد، ومن المسجد، وبالله التوفيق. والوجه الثاني: أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آنٍ واحد خرقًا للعادة في صور مثالية، وهذا أيضًا مبنيٌّ علي تحقق المثال المحسوس. وقد أفتي السيوطي في رجلين حلفا بالطلاق كُلٌّ حلف علي أن الشيخ عبد القادر الطحطوحي بات عنده في ليلةٍ واحدة معينة، بأنه لا يقع طلاق واحد منهما بناءً علي هذا. قال: وقد وقعت هذه المسألة قديمًا، وأفتي فيه العلماء بعدم الحنث. انتهي

стр. 317

ثم رأيت ابن عَلَّان قال في تفسيره "ضياء السبيل" ما لفظه: وقيل: تخرج في كل بلدٍ دابةٌ مما هو مثبوت نوعها في الأرض وليست واحدة، فدابة علي هذا القول اسم جنس. انتهي وإذا قلنا بتعدد الصور المثالية أغني عن القول بالجنسية، وبالله التوفيق. ومن الأشراط: الدخان: عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: "اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: الساعة يا رسول الله. قال: إنها لن تقوم حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ." فذكر الدخان والدجال. الحديث رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، ورواه حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : وأنه يمكث في الأرض أربعين عامًا. وفي رواية: "أنه يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام". وقد مر أنه يكون دُخانٌ عند هلاك يأجوج ومأجوج، وأنه يمكث ثلاثًا، فيحتمل أن يكون هذا هو ويحتمل غيره، لكنه لابد أن يكون قبل الريح الآتية؛ لأن بعد الريح لا يبقي مؤمنٌ، وعند الدخان يُوجد المؤمنون؛ كما هو صريح العبارة. ومنها: ريح طيبة تقبض روح كل مؤمن، ورجوع الناس إلى عبادة الأوثان ودين آبائهم: أخرج مسلم وغيره: عن عائشة ﵂: "لا تذهب الأيام والليالي حتي تُعبد اللات والعزي من دون الله. . . ." الحديث. وفيه: "فيبعث الله ريحًا طيبة فيتوفي بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". وله شاهدٌ من حديث حذيفة بن أسيد. وأخرج أحمد ومسلم: عن ابن عمرو ﵄ قال: "ثم يُرسل الله -يعني: بعد موت عيسي- ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الأرض أحَدٌ

стр. 318

في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتي تقبضه، فيبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها: وهم في ذلك دَارٌّ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور". تَنبيْه هذا ينافي ما مر من قتل الدابة إبليس بحسب الظاهر، ويمكن أن يُقال علي بُعْدٍ: إن هذا الشيطان غير إبليس. وروي أحمد، ومسلم، والترمذي: عن النواس بن سمعان: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقي شرار الناس يتهارجون فيها -أي: يتسافدون- تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة". وقد مر عن ابن مسعود ﵁: "أن المؤمنين يتمتعون بعد الدابة أربعين سنة، ثم يعود فيهم الموت ويُسرع، فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم. . . ." الحديث. وفيه: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". وأخرج الحاكم عن أبي هريرة ﵁: "أن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته". تَنبيْه قال المناوي في "تخريج أحاديث المصابيح": ويُجاب عن اختلاف الروايتين -يعني: كون الريح من قبل الشام ومن اليمن- بأنهما ريحان شامية ويمانية. وأخرج ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتي لا يُدري ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة،

стр. 319

ويبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة فنحن نقولها. فقال رجلٌ لحذيفة: فما تغني عنهم الكلمة؟ فأعرض عنه حذيفة، فأعاد عليه السؤال ثانيًا وثالثًا، فقال في الثالثة: تُنْجِيهم من النار. وأخرج أحمد بسندٍ قوي عن أنس ﵁ قال: "لا تقوم الساعة حتي لا يُقال في الأرض: لا إله إلا الله". وهو عند مسلم، لكن بلفظ: "الله الله". فدلت الأحاديث المذكورة علي أن المراد بالشرار في الحديث: هم الذين لا يقولون: (لا إله إلا الله)، و (الله الله)، وأنه ما دام في النوع الإنساني من يقول هذه الكلمة لا تقوم الساعة، وإنما تقوم علي الكفار الذين لا يعرفون نكاحًا ولا يولدون من نكاح، فيكونون بهائم في صورة الإنسان وليسوا بإنسان حقيقة، أولئك كالأنعام بل هم أضل. تَكْمِلَة في فائدةٍ ذكرها الشيخ الكبير محيي الدين بن عربي ﵀ في "الفصوص" في (الفص الشيثي)، فلنذكر كلامه مع شرحه للعلامة المحقق نور الدين عبد الرحمن الجامي قدس الله أسرارهما. قال ﵀: (وعلي قدم شيث ﵇ بل علي قلبه في التهيؤ للتجليات الذاتية، والعطايا الوهبية (يكون آخر مولود يولد في النوع الإنساني)؛ لأن مراتب الوجود دورية، فكما أن شيثَ ﵇ كان أول مولود من سلسلة أولاد آدم المنتهية إلينا ينبغي أن يكون آخر مولود أيضًا كذلك؛ ليتم الدائرة بانطباق آخرها علي أولها (وهو حامل أسراره) من علومه وتجلياته؛ لما ذكرنا (وليس يولد بعده) ولدٌ آخر (في هذا النوع الإنساني، فهو خاتم الأولاد يولد معه) في بَطنٍ واحد (أخت له) كما أن شيثَ ﵇ أيضًا كان كذلك؛ فإن حواء كانت تلد لآدم في كل بَطنٍ ذكرًا وأنثي (فتخرج أخته) قبله (ويخرج) هو بعدها؛ لأنه لو لم يتأخر عنها في الولادة لم

стр. 320

يكن خاتم الأولاد، ويشبه أن يكون شيث ﵇ مع أخته بعكس ذلك، ليكون أول مولود (يكون رأسه عند رجليها، ويكون مولده بالصين) أقصي البلاد (ولغته لغة بلده، ويسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، فيكثر النكاح من غير ولادة، ويدعوهم إلى الله، فلا يُجاب في هذه الدعوة، (فإذا قبضه الله)، وقبض مؤمني زمانه (بقي من بقي مثل البهائم)، فهم حيوانات في صور الإنسان؛ لإظهار كمال الحقائق الحيوانية الطبيعية البهيمية السبعية في الصورة الإنسانية تمامًا علي ما تقتضيه الطبيعة من حيث هي هي، من غير وازعٍ عقلي أو مانعٍ شرعي، (لا يحلون حلالًا، ولا يحرمون حرامًا، ويتصرفون) بحكم الطبيعة (بشهوة مجردة عن) العقل والشرع، (فعليهم تقوم الساعة، وتخرب الدنيا، وانتقل الأمر إلى الآخرة). انتهي تَنبيْه مراد الشيخ ﵁ بقوله: (ليس يُولد بعده ولدٌ في هذا النوع الإنساني فهو خاتم الأولاد). انتهي الإنساني الحقيقي، فهو خاتم أولاد المؤمنين، أو خاتم أولاد النكاح، فيكون العقم مرتين مرةً في المنكوحات، ومرةً في مطلق النساء؛ كما يشير له قول الشارح: (فيكثر النكاح من غير ولادة)، فإن النكاح يُطلق علي العقد كما يطلق علي الجِمَاع، فلا يُنافي أن يُولد بعده بهائم في صورة الإنسان كما يشير إليه كلامه، أو من الزنا كما صرح به حديث ابن مسعود ﵁ المار: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا، شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". فلا منافاة بين الحديث وكلام الشيخ، والحديث وإن ضعفه الحاكم فالكشف الصحيح يدل علي صحة هذا المقدار منه، ولبقيته، بل ولمجموعه شواهد، وقد مرت. تَنبيْه آخَر حكمة عقم النساء ثلاثين سنة -والعلم عند الله تعالي- أنهم لو توالدوا لزم تعذيب الصبيان قبل البلوغ وقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة"، ومنهم:

стр. 321

"الصبي حتي يبلغ"، والبلوغ وإن كان يحصل بخمسة عشر لكنه تعالي يُمهلهم حتي يبلغوا أشدهم إلزامًا للحُجة. لا يُقال هم أهل الفترة فكيف يعذبهم؛ لأنه قد مر عن "شرح الفصوص" أن المولود المذكور يدعوهم إلى الله فلا يُجاب، ولا مانع أن يُبْقِي الله ذلك المولود بعد هلاك جميع المؤمنين إلزامًا للحجة، وبالله التوفيق. وهذا إنما يوافق القول بأن الشيطان لا تقتله الدابة، وأن الأعمال تكتب بعد طلوع الشمس من مغربها. تَنبيْه آخَر ينافي ما ذكر بحسب الظاهر قوله ﷺ : "لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون علي الحق ظاهرين. . . ." الحديث. فإن ظاهر الروايات السابقة: أنه لا يبقي أحدٌ من المؤمنين فضلًا عن القائم بالحق، وظاهر هذا البقاء. قال الحافظ في "فتح الباري": يمكن أن يكون المراد بقوله: أمرُ الله هبوب تلك الريح، فيكون ظهور تلك الطائفة قبل هبوبها. قال: فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالي. انتهي ولا يأبي هذا كل الإباء ما ورد في بعض الروايات مكان "أمر الله": "يوم القيامة"؛ لأن ما قارب الشيء يُعطي حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة، وجمعه هذا أحسن من جمع غيره بأن يَكفر بعض الناس ويبقي بعضهم؛ لمنافاته للكليات الواردة كما لا يخفي. ويوضحه: ما رواه الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عِصَابةٌ من أمتي يقاتلون علي أمر الله قاهرين علي العدو، لا يضرهم من خالفهم حتي تأتيهم الساعة". فقال عبد الله بن عمرو: أجل ويبعث ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير،

стр. 322

فلا تترك نفسًا في قلبه من مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقي شرار الناس، عليهم تقوم الساعة. فإن قول ابن عمرو ﵄ هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه، والله أعلم. ومنها: رفع القرآن من المصاحف ومن الصدور: رَوي الديلمي عن حذيفة، وأبي هريرة ﵄ معًا؛ قالا: "يُسري علي كتاب الله ليلًا فيصبح الناس وليس منه آية ولا حرف في جوف إلا نسخت". وروي عن ابن عمر ﵄: "لا تقوم الساعة حتي يرجع القرآن من حيث جاء، فيكون له دويٌّ حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب : مالك؟ فيقول: منك خرجت وإليك عُدت، أتلي فلا يُعمل بي. فعند ذلك رفع القرآن". وأخرج السجزي عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تقوم الساعة حتي يرفع الركن والقرآن". وروي الأزرقي في "تاريخ مكة": "أول ما يرفع الركن، والقرآن، ورُؤيا النبي ﷺ في المنام". وروي ابن ماجه بسندٍ صحيح قوي، والحاكم، والبيهقي، والضياء: عن حذيفة ﵁: "يدرس الإسلام كما يدرس وشْي الثوب، حتي لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويُسري علي كتاب الله في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها". ومنها: هدم الكعبة: وقد مر بأحاديثه وتوجيهها، وإنما ذكرته هنا؛ لأن بعضهم قال: ذلك بعد موت المؤمنين قرب القيامة عند انقطاع الحج.

стр. 323

ومنها: رجوع الناس إلى عبادة الأوثان: وقد مرت أحاديثها وأن بعضهم يُؤمن بالدجال، فهذا مَحطُّ حديث: "تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ويكفرون جميعًا قبل يوم القيامة" وهذا محطُّ الأحاديث المصرحة بالعموم، وكلاهما من الأشراط، والله أعلم. ومنها: رِيحٌ تُلقي الناس في البحر: أخرج الستة إلا البخاري عن حذيفة بن أسيد ﵄؛ مرفوعًا: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ."، وقال في العاشرة: "ورِيحٌ تلقي الناس في البحر". وفي لفظ الترمذي: "والعاشرة: إما ريحٌ تطرحهم في البحر، وإما نزول عيسي ابن مريم"؛ بالشك من الراوي. والمراد بكون عيسي ﵇ عاشرًا في العَدِّ لا في الوقوع. وظاهره (١) أن هذه غير الريح التي تلقي يأجوج ومأجوج في البحر كما مر، وأن هذه تكون عند خروج النار الآتي ذكرها، ويحتمل أن تكون إياها، والله أعلم. ومنها: تقارب الزمان، وقصر الأيام: أخرج مسلم عن أبي هريرة، والترمذيُّ عن أنس: "لا تقوم الساعة حتي يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار. واللفظ للترمذي. وقد مر في بحث الدجال أن هذا يصير في زمانه أيضًا، ولا مانع من تكرره مرتين: مرة في زمنه، ومرة في آخر الزمان، فالقدرة صالحة لكل شيء.

стр. 324

ومن الأشراط العظام وهي آخرها: نارٌ تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى محشرهم. أخرج أحمد، والبخاري: عن أنس ﵁: "أما أول أشراط الساعة فنارٌ تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. . . ." الحديث. وأخرج الستة غير البخاري: عن حذيفة بن أسيد ﵄ مرفوعًا: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ." الحديث. وفيه: "وآخر ذلك نارٌ تَخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". ويُروي: "نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر". وفي لفظ: "من قعر عدن أبين". و(أبين)؛ بوزن أحمر: اسم الملك الذي بناها. قال في "النهاية": وقد مَرَّ وَجْهُ الجمع بين أوليتها وآخريتها. وأخرج أحمد عن ابن عمر ﵄، وهو وأبو داود والحاكم وأبو نُعيم عن ابن عمرو ﵄ قال: "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقي في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تُخَلّف". تَنبيْه قوله: "تقذرهم نفس الله" من المتشابهات، فيجب الإيمان بها علي مراد الله ومراد رسوله، ولا حاجة إلى تأويله، فإن الحديث كالقرآن لا يَعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؛ لأنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، فينتج لهم إيمانهم به العلمَ بتأويله. وأخرج أحمد والترمذي وقال: حسنٌ صحيح، عن ابن عمر ﵄:

стр. 325

"ستخرج نارٌ من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله؛ فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام"، وهذا هو المراد بمهاجر إبراهيم ﵇ في الرواية السابقة. وأخرج الطبراني وابن عساكر، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "لتقصدنكم نارٌ هي اليوم خامدةٌ في وادٍ يقال له: برهوت. تغشي الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس والأموال، وتدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين السماء والأرض دويٌّ كدوي الرعد القاصف، وهي من رؤوس الخلائق أدني من العرش، قيل: يا رسول الله؛ أسليمةٌ يومئذ علي المؤمنين والمؤمنات؛ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! هم شَرٌّ من الحُمُر، يتسافدون كما يتسافد البهائم وليس فيهم رجلٌ يقول: مه مه". وأخرج أحمد، والبغوي، والباوَردي، وابن قانع، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وأبو نُعيم: عن رافع بن بشر السلمي قال: "يوشك أن تخرج نارٌ من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير بالنهار وتقيم بالليل، تغدو وتروح، يقال: غدت النار أيها الناس؛ فاغدوا، قالت النار أيها الناس؛ فقيلوا، راحت النار أيها الناس؛ فروحوا. من أدركته أكلته". تَنبيْه هذه النار المذكورة في هذه الأحاديث الخارجة من قعر عدن غير نار المدينة المار ذكرها في القسم الأول، ولا ينافي هذه الرواية أن هذه تخرج من حبس سيل أيضًا؛ لأن أصل خروجها من برهوت، ويقال له: وادي النار. وهو في قعر عدن، وعدن بناحية حضرموت وعلي ساحل البحر، فالعبارات مآلُها واحد، وتمر بحبس سيل أيضًا، والخطاب مع أهل المدينة. وحبس سيل شرقي المدينة، فوصول النار إليها يكون قبل وصولها المدينة، فيصح أن يقال لهم: تخرج نارٌ من حبس سيل.

стр. 326

فائِدَة نقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي: إن الحشر أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا المذكور في سورة الحشر، وهو حشر اليهود إلى الشام، والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة (١). وفي حديث أنس ﵁ في مسألة عبد الله بن سلام لما أسلم: "أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند الحاكم؛ رفعه: "تُبعَثُ علي أهل المشرق نارٌ فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، وتسوقهم سَوْقَ الجمل الكبير". قال الحافظ ابن حجر: وكونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأن ابتداء خروجها من عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها؛ أي: كما في رواية الطبراني، وابن عساكر عن حذيفة ﵁ المارة أنها تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام. أو أن المراد تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب؛ أي: يكون المعني: تحشر من بين المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق. تَنبيْه يجمع بين قوله: (تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام)، وبين (أنها تسير سير بطيئة الإبل والجمل الكبير، وتبيت وتقيل) بأن انتشارها في ثمانية أيام، ثم تسير علي سير الناس بعد ذلك. والثالث: حشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعًا: قال تعالي: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

стр. 327

والرابع: حشرهم إلى الجنة أو النار: قال الحافظ: الحشر الأول ليس حشرًا مُستقلًا، فإن المراد حشر كل موجودٍ يومئذ، والأول إنما وقع لفرقةٍ مخصوصة، وهذا وقع كثيرًا كما وقع لبني أمية أن ابن الزبير ﵁ أخرجهم من المدينة إلى جهة الشام. اهـ قُلْتُ: المراد ما سُمي حشرًا علي لسان الشارع، وقد سَمَّي الله الأول حشرًا بخلاف غيره، فظهر الفرق. خَاتِمَة اختلف الناس: هل هذا الحشر قبل يوم القيامة، أو هو يوم القيامة؟ وعلي الأول: هل النار حقيقةٌ أو مجاز، أو المراد بها الفتن؟ مال إلى الثاني الحليمي، وجزم به الغزالي. قالوا: ويدل له حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" وغيرهما: "يحشر الناس علي ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان علي بعير وثلاثة علي بعير، وعشرة علي بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا"؛ أي: فالحديث كالتفسير لقوله تعالي: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ... ﴾ الآية. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده حديث أبي ذر ﵁ عند أحمد، والنسائي، والبيهقي: "حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة علي ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون، وفوج تسحبهم الملائكة علي وجوههم. . . ." الحديث. ثم اختلفوا علي هذا القول في الجمع بين حديث أبي هريرة ﵁ هذا وحديث ابن عباس ﵄ في "الصحيحين" وغيرهما مرفوعًا: "إنكم تحشرون حُفاةً عُراةً غُرلًا. . . ." الحديث. فقال الإسماعيلي: الحشر يُعبر به عن النشر أيضًا؛ لاتصاله به؛ وهو إخراج

стр. 328

الخلق من القبور، فيخرجون من القبور حُفاة عُراةً، فيساقون ويجمعون إلى الموقف للحساب، ثم يحشر المتقون رُكبانا علي الإبل؛ أي: والمجرمون علي وجوههم. وقال غيره: يخرجون من القبور علي ما في حديث ابن عباس ﵄، ثم يحشرون إلى الموقف علي ما في حديث أبي هريرة ﵁. وقال بعض شراح "المصابيح" -أي: وهو التُّوربشتي-: حَملُ الحشر علي هذا أقوي من وجوه: أحدها: إذا أطلق الحشر يُراد به شرعًا: الحشر من القبور، ما لم يُخصصه دليل. ثانيها: أن التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المُهَاجِر لابد أن يكون راغبًا أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا. ثالثها: حشر البقية علي ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة وملازمتها حتي لا تفارقهم قَولٌ لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا علي أهل الشقوة من غير توقيف. رابعها: أن الحديث يُفسر بعضه بعضًا، وقد وقع من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ثلثًا علي الدواب، وثلثًا ينسلون علي أقدامهم، وثلثًا علي وجوههم". قال: ونري أن هذا التقسيم نظير التقسيم الذي في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ ... الآيات. فقوله في الحديث: "راغبين راهبين": يُريد عموم المؤمنين المخلطين عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم أصحاب الميمنة. وقوله: "اثنان علي بعير" ... إلى آخره: يُريد السابقين وهم أفاضل المؤمنين ركبانًا. وقوله: "وتحشر بقيتهم النار": يُريد أصحاب المشأمة. فيحتمل أن البعير يحمل عشرة دفعة واحدة؛ لأنه يكون من بديع قدرة الله، فيقوي

стр. 329

علي ما لا يقدر عليه عشرة من بُعران الدنيا، ويحتمل أن يتعاقبوه. انتهي ملخصًا. وقال الخطابي والقرطبي، وصوبه القاضي عياض وقواه بحديث حذيفة بن أسيد ﵁: إن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة، يُحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور فهو علي ما في حديث ابن عباس ﵄. قال: وقوله: "اثنان علي بعير إلى عشرة" يريد: أنهم يعتقبون أنهم يتعاقبون البعير الواحد يركب بعض ويمشي بعض؛ أي: وذلك لقلة الظهر كما في بعض الأحاديث. قال القاضي عياض: ويقويه آخر حديث أبي هريرة ﵁: "تقيل معهم وتبيت، وتصبح وتُمسي"، وأن هذه الأوصاف مُختصةٌ بالدنيا. ورجحه الطيبي وتعقب علي الشارح المذكور، وأجاب عن أول وجوه ترجيحه بأن الدليل المخصص ثابت، فقد ورد في عدة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد السابق ذكره، وحديث معاوية بن حيدة رفعه: "إنكم محشورون -ونحى بيده نحو الشام- رجالًا ورُكبانًا وتخرون علي وجوهكم"، أخرجه الترمذي، والنسائي، وسنده قوي. وحديث: "ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، ولا يبقي في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أرضوهم، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا" أخرجه أحمد بسندٍ لا بأس به. وحديث: "ستخرج نارٌ من حضر موت تحشر الناس. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام". قال: فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نَارَ الآخرة كما زعمه المعترض، وإلا لقيل: تحشر بقيتهم إلى النار، وقد قال: "تحشر بقيتهم النار" فأضاف الحشر إليها. قال: والجواب عن الثاني أن التقسيم المذكور في سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون

стр. 330

هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد علي القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار علي فسحة من الظّهر، ويُسرة في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبًا مما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث. فمن تواني حتي قل الظهر، وضاق أن يسعهم لركوبهم اشتركوا أو ركبوا عقبة، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة يمكنهم كل من الأمرين. وأما الأربعة فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكن الاشتراك إذا كانوا خِفَافًا أو أطفالًا. وأما العشرة فبالتعاقب لا غير. وسكت عما فوقها إشارةً إلى أنها المنتهي في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة إيجازًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث: فعبر عنه بقوله: "تحشر بقيتهم النار"؛ إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون أو يسحبون فرارًا من النار. ويؤيد ذلك: ما وقع في آخر حديث أبي ذر ﵁ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: تُلقي الآفة علي الظهر حتي لا يبقي ذات ظهر، حتي إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف -أي: الناقة- المسن ذات القتب؛ أي: يشتريها بالبستان الكريم؛ لهوان العقار الذي عزم علي الرحيل عنه، وعزة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائِقٌ بحال الدنيا دون الآخرة، مُؤكدٌ لما ذهب إليه الخطابي وغيره. ويتنزل علي وفق حديث الباب؛ يعني: حديث "المصابيح"، وهو أن قوله: "فوج طاعمين كاسين راكبين" مُوافقٌ لقوله: "راغبين راهبين". وقوله: "وفوج يمشون"، مُوافقٌ للصنف الذين يتعاقبون علي البعير؛ فإن صفة المشي لازمة لهم. وأما الصنف الذين تحشرهم النار فهم الذين تسحبهم الملائكة.

стр. 331

قال: والجواب عن الثالث: أنه تبين بشواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج من الدنيا أنذر النبي ﷺ بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الرابع: أن حديث أبي هريرة ﵁ من رواية علي بن زيد -أي: الذي استدل به المعترض- مع ضعفه لا يُخالف حديث الباب؛ لأنه مُوافقٌ لحديث أبي ذر ﵁ في لفظه، وقد تبين من حديث أبي ذر ﵁ ما دل علي أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك ولا آفة تلقي علي الظهر. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد: أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، وأرض الموقف مستوية لا عوج فيها ولا أمتًا، ولا حدب ولا شوك. قال: هذا ما سنح لي علي سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في "صحيح البخاري" في باب المحشر: "يحشر الناس يوم القيامة علي ثلاث طرائق"، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التُّوربشتي هو الحق الذي لا محيد عنه. انتهي كلام الطيبي مع التلخيص. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعدما نقل ذلك عنه ما نصه: قلت: ولم أقف في شيءٍ من طرق الحديث الذي أخرجه البخاري علي لفظ: "يوم القيامة"، لا في "صحيحه"، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيلي، وغيرهما ليس فيه: "يوم القيامة". نعم؛ ثبت لفظ: "يوم القيامة" في حديث أبي ذر ﵁ المنبه عليه قبل، وهو مُؤولٌ بأن المراد بذلك: أن يوم القيامة يعقب ذلك فيكون من مجاز المجاورة، ويتعين ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل بما يلقي عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإن ذلك ظاهرٌ جدًا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث. انتهي كلام الحافظ بلفظه. وحاصله: أن حمل لفظة من الحديث علي المجاز أهون من إلغاء جملة من ألفاظه وإبطال معني الحديث، فيتعين.

стр. 332

وعلي هذا: فلو ثبت لفظ: "يوم القيامة" في "البخاري" أيضا لوجب تأويله بذلك كذلك؛ لذلك. وأقول: قد مر في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد، والترمذي وقال: حسنٌ صحيح: "ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة تحشر الناس. . . ." الحديث. فقد صرح بكونه قبل يوم القيامة، وحديث حذيفة بن أسيد عند غير البخاري: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها. . . ." الحديث، فقد تعارض مع حديث البخاري المذكور علي تقدير ثبوت لفظة: "يوم القيامة"، ولا يمكن تأويلهما بخلافه، فوجب المصير إليه دفعًا للتعارض، فثبت أن الحق أن النار قبل يوم القيامة، وبالله التوفيق. فإن قلت: كون النار آخر الآيات يستلزم أن لا يكون في الأرض خيار، وقد صُرح بذلك في حديث حذيفة ﵁ عند الطبراني، وابن عساكر المار؛ فإن فيه: "قيل: يا رسول الله؛ أهي سليمة علي المؤمنين والمؤمنات؟ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! . . . ." الحديث. وفي حديث ابن عمرو ﵄ عند أحمد، وأبي عبيدة، وعند أبي داود، والحاكم، وأبي نُعيم: "فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم". وفي بعض الأحاديث: "راغبين راهبين وطاعمين كاسين"، فيلزم أن يوجد الخيار يومئذ، وهذا تناقض أو كالتناقض. قُلْتُ: ليس في الحديث إلا أن خير الناس يهاجرون باختيارهم إلى الشام في رفاهية ورخاء، ولا يلزم من ذلك أن يبقوا إلى خروج النار، بل الثابت أن الريح تقبضهم ولا يبقي إلا الشرار، وأن المراد خيارهم في حال حياة الدنيا من يذهب بنفسه، وهم الطاعمون الكاسون الذين يجدون الظهر والسعة، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا خيارًا عند الله، وكونهم راغبين في الوصول إلى السلامة، راهبين من النار كما فسره به الطيبي لا يلزم منه أن يكونوا مؤمنين.

стр. 333

وهذا واضح، وبالله التوفيق لسلوك أوضح طريق، إنه بالإجابة حقيق، وبعباده رفيق. تَذْنيبٌ ورد في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁: "إن آخر من يحشر راعيان من مُزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشًا، حتي إذا بلغا ثنية الوداع خرا علي وجوههما". وثنية الوداع: قرب المدينة إلى جهة الشام علي الأصح (١). وفي رواية ابن أبي شيبة عنه: "رجلان: رجلٌ من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يجدان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما علي وجوههما حتي يلحقانهما بالناس". وَروي ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: "آخر الناس محشرًا رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخصٍ من بني فلان، فينطلقان فلا يجدان أحدًا، ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدًا، فيقول: انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيتوجهان نحو البيت الحرام". قال السمهودي في الجمع بينهما: وكأنه إذا توجها نحو البيت الحرام ينزل إليهما الملكان قبل ذهابهما، فلا يُخالف ما تقدم. انتهي قُلْتُ: وكونهما من مزينة تغليب؛ لأن أحدهما من جهينة؛ كما في رواية ابن أبي شيبة، والله أعلم.

стр. 334

وهذا الحشر لهما من نفخ الصور، فإن بعد النار المذكورة يُنفخ في الصور وتقوم الساعة. روي الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ مرفوعًا: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعانه، فلا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه؛ أي: يلطخه بالطين". يقال: لاط حوضه، يليطه، ويلوطه؛ إذا لطخه بالطين وأصلحه. فلا يَسقي فيه -أي: إبله ودوابه- ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتهُ -أي؛ بضم الهمزة؛ يعني: لقمته- إلى فِيه فلا يطعمها -أي: لا يأكلها-. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند مسلم والنسائي: "يخرج الدجال فيمكث أربعين. لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو عامًا. . . ." الحديث. وفيه: "يبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع" ... إلى أن قال: "ثم يُنفخ في الصُّور فلا يسمع أحدٌ إلا أصغي لِيتا -ورفع لِيتا- قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فَيَصعق ويَصعق الناس". قال في "النهاية": (اللِّيت) -أي: بكسر اللام- صفحة العنق، وهما ليتان. و (أصغي): أمال. انتهي والمعني: أنه يرفع إحدي أذنيه نحو السماء، كمن يستمع النداء من فوق. وفي "الصحيحين": عن أبي هريرة ﵁: "ما بين النفختين أربعون عامًا"، ونحوه عند أبي داود وابن مردويه عنه. وروي ابن المبارك عن الحسن مثله. وعند مسلم والنسائي: "ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد بني آدم، ثم ينفخ فيه أخري فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هَلمَّ إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾. . . ." الحديث. ونسأل الله العفو، والعافية التامة، والمغفرة العامة في الدارين لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ولمشايخنا في الدين ولإخواننا دينًا وطينًا، ولأمة محمد ﷺ أجمعين؛ إنه أرحم الراحمين. آمين.

стр. 335

خَاتمَة نختم بها الكتاب إن شاء الله تعالي تتميمًا للفائدة فنقول: قال الإمام الحافظ الحجة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في رسالته المسماة بـ"الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف": الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد علي ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة، وذلك لأنه ورد من طُرقٍ أن مدة الدنيا -أي: من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة- سبعة آلاف سنة، وأن النبي ﷺ بُعث في آخر الألف السادسة. قال: ورد أن الدجال يخرج علي رأس مئة سنة، وينزل عيسي ﵇ فيقتله، فيمكث في الأرض أربعين سنة، وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه مئتا سنة لابد منها. قال: ولا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة سنة أصلًا، ثم ساق بسنده الأحاديث الدالة علي ما ذكره مُستوفيًا لطرقها. أقول: الذي فُهم مما مر من الأحاديث التي ذكرناها في القسم الثالث أن المهدي يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن عيسي ﵇ يمكث بعد الدجال أربعين سنة، كما رواه الحاكم في "المستدرك" عن ابن مسعود ﵁: "أن عيسي ﵇ ينزل فيقتل الدجال، فيتمتعون أربعين سنة، لا يموت أحدٌ، ولا يمرض أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدابته: اذهبوا فارعوا، وتمر الماشية بين الزرعين لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسبع علي أبواب الدور، ويأخذ الرجل المُدّ من القمح فيبذره بلا حرث فيجيءُ منه سبع مئة مُدٍّ. . . ." الحديث. فإنه ظاهر في أن الأربعين بعد الدجال، وأن بعد عيسي ﵇ يتولي أمراء؛ منهم القحطاني يتولي إحدي وعشرين سنة، ولنفرض لبقيتهم إلى طلوع الشمس من المغرب عشرين سنة أيضًا إن لم تكن أكثر، فهذه مئة وعشرون سنة، ومر أن الدجال يمكث أربعين سنة، فإن لم تكن سنين فلا أقل من مقدار سنتين؛ لأن أيامه طوال،

стр. 336

وأن بعد طلوع الشمس من مغربها يمكث الناس مئة وعشرين سنة. وفي رواية: أن الشرار بعد الخيار عشرون ومئة سنة. ومر أيضًا: أن المؤمنين يتمتعون بعد طلوعها أربعين سنة، ثم يُسرع فيهم الموت. فهذه ثلاث مئة وعشرون سنة، وقد مضي بعد الألف قريبٌ من ثمانين، فهذه أربع مئة، وإلي تمام هذه المئة تبلغ أربع مئة وثلاثين، وقد مر عن السيوطي أنه لا تبلغ خمس مئة، بل أخذ بعضهم من قوله تعالي: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، وقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ أن الساعة تقوم سنة سبع بعد أربع مئة، فإن عدد حروف ﴿بَغْتَةً﴾: ألف وأربع مئة وسبع والعلم عند الله تعالي. فيحتمل خروج المهدي علي رأس هذه المئة احتمالًا قويًا بل قبل المئة، إذ الدجال يخرج في خلافته، وهو كما مر يخرج علي رأس المئة. ويحتمل أن يتأخر للمئة الثانية، ولا يفوتها قطعًا (١)، وإذا تأخر فلابد أن يبعث الله علي رأس هذه المئة من يحيي للأمة أمر دينها؛ كما ورد في حديث مشهور. قال الحافظ السيوطي في منظومته: وَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَمْضِي الْمِئَهْ ... وَهْوَ عَلَي حَيَاتِهِ بَيْنَ الْفِئَهْ يُشَارُ بِالْعِلْمِ إِلَي مَقَامِهِ ... وَيَنْصُرُ السُّنَّةَ فِي كَلامِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي حَدِيْثِ قدْ رُوِي ... مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمُصْطَفَي وَهْوَ قَوِي

стр. 337

ويرجح الاحتمال الثاني: ما أخرج نُعيم بن حماد عن محمد ابن الحنفية قال: يقوم المهدي سنة مئتين. وأخرج عن جعفر الصادق قال: يقوم المهدي سنة مئتين. وأخرج أيضًا عن أبي قبيل قال: اجتماع الناس علي المهدي سنة أربع ومئتين. تَنبيْه وجه الجمع بين الروايات: أن كمال ظهوره وذلك إنما يكون بفتح القسطنطينية يكون سنة مئتين، وتجتمع عليه الناس أجمعون سنة أربع ومئتين وذلك بعد فتح الرومية والقاطع، وهذا لا ينافي خروج الدجال علي رأس مئة؛ لأنه باعتبار أول خروجه بالمشرق وادعائه الخلافة، أو لأن الأربع والخمس بل والعشر من أول المئة يعد من رأس المئة عُرفًا. وعلي هذا: فيكون خروج المهدي بسبع أو بتسع أو بثلاثين أو بأربعين قبل المئة، لا يخرجه عن كونه يخرج علي رأس المئة، وكذلك إن تأخر آخر مدته عن رأس المئة. وهذه كلها مظنونات وردت بأخبار الآحاد، بعضها صحاح وبعضها حسان، وبعضها ضعاف مع شواهد، وبعضها بغير شواهد. وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أولها خروج المهدي، وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة ﵂ يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت ظُلمًا، وأنه يقاتل الروم في الملحمة ويفتح القسطنطينية، ويخرج الدجال في زمنه وينزل عيسي ﵇ ويُصلي خلفه، وما سوي ذلك كله أمور مظنونة أو مشكوكة، والله أعلم بحقيقة الحال. ونعوذ بالله من الزيغ والضلال، والغلو في المقال، والحمد لله علي كل حال، والصلاة علي حائز قصبة الكمال، في الغدو والآصال، وعلي آله وصحبه خير صحب وآل، وغفر الله لنا ولوالدينا وآبائنا وإخواننا طينًا ودينًا وصلبًا وقلبًا ولجميع أمة محمد ﷺ آمين.

стр. 338

قال مؤلفه الفقير إلى الله تعالي محمد بن رسول بن عبد السيد العلوي الحسيني الموسوي الشهرزوري البرزنجي ثم المدني عفا الله عنه: ختمتُها يوم الأربعاء بين الصلاتين حادي عشر شهر الله الحرام ذي القعدة من شهور سنة (١٠٧٦ هـ) بالمدينة النبوية، بمنزلي بالزقاق المعروف بالسويقة، حامدًا ومُصليًا، مُستغفرًا مُحسبلًا ومُحوقلًا داعيًا بالمغفرة للمسلمين والمسلمات. جعلها الله ذريعة ليوم المعاد بجاه سيد العباد آمين. وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين آمين. آخر ما ورد بالمخطوطة "أ": وكان الفراغ من تعليق هذه النسخة المباركة بين الصلاتين سابع عشر شهر رجب الفرد المبارك سنة مئة بعد الألف يوم الإثنين، بين الصلاتين، علي يد الفقير إليه تعالي محمد بن إبراهيم بن محمد بن ياسين غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ لهم الفاتحة ولكافة المسلمين أجمعين، آمين، آمين، آمين (١). * * * آخر ما ورد بالمخطوطة (ب): نجز تحرير زبرها بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه، يوم الجمعة قبيل الزوال، خامس عشرين رمضان المعظم من شهور سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف، بقلم العبد الضعيف الراجي من الخبير اللطيف الوصول إلى كل مقام شريف: منصور بن أبي مدين. والحمد لله رب العالمين. آمين. * * * آخر ما ورد بالمخطوطة (ج): قال مؤلفه الفقير إلى الله تعالي: محمد بن رسول بن عبد السيد العلوي الحسيني الموسوي الشهرزوري البرزنجي ثم المدني عفي عنه: ختمتها يوم الأربعاء بين

стр. 339

الصلاتين حادي عشر شهر الله الحرام ذي القعدة من سنة (١٠٧٦ هـ) بالمدينة النبوية بمنزلي بالزقاق المعروف بسويقة، حامدًا ومصليًا، مستغفرًا محسبلًا، محوقلًا داعيًا بالمغفرة للمسلمين والمسلمات، جعلها الله ذريعة ليوم المعاد بجاه سيد العباد. آمين. وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين. آمين، آمين، آمين.

стр. 340

ذَيْل الإشَاعَةِ في الفِتَنِ البَاقِيَةِ

стр. 341

ذَيْل الإِشَاعَةِ فِي الفِتَنِ البَاقِيَةِ أسئلة الدجال "جمع الفوائد" (٢ ص ٢٩٣) ١ - عن نخل بيسان قال: هل يثمر؟ قالوا: نعم. قال: يوشك أن لا يثمر. ٢ - وعن بحيرة طبرية. هل فيها ماء؟ قالوا: نعم. قال: يوشك أن يذهب. ٣ - عين زغر. قالوا: يزرع، وفيها ماء كثيرة (١).

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 343

٤ - عن أبي ذرّ ﵁: قال ﵊ له: "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت؟ " (١). وحمله القاري (ج ٥ ص ١٣٥) على وقعة يزيد. قال: وكان الأمير على تلك الجيوش مسلم بن عقبة المُرّي. ٥ - حذيفة مرفوعًا: "يكون بعد هذا الخير شر؟ (٢) قال: نعم. [قال] فما العصمة؟ قال: السيف". "البذل" (ج ٥ ص ٩٠)، حمله الشيخ على مقتل

стр. 344

عثمان رضي الله تعالى عنه، وعندي الردّة. ٦ - "وبعد السيف قال: بقيةٌ على أقذاءٍ، وصلحٌ على دخن" (١) "البذل" (ج ٥) حملهُ قتادة على الردّة، وأوّله الوالد كما حكاه الشيخ في "البذل"، وحمله من عند نفسه على صلح معاوية وعليّ ﵄ في التحكيم، وعندي صُلْحُ الحسن (١). ٧ - عن ابن عمرو بن العاص ﵁؛ رفعه: "ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار (٢). "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٢٨٢) عن الترمذي، وأبي داود، وحمله في حاشية كليهما على وقعة الصفين، وكذا القاري (ج ٥ ص ١٤٧) مع الاحتمال. ٨ - فتنة الأحلاس (٣) "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٢٨٦) حمله الشيخ الشاه ولي الله

стр. 345

الدهلوي في "حجة الله" (ج ٣ ص ١٥٩) (١) على قتال أهل الشام ابن الزبير ﵁، وفي "البذل" (ج ٥ ص ٨٨) على مقتل عثمان ﵁. ٩ - "ثم فتنة السراء، دخنها تحت قدمي رجل مني" (٢). قال: وفي "حجة الله" (ج ٣ ص ١٥٩): هو تغلّب المختار، أو خروج أبي مسلم الخراساني لبني العباس (٣). وفي "البذل" (ج ٥ ص ٨٩): على فتنة شريف مكة سنة ١٣٣٤ هـ (٤).

стр. 346

١٠ - "ثم يصطلح الناس على رجل كورك" (١)، وفي "حجة الله" ص (٢). ١١ - "ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته حتى يصير الناس فسطاطين" (٣) "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٢٨٦) حمله في "البذل" (ج ٥ ص ٨٩) على فتنة تمتد إلى خروج المهدي (٤). ١٢ - "حتى يصير الناس فسطاطين: إيمان لا نفاق فيه، ونفاق لا إيمان فيه فانتظروا الدجال من يومه أو غده" (٥) "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٢٨٦). ١٣ - عن أبي هريرة ﵁؛ مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعوتهما واحدة" "البخاري".

стр. 347

المراد بهما: علي ﵁ ومن معه، ومعاوية ﵁ ومن معه (١)، "فتح الباري" (ج ١٣ ص ٦٩) "الإشاعة" ص ٥٢. ١٤ - "فتنة عمياء (٢) صمّاء عليها دعاة على أبواب النار". من رواية حذيفة ﵁. قال في "البذل" (ج ٥ ص ٩١): ولا يبعد أن يحمل هذا على ما وقع في أيّام يزيد بن معاوية؛ من قتل الحسين بن علي ﵄ وجماعته، أو على ما وقع في أيام الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك، حيث قتل ابن الزبير ﵁. ١٥ - أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، ويرث دنياكم شِراركم": حمله في "إزالة الخفاء" (ص ١٨٣) على شهادة عثمان ﵁، وتقدّم. ١٦ - أبو بكر ﵁ رفعه قال: "ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها، ويكون من أمصار المهاجرين، قال ابن يحيى: قال أبو معمر: ويكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عِراضُ الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية، وهلكوا، وفرقة

стр. 348

يأخذون لأنفسهم؛ وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم؛ وهم الشهداء". في "البذل" (ج ٤ ص ١٠٨) عن "فتح الودود": قيل: المراد بالبصرة بغداد. وفيه باب يسمى: باب البصرة، فسماه ﷺ باسم البصرة، ويؤيده: أن دجلة جريها في بغداد. ولم يقع مثل هذه الواقعة بالبصرة قط، وإنما وقع في بغداد زمان المعتصم بالله العباسي، فالظاهر أن في الحديث إشارة إلى ذلك، وفي بين سطور أبي داود (ج ٣ ص ٢٣٥) عن "مرقاة الصعود": وقع كما قال في صفر سنة ٦٥٦ هـ. ١٧ - حارثة بن وهب مرفوعًا: "سيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها" "البخاري". يحتمل أن يراد به ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، ويحتمل ما سيقع في زمن عيسى ﵇، "فتح الباري" (ج ١٣ ص ٦٦) تقدم في "الإشاعة" ص ١٠٤. ١٨ - حديث أبي هريرة ﵁؛ مرفوعًا: "ستكون فتنة واختلاف -أو اختلاف وفتنة- فعليكم بالأمير وأصحابه"، وأشار إلى عثمان ﵁. "إزالة الخفاء" (ص ١٧١ وص ٢٦٦) "الإشاعة" ص ٤٠. ١٩ - ابن عمر ﵄؛ رفعه: "يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سُلاح" قال الزهري: "سلاح" قريبٌ من خيبر "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٣٨٩) عن "أبي داود" (ج ٣ ص ٣٣٧)، وفي هامشه: لعله في زمن الدجال، أو زمن آخر: وسكت في "البذل". ٢٠ - "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى" "البخاري". ووقع في جمادى الأخرى سنة ٦٥٤ هـ تقدم في "الإشاعة" ص ٨٦.

стр. 349

٢١ - "ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب" "فتح الباري" (١) (ج ١٣ ص ٨٧) تقدم في "الإشاعة" ص ٦٨. ٢٢ - أبو مالك؛ رفعه: "ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، تروح عليهم سارحة لهم؛ فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا فيبيتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٢٨٦). ٢٣ - أبو هريرة ﵁؛ رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَليات نساء دوس على ذي الخَلَصة" "جمع الفوائد" (ج ٣ ص ٣٩١). ٢٤ - عوف بن مالك؛ رفعه: "تكون هدنة بينكم وبين بني الأصفر، ثم يغدرون، فيأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا" "جمع الفوائد" (ص ٣٩٣ عن البخاري) وَتقدّم. ٢٥ - بريدة بن الحصيب مرفوعًا في حديث: "يقاتلكم قوم صغار الأعين"؛ يعني: التُّرك، تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأمّا في الثالثة فيصطلحون أو كما قال. "بذل المجهود" (ج ١٧ ص ٣١٨). وحمل الشاه ولي الله ﵀ في "حجة الله" (ج ٣ ص ١٥٩) أنَّ السياقة الأولى بقتال جنكيز خان، والثانية بوطء تيمور، والثالثة بغلبة العثمانية (٢).

стр. 350

مُلْتَقطُ أَبْوَابِ الفِتَنِ مِنْ إِزَالَةِ الخَفَاءِ (للإمام ولي الله الدهلوي) حديث: "تدور رَحى الإسلام بخمس وثلاثين -أو ست وثلاثين ... أو سبع وثلاثين- فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا" ... الحديث. فإنَّ مقتل عثمان ﵁ كان لخمس وثلاثين، ثم انتشر أمر الجهاد حتى استقر في زمن معاوية ﵁، ومن هذا اليوم إلى انتشار أمر بني أمية سبعون سنة، وإلى مقتل عثمان ﵁ يشير حديث: "لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم". حديث ابن مسعود رفعه: "أحذّركم سبع فتن تكون من بعدي: أولها فتنة تُقْبِل من المدينة"، الحديث، وفتنة المدينة من قبل طلحة والزبير. ثم النبي ﷺ أمر بالقعود في هذه الفتنة (أي: الفتنة بعد عثمان) فقال: "القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير ... إلخ". وقد أخبر النبي ﷺ خيرية الرجال بقبل الفتنة، وشريتهم بعدها بوجوه: الأول: بحديث: "تدور رَحى الإسلام" ... إلخ، فإن رَحى الإسلام عبارة عن غلبة الحق ووجود الجهاد، والهلاك جامع لجميع أنواع الشرور أهمها انقطاع الجهاد. والثاني: بأحاديث الخلافة في المدينة والملك بالشام، وقال ﵊: "إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل" ... إلخ. والثالث: بنزوع الأمانة؛ فقد روى حذيفة ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين. رأيت أحدهما، وأنتظر الآخر، الحديث. فيه نزول

стр. 351

الأمانة ورفعها، ولا شك أن حذيفة ﵁ رأى اختلال الأمانة بعد هذه الفتنة، ولذا قال: أما اليوم فلم أكن أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا. والرابع: بأحاديث ظهور الكذب؛ كما في قوله ﵊: "أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يفشو الكذب" ... إلخ. وأخرج مسلم قال: "جاء بُشَير بن كعب إلى ابن عباس ﵄ فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس؛ مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ ! أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع. فقال ابن عباس: إنّا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلَّا ما نعرف". ولا شك أن أول زمان ابن عباس كان زمان أمانة، وبعد الفتنة كان زمان ركب الصعب والذلول. والخامس: تعمقهم في تجويد ألفاظ القرآن، وذهولهم عن معانيه، كما وردت الروايات بهذا المعنى. السادس: تعمقهم في تأويل متشابهات القرآن، وقد ورد النهي عنه. والسابع: تعمقهم في الصور الفرضية الفقهية، وقد تحاشا عنه السلف. والثامن: ظهور الأسئلة في الإلهيات. والتاسع: ظهور الروايات عن بني إسرائيل، وأهل الكتاب. والعاشر: ظهور الأوراد والوظائف تقربًا إلى الله تعالى. والحادي عشر: جرأتهم على الوعظ والفتوى ويتحاشا عنه السلف. والثاني عشر: وقوع القتال بين المسلمين؛ قال ﵊: "إن بين يدي الساعة لهرجًا" ... الحديث، وما في معناه.

стр. 352

الثالث عشر: سب السلف؛ ففي أحاديث علامات القيامة: "سَبَّ آخر هذه الأمة أوّلها"، وقد ظهر بعد مقتل عثمان ﵁. والرابع عشر: افتراق المسلمين؛ قال ﵊: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين". والخامس عشر: ظهور الخوارج، وقد ورد حديثٌ متواترًا معنى. وروي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ينشأ نشأ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع"؛ يقول ﵇: كلما خرج قرن قطع عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال". السادس عشر، إلى الثامن عشر: ظهور القدرية، والمرجئة، والروافض. التاسح عشر: استحلال الفروج بتأويل المتعة، واستحلال الخمر بتأويل النبيذ، واستحلال المعازف. العشرون: ارتفاع الأمن عن المسلمين. الحادي والعشرون: استخلاف من ليس بأهل، قال ﵊: "يرث دنياكم شراركم"، وقد قال ﵊: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم سلط الله شرارها على خيارها"، وقد وقع هذا المعنى في زمن عثمان ﵁. الثاني والعشرون: الفتور في أركان الإسلام من إماتة الصلاة، وَيُعْلَم من التاريخ أن بعد عثمان ﵁ لم يُقِمْ الحج أميرٌ بنفسه، بل كانوا يرسلون نوابهم حتى أن عليًا رضي الله تعالى عنه لم يستطع في بعض السنين على النائب أيضًا، ومعاوية رضي الله تعالى عنه جعل أبانًا أمير الحج، والسابقون من الخلفاء كانوا يقيمون الحج بأنفسهم. والثالث والعشرون: التشديد في العبادات وعدم قبول الرخص، وقال ﵊: "الدين يسرٌ، ولن يشادّ الدين أحد إلَّا غلبه"، ووردت الآثار في قبول الرخص، وعلم منه أن التقاط الرخص من أقوال الأئمة الأربعة ما لم يعارضه نص

стр. 353

حسن، بخلاف قول المتأخرين، حتى إنهم عدوه من الفسق. الرابع والعشرون: أخبر النبي ﷺ بفتنتين، فقال حذيفة ﵁: "أيكون بعد هذا الخير شر؟ قال نعم، قلت: فما العصمة؟ قال: السيف. قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال: نعم؛ إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن. قلت: ثم ماذا؟ قال ينشأ دعاة الضلالة". وفي لفظ: "قلت يا رسول الله؛ كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بالخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ فقال: نعم، وفيه دخن. قلت: ما دخنه؟ قال: قوم يَهِدُّونَ بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعده من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم. قلت: صفهم لنا. قال: هم من جِلدتنا" ... الحديث. وَفسّر سعيد بن المسيب ﵁ هاتين الفتنتين؛ فقال: ثارت الفتنة الأولى؛ فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الثانية؛ فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد، وأظن لو كانت الثالثة لم ترتفع وفي الناس طباخ. قال البغوي: أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان ﵁، وبالثانية الحرة. فالفتنة الأولى بدأت من مقتل عثمان ﵁، حتى استقر أمر معاوية ﵁. والفتنة الثانية من موت معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى استقر أمر عبد الملك. ففي الحديث الأول عُدّت الردة من الفتنة؛ لشدتها على المسلمين، ولم تُعَدّ في الحديث الثاني لأنها كانت بين المسلمين والكفار، لا بين المسلمين في أنفسهم. الخامس والعشرون: عيّن ﵊ صورة علو الإسلام ورفعته إلى آخر عهد عثمان ﵁، ثم أنذر الفتن. فقال أعرابي: هل للإسلام منتهىً يا رسول الله؟ قال: "نعم، أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرًا أدخل الله عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظُّلل". الحديث أخرجه البغوي.

стр. 354

السادس والعشرون: عَدّ النبي ﷺ الفتن، فقد أخرج البغوي عن عوف ﵁ قال ﵊: "اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتان، ثم استفاضة المال، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلَّا دخلته، ثم هدنة بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا". فاستفاضة المال في زمن عثمان ﵁، وبعدها فتنة مستطيرة بسبب شهادة عثمان ﵁. السابع والعشرون: أخرج البغوي عن معاذ ﵁ مرفوعًا: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروجها فتح القسطنطينية". . . . الحديث. والمراد ببيت المقدس: مُلْكُ الشام، وعمرانه كان في زمن عثمان بإمارة معاوية رضي الله تعالى عنهما، وخراب يثرب بمقتل عثمان ﵁. والملحمة حرب الجمل والصّفين، وفتح القسطنطينية في زمن معاوية ﵁. وَيُشْكِلُ هاهنا ترتّبُ خروج الدجال بفتح القسطنطينية، وكذا في قوله ﵊: "لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم"، ولم يظهر أثر الدجال، ولا أثر الساعة، وقد مضى أكثر من ألف سنة، وكذا في أكثر الأحاديث. والجواب: أن خروج الدجال، وكذا قيام الساعة، وكذا كل فتنة لها خصيصة وارتباط خاصٌّ بالقيامة، كارتباط غرس الشجر ببدُوِّ ثمارها، وبهذا المعنى أنذر نوح ﵇ قومه الدجال مع بُعْدِ زمانه أشد البعد، وههنا سرٌّ عظيم لا يسعه المقام. الثامن والعشرون: قال ﵊: "بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكًا عَضُوضًا، ثم عتوًا وجبرية" الحديث. التاسع والعشرون: أخرج ابن ماجه من حديث زيد بن وهب، عن عبد الرحمن قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ... فذكر حديثًا طويلًا في الفتن.

стр. 355

الثلاثون: أخرج البغوي عن مرداس الأسلمي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "يذهب الصالحون؛ الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله". ومر تفسيره من قول سعيد بن المسيب ﵁. وغير ذلك من الروايات الكثيرة في الفتن، وتغير الناس، وقد أمر النبي ﷺ بأحكام خاصة عند ذلك من عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا، ومن السمع والطاعة ولو عبدًا حبشيًا، ومن قوله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وهي أيضًا كثيرة: الأول: وجوب الطاعة فيما وافق الشرع. والثاني: عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا. والثالث: إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر؛ يعني: سواء كان فاضلًا، أو مفضولًا. والرابع: إذا أمات الصلاة فليصلِّ الصلوات لوقتها. والخامس: إذا تعدَّوا في أخذ الزكاة، فقال عليه الصلاة السلام: "سيأتيكم ركب مبغضون فرحّبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون". والسادس: التخلي للعبادة كان ممنوعًا أولًا؛ لقوله ﷺ : "لا رهبانية في الإسلام"، وما في معناه، ومندوب.
следующие страницы →