Полный текст (356 стр.). Показаны 351–356 · переход к 356.
стр. 351
الأمانة ورفعها، ولا شك أن حذيفة ﵁ رأى اختلال الأمانة بعد هذه الفتنة، ولذا قال: أما اليوم فلم أكن أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا.
والرابع: بأحاديث ظهور الكذب؛ كما في قوله ﵊: "أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يفشو الكذب" ... إلخ.
وأخرج مسلم قال: "جاء بُشَير بن كعب إلى ابن عباس ﵄ فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس؛ مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ ! أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع.
فقال ابن عباس: إنّا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلَّا ما نعرف".
ولا شك أن أول زمان ابن عباس كان زمان أمانة، وبعد الفتنة كان زمان ركب الصعب والذلول.
والخامس: تعمقهم في تجويد ألفاظ القرآن، وذهولهم عن معانيه، كما وردت الروايات بهذا المعنى.
السادس: تعمقهم في تأويل متشابهات القرآن، وقد ورد النهي عنه.
والسابع: تعمقهم في الصور الفرضية الفقهية، وقد تحاشا عنه السلف.
والثامن: ظهور الأسئلة في الإلهيات.
والتاسع: ظهور الروايات عن بني إسرائيل، وأهل الكتاب.
والعاشر: ظهور الأوراد والوظائف تقربًا إلى الله تعالى.
والحادي عشر: جرأتهم على الوعظ والفتوى ويتحاشا عنه السلف.
والثاني عشر: وقوع القتال بين المسلمين؛ قال ﵊: "إن بين يدي الساعة لهرجًا" ... الحديث، وما في معناه.
стр. 352
الثالث عشر: سب السلف؛ ففي أحاديث علامات القيامة: "سَبَّ آخر هذه الأمة أوّلها"، وقد ظهر بعد مقتل عثمان ﵁.
والرابع عشر: افتراق المسلمين؛ قال ﵊: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين".
والخامس عشر: ظهور الخوارج، وقد ورد حديثٌ متواترًا معنى. وروي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ينشأ نشأ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع"؛ يقول ﵇: كلما خرج قرن قطع عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال".
السادس عشر، إلى الثامن عشر: ظهور القدرية، والمرجئة، والروافض.
التاسح عشر: استحلال الفروج بتأويل المتعة، واستحلال الخمر بتأويل النبيذ، واستحلال المعازف.
العشرون: ارتفاع الأمن عن المسلمين.
الحادي والعشرون: استخلاف من ليس بأهل، قال ﵊: "يرث دنياكم شراركم"، وقد قال ﵊: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم سلط الله شرارها على خيارها"، وقد وقع هذا المعنى في زمن عثمان ﵁.
الثاني والعشرون: الفتور في أركان الإسلام من إماتة الصلاة، وَيُعْلَم من التاريخ أن بعد عثمان ﵁ لم يُقِمْ الحج أميرٌ بنفسه، بل كانوا يرسلون نوابهم حتى أن عليًا رضي الله تعالى عنه لم يستطع في بعض السنين على النائب أيضًا، ومعاوية رضي الله تعالى عنه جعل أبانًا أمير الحج، والسابقون من الخلفاء كانوا يقيمون الحج بأنفسهم.
والثالث والعشرون: التشديد في العبادات وعدم قبول الرخص، وقال ﵊: "الدين يسرٌ، ولن يشادّ الدين أحد إلَّا غلبه"، ووردت الآثار في قبول الرخص، وعلم منه أن التقاط الرخص من أقوال الأئمة الأربعة ما لم يعارضه نص
стр. 353
حسن، بخلاف قول المتأخرين، حتى إنهم عدوه من الفسق.
الرابع والعشرون: أخبر النبي ﷺ بفتنتين، فقال حذيفة ﵁: "أيكون بعد هذا الخير شر؟ قال نعم، قلت: فما العصمة؟ قال: السيف. قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال: نعم؛ إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن. قلت: ثم ماذا؟ قال ينشأ دعاة الضلالة".
وفي لفظ: "قلت يا رسول الله؛ كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بالخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ فقال: نعم، وفيه دخن. قلت: ما دخنه؟ قال: قوم يَهِدُّونَ بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعده من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم. قلت: صفهم لنا. قال: هم من جِلدتنا" ... الحديث.
وَفسّر سعيد بن المسيب ﵁ هاتين الفتنتين؛ فقال: ثارت الفتنة الأولى؛ فلم يبق ممن شهد بدرًا أحدٌ، ثم كانت الثانية؛ فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد، وأظن لو كانت الثالثة لم ترتفع وفي الناس طباخ.
قال البغوي: أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان ﵁، وبالثانية الحرة.
فالفتنة الأولى بدأت من مقتل عثمان ﵁، حتى استقر أمر معاوية ﵁. والفتنة الثانية من موت معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى استقر أمر عبد الملك.
ففي الحديث الأول عُدّت الردة من الفتنة؛ لشدتها على المسلمين، ولم تُعَدّ في الحديث الثاني لأنها كانت بين المسلمين والكفار، لا بين المسلمين في أنفسهم.
الخامس والعشرون: عيّن ﵊ صورة علو الإسلام ورفعته إلى آخر عهد عثمان ﵁، ثم أنذر الفتن.
فقال أعرابي: هل للإسلام منتهىً يا رسول الله؟ قال: "نعم، أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرًا أدخل الله عليهم الإسلام، ثم تقع الفتن كأنها الظُّلل". الحديث أخرجه البغوي.
стр. 354
السادس والعشرون: عَدّ النبي ﷺ الفتن، فقد أخرج البغوي عن عوف ﵁ قال ﵊: "اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتان، ثم استفاضة المال، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلَّا دخلته، ثم هدنة بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا".
فاستفاضة المال في زمن عثمان ﵁، وبعدها فتنة مستطيرة بسبب شهادة عثمان ﵁.
السابع والعشرون: أخرج البغوي عن معاذ ﵁ مرفوعًا: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروجها فتح القسطنطينية". . . . الحديث.
والمراد ببيت المقدس: مُلْكُ الشام، وعمرانه كان في زمن عثمان بإمارة معاوية رضي الله تعالى عنهما، وخراب يثرب بمقتل عثمان ﵁. والملحمة حرب الجمل والصّفين، وفتح القسطنطينية في زمن معاوية ﵁.
وَيُشْكِلُ هاهنا ترتّبُ خروج الدجال بفتح القسطنطينية، وكذا في قوله ﵊: "لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم"، ولم يظهر أثر الدجال، ولا أثر الساعة، وقد مضى أكثر من ألف سنة، وكذا في أكثر الأحاديث.
والجواب: أن خروج الدجال، وكذا قيام الساعة، وكذا كل فتنة لها خصيصة وارتباط خاصٌّ بالقيامة، كارتباط غرس الشجر ببدُوِّ ثمارها، وبهذا المعنى أنذر نوح ﵇ قومه الدجال مع بُعْدِ زمانه أشد البعد، وههنا سرٌّ عظيم لا يسعه المقام.
الثامن والعشرون: قال ﵊: "بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكًا عَضُوضًا، ثم عتوًا وجبرية" الحديث.
التاسع والعشرون: أخرج ابن ماجه من حديث زيد بن وهب، عن عبد الرحمن قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ... فذكر حديثًا طويلًا في الفتن.
стр. 355
الثلاثون: أخرج البغوي عن مرداس الأسلمي رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "يذهب الصالحون؛ الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله". ومر تفسيره من قول سعيد بن المسيب ﵁.
وغير ذلك من الروايات الكثيرة في الفتن، وتغير الناس، وقد أمر النبي ﷺ بأحكام خاصة عند ذلك من عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا، ومن السمع والطاعة ولو عبدًا حبشيًا، ومن قوله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وهي أيضًا كثيرة:
الأول: وجوب الطاعة فيما وافق الشرع.
والثاني: عدم الخروج ما لم يكن كفرًا بواحًا.
والثالث: إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر؛ يعني: سواء كان فاضلًا، أو مفضولًا.
والرابع: إذا أمات الصلاة فليصلِّ الصلوات لوقتها.
والخامس: إذا تعدَّوا في أخذ الزكاة، فقال عليه الصلاة السلام: "سيأتيكم ركب مبغضون فرحّبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون".
والسادس: التخلي للعبادة كان ممنوعًا أولًا؛ لقوله ﷺ : "لا رهبانية في الإسلام"، وما في معناه، ومندوب.
стр. 356
هذا الكتاب
إنَّه من نفائس ما كُتب عن أشراط السَّاعة من بدايتها إلى نهايتها إلى أن تطوى صفحة الدُّنيا، معتمدًا في سردها على تبيان من لا ينطق عن الهوى ﵌.
ومن المعلوم أن فقه أشراط الساعة ... من الأمور المهمة في الدين، ويدل لذلك آخر حديث جبريل المشهور؛ حيث سأل النبي ﵌ عن الساعة، ثم علاماتها.
وما ذكر ذلك مع الإسلام والإيمان والإحسان ... إلَّا ليشعر بالأهمية البالغة لهذا الموضوع.
إنَّ لهذا الكتاب مميِّزات يرتفع بها عمَّا سواه، ويختص بها عمَّا عداه؛ فهو ليس من الكتب التي ابتدعت تفسيرات للنصوص، وقصرت علامات من أشراط الساعة على أحداث خاصَّةٍ بظنون اجتهادية، فكبا بأربابها جواد الاجتهاد، ولم تصب كبد الحقيقة.
كما أنَّه لم يسطر ترهات هذى بها بعض الكُتَّاب فيما يتعلق بالأشراط، فكانت أشبه بتنميق الخرَّاصين والكُهَّان؛ لما يزعمون من شقِّ ستار الغيب، واستكشاف الأحداث من لوحه.
ومع كثرة ما كُتب وما سيكتب فى هذا الموضوع ... يبقى هذا الكتاب المبارك مرجعًا علميًا، ومصدرًا هامًا لمن أراد المعرفة والاطلاع، والإحاطة بأحداث آخر الزمان.
نعم؛ أنَّ ميزة هذا الكتاب أنَّه أثريٌّ خالص، وكاتبه محدِّث بارع مشهور، جرى في تأليفه على سنن الأسلاف، وأودع فيه من الفوائد الحديثية والأشراط ما لا يوجد فى سواه، كما ألحق به تعليقات للعلامة المحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي ﵀، زادت من أهمية الكتاب.
فهو حقًّا من الكتب التي ينبغي أن تقرأ وتقتنى، ومثله يعض الفطن عليه بالنَّواجذ؛ لما تميَّز به من أصالة وعمق واستقصاء، وبعدٍ عن الانحراف والتخمين.
باختصار: هذا الكتاب فيه:
الرؤية المستقبلية للأحداث ... من المنظور النبوي الصادق