← Акыда

Акыда · id 132618

الإشاعة لأشراط الساعة

البرزنجي

Полный текст (356 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإشاعة لأشراط الساعة تأليف العالم العلامة المحقق السيد محمد بن رسول البرزنجي الحسيني رحمه الله تعالى (١٠٤٠ هـ - ١١٠٣ هـ) مع تعليقات المحدث العلامة محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى قابله واعتنى به حسين محمد علي شكري

стр. 2

دار المنهاج الطبعة الثالثة منقحة ومصححة ومزيدة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م جميع الحقوق محفوظة للمحقق لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر. دار المنهاج للنشر والتوزيع لصاحبها عمر سالم باجخيف وفقه الله تعالى جدة - هاتف رئيسي: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢ الإدارة: ٦٣١١٧١٠ - المكتبة: ٦٣٢٢٤٧١ www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصديرٌ الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد البشر؛ سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه. أما بعد: فقد قال سيدنا محمدٌ ﷺ فيما يرويه الإمام البخاري ﵀: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدهما. ولما كان من معاني هذا الحديث: قُرب يوم القيامة فقد جعل الله لها أشراطًا وعلاماتٍ يُعرف منها قُربُ هذا الوقت. والحكمة في تَقدُّمِ هذه الأشراط؛ كما ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (١١/ ٣٥٧) نقلًا عن الإمام الضحاك: إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد. ففي هذه الأشراط عِبرٌ ودروس يلزم كل عاقلٍ النظر فيها وتدبرها، وأخذ الحيطة في أموره، والاستعداد ليوم المعاد والحساب. وقد ألّف كثير من العلماء والحفاظ كتبًا وأجزاءً في علامات وأشراط الساعة، إما إجمالًا بذكر العلامات كلها، أو تخصيص العلامات الكبرى أو الصغرى، أو بالتَحدُّثِ عن بعض هذه العلامات والأشراط؛ مثل المسيح الدجال، والمهدي ﵇. وهذا المُؤلَّف الذي تشرفت بخدمته وإخراجه في طبعةٍ جديدة مقابلة يُعتبر من تلك الكتب المجملة التي وصلت إلينا، وهي قليلة ونادرة، فالمؤلف ﵀ وضع منهجًا وأسلوبًا تفرّد به في تصنيف هذا الكتاب ذكره في مقدمته.

стр. 5

وقد قمت بقراءة الكتاب في طبعته المصورة عن النسخة المطبوعة عام (١٣٢٥ هـ) فوجدتها طبعةً سقيمةً، قد مُلئت بالأخطاء والتصحيفات الكثيرة، إضافةً إلى وجود سَقطٍ في بعض الصفحات، ظهر بعد المقابلة بثلاث نسخ خطية لهذا الكتاب، والنسخة المطبوعة المشار إليها. وعملي في هذا الكتاب يتلخص في إجراء مقابلةٍ دقيقةٍ بين هذه الطبعة المذكورة وبين أربع نُسخٍ للكتاب، دون الاهتمام بذكر الفروق بين النسخ، أو موضع السقط أو الزيادة، بل كان جُلُّ الاهتمام في إثبات نصٍ كاملٍ للكتاب. كما أود التنبيه على أنَّ المُصنِّفَ لم يكن يهتم بذكر نص الأحاديث والآثار بقدر ما يهتم بذكر الشاهد منها، أو روايتها أقرب ما يكون للمعنى. وأحمد الله أنني حصلت على نسخة الشيخ العلامة المُحدِّث محمد زكريا الكاندهلوي ثم المدني، حيث رأيت عليها من الفوائد والتعليقات ما لا يمكن تركها، فأثبت تلك الفوائد والتعليقات بحاشية الكتاب مع الرمز لها بحرف (ز)، كما ألحقت بآخر الكتاب ذيلًا لأشراط الساعة ذكره الشيخ ﵀ في آخر نسخته المطبوعة. أما النسخ الخطية المعتمدة في مقابلة هذه الطبعة فهي: أ - نسخة مكتبة تشستربتي: وهي من مصوَّرات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تحت رقم (٥٣٠٥) ف. وتقع هذه النسخة في (١٢٦) ورقة، وخطها نسخ معتاد، وناسخها: محمد إبراهيم بن محمد ياسين، وتاريخ نسخها (١٧) رجب (١١٠٠ هـ). وتمتاز هذه النسخة بوجود استدراكات على حاشية النسخة، كما يوجد بآخرها بلاغ قراءة ومقابلة. ب - نسخة مكتبة الحرم النبوي الشريف: وتقع هذه النسخة في (٣٨٨) صفحة، وخطها مغربي، وناسخها: منصور بن أبي مدين، وتاريخ نسخها (٢٥) رمضان (١٢٤٨ هـ).

стр. 6

ج - نسخة مكتبة الأحقاف: وتقع هذه النسخة في (٩٥) ورقة، وخطها معتاد، ولكن بها سقط بعض الأوراق من وسطها. د - نسخة مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت: والمحفوظة تحت الرقم (١٤/ ٢٣٢) وتقع هذه النسخة في (٨١) ورقة، وخطها معتاد، وناسخها محمد الأيسر ابن عبد اللطيف الحنبلي، وتاريخ نسخها (١٢) رجب (١١٥٨ هـ). والله أسأل أن يجعل ثواب خدمتي لهذا الكتاب في ميزان حسنات والديّ ومشايخي، وميزان جميع من أحسن إليَّ، وأن يجزل الثواب والأجر لمن كان سببًا في إخراج هذا الكتاب وجعل خَلفهُ خير خَلف، ويكافئه من جزيل عطاءه، ويعظم له الأجر، إنه جوادٌ كريم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين ٢٧/ ١١/ ١٤١٦ هـ المدينة المنورة وكتبه بالمدينة المنورة حسين محمد علي شكري حامدًا لله ومصليًا على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديمٌ الحمد لله، والصلاة والسلام على أفضل خلقه سيدنا محمدٍ رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه. أما بعد: فإنَّ الله جَلّ شأنه خَلقَ الخَلْق، وجعل لهم نهاية لا يُسَتَقدمُ عنها ولا يُستَأخر. وبكرمه وَمِنّته -تعالى شأنه- لم يُفْلت الخلق بالنهاية، ولم يفجأهم فُجاءة، بل جعل لها علامات وأمارات قريبة، ومتوسطة، وبعيدة حتى يَتَهيؤوا لما بعد النهاية، ويُهَيئوا أنفسهم للرحمة أو النكاية؛ فالسعيد من اتعظ بغيره، وعمل لما بعد الموت، والشقي من لم يعتبر بغيره، وَتمنّى على الله الأماني؛ فإنه لن يَهلِكَ على الله إلَّا هالك. فلم يخلُ قرنٌ إلَّا وأُلّفَ فيه كتابٌ أو أكثر في هذا القبيل إلى يومنا هذا، سواء كان كتابًا مستقلًا، أو أبوابًا وَكُتبًا في الجوامع المدونة الحديثية؛ كما لا يخفى على المُطّلع. وأوسع الكتب مادةً، وأحسنها جمعا وترتيبًا، وألطفها توفيقًا بين الروايات، وأصحها تطبيقًا للحديث على الواقعة هو كتاب الإمام، المحدث، الفقيه، الواسع الاطلاع: محمد بن رسول البرزنجي رحمه الله تعالى، المسمى بـ"الإشاعة لأشراط الساعة". أما كونه أوسع مادة فقد جمع كتابه من كُتب الحفاظ المكثرين؛ كما ذكر هو في المقدمة فقال:

стр. 8

"مأخذ ما نذكره في كتابنا هذا من الأحاديث غالبًا كتب الحافظين الإمامين: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ جلال الدين السيوطي؛ كشرح البخاري؛ المسمى: "فتح الباري" للأول. وكـ"الدُّر المنثور"، و"الخصائص الكبرى"، و"جمع الجوامع"، و"العَرْف الوردي"، و"الكشف" للثاني. وكتب الإمام الشريف نور الدين علي السمهودي، وكتب المحقق علي المتقي، وقليلًا كتب غيرهم". إلى آخر ما قال. وأما كونه أحسنَ ترتيبًا وجمعًا فقد أقرَّ به غيره، وقاله المؤلف بنفسه: (فانقسمت الأمارات إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ ظهر وانقضى؛ وهي الأمارات البعيدة. وقسمٌ ظهر ولم ينقض، بل لا يزال يتزايد ويتكامل، حتى إذا بلغ الغاية ظهر. والقسم الثالث: وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، وإنها تتتابع كنظام خرزٍ انقطع سلكها. فلنذكر كُلّ قسم في باب على حدته. وهذا تَرتيبٌ لم أره لغيري، ولعله أقرب إلى الضبط، وأنفع للعوام إن شاء الله تعالى. وأما كونه ألطف توفيقًا فأقول الكلمة المعروفة: "من لم يذق لم يدر"؛ فإنه من يطالع كتابه يُدهَش. طالع مثلًا روايات مُلْك المهدي ﵇ المتعارضة، وجمع المؤلف بينها تر العجب. ومثله في الكتاب كثير، وكثير. وأما كونه أصح تطبيقًا للحديث على الواقعة فهذا فنٌ صعبٌ يحتاج إلى نظرٍ دقيق، وبصيرةٍ نافذة، ولا يجترئُ عليه كلُّ من هبَّ ودبّ؛ فإنه يحتاج إلى أن يكون حافظًا لِطُرُقِ الحديث وألفاظه المختلفة، وفوق ذلك الاستحضار الدقيق لها، ثم إلى معرفة

стр. 9

الوقائع وتواريخها حتى يطبق الحديث على الواقعات. ومثاله أيضًا في الكتاب كثير وكثير. لا يخفى على القارئ. كيف لا؛ ومؤلفه محدِّثٌ، وَفقيهٌ، ومؤرخٌ، ومشاركٌ في أكثر العلوم المتداولة في زمانه، بل محقَّقٌ فيها ولا نطيل الكلام بذكر ترجمته؟ ! وكان قد اعتنى بكتاب "الإشاعة" شيخنا الإمام المُحدّث الحافظ محمد زكريا الكاندهلوي ثم المهاجر المدني رحمه الله تعالى، وكانت عنده نسخةٌ من الكتاب مطبوعة قديمة سنة (١٣٢٥ هـ) بالقاهرة، فكان أن جلَّدَها الشيخ رحمه الله تعالى تجليدًا؛ بحيث أدخل بعد كُلّ ورقة مطبوعة ورقة بيضاء؛ ليكتب عليها فائدةً تسنح له، أو لطيفة حديثية تظهر له، أو تطبيقًا للحديث على الواقعة، فذكرنا كلام شيخنا رحمه الله تعالى في مواضعه في الحاشية، وميزناه بحرف: (ز). ثم كان الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يكتب ذيلًا على كتاب "الإشاعة"، وألحقه في آخر نسخته لكن لم يتمه، فتتميمًا للفائدة ألحقناها في آخر الكتاب، لكن لما كان كلام الشيخ رحمه الله تعالى إشاراتٍ مستخلصة من الأحاديث المفصلة، ذكرنا في الحاشية الأحاديث التي أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى. وعناية شيخنا رحمه الله تعالى بالكتاب ألجأتنا إلى الاعتناء به؛ فإنه لا يعرف الفضل إلَّا ذووه. بل شيخنا رحمه الله تعالى هو الذي أمرنا أن نُرتب ما كُتب على الكتاب من الحواشي في آخر حياته، ولكن كل شيء مرهون بوقته. وشيخنا هو الإمام، المُحدِّث، الحافظ، الفقيه، العابد، الزاهد، الورع: محمد زكريا ابن العلامة محمد يحيى الصديقي الكاندهلوي، ثم المهاجر المدني. ولد لعشر خلون من شهر رمضان سنة (١٣١٥ هـ)، وأدرك الإمام الكبير الرباني الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى في صباه، وسعد بحنانه وعطفه؛ لما كان بينه وبين أبيه من اختصاص. وأسرة شيخنا معروفةٌ بالعلم والزهد والعبادة، فَربّاهُ والده تربيةً دقيقةً حسنة،

стр. 10

فحفظ القرآن الكريم، ثم الكتب الدينية الابتدائية على أساتذة الفن في ذلك الوقت، ثم لما انتقل والده إلى (جامعة مظاهر علوم) بسهارنفور أكمل دراسة الحديث على أبيه، وعلى شيخه الإمام خليل أحمد السهارنفوري؛ صاحب "بذل المجهود في شرح سنن أبي داود" في عشرين مجلدًا. وبعد التخرج بدأ التدريس في نفس الجامعة، فدرَّس فيها من سنة (١٣٣٥ هـ) إلى (١٣٨٨ هـ) مختلف الكتب بإتقانٍ وإمعان. ومن كتب الحديث خصوصًا كان له اشتغالٌ بالتدريس بـ"سنن أبي داود"، و"صحيح البخاري" أكثر من غيرهما، فدرَّس "سنن أبي داود" من أوله إلى آخره ثلاثين مرة تقريبًا، و"صحيح البخاري" أكثر من ثلاثين مرةً بشرحٍ مُفصّل. وَألّفَ تآليف كثيرة بالعربية والأوردية، أكثر من ستين تأليفًا، بعضها في خمسة عشر مجلدًا. ورزقت تأليفاته قبولًا حسنًا، وانتشرت في العالم، فطبع بعضها أكثر من عشر مراتٍ، بل بعضها بلغت طبعاته أكثر من خمسين مرةً، وترجمت بعض كتبه إلى أكثر من عشرين لغةً، وقد ألقى الله محبته في جميع الطوائف المختلفة. وبالجملة: كان هو رجالًا في رجل واحد. وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالَمَ في واحد وكانت أوقاته منظمة؛ لكلّ عملٍ وقتٌ محدَّد لا يجاوزهُ إلى غيره، وكان لا ينام في الليل والنهار ثلاث ساعات، بل لا يدع أحدًا من خدمه ومرافقيه أن يناموا في الليل والنهار؛ ولو في أوقات متفرقة أكثر من ثلاث ساعات، وكان يغضب على من يرى من مرافقيه ينام كثيرًا، ويقول لهم: (هذه الدنيا دار عمل؛ فاعملوا هنا، وبعد الموت ننام) وكثيرًا ما كان يتمثل بقول الشاعر: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العُلا سهر الليالي وهذا كان حاله منذ كان عمره عشرين سنة، إلى أن تُوفّي.

стр. 11

كان لا يعرف الملل ولا الكسل، ويقضي أوقاته في سبيل العلم والعبادة. وأما استحضاره لكتب الحديث، والشروح، والفقه فحدِّث ولا حرج. كانت كتب الأحاديث؛ خصوصًا "صحيح البخاري" والكتب الستة، بجميع طُرُقِها وألفاظها المختلفة على طرف لسانه، وهكذا حال الشروح الحديثية والكتب الفقهية، وهذا جربناه كثيرًا. فلما كان في آخر حياته ضعف بصره، وكان يعتمد علينا في إملاء تأليفاته، فكان يأمرنا ببحث حديث أو مسألةٍ في كتاب ما، فإذا لم نجد المسألة في الكتاب كان يقول: (هات الكتاب الفلاني وافتح باب كذا، واقرأ من صفحة كذا) فنجد المسألة، أو الحديث. وهكذا كانت حاله في عِبَادة ربه، وفي قراءة القرآن والذكر حتى جاء أمر ربه، فلبَّاه بعد العصر من يوم الإثنين من شهر شعبان سنة (١٤٠٢ هـ)، وصُلِّي عليه بعد العشاء، ودفن بالبقيع بجوار أهل البيت، رحمه الله تعالى رحمة واسعة ولو أطلنا الكلام لاحتجنا إلى مجلد كبير، ولكن لا يسع هذا المختصر إلَّا هذا. والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على حبيبه دائمًا وسرمدًا. كتبه: حبيب الله قربان علي (٢٦/ ١١/ ١٤١٦ هـ)

стр. 12

ترجمة المؤلّف (١) اسمه: هو السيد محمد بن رسول بن عبد السيد بن قلندر الحسيني البرزنجي الشهرزوري المدني. مولده ونشأته: ولد رحمه الله تعالى بشهرزور -قرية من بلاد الكُردِ بالعراق- ليلة الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول، سنة أربعين وألف. نشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وَجوّدهُ على والده، وتخرّج به في بقية العلوم والمعارف. وقرأ على المُلّازيرك، والعلاّمة المُلّاشريف الصديقي الكُوراني. رحلاته: رحل رحمه الله تعالى إلى ماردين، وحلب، واليمن، ودمشق، ومصر، وبغداد، وأخذ عن علماء تلك البلاد، وانتفع بهم. ثم قَدِمَ المدينة المنورة، فلازم فيها خاتمة المحققين العلامة إبراهيم بن حسن الكُوراني، وكذلك الشيخ أحمد القُشَاشي، وتصدَّى للتدريس بمسجد النبي ﷺ . شيوخه: أخذ علومه في بلاده من الملازيرك، والعلاّمة المُلاشريف الصديقي الكُوراني بعد تخرجه على يد والده. ثم أخذ بماردين عن الشيخ أحمد السِّلاحي. وبحلب عن أبي الوفاء العُرْضي، ومحمد الكواكبي. وبدمشق عن العلامة عبد الباقي الحنبلي، وعبد القادر الصقوري.

стр. 13

وببغداد عن الشيخ مدلج. وبمصر عن الشيخ محمد البابلي، وعلي الشبراملسي، وسلطان المِزّاحي، ومحمد العناني، وأحمد العجمي. ومن الوافدين على بلاد الحرمين أخذ عن: الشيخ إسحاق بن جعمان الزبيدي، وعلي الربيعي، وعلي العقيبي، وعيسى الجعفري، وعبد الملك السجلماسي، وغيرهم. مصنفاته وأعماله: كان رحمه الله تعالى من المكثرين في التصنيف، حيث تربو مصنفاته على تسعين مؤلفًا؛ منها: ١ - إرشاد الأواه إلى معنى حديث: "من قرأ حرفًا من كتاب الله". ٢ - الإشاعة لأشراط الساعة، وهو كتابنا هذا. ٣ - إضاءة النبراس لإزاحة الوسواس الخناس. ٤ - الأعجوبة في أعمال المكتوبة. ٥ - أنهار السلسبيل لرياض أنوار التنزيل. ٦ - الاهتداء في الجمع بين أحاديث الابتداء. ٧ - إيقاظ ذوي الانتباه لفهم الاشتباه الواقع لابن نجيم في الأشباه. ٨ - الترجيح والتصحيح لصلاة التسبيح. ٩ - تصقيل لوح الإيمان بتنزيه عرش الرحمن. ١٠ - رَجْلُ الطاوس في شرح القاموس. ١١ - السنا والسنوت في أحكام القنوت. ١٢ - رفع الإصر عن معنى كونه ﷺ أميًا لم ينطق الشعر. ١٣ - النوافض للروافض. ١٤ - القول السديد في جواب رسم الإمام والتجويد. ١٥ - القول المختصر في ترجمة ابن حجر.

стр. 14

١٦ - الترغيم والترخيم لمنكر التعظيم والتفخيم. ١٧ - خالص التلخيص مختصر تلخيص المفتاح. ١٨ - السبيل في إعراب (حسبنا الله ونعم الوكيل). ١٩ - سَدادُ الدِّين وسِدادُ الدَّين في إثبات النجاة والدرجات للوالدين طبع. ٢٠ - الصافي عن الكدر في أحاديث القضاء والقدر. وغيرها من المؤلفات والتصانيف التي تشير إلى مكانته، وبروزه في شتى العلوم. إضافةً إلى توليه منصب إفتاء السادة الشافعية بالمدينة المنورة. وفاته: توفي رحمه الله تعالى في غرة محرم سنة ثلاث ومئة وألف للهجرة، بالمدينة المنورة، وكان له مشهد عظيم، ودفن ببقيع الغرقد بمقبرة السادة البرزنجيين. وله رحمه الله تعالى عقبٌ مبارك أكثرهم من العلماء ذوي الفضائل الباهرة، يتداولون فتوى الشافعية بالمدينة المنورة (١).

стр. 15

صور المخطوطات المستعان بها

стр. 16

الورقة الأولى من نسخة مكتبة تشستر بتي

стр. 17

الورقة الأولى من نسخة مكتبة الحرم النبوي الشريف

стр. 18

الورقة الأولى من نسخة مكتبة الأحقاف

стр. 19

الورقة الأولى من نسخة مكتبة عارف حكمت

стр. 20

الإشاعة لأشراط الساعة تأليف العالم العلامة المحقِّق السيد محمد بن رسول البرزنجي الحسيني رحمه الله تعالى (١٠٤٠ - ١١٠٣ هـ)

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أَحمدُ من أوضح منهاج الحق ونصب عليه في كل شيءٍ دليلًا، ووعد وعد الصدق لمن اتخذه وكيلًا ورضي به كفيلًا، وجعل إبراهيم خليفة؛ إنه كان أمة قانتًا واتخذه خليلًا، وأمره ببناء بيتٍ يقصده من كُلّ فجٍّ عميق من استطاع إليه سبيلًا، تطبيقًا للصورة على المعنى، وتنويهًا بالمجاز إلى الحقيقة وتمثيلًا، وجعل هُدَاهُ علمًا على طيِّ بساط هذه النشأة، وليبلو المؤمنين ويضل من يشاء تضليلًا، وجعل بدعوته من ذريته محمدًا ﷺ عبدًا سيدًا ونبيًا رسولا، فهو دعوة أبيه إبراهيم كما أخبر عنه في الصحيح؛ إنَّ دعاءه كان مقبولًا. أَحمدهُ على أن أتانا منه رسولٌ أمينٌ بكتابٍ كريم، وأنه غفورٌ حليمٌ، حريصٌ علينا بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، وإنه لعلى خلقٍ عظيم؛ كما أخبر به العلي الحكيم، وأمره باتباع ملة أبيه إبراهيم، وأرسله بين يدي الساعة كالمُسبِّحة والوسطى نذيرًا، فأخبر عن جميع الفتن والأشراط الكائنة قبلها، فاسأل به خبيرًا، فَبلّغَ وبَالَغ، وحذَّر أمته الفتن عمومًا والدَّجال خصوصًا تحذيرًا. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ووارثيه وإخوانه وأحبابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإني لما رَأيتُ الحافظ جلال الدين أبا الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ذكر في خطبة كتابه الذي ألّفه في بيان حال البرزخ؛ المسمى "شرح الصدور بشرح حال الموتى في القبور" ما نصه: (وأرجو إن كان في الأجل فُسحة، أن أضم إليه

стр. 22

كتابًا إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة، وآخر في أحوال البعث والقيامة، وصفة الجنة والنار، على وجه الاستيعاب أيضًا، حقق الله ذلك بمنه وكرمه) انتهى، ووجدته قد ألّف في أحوال البعث وما بعده كتابًا وسماه "البدور السافرة في أمور الآخرة"، ولم أجد له كتابًا في أشراط الساعة؛ إما لعدم تأليفه، أو لانعدامه، أو لغير ذلك أحببتُ أن أُؤلِّفَ في أشراط الساعة كتابًا مستوعبًا لها؛ كما أراد الحافظ السيوطي، فيكون برزخًا بين كتابيه: "شرح الصدور"، و"البدور السافرة"، أو مقدمةً لهما. وتوكلت في ذلك على الله تعالى، مستعينًا به فأقول: قد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾. وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأحاديث فلا تَكادُ تَنحصِر؛ كما سيأتي بعضها إن شاء الله تعالى. ولما كانت الدنيا لم تُخْلق للبقاء ولم تكن دار إقامة، وإنما هي منزلٌ من منازل الآخرة، جُعِلت للتزود منها إلى الآخرة، والتهيُّئ للعرض على الله ولقائه، وقد آذنت بالانصرام وولَّت لذا كان حقًا على كل عالم أن يُشِيع أشراطها، ويبثَ الأحاديث والأخبار الواردة فيها بين الأنام، ويَسرُدها مرةً بعد أخرى على العوام، فعسى أن ينتهوا عن بعض الذنوب، ويلين منهم بعض القلوب، وينتبهوا من سِنَة الغفلة، ويغتنموا المُهْلة قبل الوَهلة. فدعاني ذلك إلى أن أبسط فيها القول بعض البسط؛ ولو أدى إلى التكرار، لا كَمَن جمع فيها أوراقًا على سبيل الاختصار؛ تبصرةً لأهل الاغترار، وتَذكرةً لأُولي الأبصار، ووسيلةً إلى رضى الجبار، وذريعةً إلى دار القرار. والله أسأل أن يُخلص نِيتي، ويُحسن طَويتي، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل

стр. 23

امرئ ما نوى، وأن ينفع به عامة المؤمنين، وأن يغفر لي ولآبائي ولإخواني ولأولادي طينًا ودينًا أجمعين آمين. وسميته: "الإشاعة لأشراط الساعة" وأرجو من النبي ﷺ الشفاعة مع قلة البِضَاعة. فأقول، وفي ميدان نعمه أجول: لابُدَّ من مقدمة؛ هي: لَمَّا كان أمر الساعة شديدًا، وهولُها مَزيدًا، وأمدُها بعيدًا؛ فإنَّ الله في ذلك اليوم يَحكُم بين الأولين والآخرين، ويقضي للمؤمنين على الكافرين، ويُميز بين المخلصين والمنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ , وقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾. وأنها لا تجيء إلَّا بغتةً كما قال تعالى، وقد استأثر بِعِلمها، ولم يُعْلِمْهَا أحدًا من خلقه، أو عَلّمها النبي ﷺ ونهاه عن الإخبار بها؛ تهويلًا لشأنها، وتعظيمًا لأمرها كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، وضيرها أكبر من خيرها. فأكثر النبي ﷺ من بيان أشراطها وأماراتها، وما بين يديها من الفتن القريبة والبعيدة؛ ليكون أَهلُ كلّ قرنٍ على حذرٍ منها، متهيئين لها بالأعمال الصالحات، غير منهمكين في الشهوات واللذات. فانقسمت الأمارات إلى ثلاثة أقسامٍ: قسمٍ ظهر وانقضى؛ وهي الأماراتُ البعيدة. وقسمٍ ظهر ولم ينقضِ، بل لا يزال يَتزايدُ ويتكامل، حتى إذا بلغ الغاية ظهر. القسم الثالث؛ وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، وإنها تَتتابَعُ كنظام خَرزٍ انقطع سلكها. فلنذكر كُلّ قسمٍ في باب على حدته.

стр. 24

وهذا ترتيبٌ لم أره لغيري، ولعله أقرب إلى الضبط، وأنفع للعوام إن شاء الله تعالى. تَنبيه مَأخذُ ما نذكره في كتابنا هذا من الأحاديث غالبًا كُتُب الحافظين الإمامين: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ جلال الدين السيوطي. كشرح البخاري المسمى "فتح الباري" للأول. وكـ"الدر المنثور"، و"الخصائص الكبرى"، و"جمع الجوامع"، و"العَرف الوردي"، و"الكشف" للثاني. وكتب الإمام الشريف نور الدين علي السمهودي؛ كـ"تاريخ المدينة"، و"جواهر العقدين". وكتب المحقق علي المتقي، وغير ذلك. فَليُعلم ذلك؛ لئلا يحتاج إلى إعادة ذكرها كُلّ مرة. وقليلًا كتب غيرهم؛ كـ"تخريج المصابيح" للحافظ المناوي، و"القناعة" للحافظ السخاوي. وما سوى ذلك فسأصرح بالنقل عنه. وإنما قَدّمتُ هذه المقدمة فرارًا من التحلي بحلية السَّرَق، وتحاشيًا من تسويد وجه الوَرَق، وليمكن الناظر فيه مراجعة المآخذ. تَنبيه آخَر المقصود الأصلي من تأليف هذا الكتاب حفظ بعض الأحاديث النبوية على المسلمين رجاء شفاعته ﷺ ، فلذا ترانا إذا سُقْنا الروايات مَسَاقًا واحدًا لفهم العامة نُكِرُّ عليه بسرد أحاديثها وتخريجها، فقد يَظُن من لا خبرة له أنه تكرار، وقد نوردها في موضعين؛ لمناسبتها لكل منهما، فَليُعْلم ذلك؛ لئلا يُساءَ بالمؤلف الظن. وبالله التوفيق.

стр. 25

البابُ الأوّل في الأَمَارَاتِ البعيدَةِ الّتي ظَهرَت وَانقَرَضت

стр. 26

البَابُ الأوّل في الأَمَارَاتِ البَعِيدَةِ الّتي ظَهَرَتْ وَانقَرَضَتْ وهي كثيرةٌ: فمنها: موت النبي ﷺ : وهو من أَعظم المصائب في الدِّين، بل أعظمها، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "إذا أصيب أحدكم بمصيبة، فليذكر مصيبته بي؛ فإنها أعظم المصائب" رواه ابن سعد، عن عطاء بن أبي رباح. وعن عائشة ﵂؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من أصيب منكم بمصيبة من بعدي، فليتعزَّ بمصيبته بي عن مصيبته التي تُصيبه، فإنه لن يُصاب أحدٌ من أمتي من بعدي بمثل مصيبته بي" رواه الطبراني في "الأوسط". وعن أم سَلمةَ ﵂؛ أنها ذكرت وفاة النبي ﷺ ، فقالت: "يا لها من مُصيبة! ما أُصبنا بعدها من مُصيبة؛ إلَّا هَانت إذا ذكرنا مُصيبتنا به ﷺ " رواه البيهقي. وهو أَولُ فَتْحِ باب الاختلاف؛ حيث قالوا: مِنّا أمير، ومنكم أمير. وعن عوف بن مالك ﵁ رفعه قال: "اُعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس" الحديث. وَروى الطبراني عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن عمر؛ سِتُّ خصال كائنة فيكم: قَبضُ نبيكم" الحديث. وروى نُعيم، عن حذيفة ﵁ حديثًا طويلا؛ منه: فقال: "هيهات

стр. 27

هيهات، والذي بعثني بالحق؛ ليزيدونها يا حذيفة خصالًا سِتًا، أولهن: موتي"، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون" الحديث. وفي الصحيح: "ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا". ومنها: قتل أمير المؤمنين عمر ﵁: ففي "صحيح البخاري": أنَّ عمر سأل حذيفة ﵄ عن الفتنة التي تَمُوج كموج البحر، فقال: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا. قال: أَيُفتح الباب أو يُكسر؟ قال: لا، بل يُكسر. قال: ذاك أحرى أن لا يُغلق. وفيه أنَّ الباب هو عمر ﵁. وَروى الطبراني بسندٍ رجاله ثقات: أنَّ أبا ذر لقي عمر ﵄، فأخذ عمر بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أَرسل يدي يا قُفل الفتنة. الحديث. وفيه: أنَّ أبا ذر ﵁ قال: لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم هذا. وأشار إلى عمر ﵁. وَروى البزار من حديث قدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان؛ أنه قال لعمر ﵄: يا غُلق الفتنة. فسأله عن ذلك -أي فسأل عمر عثمان بن مظعون ﵄ عن سبب تسميته بذلك- فقال: مَرَرت أنت يومًا ونحن جلوس مع النبي ﷺ ، فقال: "هذا غُلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شَديدُ الغَلْق ما عاش". وَروى الخطيب في "الرواة عن مالك": أنَّ عمر ﵁ دخل على امرأته أم كُلثُوم بنت علي ﵄ فوجدها تبكي، فقال: ما يُبكيك، قالت: هذا اليهودي -لكعب الأحبار- يقول: إنك بابٌ من أبواب جَهنم. فقال عمر ﵁ ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه، فسأله عن قوله، فقال: يا أمير المؤمنين؛ والذي نفسي بيده لا يَنسلخُ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا؟ مرةً في الجنة، ومرةً في النار! فقال: إنا لنَجِدكُ في كتابنا على بابٍ من

стр. 28

أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مِتَّ اقتحموا. وفي "صحيح البخاري": أنَّ أبا وائل قال: قلنا لحذيفة ﵁: أَعلِمَ عمرُ مَن الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أنَّ دون غدٍ الليلة، إني حَدّثته حديثًا ليس بالأغاليط. قال: "فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر". وحاصل معنى هذه الأحاديث: أنه ﷺ شَبّه مدة حياة عمر ﵁ بحصنٍ منيع فيه أهل الإسلام، وشبّه شخص عمر ﵁ بباب ذلك الحصن، وفهم ذلك عمر ﵁، وسأل حذيفةَ: أيموت أم يقتل؟ فأخبره أنه يقتل، فقال: ذاك أحرى أن لا يُغلق، فإنَّ الباب إذا كان موجودًا يمكن غَلقُه بعد الفتح، بخلاف ما إذا انكسر. وإنما كان هو الباب دون عثمان ﵁؛ لأنَّ وجود الباب يمنع من دخول العدو للحصن، وإنَّ الفتنة لم تظهر في حياة عمر ﵁؛ لأنَّ وجوده كان بابًا مانعًا من ظهورها، وإنما ظهرت في حياة عثمان ﵁، وَقُتلَ هو فيها، فلو كان هو الباب المانع منها لما ظهرت الفتن في حياته، فاندفع ما استشكله الزركشي من أنَّ الواقع في الوجود يشهد أنَّ الأولى بذلك عثمان ﵁؛ لأنَّ قتله هو سبب افتراق الكلمة. ووجه الاندفاع ظاهرٌ، وسببه كما رواه ابن سعد، عن ابن شهاب: أنَّ عمر ﵁ كان لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غُلامًا عنده صَنْعًا، ويستأذنه أن يُدخِلهُ المدينة، يقول: إنَّ عنده أعمالًا كثيرةً فيها منافع للناس، حَدادٌ، نقاش، نجار. فكتب إليه عمر ﵁، فأذن له أن يُرسل به إلى المدينة، وكان كافرًا مجوسيًا يُدعى: أبا لؤلؤة، وكان خبيثًا، إذا نظر إلى الصبيان الصغار يمسح رؤوسهم ويبكي، ويقول: إنَّ العرب أكلت كبدي. وكان قد ضرب عليه المغيرة مئة درهم في كل شهر، وفي رواية: مئة وعشرين درهمًا، وفي رواية: أربعة دراهم كل يوم.

стр. 29

فجاء إلى عمر ﵁ يشتكي إليه شدة الخراج، فقال له عمر ﵁: ماذا تُحْسِن من العمل؟ فذكر له أعمالًا كثيرة، فقال له عمر ﵁: ما خراجك بكثير في كَفّةِ عملك. فانصرف ساخطًا يتذمر. وفي رواية قال: وما تعمل؟ قال: الأرحاء. وسكت عن سائر أعماله، قال: في كم تعمل الرَّحَى؟ فأخبره، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره، فقال: لقد كلفك يسيرًا، انطلق فأعط مولاك ما سألك. فلما وَلّى قال عمر ﵁: ألا تجعل لنا رحى؟ . وفي رواية: قال له: ألم أُحَدثْ أنك تقول: لو أشاء لصَنعتُ رحى تطحن بالريح؟ ! فالتفت العبد ساخطًا على عمر ﵁، ومع عمر رهط، فقال: لأصنعنَّ لك رحى يَتحدّث الناس بها، فلما وَلّى العبد، أقبل عمر ﵁ على الرهط الذي معه، فقال: أوعدني العبد آنفًا. وفي رواية: قال: بلى؛ أجعل لك رَحى يَتحدّث بها أهل الأمصار. ففزع عمر ﵁ من كلمته، وعليٌّ كرّم الله وجهه معه، فقال: ما تراه أراد؟ قال: أوعدك يا أمير المؤمنين. قال عمر ﵁: يكفينا الله، قد عَلمتُ أنه يريد بكلمته غدرًا. فخرج عمر ﵁ إلى الحج، فلما صدر اضطجع بالمُحصَّب، وجعل رداءه تحت رأسه، فنظر إلى القمر فأعجبه استواؤه وحسنه، فقال: "اللهم؛ إنَّ رعيتي قد كثرت وانتشرت، فاقبضني إليك غير عاجزٍ ولا مضيع". فصدر إلى المدينة. ورأى عمر ﵁ في المنام أنَّ ديكًا أحمر نقره نقرتين أو ثلاثًا بين السُرّة والثُّنَّةِ، فقالت أسماء بنت عُميس أم عبد الله بن جعفر: قولوا له فَليُوص؛ فإنه يقتله رجلٌ من الأعاجم. وكانت تَعبُر الرؤيا. وروى أبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن أبي رافع قالوا: كان أبو لؤلؤة عبدًا للمُغيرة بن شعبة، وكان يَصنعُ الرحى، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين: إِنَّ المغيرة قد

стр. 30

أثقل عليَّ غلتي، فكلّمه يُخفف عني، قال: اتق الله وأحسن إلى مولاك، ومن نية عمر ﵁ أن يَلقى المغيرة فيكلمه فيُخففَ عنه. وفي رواية: أنه كلّمه في أمره ووصى به خيرًا وهو لا يدري، فغضب العبد، وقال: وسع الناس كلهم عدله غيري. فأضمر على قتله، فاصطنع خنجرًا له رأسان، وشحذه، وسمَّه، ثم أتى به إلى الهُرمُزان، فقال: كيف ترى هذا؟ قال: أرى أنك لا تَضربُ به أحدًا إلَّا قتلته. فتحيّن أبو لؤلؤة، فجاء في صلاة الغداة، فخرج عمر ﵁ بدرته يُوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر ﵁ إذا أقيمت الصلاة يتكلّم فيقول: أقيموا صفوفكم. فذهب يقول كما كان يقول، فقام أبو لؤلؤة وراء عمر ﵁، فلما كَبَّر طَعنهُ ثلاث طعنات، طعنة في كتفه، وأخرى في خاصرته، وأخرى تحت سُرّته بين الثُّنةِ والسُّرة، وقد خرقت الصِّفَاق وهي التي قتلته، وطعن ثلاثة عشر رجلًا، فهلك منهم سبعةٌ، وتصايح الناس، فرمى رجلٌ على رأسه بِبُرْنُسٍ، ثم اضطبعه إليه. وفي رواية: فاشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نِصَابه في وسطه، فكمن في زاوية البيت في غَلَس السَّحَر، فلم يزل هنالك حتى خرج عمر ﵁ يُوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فلما دنا عمر ﵁ منه وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السُّرة، ثم انحاز أيضًا على أهل المسجد فطعن من يليه، حتى طعن سوى عمر ﵁ أحد عشر رجلًا، ثم انتحر بخنجره. وفي رواية: فلما رأى أنه أُحِيطَ به قتل نفسه، فقال عمر ﵁: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليُصل بالناس، ثم غَلَب عمر ﵁ النَّزفَ حتى غُشي عليه، فلم يزل في غشيةٍ واحدةٍ حتى أسفر الصبح، فلما أسفر أفاق فنظر في وجوه الناس، فقال: أصلّى الناس؟ قالوا: نعم. فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى، ثم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة؛ غُلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدةٍ سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني، أنا أحبُّ إليها من ذلك. ثم دعا بنبيذ

стр. 31

فشربه، فخرج من جرحه، فقال بعضهم: نبيذ. وقال بعضهم: بل دم. فدعا بلبن، فخرج من جرحه. فلما عَلِم أنه ميتٌ، جعل الأمر شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃. وجعل عبد الله بن عمر ﵄ معهم مشيرًا وليس هو منهم، وَأَجّلهُم ثلاثًا، وأمر صُهيبًا أن يُصلي بالناس، ثم قال: ادعوا لي عليًا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعدًا. فوصاهم، فلما خرجوا من عنده قال: إن ولوها الأجلح -يعني: عليا- سلك بهم الطريق الأقوم. فقال له ابن عمر ﵄: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حيًا وميتًا. رواه ابن سعد، والحارث، وأبو نُعيم في "الحلية"، واللالكائي في "السُّنَّة". عن أبي مطر قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: دَخلتُ على عمر بن الخطاب ﵁ حين وجَأهُ أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يُبكيكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني خبر السماء، أيُذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما لا أُحصيه: "سيدا كُهُول أهل الجنة: أبو بكر، وعمر، وأنعما" فقال: أشاهد أنت لي يا عليّ بالجنة؟ قلت: نعم. قال: وأنت يا حسن؛ فاشهد على أبيك رسول الله ﷺ أنَّ عمر من أهل الجنة. رواه ابن عساكر. وعن أبي أوفى بن حكيم قال: لما كان اليوم الذي مات فيه عمر ﵁ قلت: والله لآتين باب عليِّ بن أبي طالب. فأتيت باب عليٍّ، فإذا الناس يَرقُبُونه، فما لبث أن خرج علينا فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: لله دَرُّ باكية عمر؛ قالت: واعمراه؛ قَوّمَ الأود، وأيّد العمد، واعمراه؛ مات نقي الثوب، بريئًا من العيب، واعمراه؛ ذهب بالسُّنّة، وأبقى الفتنة. صدقت؛ أصاب والله ابن الخطاب خيرها، ونجا من شرها. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ قال: إني لواقفٌ في قوم

стр. 32

ندعوا الله لعمر بن الخطاب ﵁ وقد وُضع على سريره، إذا رجل من خلفي وضع مرفقيه على منكبي يقول: رحمك الله، إن كُنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيرًا ما كُنت أسمع النبي ﷺ يقول: "كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر"، وإن كُنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. فَالْتَفتُّ فإذا هو عليّ بن أبي طالب ﵁. وفي لفظ له: عن ابن أبي مُليكة؛ أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: وُضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلَّا رجلٌ آخذ منكبي، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خَلّفتَ أحدًا أَحبُّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله؛ إن كنت لأَظُن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحَسبتُ أني كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر". فائِدَة في شرح "البخاري" للقسطلاني: أنَّ الشمس كُسِفت يوم مات عمر ﵁، وأنَّ الأرض أظلمت، فجعل الصبي يقول لأُمه: يا أماه؛ أقامت القيامة؟ فتقول: لا يا بني، ولكن قُتل عمر. وأنَّ الجن نَاحَت على عمر ﵁ قبل أن يموت بثلاث، فقالت: أَبَعْدَ قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَظْلَمَتْ ... لَهُ الأَرْضُ تَهْتَزُّ العِضَاةُ بِأَسْوُقِ جَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ إِمَامٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يُسْبَقِ قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفْتَقِ وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَمَاتُهُ ... بِكَفَّيْ سَبَنْتَى أَزْرَقِ الْعَيْنِ مُطْرِقِ

стр. 33

تَنبيْه (العِضَاةُ) -بكسر العين المهملة والضاد المعجمة، جمع عِضَهَة؛ كعِنَبة، وعِضَه؛ كعِنَب. وهو كالعِضَاهة؛ بالكسر-: أعظم الشجر أو الخمط، أو كل ذات شوكٍ، أو ما عَظُمَ منها وطال. و(أسْوُق): جمع ساق، هُمزت واوه لتحتمل الضمة، كذا في "القاموس". يعني: أَبعد قتل عمر ﵁؛ تَهتزُّ الأشجار على سوقها؟ ! و(البوائق) -جمع بائقة- وهي: الداهية. و(الأكمام) -جمع كِمًّ؛ بكسر الكاف، وقد يضم-: غطاء الزهر والورد قبل أن يتفتق. يعني: تركت دواهي وفتنًا مستورة في أغطيتها لم تظهر في حياتك، وإنما تظهر بعدك. و (أخشى) بمعنى: أظن. و(الحِمام) -بكسر الحاء المهملة-: الموت. يعني: ما كنت أظن أنَّ موته يكون بكَفِّ. و(سَبنتى)، و (سَبندى) -بالتاء والدال؛ بوزن فَعنلى-: النَّمِر. و(المُطرق): المُغْضب. ولنرجع إلى بقية حديث "البخاري": قال ابن عباس ﵄: فلما قُبض عمر ﵁ خرجنا به، فانطلقنا نمشي -يعني: إلى حُجرة عائشة-، فَسلّم عبد الله بن عمر، وقال: يَستأذنُ عمر بن الخطاب. قالت: أدخلوه. فَأُدخل، فَوُضِع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط -يعني: أهل الشورى- فقال عبد الرحمن ﵁: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير ﵁: قد جعلت أمري إلى عليّ. وقال طلحة ﵁: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد ﵁: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن ﵁: أيكما تبرأ من هذا

стр. 34

الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه. فأسكت الشيخان -يعني: عليًا، وعثمان-، فقال عبد الرحمن ﵁: أفتجعلونه إليَّ، والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما -يعني: عليًا- فقال: لك من قرابة رسول الله ﷺ ، والقِدَم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أَمَّرتُك لتعدلن، ولئن أَمَّرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعن، قال: نعم. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعَه، فبايع له عَليٌّ، ثم وَلجَ أهل الدار فبايعوه. زاد الطبراني في روايته: أنَّ عبد الرحمن دار تلك الليلة كلها على الصحابة ومن وافى المدينة من أشراف الناس، لا يخلو برجلٍ منهم إلَّا أمره بعثمان، فقال: يا علي؛ إني سألت الناس كلهم؛ فما رأيتهم يعدلون بعثمان. تَنبيْه عُلِم من هذه الأحاديث أنَّ عمر ﵁ كان أحبَّ الناس إلى عليّ، وأنَّ عليًا كان أحبَّ الناس إلى عمر ﵄؛ كما يدل عليه قوله: إن ولوها الأَجْلَح. الحديث، وأنه إنما لم يُولّهِ الخلافة مع إخباره بأولويته؛ مخافة أن يصدر من الخليفة أمرٌ فيكون هو المسؤول عنه؛ لعلمه أنَّ الفتن تقع بعده، ولهذا قال: "لا أتحملها حيًا وميتًا". في جواب عبد الله بن عمر ﵄: فما يمنعك أن تولّي عليًا؟ وظهر بهذا كَذِبُ الرافضة وافتراؤهم أنَّ عليًا واطأ أبا لؤلؤة في قتل عمر ﵄، وأنه إنما قتله عن أَمْرِ علي ﵁، وأنَّ عمر ﵁ إنما جعل الخلافة شورى بين ستة؛ ليصرفها عن علي ﵁، وأنَّ عبد الرحمن بن عوف ﵁ باطن عثمان ﵁ على ذلك. إلى غير ذلك من الزُّور والبُهتان، فقاتلهم الله أَنّى يُؤفَكون، وقاتلهم الله بما يفترون، فَإنّا لله وَإنّا إليه راجعون. ومنها: قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: عن الزبير ﵁ أنه قال: قتَل النبي ﷺ يوم الفتح رجُلًا من قريش صَبرًا، ثم قال ﷺ : "لا يُقتل قُرشي بعد هذا اليوم صبرًا إلَّا

стр. 35

رَجُلٌ قتل عثمان بن عفان فاقتلوه، فَإلَّا تَفعلوا تُقتلوا قَتْل الشاء" رواه البزار والطبراني. وعن أبي هريرة ﵁؛ أنه قال وعثمان ﵁ محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنةٌ واختلاف -أو اختلافٌ وفتنة- قال: قلنا: فما تَأمُرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمير وأصحابه. وأشار إلى عثمان" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي. وعن عائشة ﵂؛ أنَّ رسول الله ﷺ دعا عثمان ﵁ فجعل يُسِر إليه ولون عثمان يتغير، فلما كان يَومُ الدار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا، إنَّ رسول الله ﷺ عَهد إليَّ أمرا فأنا صابر عليه. رواه ابن ماجه، والحاكم، وصححه، والبيهقي، وأبو نُعيم. وعن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ : "ذات يوم تهجمون على رجلٍ معتجرٍ ببُردة يبايع الناس من أهل الجنة"، فهجمت على عثمان وهو معتجرٌ ببُردة حِبَرةٍ يبايع الناس. رواه الحاكم وصححه. وعن مُرّة بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ذَكر فتنة فَقَرّبها، فمر به رجل مُقنع بثوب، فقال: "هذا يومئذ على الهدى"، فَقُمتُ إليه؛ فإذا هو عثمان ﵁. وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ لعثمان: "إنَّ الله مُقمِّصَكَ قميصًا -أي: مُوليك الخلافة- فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه". وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عثمان؛ إنك ستلي الخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصُم في ذلك اليوم تفطر عندي" رواه ابن عدي، وابن عساكر. وعن حذيفة ﵁ قال: أَوّلُ الفتن قتل عثمان، وآخرها خروج الدجال. وزاد ابن عساكر في روايته: والذي نفسي بيده؛ ما من رجل في قلبه مثقال حبة من

стр. 36

قتل عثمان؛ إلَّا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره. وسبب قتله بالاختصار: أنهم انتقدوا عليه بعض الأمور؛ منها: أنه وَلَّى محمد بن أبي بكر مصر، فلما كان في بعض الطريق، إذا بغلام عثمان ﵁ على ناقته متوجهًا نحو مصر، فأتوا به، فسألوه عن الخبر، فلم يُخبرهم، ففتشوه، فلقوا معه كتابًا إلى العامل بمصر يأمُرُه فيه بقتله، فرجع إلى المدينة، فاجتمع عليه أربعة آلاف من أوباش مصر، ورئيسهم ابن عُديس، وابن تميم، وغيرهما، وسألوه -أي: عئمان ﵁ عن الكتاب والغلام، فقال: لا علم لي به. فقالوا: إنَّ هذا فِعْلَ مروان. وعرفوا خطه، وقالوا: فادفعه إلينا. فلم يفعل، فأرادوه على أن يعزل نفسه، فلم يفعل؛ امتثالًا للحديث المارِّ: "إنَّ الله مُقمِّصك قميصًا. . .". وكانوا لما هجموا المدينة، كان عثمان ﵁ يخرج فيصلي بالناس وهم يُصلون خلفه شهرًا، ثم خرج في آخر جُمعةٍ خرج فيها، فَحَصَبُوه حتى وقع عن المنبر ولم يقدر أن يُصلي بهم، فَصلّى بهم يومئذ أبو أُمامةَ سهل بن حُنَيف، فمنعوه، وكان يُصلّي ابن عُديس تارة، وكنانة بن بشر أخرى، فبقوا على ذلك عشرة أيام، وكان طَلحة يُصلي بهم، وأكثر ما كان يصلي بهم علي ﵁، وهو الذي صَلّى بهم العيد، فحاصروه؛ قيل: عشرة أيام، وقيل: أربعين يومًا. ويمكن الجمعُ بأنَّ ثلاثين يومًا كان يخرج للصلاة، وعشرة شَدّدوا عليه الحصار ومنعوه من الخروج للصلاة، ومنعوه الماء، فجاءت الأنصار إلى الباب وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن شئت كُنا أنصار الله مرتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ كُفُّوا، إنَّ رسول الله ﷺ عَهِد إلي عَهدًا وأنا صائرٌ إليه. وجاء علي كرم الله وجهه في جماعةٍ من بني هاشم يُريد نصره. فقال: كُلّ من لي عهدٌ في ذمته يَكُف عن القتال. فأخذ عليّ ﵁ عمامته ورمى بها في صحن داره، وقال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، ومنعوه الماء العذب، فأرسل عليٌّ الحسنَ والحسينَ وعبدَ الله بن جعفر ﵃ في فتيةٍ من بني هاشم بثلاث قِرَبٍ من الماء، فحالوا دونهم، فحملوا عليهم حتى جُرِح الحسن أو الحسين بن علي ﵃، وسال الدَمُ على وجهه،

стр. 37

وأوصلوه الماء، فلما رأوا ذلك خافوا بني هاشم، وتركوا الباب، ونَقبُوا البيت من ظهره، وكان عنده في الدار عَبيدُهُ الكثيرون، فأرادوا أن يمنعوا عنه، فقال: من أغمد سيفه فهو حُر. ومنعهم من ذلك. وكان ممن دخل عليه الدار: محمد بن أبي بكر ﵁ فذكر له بعض مناقبه في الإسلام، ويقول: أَنشدُك الله ألم تعلم كذا؟ ألم تعلم كذا؟ وَكُلّ ذلك يقول محمد: نعم. ثم قال له: لو رأى أبو بكر مكانك هذا مني لساءه ذلك، فخرج محمد، ودخل عليه جماعةٌ فقتلوه في أواسط أيام التشريق والمصحف بين يديه، سنة خمس وثلاثين من الهجرة عن ثمان وثمانين سنة من العُمْرِ، وقيل: أكثر، وقيل: أقل. ورأى في ليلة يوم قُتل فيه النبيَّ ﷺ قال له: "يا عثمان؛ أفطر عندنا". فأصبح صائمًا، وقتل وهو صائم. رَوى ابن منيع في "مسنده" من طريق النُعمان بن بشير، عن نَائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁؛ قالت: لما حُصِر عثمان ﵁ ظل صائمًا، فلما كان عند الإفطار سألهم الماء العذب، فمنعوه، فبات، فلما كان في السَّحَر قال: إنَّ رسول الله ﷺ اطلع عليَّ من هذا السقف ومعه دلوٌ من ماء، فقال: "اشرب يا عثمان"، فشربت حتى رويت، ثم قال: "ازدد"، فشربت حتى تملأت. وَروى الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"، عن مُهاجر بن حبيب قال: بعث عثمان إلى عبد الله بن سَلام وهو مَحصُور، فقال له: ارفع رأسك ترى هذه الكُّوّة، فإنَّ رسول الله ﷺ أشرف منها هذه الليلة، فقال: "يا عثمان؛ أحصروك؟ ! " قلت: نعم. فأدلى دلوًا فشربت منه، فإني لأجِدُ بَرْدَهُ على كبدي، ثم قال لي: "إن شئت دَعوتُ الله فينصرك عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا"، فاخترت الفطر عنده، فقُتل في يومه. وفي "تنوير الحلك" للسيوطي، مَعزُوًا لابن باطيش في كتاب "مزيل

стр. 38

الشبهات": عن عبد الله بن سلام: أتيت عثمان ﵁ وهو مَحصُور، فقال: مرحبًا يا أخي، رأيت رسول الله ﷺ في هذه الخوخة، فقال ﷺ : "يا عثمان؛ أحصروك؟ " قلت: نعم. قال: "عطشوك؟ " قلت: نعم. فأدلى لي دلوًا فيه ماء، فشربت حتى رَويتُ، وحتى أني لأجد بَردَهُ بين ثديي وبين كتفي. فقال ﷺ : "إن شئت نُصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا؟ " فاخترت أن أفطر عنده، فقتل ذلك اليوم. وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت صوتًا يوم قتل عثمان: "أبشر يا بن عفان برَوْح وريحان، أبشر يا بن عفان بربٍّ غير غَضْبان، أبشر يا بن عفان بغُفران ورِضوان. فالتفت فلم أر أحدًا" رواه أبو نُعيم. وَروى الطبراني، وأبو نُعيم: عن سهم بن حُبيش قال: دفنا عثمان ﵁ ليلًا، فغشينا سوادٌ من خلفنا، فهبناه حتى كدنا أن نَتفرّقَ عنه، فنادى مُنادٍ: لا رَوْعَ عليكم، اثبتوا؛ فإنَّا قد جئنا لنشهده معكم. فكان ابن حبيش يقول: هم والله الملائكة. وَروى أبو نُعيم، عن عروة ﵁ قال: مكث عثمان ﵁ في حَشِّ كوكب مطروحًا ثلاثًا لا يدفنونه، حتى هتف بهم هاتف: ادفنوه ولا تصلوا عليه؛ فإنَّ الله قد صَلّى عليه. وكان الذين خرجوا عليه: عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وكنانة بن بشر -أحد رؤوس الخوارج-، وآخرون ساروا بأهل مصر، واجتمع عليهم خَلقٌ من أوباشِ الناس، وقُتل عبد الرحمن هذا وأصحابه بعد عام، أو عامين بجبل لبنان. وقد روى البيهقي، وأبو نُعيم: أنَّ النبي ﷺ قال: "يخرج أناس يمرقون من الدَّين كما يَمرُق السهم من الرمية، يُقتلون في جبل لبنان"، أورده السيوطي في "الخصائص". وروى أبو نُعيم، عن عثمان بن مُرّة، عن أمه؛ قالت: سَمعتُ الجن تَنُوحُ على

стр. 39

عثمان ﵁ فوق مسجد رسول الله ﷺ ثلاث ليال، فكان مما قالوا: لَيلةَ الحصبة إذ ... يَرمُون بالصَّخْر الصِّلاب ثُمّ جاؤوا بُكرةً ... يَبغُون صقرًا كالشِّهاب زَينهم في الحيِّ والـ ... مجلس فَكَّاكُ الرِّقاب وكان علي ﵁ حين قُتل في أرضٍ له، فجاءه الخَبرُ، فَدُهش من شدة ما سمع، فجاء ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين ﵄، وسب عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، وقال: أيقتل عثمان وأنتم أحياء؟ ! فاعتذروا بأنهم ما عَلِمُوا. وصَحّ أنه أشرف من كُوَّةٍ فقال لعلي ﵁: يا أبا الحسن؛ ما هذا الذي ركب متني؟ فقال: اصبر يا أبا عبد الله، فوالله ما غِبتُ عن رسول الله ﷺ حين كُنا على أُحُدٍ، فتحرك الجبل ونحن عليه، فقال ﷺ : اثبت أُحُد؛ فإنه ليس عليك إلَّا نبي، أو صِدِّيقٌ، أو شهيد"، وايم الله لتُقتلن، ولأقتلن معك -أي: بعدك-، وليُقتلن طلحة، والزبير. وصح أنه استشهد جماعة من الصحابة منهم: علي، وطلحة، والزبير ﵃ على أنه اشترى الجنة من النبي ﷺ مرات، فشهدوا له، فقال الخارجون عليه: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ. فقال: ويلكُم، كيف يُغير من هذا حَاله؟ ! ثم ذكر أنهم سيقولون ذلك في غيره أيضًا، وكان كذلك، فإنهم قالوا في علي ﵁ حين خرجت عليه الخوارج، فاستشهد الصحابةَ في خُصُوصياته، فشهدوا له، فقالوا: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ. ومنها: وقعة الجمل: رَوى الحاكم عن علي وطلحة ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال للزبير: "أتحب عليًا؟ ! أما إنك سَتخرُجُ عليه وتقاتله، وأنت له ظالم".

стр. 40

وروى هو، وأحمد عن عائشة ﵂؛ أنه ﷺ قال لها: "كيف بإحداكُن إذا نَبحتها كِلابُ حوأب! ". وَروى ابن أبي شيبة، والبزار بسندٍ رجاله ثقات عن ابن عباس ﵄، والحاكم من حديث قيس بن أبي حازم: أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟ ؛ تسير-أو تخرج- حتى تَنْبحها كِلابُ الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت". تَنبيْهَان الأول: قال الدَّميري في "حياة الحيوان": قال ابن دِحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب "العواصم والقواصم" له، وذكر أنه لا يوجد له أصل، وهو أشهر من فَلَقِ الصبْح. الثاني: الأَدْبَب؛ بهمزة مفتوحة، ودال مهملة ساكنة، وموحدتين؛ الأولى مفتوحة. قال في "القاموس": الأَدبُّ: الجمل الكثير الشعر، وبإظهار التضعيف جاء في الحديث: "صاحبة الجمل الأدبب". اهـ قال الطائي في "شرح التسهيل": "فَكُّ الإدغام على غير القياس؛ لمناسبة الحوأب". اهـ بمعناه. وَروى أحمد، والطبراني عن أبي رافع؛ أنَّ النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "سيكون بينك وبين عائشة أمر"، قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله. فقال: "لا، ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها". وروى نُعيم بن حماد في "الفتن" بسندٍ صحيح عن طاوس؛ أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن تَنْبحُها كذا وكذا؟ " فضحكت عائشة متعجبة، فقال: "انظري لا تكوني أنت يا حُميراء". وعن أُم سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ذَكَر النبي ﷺ خُروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة ﵂، فقال: "انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت"، ثم التفت إلى علي ﵁، فقال: "إن وليت من أمرها
следующие страницы →