← Акыда

Акыда · id 132618

الإشاعة لأشراط الساعة

البرزنجي

Полный текст (356 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قتل عثمان؛ إلَّا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره. وسبب قتله بالاختصار: أنهم انتقدوا عليه بعض الأمور؛ منها: أنه وَلَّى محمد بن أبي بكر مصر، فلما كان في بعض الطريق، إذا بغلام عثمان ﵁ على ناقته متوجهًا نحو مصر، فأتوا به، فسألوه عن الخبر، فلم يُخبرهم، ففتشوه، فلقوا معه كتابًا إلى العامل بمصر يأمُرُه فيه بقتله، فرجع إلى المدينة، فاجتمع عليه أربعة آلاف من أوباش مصر، ورئيسهم ابن عُديس، وابن تميم، وغيرهما، وسألوه -أي: عئمان ﵁ عن الكتاب والغلام، فقال: لا علم لي به. فقالوا: إنَّ هذا فِعْلَ مروان. وعرفوا خطه، وقالوا: فادفعه إلينا. فلم يفعل، فأرادوه على أن يعزل نفسه، فلم يفعل؛ امتثالًا للحديث المارِّ: "إنَّ الله مُقمِّصك قميصًا. . .". وكانوا لما هجموا المدينة، كان عثمان ﵁ يخرج فيصلي بالناس وهم يُصلون خلفه شهرًا، ثم خرج في آخر جُمعةٍ خرج فيها، فَحَصَبُوه حتى وقع عن المنبر ولم يقدر أن يُصلي بهم، فَصلّى بهم يومئذ أبو أُمامةَ سهل بن حُنَيف، فمنعوه، وكان يُصلّي ابن عُديس تارة، وكنانة بن بشر أخرى، فبقوا على ذلك عشرة أيام، وكان طَلحة يُصلي بهم، وأكثر ما كان يصلي بهم علي ﵁، وهو الذي صَلّى بهم العيد، فحاصروه؛ قيل: عشرة أيام، وقيل: أربعين يومًا. ويمكن الجمعُ بأنَّ ثلاثين يومًا كان يخرج للصلاة، وعشرة شَدّدوا عليه الحصار ومنعوه من الخروج للصلاة، ومنعوه الماء، فجاءت الأنصار إلى الباب وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن شئت كُنا أنصار الله مرتين، فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ كُفُّوا، إنَّ رسول الله ﷺ عَهِد إلي عَهدًا وأنا صائرٌ إليه. وجاء علي كرم الله وجهه في جماعةٍ من بني هاشم يُريد نصره. فقال: كُلّ من لي عهدٌ في ذمته يَكُف عن القتال. فأخذ عليّ ﵁ عمامته ورمى بها في صحن داره، وقال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾، ومنعوه الماء العذب، فأرسل عليٌّ الحسنَ والحسينَ وعبدَ الله بن جعفر ﵃ في فتيةٍ من بني هاشم بثلاث قِرَبٍ من الماء، فحالوا دونهم، فحملوا عليهم حتى جُرِح الحسن أو الحسين بن علي ﵃، وسال الدَمُ على وجهه،

стр. 37

وأوصلوه الماء، فلما رأوا ذلك خافوا بني هاشم، وتركوا الباب، ونَقبُوا البيت من ظهره، وكان عنده في الدار عَبيدُهُ الكثيرون، فأرادوا أن يمنعوا عنه، فقال: من أغمد سيفه فهو حُر. ومنعهم من ذلك. وكان ممن دخل عليه الدار: محمد بن أبي بكر ﵁ فذكر له بعض مناقبه في الإسلام، ويقول: أَنشدُك الله ألم تعلم كذا؟ ألم تعلم كذا؟ وَكُلّ ذلك يقول محمد: نعم. ثم قال له: لو رأى أبو بكر مكانك هذا مني لساءه ذلك، فخرج محمد، ودخل عليه جماعةٌ فقتلوه في أواسط أيام التشريق والمصحف بين يديه، سنة خمس وثلاثين من الهجرة عن ثمان وثمانين سنة من العُمْرِ، وقيل: أكثر، وقيل: أقل. ورأى في ليلة يوم قُتل فيه النبيَّ ﷺ قال له: "يا عثمان؛ أفطر عندنا". فأصبح صائمًا، وقتل وهو صائم. رَوى ابن منيع في "مسنده" من طريق النُعمان بن بشير، عن نَائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁؛ قالت: لما حُصِر عثمان ﵁ ظل صائمًا، فلما كان عند الإفطار سألهم الماء العذب، فمنعوه، فبات، فلما كان في السَّحَر قال: إنَّ رسول الله ﷺ اطلع عليَّ من هذا السقف ومعه دلوٌ من ماء، فقال: "اشرب يا عثمان"، فشربت حتى رويت، ثم قال: "ازدد"، فشربت حتى تملأت. وَروى الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"، عن مُهاجر بن حبيب قال: بعث عثمان إلى عبد الله بن سَلام وهو مَحصُور، فقال له: ارفع رأسك ترى هذه الكُّوّة، فإنَّ رسول الله ﷺ أشرف منها هذه الليلة، فقال: "يا عثمان؛ أحصروك؟ ! " قلت: نعم. فأدلى دلوًا فشربت منه، فإني لأجِدُ بَرْدَهُ على كبدي، ثم قال لي: "إن شئت دَعوتُ الله فينصرك عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا"، فاخترت الفطر عنده، فقُتل في يومه. وفي "تنوير الحلك" للسيوطي، مَعزُوًا لابن باطيش في كتاب "مزيل

стр. 38

الشبهات": عن عبد الله بن سلام: أتيت عثمان ﵁ وهو مَحصُور، فقال: مرحبًا يا أخي، رأيت رسول الله ﷺ في هذه الخوخة، فقال ﷺ : "يا عثمان؛ أحصروك؟ " قلت: نعم. قال: "عطشوك؟ " قلت: نعم. فأدلى لي دلوًا فيه ماء، فشربت حتى رَويتُ، وحتى أني لأجد بَردَهُ بين ثديي وبين كتفي. فقال ﷺ : "إن شئت نُصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا؟ " فاخترت أن أفطر عنده، فقتل ذلك اليوم. وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت صوتًا يوم قتل عثمان: "أبشر يا بن عفان برَوْح وريحان، أبشر يا بن عفان بربٍّ غير غَضْبان، أبشر يا بن عفان بغُفران ورِضوان. فالتفت فلم أر أحدًا" رواه أبو نُعيم. وَروى الطبراني، وأبو نُعيم: عن سهم بن حُبيش قال: دفنا عثمان ﵁ ليلًا، فغشينا سوادٌ من خلفنا، فهبناه حتى كدنا أن نَتفرّقَ عنه، فنادى مُنادٍ: لا رَوْعَ عليكم، اثبتوا؛ فإنَّا قد جئنا لنشهده معكم. فكان ابن حبيش يقول: هم والله الملائكة. وَروى أبو نُعيم، عن عروة ﵁ قال: مكث عثمان ﵁ في حَشِّ كوكب مطروحًا ثلاثًا لا يدفنونه، حتى هتف بهم هاتف: ادفنوه ولا تصلوا عليه؛ فإنَّ الله قد صَلّى عليه. وكان الذين خرجوا عليه: عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وكنانة بن بشر -أحد رؤوس الخوارج-، وآخرون ساروا بأهل مصر، واجتمع عليهم خَلقٌ من أوباشِ الناس، وقُتل عبد الرحمن هذا وأصحابه بعد عام، أو عامين بجبل لبنان. وقد روى البيهقي، وأبو نُعيم: أنَّ النبي ﷺ قال: "يخرج أناس يمرقون من الدَّين كما يَمرُق السهم من الرمية، يُقتلون في جبل لبنان"، أورده السيوطي في "الخصائص". وروى أبو نُعيم، عن عثمان بن مُرّة، عن أمه؛ قالت: سَمعتُ الجن تَنُوحُ على

стр. 39

عثمان ﵁ فوق مسجد رسول الله ﷺ ثلاث ليال، فكان مما قالوا: لَيلةَ الحصبة إذ ... يَرمُون بالصَّخْر الصِّلاب ثُمّ جاؤوا بُكرةً ... يَبغُون صقرًا كالشِّهاب زَينهم في الحيِّ والـ ... مجلس فَكَّاكُ الرِّقاب وكان علي ﵁ حين قُتل في أرضٍ له، فجاءه الخَبرُ، فَدُهش من شدة ما سمع، فجاء ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين ﵄، وسب عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، وقال: أيقتل عثمان وأنتم أحياء؟ ! فاعتذروا بأنهم ما عَلِمُوا. وصَحّ أنه أشرف من كُوَّةٍ فقال لعلي ﵁: يا أبا الحسن؛ ما هذا الذي ركب متني؟ فقال: اصبر يا أبا عبد الله، فوالله ما غِبتُ عن رسول الله ﷺ حين كُنا على أُحُدٍ، فتحرك الجبل ونحن عليه، فقال ﷺ : اثبت أُحُد؛ فإنه ليس عليك إلَّا نبي، أو صِدِّيقٌ، أو شهيد"، وايم الله لتُقتلن، ولأقتلن معك -أي: بعدك-، وليُقتلن طلحة، والزبير. وصح أنه استشهد جماعة من الصحابة منهم: علي، وطلحة، والزبير ﵃ على أنه اشترى الجنة من النبي ﷺ مرات، فشهدوا له، فقال الخارجون عليه: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ. فقال: ويلكُم، كيف يُغير من هذا حَاله؟ ! ثم ذكر أنهم سيقولون ذلك في غيره أيضًا، وكان كذلك، فإنهم قالوا في علي ﵁ حين خرجت عليه الخوارج، فاستشهد الصحابةَ في خُصُوصياته، فشهدوا له، فقالوا: صدقوا، ولكنك غَيّرتَ. ومنها: وقعة الجمل: رَوى الحاكم عن علي وطلحة ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال للزبير: "أتحب عليًا؟ ! أما إنك سَتخرُجُ عليه وتقاتله، وأنت له ظالم".

стр. 40

وروى هو، وأحمد عن عائشة ﵂؛ أنه ﷺ قال لها: "كيف بإحداكُن إذا نَبحتها كِلابُ حوأب! ". وَروى ابن أبي شيبة، والبزار بسندٍ رجاله ثقات عن ابن عباس ﵄، والحاكم من حديث قيس بن أبي حازم: أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟ ؛ تسير-أو تخرج- حتى تَنْبحها كِلابُ الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت". تَنبيْهَان الأول: قال الدَّميري في "حياة الحيوان": قال ابن دِحية: والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب "العواصم والقواصم" له، وذكر أنه لا يوجد له أصل، وهو أشهر من فَلَقِ الصبْح. الثاني: الأَدْبَب؛ بهمزة مفتوحة، ودال مهملة ساكنة، وموحدتين؛ الأولى مفتوحة. قال في "القاموس": الأَدبُّ: الجمل الكثير الشعر، وبإظهار التضعيف جاء في الحديث: "صاحبة الجمل الأدبب". اهـ قال الطائي في "شرح التسهيل": "فَكُّ الإدغام على غير القياس؛ لمناسبة الحوأب". اهـ بمعناه. وَروى أحمد، والطبراني عن أبي رافع؛ أنَّ النبي ﷺ قال لعلي ﵁: "سيكون بينك وبين عائشة أمر"، قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله. فقال: "لا، ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها". وروى نُعيم بن حماد في "الفتن" بسندٍ صحيح عن طاوس؛ أن رسول الله ﷺ قال لنسائه: "أيتكن تَنْبحُها كذا وكذا؟ " فضحكت عائشة متعجبة، فقال: "انظري لا تكوني أنت يا حُميراء". وعن أُم سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ذَكَر النبي ﷺ خُروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة ﵂، فقال: "انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت"، ثم التفت إلى علي ﵁، فقال: "إن وليت من أمرها

стр. 41

شيئًا فارفق بها" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي. وعن حُذيفة ﵁ أنه قال: "لو حَدّثتُكم أن بعض أمهات المؤمنين تغزوكم في كتيبة تَضربُكم بالسيف؛ ما صَدقْتمُوني". قالوا: سبحان الله! ومن يُصدّق بهذا؟ ! قال: "أتتكم الحميراء في كتيبة تسوقها أعلاجها" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي، وقال: أَخبر بهذا حُذيفة ومات قبل مَسِير عائشة ﵄. وسبب ذلك: قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": قد جمع عمر بن شبّة في كتاب "أخبار البصرة" قصة الجمل مطولة، وها أنا أُلخصها وأقتصر على ما أورده بسندٍ صحيح، أو حسن. انتهى فنذكر حاصله هنا مُختصرًا: وهو أنه لما كان الغَدُ من قتل عثمان ﵁ خرج علي ﵁ ومعه سفيان الثقفي فدخل المسجد، فإذا جماعةٌ على طلحة، فخرج أبو جهم بن حُذيفة فقال: يا علي؛ ألا ترى؟ فلم يَتكلّم، ودخل بيته فأتي بثريد فأكل، ثم قال: يُقتل ابن عمي ويُغلب على مُلكه؟ ! فخرج فأتاه الناس وهو في سوق المدينة فقالوا: ابسُط يَدك نُبايعك. فقال: حتى يتشاور الناس. فقال بعضهم: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ﵁، ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة، فأخذ الأشتر بيده فبايعوه، وذهب إلى بيت المال ففتحه، فلما تسامع الناسُ تركوا طلحة، فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزبير ﵄ فبايعاه، ثم إنهما ندما على خِذلان عثمان ﵁، فطلبوا أن يُقتل قَتلةُ عثمان ﵁، فلم يُجِبهما؛ وذلك لأنَّ قاتله كان غير معلوم، وكان ينتظِرُ أولياء عثمان ﵁ أن يتحاكموا إليه، ثم استأذناه في العُمرة، فأخذ عليهما العهود وأذن لهما، فلقيا عائشة ﵂، فاتفقا معها على الطلب بدم عثمان ﵁، وكان يعلى بن أمية عامل عثمان ﵁ على صنعاء، وكان عظيم الشأن عنده، وكان مُتمولًا، فقدم حاجًّا فأعانهما بأربع مئة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قريش، واشترى لعائشة ﵂ جملًا -يقال له: عسكر- بثمانين دينارًا. وكان علي ﵁ يقول: أتدرُونَ بمن ابتليتُ؟ بأطوع الناس في الناس؛

стр. 42

عائشة، وأدهى الناس طلحة، وأشد الناس الزبير، وأثرى الناس يعلى بن أمية. فتوجهوا إلى البصرة، فنزلوا بعض مياه بني عامر، فنبحت الكلاب، فقالت عائشة ﵂: أي ماء هذا؟ قالوا: الحَوْأب -أي: بفتح المهملة، وسكون الواو بعدها همزة، ثم موحدة بوزن: كوكب. قال في "القاموس": موضعٌ بالبصرة، وقال الدَّميري: نهر بقرب البصرة- قالت: ما أظنني إلَّا راجعة. فقال لها الزبير: بل تَقْدُمِين، فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم. قالت: ما أظنني إلَّا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كيف بإحداكُن إذا نَبَحتها كلابُ الحوأب؟ ! " رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم، والبيهقي، وأبو نُعيم: عن قيس، قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر، نبحت عليها الكلاب. فذكره. فقدموا البصرة فتعجب الناس، وسألوهم عن مسيرهم، فذكروا أنهم خرجوا غَضَبًا لعثمان ﵁، وتوبةً لما صنعوا من خِذلانه، وقبضوا على عامل علي ﵁ عليها؛ ابن الأحنف، وأقبل عليٌّ ﵁ لما سمع بخروجهم من المدينة ومعه تسع مئة راكب، فنزل بذي قار، فبلغه أنَّ أهل البصرة اجتمعوا لطلحة والزبير ﵄، فشق ذلك على أصحابه، فقال: والذي لا إله غيره لتَظْهرُن على أهل البصرة، ولتقتلُن طلحة والزبير، وبعث ابنه الحسن وعمارًا ﵄ إلى أهل الكوفة يَستنفِرهم، فدخلا المسجد، وصَعِدا المنبر، وكان الحسنُ في أعلى المنبر، وقام عمار أسفل منه، فَتكلّم عمار ﵁، وقال: إنَّ أمير المؤمنين بعثنا إليكم يَستَنفِرُكم، فإنَّ أُمَّنا قد سارت إلى البصرة، والله إني أقول لكم هذا، ووالله إنها لزَوجة نَبيكُم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا؛ ليعلم إياه نُطيع، أو إياها. وقال الحسن ﵁: إنَّ أمير المؤمنين يقول: إني أُذَكِّرُ الله رجُلًا رعى لله حقًا إلَّا نفر، فإن كُنْت مظلومًا أعانني، وإن كُنْتُ ظالمًا أخذ مني، والله إنَّ طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا، ولم أستأثر بمال، ولا بدلت حُكمًا. فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، ولما قدم قام إليه قيس بن سعد بن عبادة، وابن

стр. 43

الكَوّا، فقالا: أخبرنا عن مسيرك هذا؛ أوصية أوصاك به رسول الله ﷺ ، أم رأيٌ رأيته؟ فقال: أما والله لئن كُنت أول من صَدّق رسول الله ﷺ فلا أكون أَوّل من كَذبَ عليه، والله لأن يَكُون عَهدٌ من رسول الله ﷺ إليَّ فلا، ولكن ما مات رسول الله فجأةً، ولا قُتل قتلًا، ولقد مَكث في مرضه أيامًا وليالي؛ كُلّ ذلك يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيقول: "مروا أبا بكر فَليصَلِّ بالناس"، ولقد تركني وهو يرى مكاني، وما كنت غائبًا، ولو عهد إليَّ شيئًا لقمت به، حتى إنَّ امرأةً من نسائه عارضت في ذلك؛ فقالت: إنَّ أبا بكر رجلٌ رقيق إذا قام مقامك لم يُسْمِع الناس، فلو أمرت عمر فَلُيصلِّ بالناس؟ فقال ﷺ : "إنكن صواحب يوسف". فلما قُبض رسول الله ﷺ نظرنا فإذا رسول الله قد وَلاهُ أمر ديْننا، فَولينَاهُ أمر دنيانا، فبايعته في المسلمين ووفيت بيعته، ثم بايعت عمر ﵁ ووفيت بيعته، ثم بايعت عثمان ﵁ ووفيت بيعته، فعدا الناس عليه فقتلوه وأنا مُعْتزلٌ عنهم، ثم وَلّوني، ولولا الخشية على الدِّين ما أجبتهم، ثم وثب فيها من ليس سابقته كسابقتي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي. يعني: معاوية ﵁. قالوا: صدقت، فأخبرنا عن قتالك لهذين صاحباك في بدر وحُديبية وأُحُد، وأخواك في الدِّين والسابقة والهجرة. يعني: طلحة والزبير ﵄. فقال: إنهما بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع أبا بكر ﵁ خلعه لقاتلناه، ولو أنَّ رجُلًا ممن بايع عمر ﵁ خلعه لقاتلناه. ثم دعاهم ثلاثة أيام، حتى إذا كان اليوم الثالث، دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃، فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح. وذلك أنَّ قتلة عثمان ﵁ كانوا متفرقين في العسكرَيْن، فخشوا أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب، فتسابَّ صبيان العسكرين، ثم تراموا، ثم تبعهم العبيد، ثم السفهاء، فصلى عليٌّ ﵁ ركعتين، ودعا ربه، ثم قال: إن ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مُدبرًا، ولا تَجَهَزُوا على جريح، وانظروا ما حضرت به الحرب من

стр. 44

آنية فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثتهم. ونادى على الزبير ﵁ وقال: تعال ولك الأمان. فخلا به، وقال: أَنشُدك الله؛ هل سمعت رسول الله ﷺ يقول وأنت لاوٍ يدي: "لتقاتلنَّهُ وأنت له ظالم، ثم ليُنصرنَّ عليك". قال: لقد ذكرتني شيئًا أنسانيه الدهر، لا جرم لا أُقاتلك. فقال له ابنه: ما جِئتَ للقتال إنما جِئتَ للصلح، فأعتق غلامك وقِف. فأعتق غلامه ووقف. فلما رَأى الحرب نشبت، وأيس من الصُّلح خرج عن العسكرين، فغلب أصحاب أمير المؤمنين علي ﵁، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا، وقُتل طلحة ﵁. رَوى الحاكم عن ثور بن مَجْزَأةَ قال: مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي. فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسطت يدي، فبايعني، وقال: هذه بيعة علي. وفاضت نفسه، فأتيتُ عليًا فأخبرته، فقال: الله أكبر، صدق رسول الله ﷺ ، أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. ثم جمع الناس وبايعهم. وانتهى عبد الله بن يزيد بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة ﵂ وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين؛ أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان، فقلت: ما تأمرينني؟ فَقُلْتِ: الزم عليًا؟ ! فسكتت. فقال: اعقروا الجمل. فعقروه، فنزل محمد بن أبي بكر أخوها، ورجلٌ آخر، فاحتملا هودجها، فوضعاه بين يدي علي ﵁، وإنه كالقنفذ من السهام. فسألها محمد: هل أصابك شيء منها؟ فقالت: لا. وأمر علي كرم الله وجهه أخاها محمدًا وعمارًا أن يضربا عليها قبة، ففعلا، فجاء إليها عليّ ﵁ مُسَلِّمًا، فقال: كيف أنت يا أمُّ؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. وجاء وجوه الناس والأعيان يُسَلّمُون عليها.

стр. 45

فلما كان الليل دخلت البصرة ومعها أخوها، ونزلت في دار عبد الله بن خُليد، وهي أعظم دار بالبصرة، على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة العبدري؛ وهي أم طلحة الطلحات، وأقام علي ﵁ بظاهر البصرة ثلاثًا، ثم دخلها فبايعه أهلها أجمعون حتى الجرحى، وعَرض على أبي بكرة إمارة البصرة، فامتنع، وأشار عليه بابن عباس ﵄، فولى عليها ابن عباس، ثم جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فاستأذن عليها، ودخل وَسلّمَ عليها، فردت السلام، ورحبت به، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين؛ إنَّ بالباب رجلين ينالان من عائشة. فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحدٍ منهما مئة جلدة، وأن يُجردهما من ثيابهما. فلما رأت الخروج من البصرة بعث إليها علي ﵁ بكل ما ينبغي من مركب، وزاد، ومتاع، وغير ذلك، وأذن لمن نجا من الجيش الذي معها أن يرجع إلَّا أن يُحب المُقَام، وأرسل معها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيَّر معها أخاها محمدًا. فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي ﵁ فوقف على الباب، وحضر الناس، وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس، ودعت لهم، وقالت: يا بَنِيَّ؛ لا يَعْتِب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلَّا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار. فقال علي ﵁: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلَّا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة. وسار معها عليٌّ ﵁ مشيًا أميالًا، وسَرَّح بنيه معها بقية ذلك اليوم. ذكر هذا الفصل الحافظ عماد الدين بن كثير في "تاريخه"، وهذا ملخصه. وفعل ذلك معها؛ إكرامًا لرسول الله ﷺ ، وامتثالًا لقوله المار: "إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها"، وأداءً لحق الأمومة، فإنها أُمُّ المؤمنين بنص الكتاب العزيز، فتلطف بها غاية التلطف، ولم يُعنفها، ولم يُوبخها، بل أكرمها، وردها، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذاك، ثم رجعت إلى المدينة.

стр. 46

ولما وَلّى الزبير ﵁ تبعه عمرو بن جُرْمُوز فقتله، وجاء بسيفه إلى علي ﵁، فأخذه، فنظر إليه، وقال: أما والله؛ لَرُبّ كُربةٍ قد فَرّجها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ ، واستأذن عليه ابن جُرْمُوز، فأبطأ عليه الإذن. فقال: أنا قاتل الزبير. فقال: أبقتل ابن صفية يُفتخر؟ ! فليتبوأ بالنار، إنه حواري رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قاتل ابن صفية في النار". وجاء عمر بن طلحة عليًا ﵁ فقال: مرحبًا يا بن أخي، إني لم أقبض مالكم لآخذه، ولكن خِفْتُ عليه من السفهاء. انطلق فخذ مَالَكَ، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ثم أَمَّر ابن عباس ﵄ على البصرة، ورجع إلى الكوفة. عن عروة قال: قلت لعائشة ﵂: من كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: ما سبب خروجك عليه؟ قالت: لِمَ تزوج أبوك أمك؟ قلت: ذلك من قدر الله. قالت: وكان ذلك من قدر الله. وذكر لها مرة يوم الجمل، فقالت: والناس يقولون يوم الجمل؟ قالوا: نعم، قالت: وددت أني جلست كما جلس غيري، فكان أحب إليَّ من أن أكون وُلّدتُ من رسول الله ﷺ عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة" رواه البزار، والبيهقي. وعن أبي البختري قال: سئل علي ﵁ عن أهل الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلَّا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بَغوا علينا.

стр. 47

ومنها: وقعة صفين: وقد صَحّ: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مَقتلةٌ عَظِيمةٌ، دعواهما واحدة" (١). وعن عطاء بن السائب قال: حدثني غير واحد: أنَّ قاضيًا من قُضاة الشام أتى عمر ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين؟ رأيت كأنَّ الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. فقال عمر ﵁: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ انطلق فوالله لا تَعملُ لي عملًا أبدًا. قال عطاء: فبلغني أنه قُتل مع معاوية ﵁ يوم صِفّين. وسببها بالاختصار: أنه لما قُتل عثمان ﵁، وبويع علي ﵁ أرسل إلى معاوية ﵁ أن يَدْخُل فيما دخل فيه المسلمون، وينعزل عن العمل، وكان عاملًا لعمر، ثم لعثمان ﵄ على الشام، وكان يرجو أن يُبقيه علي ﵁ على عمله، وقد كان الحسن بن علي، وابن عباس ﵃، وغيرهما أشاروا عليه بإبقائه على الشام حتى يأخذ له البيعة، ثم يقول فيه ما شاء، فقال: هيهات، لو علمت أنَّ المُدَاهنة تسعني في دين الله؛ لفعلت، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن بالمُدَاهنة. فبلغ معاوية ﵁، فحلف أنه لا يلي لعلي ﵁ عملًا أبدًا، وكان

стр. 48

عمرو بن العاص ﵁ على مصر فعزله أيضًا، فاجتمع عمرو ومعاوية ﵄ واتفقا على الخُروج. وقد رَوى الطبراني عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص جميعًا، ففرقوا بينهما"، وكان شداد إذا رآهما جالسين على فراش، جلس بينهما. ولما فرغ علي ﵁ من الجَمل، ورجع إلى الكوفة أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فامتنع، فقال له أبو مسلم الخَولاني: أنت تنازع عليًا في الخلافة، أفَأنت مثله؟ قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل، لكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان ﵁ قُتِلَ مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه، فأتوا عليًا فقولوا له: يَدفَع لنا قتلة عثمان. فأجاب أهل الشام. فأرسل إليه معاوية ﵁ أبا مسلم يطلب بدم عثمان ﵁ وأنه وليه وابن عمه. قال: يدخل في البيعة كما فعل الناس، ثم يُحاكمهم إليَّ. فتجهز معاوية ﵁ من الشام، وعليّ ﵁ من الكوفة، فالتقيا بصفين، فتقاتلوا قتالًا شديدًا حتى بلغت القتلى ثلاثين ألفا، فلما رأى أصحاب معاوية ﵁ منهم العجز قال عمرو لمعاوية ﵄: أرسلوا إلى عليّ بالمصحف، وادعوه إلى كتاب الله، فإنَّ عليًا يجيبكم إلى ذلك، ففعلوا. فقال علي ﵁: نعم، نحن أحق بالإجابة إلى كتاب الله، فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا أمير المؤمنين؛ ما تنظر من هؤلاء؟ ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا. فقال سهل بن حنيف: يا أيها الناس؛ اتهموا رأيكم. فآل الأمر إلى التحكيم. فَحكّمَ عليٌّ أبا موسى ﵄ بعد أن أراد أن يُحكّم ابن عباس ﵄ فمنعه أهل الكوفة، وحَكّم معاوية عمرو بن العاص ﵄، فاتفق الحكمان على أن يَخْلع كل منهما صاحبه. وكان عمرو ﵁ داهية، فَقدّم أبا موسى ﵁ فخلع عليًا ﵁، ثم قام عمرو ﵁، فقال: إنَّ أبا موسى خَلع عليا، وإني نَصبتُ معاوية، فاختلف الناس، وأخذ أبو موسى

стр. 49

- ﵁ يَسبُّ عمروًا، ويقول: إنك غَدرت. فرجع عليّ إلى الكوفة، ومعاوية إلى الشام. ثم تجهز علي ﵁ لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى، فشغله أمر الخوارج، ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين، فلم يتهيأ ذلك؛ لافتراق آراء أهل العراق عليه، ثم وقع الجِدُّ منه في ذلك في سنة أربعين، وجعل على مُقَدِّمتهِ قيس بن سعد بن عبادة، وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فَقُتلَ علي ﵁، وكان ما قدر الله. وعن عروة عن [أبيه] رويم قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: صارعني. فقام إليه معاوية ﵁ فقال: أنا أُصارعك. فقال النبي ﷺ : "لن يُغلب معاوية أبدًا"، فَصَرعَ الأعرابيَّ. فلما كان يوم صِفّين قال علي كرّم الله وجهه: لو ذَكرتُ هذا الحديث؛ ما قاتلت معاوية. رواه ابن عساكر. وعن يزيد بن الأصم قال: سُئل علي ﵁ عن قتلى يوم صِفّين؟ فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويَصِيرُ الأمر إليَّ وإلى معاوية. وعن المسيب بن نجبة قال: أخذ علي ﵁ بيدي يوم صفين، فوقف على قتلى أصحاب معاوية ﵁ فقال: يرحمكم الله، ثم مال إلى قتلى أصحابه فترحم عليهم بمثل ما ترحم على أصحاب معاوية. فقلت: يا أمير المؤمنين؛ استحللت دماءهم ثم تترحم عليهم؟ ! قال: إنَّ الله جعل قَتْلنَا إياهم كفارة لذنوبهم. وعليٌّ كرّم الله وجهه قال: من كان يريد وجه الله مِنّا ومنهم نجا. وما أحسن ما أخرج ابن عساكر قال: جاء رجل إلى أبي زُرعة الرازي فقال: إني أُبغض معاوية. قال: لِمَ؟ ، قال: لأنه قاتل عليًا بغير حق. فقال أبو زُرْعة: ربُّ معاوية رَبٌّ رحيم، وخصمه خصمٌ كريم، فما دخولك بينهما؟ ومنها: وقعة النهروان: عن مِخْنف بن سُلَيم قال: أتينا أبا أيوب ﵁ فقلنا: يا أبا أيوب؛ قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله ﷺ ، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ !

стр. 50

فقال: إنَّ رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلت الناكثين، والقاسطين، وأنا مقاتلٌ إن شاء الله المارقين. رواه ابن جرير. وفي رواية أبي صادق عنه: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نقاتل مع عليٍّ الناكثين؛ فقد قاتلناهم -يعني: أهل الجَمل-، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين؛ فهذا وجهنا إليهم -يعني: معاوية وأصحابه-، وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين؛ فلم أرهم بَعْد. وَروى الزبير بن بكار في "الموفقيات": عن عليّ ﵁؛ أنه أوصى حين ضربه ابن مُلْجم في وصيته: إنَّ رسول الله ﷺ أخبرني بما يكون من اختلاف أمته بعده، وأمرني بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين، وأخبرني بهذا الذي أصابني، وأخبرني أنه يملك معاوية وابنه يزيد، ثم يصير إلى بني مروان يتوارثونها، وأنَّ هذا الأمر صائرٌ إلى بني أُمية، ثم إلى بني العباس، وأراني التربة التي يُقْتلُ بها الحسين ﵁. وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويَدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد وثمود". وعن أبي ذر ﵁ نحوه، وزاد: "هم شر الخَلْق والخَلِيقة". وعن علي ﵁ نحوه، وزاد: "فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". وعن أنس ﵁ نحوه، وزاد: "طُوبى لمن قتلهم وقتلوه، يَدْعُونَ إلى كتاب الله وليسوا منه، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، سيماهم التحليق". وعن علي ﵁ أيضًا نحوه، وزاد: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضيَ لهم على لسان نبيهم، لاتَّكلوا عن العمل، وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضد

стр. 51

ليس فيه ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شَعراتٌ بيض". وعن أبي سعيد ﵁: تَمرقُ مَارقةٌ عند فُرقةٍ من المسلمين، فيقتلها أولى الطائفتين بالحق. أقول: وفي هذا دليلٌ على أن أصحاب معاوية ﵁ ما خرجوا عن الإسلام، بل لم يفسقوا؛ لأنهم مجتهدون، وأنهم مخطئون في اجتهادهم، وأنَّ أمير المؤمنين عليًا ﵁ وأصحابه كانوا أولى بالحق؛ لأنه الذي قَتلهم، وقد صرح به في رواية ابن عمرو: "يقتلهم علي بن أبي طالب". والأحاديث في الخوارج كثيرةٌ لا تكاد تنحصر. وسبب وقعتهم بالاختصار: أنهم لما حَكّمُوا الحكمين، قالت القراء: كفر عليّ، وكفر معاوية. فاعتزلوا أمير المؤمنين، ونزلوا بحروراء بضعة عشر ألفًا، فأرسل إليهم ابن عباس ﵄ يناشدهم الله: ارجعوا إلى خليفتكم، فبم نقضتم عليه: أفي قِسمةٍ أو قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة. قال: فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل. فرجع بعضهم إلى الطاعة، وقال بعضهم: نكون على ناحيتنا، فإن قَبِلَ القضية -يعني: التحكيم- قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصِفِّين، وإن نقضها؛ قاتلنا معه. فساروا حتى قطعوا النهر، وافترقت منهم فرقةٌ يقتلون الناس، فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا عليًا. فلما بلغ عليًا ﵁ صنيعهم، وكان متجهزًا إلى الشام قام فقال: أتسيرون إلى عدوكم، أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ فقالوا: بل نرجع إليهم. فقال: ابسطوا عليهم، فوالله لا يُقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة. فكان كذلك، فقال: اطلبوا رجلًا صفته كذا وكذا. فطلبوه فلم يجدوه، ثم طلبوه فوجدوه على النعت الذي ذكره رسول الله ﷺ ، فقال رجلٌ: الحمد لله الذي أبادهم، وأراحنا منهم. فقال عليّ ﵁: كلا، والذي نفسي بيده إنَّ منهم لمن في أصلاب الرجال

стр. 52

لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم لصاصًا حَرّادِين. وروى عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يخرج ناسٌ من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم يخرج مع المسيح الدجال". وعن ابن عمر ﵄: من قَتلهُ الحرورية فهو شهيد. وعن الحسن قال: لما قَتلَ علي ﵁ الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلَّا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنةٌ فعموا فيها وصموا. ومن بقايا هؤلاء القرامطة، ومنهم: الباطنية، والإسماعيلية، وفتنتهم مشهورة أهلكوا العباد، وأفسدوا البلاد، وستأتي الإشارة إليهم. ومنها: نزول أمير المؤمنين الحسن بن عليّ لمعاوية ﵄: روى نُعيم، عن سفيان [بن الليل] قال: أتيت حسن بن عليّ ﵁ بعد رجوعه إلى المدينة، فقلت له: يا هَلاكَ المؤمنين. فكان مما احتج به عَليَّ أن قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السَّرمِ، ضخم البلعُوم، يأكل ولا يشبع"؛ وهو معاوية، فعلمت أنَّ أمر الله واقع. وَروى الديلمي عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية". تَنبيْه قال في "النهاية": السَّرم: الدُّبر. والضخم: العظيم. ومعناه: الشديد الذي يملك الأرض كلها. انتهى [قوله ﷺ : "يأكل ولا يشبع"] أهو على حقيقته؟ فإن معاوية

стр. 53

- ﵁ دعا عليه النبي ﷺ أن لا يُشبع الله بطنه، فلم يشبع بَعْدُ. روى مسلم، والبيهقي واللفظ له، عن ابن عباس ﵄؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "ادع لي معاوية". فقلت: إنه يأكل. فقال في الثالثة: "لا أشبع الله بطنه". فما شبع بطنه أبدًا. أورده السيوطي في "الخصائص". وقد كان سليمان بن عبد الملك من بني أمية كذلك، يأكل ولا يشبع، فيحتمل أن يكون هو المراد في الحديث، والله أعلم. وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: إذا رأيتم الشام قد اجتمع أمره على ابن أبي سفيان فالحقوا بمكة. وَروى ابن عساكر، والطبراني عن عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لمعاوية ﵁: "إنَّ الله ولاك أمر هذه الأمة، فانظر ما أنت صانع". قالت أم حبيبة ﵂: أو يُعطِي الله أخي يا رسول الله؟ قال: "نعم، وفيها هنات، وهنات، وهنات". وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلىً بعملٍ لقول النبي ﷺ حتى ابتُلِيتُ". وسببه: أنه لما رجع علي ﵁ من قتال الخوارج، وتجهز للشام كما مر قُتِل في سابع عشر شهر رمضان وهو خارج لصلاة الصبح، قتله أشقى الآخرين؛ اللعين عبد الرحمن بن مُلْجَم، ضربه بسيفٍ مسموم على جبهته فأوصله دماغه، ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين. فبويع للحسن ﵁ بالخلافة، فسار الحسن إلى معاوية ﵄ بكتائب أمثال الجبال يريد الشام، وخرج إليه معاوية يريد الكوفة، وأرسل عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن ﵁ يطلب الصُّلح. فقال الحسن: إني أحقن دماء المسلمين وأنزل عن الخلافة لمعاوية، ولكن إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال -أي: جُبِلْنا على الكرم، والتوسعة على

стр. 54

أتباعنا حتى صار لنا عادة -فلا نقدر على القلة، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها- أي: العسكرين الشامي والعراقي -وقد قتل بعضهم من بعض- فلا يَكُفُّون إلَّا بالصفح، وعدم الانتقام. قالا: فإنه يَعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فكتب إليه معاوية أن اطلب ما شئت، واشرط؛ فإني أُوفي لك بذلك. وأرسل إليه ورقًا بياضًا، وختم في أسفله، وقال: اكتب فيه ما شئت، فشرط الحسن أشياء منها: أن يكون له بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دار أبجرد، وأن تكون الخلافة بعد معاوية ﵁ له ولأخيه الحسين. وفي رواية: تكون للمسلمين يولون من شاؤوا، وأن لا يَتعرّضَ لأهل العراق، ولا ينتقم منهم. فنزل الحسن ﵁ وبايعه، فقال معاوية ﵁: تكلم يا حسن. فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أيها الناس؛ إنَّ الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإنَّ معاوية نازعني أمرًا أنا أحق به منه، وإنى تركته حقنًا لدماء المسلمين، وطلبًا لما عند الله. فشهد جماعة من الصحابة أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول عن الحسن: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين يكون بينهما مقتلةٌ عظيمة". وسميت تلك السنة: سنة الجماعة؛ لاجتماع الناس، ورفع القتال بينهم. وعن الحارث قال: لما رجع عليّ ﵁ من صفين علم أنه لا يملك أبدًا، فتكلم بأشياء كان لا يتكلم بها، وحَدّثَ بأحاديث كان لا يُحدِّث بها. وقال فيما يقول: أيها الناس؛ لا تكرهوا إمارة معاوية، والله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنزل عن كواهلها كالحنظل.

стр. 55

ومنها: مُلْكُ بني أمية؛ يزيد بن معاوية ومن بعده: المشتمل على الفتن العظام؛ كقطع الليل المظلم: عن عمران بن حصين ﵁ قال: أَبغضُ الناس إلى رسول الله ﷺ بنو أمية، وثقيف، وبنو حنيفة. وعن أبي ذر ﵁ مرفوعا: "إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلًا اتخذوا عباد الله خَولًا، ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله دَغَلًا". وفي رواية: "ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله نفلًا". وفي رواية: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا اتخذوا دين الله دخلًا". إلخ. قال في "النهاية": الخَولُ: حَشَمُ الرجل وأتباعه، وأحدهم: خائلٌ، وقد يكون واحدًا ويقع على العبد والأمة. انتهى. وهذا الثاني هو المراد هنا. وعن ابن الموهب؛ أنه كان عند معاوية ﵁ فدخل عليه مروان، فقال له: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فوالله إن مؤُنتي لعظيمة، وإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة. فلما أدبر مروان، وابن عباس جالس مع معاوية على السرير فقال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتخذوا مال الله بينهم دُوَلًا، وعباد الله خَولًا، وكتاب الله دَغلًا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربع مئة رجل كان هلاكهم أسرع من أكل أَوَّلِ تمرة"، فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. وذكر مروان حاجةً له، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا؟ فقال: "أبو الجبابرة الأربعة". فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. رواه البيهقي. وعن عليّ كرّم الله وجهه قال: لكل أمة آفة، وآفة هذه الأمة بنو أمية.

стр. 56

وعن عمران بن جابر الحنفي -وكان أحد الوفد- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل لبني أمية" (ثلاث مرات). وعن محمد بن كعب القُرظِي قال: لعن رسول الله ﷺ الحكم وما وَلَدَ، إلَّا الصالحين منهم، وهم قليل. وعن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاصي على رسول الله ﷺ ، فعرف صوته، فقال: "ائذنوا له، حية، أو ولد حية، لعنة الله عليه وعلى كل من يخرج من صُلبه، إلَّا المؤمن منهم، وقليل ما هم". قُلْتُ: وهذا الاستثناء إشارةٌ إلى عمر بن عبد العزيز وأمثاله منهم، يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعظَّمُون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق. وعن زهير بن الأقمر قال: كان الحكم بن أبي العاصي يجلس إلى رسول الله ﷺ ، وينقل كلامه إلى قريش، فلعنه رسول الله ﷺ ، وما يخرج من صلبه إلى يوم القيامة. وعن عبد الله بن الزبير ﵄؛ أنه قال وهو على المنبر: وربِّ هذا البيت الحرام والبلد الحرام؛ إنَّ الحكم بن أبي العاصي وولده ملعونون على لسان محمد ﷺ . وعنه وهو يطوف: وَربِّ هذه البَنِيَّة؛ لعن رسول الله ﷺ الحكم وما وَلَد. وعن أبي يحيى النخعي قال: كنت بين الحسن والحسين، والحسين ومروان يتشاتمان، فجعل الحسن يكف الحسين، فقال مروان: أهل بيت ملعونون. فغضب الحسن ﵁ وقال: أَقُلتَ أهل بيت ملعونون، فوالله لقد لعنك الله على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلب أبيك. وفي لفظ: لعن الله أباك على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلبه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت

стр. 57

في النوم بني الحكم ينزون على منبري؛ كما تنزو القردة". قال: "فما رئي النبي ﷺ ضاحكًا مستجمعا حتى تُوفي" رواه أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي. وعن ابن المسيب ﵁ قال: رَأى النبيُّ ﷺ بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فَأُوحي إليه: (إنما هي دنيا أُعْطُوهَا)، فقرَّت عينه. رواه البيهقي. وعن الحسن بن علي ﵉ قال: "إنَّ رسول الله ﷺ قد رأى بني أمية يَخْطُبونَ على منبره رجلًا رجلًا، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بنو أمية. قال القاسم بن الفضل: فَحَسبنا مدة مُلكَ بني أمية، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد ولا تنقص. رواه الترمذي، والحاكم، والبيهقي. وعن الزُّهري، وعطاء الخراساني؛ أنَّ النبي ﷺ قال للحكم: "كأني أنظر إلى بَنِيكَ يصعدون منبري وينزلون". رواه الفاكهي. وعن جُبير بن مُطعم قال: كنا مع النبي ﷺ فمر الحكم بن أبي العاصي، فقال النبي ﷺ : "ويلٌ لأمتي مما في صلب هذا". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَرْعُفَنَّ جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا"، فَرعفَ عمرو بن سعيد بن العاصي على منبر النبي ﷺ حتى سال الدم على درج المنبر. وعن ابن عمر ﵄ قال: هَجَّرتُ الرواح إلى رسول الله ﷺ ، فجاء أبو الحسن، فقال له رسول الله ﷺ : ادن. فلم يزل يُدنيه حتى التقم أذنيه، فبينما النبي ﷺ يُسَارُّهُ؛ إذ رفع رأسه كالفزع، فإذا قَرعٌ بسِيفَةِ الباب، فقال لعلي: "اذهب فَقُدْهُ كما تُقَادُ الشاة إلى حالبها"، فإذا عليٌّ يُدْخِل الحكم بن أبي العاصي آخذًا بأذنه ولها زَنْمةٌ حتى أوقفه بين يدي النبي

стр. 58

- ﷺ ، فلعنه نبي الله ثلاثًا، ثم قال: "أجلسه ناحية"، حتى راح إليه قومٌ من المهاجرين والأنصار، ثم دعاه فلعنه، ثم قال: "إنَّ هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه فتنٌ يبلغ دخانها السماء"، فقال نَاسٌ من القوم: هو أقل وأذل أن يكون هذا منه، قال: "بلى، وبعضكم يومئذ شيعته". ثم إنه ﷺ نَفاهُ إلى الطائف فكان هناك حياته، ولم يرده أبو بكر ولا عمر ﵄، فرده عثمان ﵁ في خلافته. وهذا أحد الأمور التي انتقدوها عليه، وهم صاروا سبب قتله، فكانت دولتهم مقتضيةً لمفاسد كثيرة، ومظالم لا تُعد ولا تُحصى. فمما وقع في زمن يزيد: قتل الحسن بن عليّ ﵁: وسببه: أنَّ يزيد بن معاوية أرسل إلى زوجة الحسن جعدة الكندية أنها تَسُمَّهُ ويتزوجها، وبذل لها مئة ألف درهم، ففعلت، فمرض أربعين يومًا، وجهد به أخوه الحسين أن يخبره عمن سمَّه، فأبى، وقال: الله أشد نقمة، وأجد كبدي تَقَطَّع، وإني لعارفٌ من أين دُهِيتُ -أي: يشير إلى أنه من قِبَل يزيد-، فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء. ثم قال: أُقسم عليك ألا تريق في أمري مَحْجَمة دم. ومن كلامه له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك، والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، وقد كنت طلبت من عائشة أن أُدفنَ مع رسول الله ﷺ فأجابت، فإذا مِتُّ فاطلب منها وما أظن القوم -يعني: بني أمية- إلَّا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم، وادفني عند أمي فاطمة بالبقيع. فمات رضي الله تعالى عنه بعد أربعين يومًا، والأكثرون أنه سنة خمسين. فلما مات سأل الحسين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة. فمنعهم مروان -وكان أميرًا بالمدينة من جهة معاوية ﵁ ومن معه من بني أمية، فَلَبس الحسين ﵁ ومن معه السلاح، وقالوا: نقاتل. وقال أبو هريرة ﵁: والله لا يمنعه إلَّا ظالم، والله إنه لابن رسول الله ﷺ . ثم قال أبو هريرة للحسين ﵄: لا تكن أول من ترك وصية أخيك؛

стр. 59

فقد أوصاك بعدم القتال، فما زال به حتى رده، ودفنوه بالبقيع عند أمه. وأرسلت جعدة إلى يزيد تطلب ما وعدها به، فأبى ولم يتزوجها. ومنها: قتل الحسين ﵁: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمسك يا معاذَ وأحصِ، فلما بلغت خمسًا -يعني: من الخلفاء- قال: يزيد، لا بارك الله في يزيد، نُعي إليَّ حسين، وأُتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلَّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعًا". قُلْتُ: في هذا ذمُّ الذين بايعوه وأخرجوه، ثم أَسلَمُوه إلى العدو ولم يمنعوه. "واهًا لفراخ آل محمد من خليفةٍ مُستخلف، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ". قال: فلما بلغت عشرة وقال: الوليد اسم فرعون، هادم شرائع الإسلام، يَبوءُ بدمه رجل من أهل بيته. . ." الحديث. وقوله: (فلما بلغت عشرة): يحتمل عشرة مع الخلفاء الراشدين، وحينئذ فهو الوليد بن عبد الملك؛ لأنَّ الخلفاء أربعة، والخامس: معاوية، والسادس: يزيد، والسابع: ابنه معاوية، والثامن: ابن الزبير، أو مروان، والتاسع: عبد الملك، والعاشر: الوليد ابنه. وإن كان عشرة بعد يزيد فهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك؛ لأنه تولى بعد الوليد هذا سليمان أخوه، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد وهشام ابنا عبد الملك، فهؤلاء أربعة، إذا انضموا إلى الخمسة يكونون تسعة، والعاشر الوليد بن يزيد. ويؤيد هذا الثاني: قوله ﷺ : "يبوء بدمه رجل من أهل بيته"؛ لأنه قتله ابن عمه يزيد بن الوليد، وكذا قوله ﷺ : "سَلَّ الله سيفه فلا إغماد له"؛ لأنهم اختلفوا فَقتلَ بعضهم بعضًا، فغلب عليهم بنو العباس، ومن ثَمَّ قال الزهري: إن تولَّى الوليد بن يزيد فهو هو، وإلَّا فهو الوليد بن عبد الملك. وجاء من طُرقٍ صَحّح الحاكم بعضها: أنَّ جبريل -وفي رواية: مَلكَ القَطْر- جاء

стр. 60

إلى النبي ﷺ فأخبره أنَّ الحسين مقتول، وأراه من تربة الأرض التي يُقتل فيها، فأعطاه لأُمّ سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دمًا، فكان كذلك. وشم ﷺ ذلك، فقال: "رِيحُ كَرْبٍ وبلاء". وسببه: أنه لما مات الحسن ﵁ أخذ معاوية ﵁ البيعة ليزيد من أهل الشام، وجاء حاجًّا، فأراد أن يأخذها من أهل الحجاز من المهاجرين والأنصار فامتنعوا، وقالوا: إن كان لك رغبةٌ فيها فهي لك، وإن سئمتها فردها على المسلمين. فلما مات معاوية ﵁، وبُويع ليزيد بالشام وغيرها أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين ﵁، فهرب الحسين إلى مكة خوفًا على نفسه، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فنهاه ابن عباس ﵄، وذكر له غدرهم وقتلهم لأبيه، وَخِذْلانهم لأخيه، وأمره أن لا يذهب بأهله، فأبى، فبكى ابن عباس ﵄، وقال: واحسيناه. وقال له ابن عمر ﵄ نحو ذلك، فأبى، فقبّل بين عينيه، وقال: أستودعك الله من قتيل. وكذلك نهاه ابن الزبير ﵄، بل لم يبق بمكة أحدٌ إلَّا حَزن لمسيره. ولما بلغ أخاه محمد بن الحنفية بكى حتى ملأ طستًا بين يديه، وقَدّمَ أمامه مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفًا أو أكثر، فأرسل إليه يزيد ابن زياد وحرضه على قتله، وأخذوا مسلم بن عقيل فقتلوه، وتفرق المبايعون. وسار الحسين ﵁ غير عَالمٍ بذلك، فلقي الفرزدق فسأله، فقال: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء. ولما قرب من القادسية تلقاه من أخبره الخبر، وأمره بالرجوع فهمَّ بالرجوع، فقالت إخوة مسلم بن عقيل: والله لا تَرجِع حتى نأخذ بثأرنا، أو نُقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم. ثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فعدل إلى كربلاء، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل، فلما وصلوا إليه طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد، والمبايعة ليزيد، فقال: دعوني أذهب إلى يزيد. فأبى ابن زياد إلَّا النزول على حكمه.

стр. 61

فقال: والله لا نَزلتُ على حكمه أبدًا. فقاتلوه، وكان أكثر مقاتليه المكاتبين له، والمبايعين له، فلعنة الله على قاتليه مرة، وعلى خاذليه مئة مرة؛ حيث جعلوا آل بيت رسول الله ﷺ فِداءً لأنفسهم، قاتلهم الله ما أغدرهم وأخذلهم! ! ومن ثَمَّ قال لهم أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: والله لو قدرت لبعتكم بأهل الشام؛ صَرفَ الدرهم بالدينار، كل عشرة منكم بواحد منهم. فحارب ﵁ ذلك العدد الكثير، ومعه من أهله نيف وثمانون، فثبت في ذلك الموقف ثباتًا باهرًا، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء ما قدروا عليه. فلما بلغ القتلى من أهله خمسين نادى: أما ذابٌّ يذُبُّ عن حريم رسول الله ﷺ ؟ فخرج يزيد بن الحارث رجاء شفاعة جده ﷺ ، فقاتل بين يديه حتى قتل، ثم فني أصحابه، وبقي بمفرده، فحمل عليهم حملة عمه حمزة وأبيه عليّ ﵄، وقتل كثيرًا من شُجعانهم، فكثروا عليه حتى حالوا بينه وبين حريمه. فصاح ﵇: كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال. فكفوا. ثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح؛ لأنه طُعِنَ إحدى وثلاثين طعنة، وضرب أربعًا وثلاثين ضربة. ومع ذلك غلب عليه العطش فسقط على الأرض، وحزوا رأسه الشريف يوم الجمعة عاشر محرم عام إحدى وستين. ولما وضعه قاتله بين يدي اللعين ابن زياد أنشد متبجحًا شعرًا: أوقر ركابي فضة وذهبا ... أني قتلت ملكًا مُحجبا قتلت خير الناس أُمًّا وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا فأمر بضرب عنقه، وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ ! والظاهر: أنه ما قتله إلَّا لأنه مدحه، لا لأنه قتله. ويَدُلّ لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست، وجعل يضرب ثناياه الشريفة بقضيبٍ، ويدخله أنفه، ويتعجب من حسن ثغره.

стр. 62

فبكى أنس ﵁، وقال: كان أشبههم برسول الله ﷺ . وقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك، فوالله لطالما رأيت رسول الله ﷺ يُقبّل ما بين الشفتين. وبكى، فأغلظ عليه اللعين ابن زياد، وهدده بالقتل، فقال: لأُحدّثَنّك بما هو أَغيظُ عليك من هذا: رأيت رسول الله ﷺ أقعد حَسنًا على فَخِذه اليمنى، وحُسينًا هذا على فَخِذه اليسرى، ثم وضع يده الكريمة على يافُوخِهما، ثم قال: "اللهم؛ إني استودعتك إياهما وصالحَ المؤمنين". فكيف كانت وديعة النبي ﷺ عندك يا بن زياد؟ ! وقد انتقم الله منه؛ فقد رَوى الترمذي بسندٍ صحيح؛ أنَّ رأس ابن زياد لما قتل وضع موضع رأس الحسين، وإذا حَيّةٌ عَظيمةٌ قد جاءت، فتفرق الناس عنها، فتخللت الرؤوس حتى جاءت رأس ابن زياد، فجعلت تدخل من فمه، وتخرج من منخريه، وتدخل من منخريه، وتخرج من فمه، فعلت ذلك مرتين، أو ثلاثًا. ولما دخل قصر الإمارة بالكوفة أُمر بالرأس فوضع على تُرْسٍ عن يمينه، والناس سِمَاطَان، ثم أُنزلَ، وَجُهزه مع رؤوس أصحابه، وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال موثقين في الحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس إلى يزيد لعنه الله. ولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس أول منزل جعلوا يشربون بالرأس، فخرجت عليهم يَدٌ من الحائط فكتبت سطرًا بدم: أترجو أمة قتلت حُسينًا ... شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس، ثم عادوا وأخذوه. ولما قَدِمُوا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع، حيث تقام الأسارى والسبي. ومما ظهر يوم قتله: أنَّ السماء أمطرت دمًا، وأنَّ أوانيهم مُلئت دمًا، وانكسفت الشمس، ورؤيت النجوم، واشتد الظلام حتى ظنَّ الناس أنَّ القيامة قد قامت، وأنَّ الكواكب ضربت بعضها بعضًا، وأنه لم يُرفع حَجرٌ إلَّا رُئِيَ تحته دَمٌ عبيط، وأنَّ الورس انقلب دمًا، وأنَّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام.

стр. 63

وقتل معه من إخوته، وبنيه، وبني أخيه الحسن، ومن أولاد جعفر، وعقيل تسعة عشر رجلًا. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: وما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيهٌ، وأنشدوا: عينُ ابكي بعبرةٍ وعَويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول تسعة منهم لصلب عليٍّ ... قد أبيدوا وتسعة لعقيل ومنها: وقعة الحرة. روى عمر بن شَبّة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "والذي نفسي بيده ليكونن بالمدينة مَلحمةٌ يقال لها: الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدِّين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بَرِيد". وَرُوي أيضًا: "ويل للعرب من شر قد اقترب (١)، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحُكم بالهوى" رواه الحاكم. وكان أبو هريرة ﵁، يقول: اللهم؛ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان. يشير إلى قوله ﷺ : "هلاك أمتي على أيدي أُغَيلمةٍ من قريش" (٢)، فإنَّ يزيد فيها تولى. وعن أيوب بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُقتل في هذه الحرة خِيَارُ أمتي بعد أصحابي". وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يقتل بحرة زُهرة خِيَار أمتي".

стр. 64

وعن أبي عُبيدة: "لا يزال هذا الدِّين قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجلٌ من بني أمية". وعن أبي العالية قال: كنا بالشام مع أبي ذر ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول رجل يُغَيّر سنتي، رجل من بني فلان -يعني: بني أمية-، فقال يزيد بن أبي سفيان؛ أخو معاوية: أنا هو؟ قال: لا". قال: وقد أخرج أبو يعلى، عن أبي عُبيدة مرفوعًا: "لا يزال أمر أمتي قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجل من بني أمية يقال له: يزيد". وأخرج الرُّوياني عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: "أول من يُبدِّل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد". وسبب هذه الوقعة: أنَّ معاوية ﵁ لما أراد أخذ البيعة ليزيد من أكابر أهل الحجاز؛ كابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أرسل إليهم في ذلك، فلم يُجيبوه، فأرسل إلى ابن عمر ﵄ بمئة ألف درهم فأخذها، فَدّس إليه رجلًا فقال له: ما يمنعك أن تبايع؟ فقال له: إنَّ ذاك لذاك -يعني: عطاء المال للمبايعة-، إنَّ ديني إذًا عندي لرخيص، لا أُبايع أميرين أبدًا. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فأجابه بكلامٍ غليظ. وأرسل إلى عبد الله بن الزبير، فأجابه بنحو ذلك، فظن أنهم لا يرضون بخلافة يزيد، ولا يبايعونه. فلما احتضر معاوية ﵁ قال لابنه يزيد: لقد وَطّأتُ لك البلاد، ومَهدتُ لك الناس، ولست أخاف عليك إلَّا أهل الحجاز، فإن رابك منهم أمر فوجه إليهم مسلم بن عقبة؛ فإني قد جربته، ورأيت نصيحته. فلما مات وصار أمر الحسين ﵁ إلى ما ذكر أظهر ابن الزبير ﵄ الخلاف على يزيد، والتجأ إلى مكة، وقام أهل المدينة، فشاركوا ابن الزبير في الخلاف، وخلعوا يزيد بعد أن بايعوه، وحاصروا بني أمية الذين كانوا بالمدينة، فأرسل مروان: إنَّا حُصرنا، ومُنعنا الماء العذب، فواغوثاه.

стр. 65

فَوجّه إليهم يزيد مسلم بن عقبة المِرّي في اثني عشر ألفًا، وقيل: عشرين ألفًا، وقال: ادعهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا فقاتلهم، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثًا، وأجهز على جريحهم، واتبع منهزمهم، فتوجه إليهم، فوصل في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فحاربوه. وكان الأمير على الأنصار: عبد الله بن حنظلة؛ غسيل الملائكة، وعلى قريش: عبد الله بن مُطيع، وعلى غيرهم من القبائل: مَعْقِل بن سنان الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقًا. فلما رآهم أهل الشام خافوهم، وكرهوا قتالهم، فأدخل بنو حارثة قومًا من الشاميين من جانبة الخندق، فلما سمعوا التكبير في جوف المدينة خافوا على أهلهم، فتركوا القتال، ودخلوا المدينة، فكانت الهزيمة. وأباح مُسلِمٌ المدينة ثلاثًا يقتلون الناس، ووقعوا على النساء، وقاتل عبد الله بن مُطيع حتى قُتِلَ هو وبنون له سبعة، وبُعِثَ برأسه إلى يزيد، وَقُتلَ من وجوه الناس أكثر من سبع مئة من قريش، ومن أخلاط الناس من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأحبلوا أكثر من ألف امرأة من الزنا، وسمي أولادهن أولاد الحَرّة، وربطوا الخيل بسواري المسجد الشريف، وجالت الخيل فيه، وراثت، وبالت بين القبر الشريف والمنبر، وتعطل المسجد الشريف ثلاثة أيام؛ لم يُصل فيه. وكان ابن المسيب ﵁ في المسجد تلك الأيام يَسْمَعُ من القبر الشريف الأذان والإقامة، وكانوا يضحكون منه ويقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون يُصلي. وذلك أنهم جاؤوا به ليبايع يزيد على أنه عَبْدُ قِنٍّ ليزيد في طاعة الله ومعصيته كما بايع الناس، فقال: بل على كتاب الله، وسنَّة نبيه، وسيرة أبي بكر وعمر ﵄. فأمر بقتله، فقال بعض الناس: دعوه فإنه مجنون. فتركوه. وكل من أبى أن يبايع على أنه عَبْدٌ ليزيد في طاعة الله ومعصيته أُمِر بقتله، ودخلت

стр. 66

طائفة بيت أبي سعيد الخُدري، فأخذوا ما فيه من المتاع، ودخلت طائفةٌ أخرى فلم يجدوا شيئًا، فأضجعوه، ومعطوا لحيته خصلة خصلة. ولم يَتعرّض لعلي بن الحسين زين العابدين؛ لأنَّ يزيد وصاه به، وقال: إنه لم يدخل في شيءٍ من أمرهم. وَسَمَّوا مُسلمًا: هذا مُسرفًا؛ لإسرافه في القتل والفساد. ثم توجَّهَ إلى ابن الزبير؛ فإنه قال له يزيد: إذا فرغت من أمر المدينة فتوجه إلى مكة، وكان مريضًا، فمات في الطريق. وكان من غاية جهله وضلاله يقول: اللهم؛ إني لم أعمل بعد شهادة أن لا إله إلَّا الله عملًا أرجى لي من قتل أهل المدينة، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي. ثم نادى حُصين بن نُمير، وقال له: أمير المؤمنين -يعني: يزيد- ولاك بعدي، فأسرع السير ولا تؤخر ابن الزبير. وأمره أن يَنْصِب المجانيق على مكة، وقال: إن يعوذوا بالبيت فارمه. فذهب وحاصر مكة أربعًا وستين يومًا، وجرى فيها قتال شديد، وَرمى البيت بالمجانيق، وأخذ رجلٌ قبسًا في رأس رمح فطارت به الريح فأحرق البيت، فجاءهم نَعْيُ يزيد. وكان بين الحرة وموته ثلاثة أشهر، وقيل دونه. واجترأ أهل مكة والمدينة على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلَّا أُخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام. ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، فبويع لابن الزبير بالحجاز، وبايع أهل الآفاق كلها لمعاوية بن يزيد، وكان رجلًا صالحًا فيه دين وعقل، فأقام فيها أربعين يومًا، وقيل: أقام فيها خمسة أشهر وأيامًا وخلع نفسه. وذكر غير واحدٍ أنَّ معاوية بن يزيد لما نزع نفسه صَعِد المنبر وجلس طويلًا، ثم حمد الله تعالى، وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبي ﷺ بأحسن ما يُذْكَر به، ثم قال: أيها الناس؛ لست أنا بالراغب في الائتمار

стр. 67

عليكم؛ لعظيم ما أكرهه منكم، وإني أعلم أنكم تكرهوننا أيضًا؛ لأنّا بُلينا بكم، وبُليتُم بِنا، ألا إنَّ جدي معاوية نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله ﷺ ، وعظيم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدرًا، وأشجعهم قلبًا، وأكثرهم عِلمًا، وأولهم إيمانًا، أشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عم رسول الله ﷺ ، وصهره، وأخوه، زَوَّجهُ رسول الله ﷺ ابنته، وجعله لها بعلًا باختياره لها، وجعلها له زوجةً باختيارها له، أبو سبطيه سيدا شباب أهل الجنة، وأفضلا هذه الأمة، تربية الرسول ﷺ ، وابنا فاطمة البتول ﵂، من الشجرة الطاهرة الزكية، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الأمور، فلما جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون بقي مُرتَهنًا بعمله، فريدًا في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورأى ما ركبه واعتداه، ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد، فتقلد أمركم لهوىً كان أبوه فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خَلِيقٍ بالخلافة على أمة محمد ﷺ ، فركب هواه، واستحسن خَطَأهُ، وأقدم على ما أقدم من جراءته على الله، وبغيه على من استحل حرمته من أولاد رسول الله ﷺ ، فَقَلَّتْ مُدته، وانقطع خبره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، ورهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحَصّل ما قَدّم، وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحُزْنُ له عن الحُزنِ عليه. فليت شعري ماذا قال؟ وماذا قيل له؟ هل عُوقِب بإساءته وجوزي بعمله؟ وذلك ظني. ثم اختنقته العبرة؛ فبكى طويلًا، وعلا نحيبه، ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط عَليَّ أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله جلت قدرته مُتقلدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم، شأنكم وأمركم فخذوه، ومن رضيتم به عليكم فولوه، وخَلعتُ بيعتي من أعناقكم، والسلام. فقال له مروان بن الحكم -وكان تحت المنبر-: أسُنّةٌ عمرية يا أبا ليلى؟ فقال: ابعد عني، أعن ديني تخدعني؟ ! ، فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر على أنه ما كان حين جعلها شورى، وصرفها عمن

стр. 68

لا يشك في عدالته ظلومًا، والله لئن كانت الخلافة مغنمًا لقد نال أبي منها مغرمًا ومأثمًا. ولئن كانت شرًّا فحسبه منها ما أصابه. ثم نزل، فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنت حَيْضَةً، ولم أسمع بخبرك. فقال: وددت والله ذلك. ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي. ثم إنَّ بني أمية قالوا لِمُعَلِّمهِ عمرو المقصوص: أنت عَلّمته هذا، ولقنته إياه، وصددته عن الخلافة، وزينت له حُبّ عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحَسّنت له البدع حتى نطق بما نطق، وقال ما قال. فقال: والله ما فعلته، ولكنه مجبولٌ ومطبوعٌ على حُبِّ عليٍّ. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيًّا حتى مات. وتوفي معاوية بن يزيد بعد خلعه نفسه بأربعين يومًا، وقيل: تسعين ليلة، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرين سنة. ويقال: إنه لما احتضر قيل له: أما تستخلف؟ فأبى، وقال: ما أصبت من حلاوتها شيئًا فلم أتحمل مرارتها. ولم يُعْقِب، ﵀ رحمة الأبرار، ورحم به. وكان قتل الحسين ﵁، ووقعة الحرة، وقتل ابن الزبير ﵁، ورمي الكعبة بالمنجنيق، واستحلال الحرم، من الشنائع التي وقعت في زمن يزيد. قال ابن حجر في "شرح الهمزية": ولا عجب؛ فإنَّ يزيد بلغ من قبائح الفسق والإخلال بالتقوى مبلغًا لا يستكثر عليه صدور تلك القبائح منه. بل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به ورعًا وعِلمًا يقضيان بأنه لم يقل ذلك إلَّا لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك، ثبتت عنده، وإن لم تثبت عند غيره؛ كالغزالي. وبالغ ابن العربي المالكي فقال: لم يقتل يزيد الحسين ﵁ إلَّا بسيف جده؛ أي لأنَّ البيعة سبقت ليزيد، وهو باغٍ عليه؛ لأنَّ كثيرين قدموا عليها مختارين

стр. 69

على أنَّ أباه قد استخلفه، ومع الاستخلاف لا يشترط ذلك، ولا شك أنَّ أباه قد صار خليفةً حقا بنزول الحسن ﵁ له، واجتماع الناس عليه. وَيُرَدُّ بأنَّ هذا إنما هو بعد استقرار الأحكام وانعقاد الإجماع على تحريم الخروج على الإمام الجائر، أما قبل ذلك فكان الأمر منوطًا بالاجتهاد، واجتهاد الحسين رضي الله تعالى عنه اقتضى جواز بل وجوب الخروج على يزيد؛ لجوره وقبائحه التي تصمُّ عنها الآذان، ويزيد لم تنعقد بيعته عند الحسين ﵁ وغيره ممن لم يبايعوه، والمبايعون له مكرهون على البيعة. وغاية أمر يزيد إن لم يكن كافرًا؛ أنه جائرٌ فاسقٌ متغلب، وحرمة الخروج على الجائر محلها بعد استقرار الأمور، وانقضاء تلك الأعصار. انتهى قُلْتُ: وأيضًا فإنَّ يزيد كان فاسقًا جاهلًا، وشرط الاستخلاف ابتداء العلم بالأحكام والعدالة، وقولهم: إنَّ الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، إنما هو دوامًا لا ابتداء؛ فإنه يمنع من البيعة. وأما تَغلبُ يزيد فإنما حصل بعد قتل الحسين ﵁، بل وبعد الحَرّة، حيث قُتِلَ أكثر من يستحق الخلافة. على أنَّ أهل مكة لم يبايعوه، وأصروا مع ابن الزبير ﵄ على القتال زمنه وزمن أبيه معاوية. ثم بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل الآفاق كلها لابن الزبير، وانتظم له مُلك الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، والمشرق كله، وجميع بلاد الشام، حتى دمشق، لم يَتخلّف عن بيعته إلَّا بنو أمية ومن يهوى هواهم، وكانوا بفلسطين. حتى إنَّ مروان همَّ بالرحلة إلى مكة ليبايعه، فمنعه بنو أمية وبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى دمشق وقاتل الضحاك بن قيس المبايع لابن الزبير، فاقتتلوا بمرج راهط، فَقُتِل الضحاك، وغَلَبَ مروان على الشام، ثم توجه إلى مصر فحاصر عامل ابن الزبير بها حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين، ومات في تلك السنة، فكانت مدته ستة أشهر.

стр. 70

وعهد إلى ابنه عبد الملك فقام مقامه، وكَمُلَ له مُلك الشام، ومصر، والمغرب، ولابن الزبير ملك اليمن، والحجاز، والعراق، والمشرق. إلَّا أنَّ المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت، ويقول: إنه محمد ابن الحنفية، فأقام على ذلك نحو السنتين، ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، فحاصره حتى قُتل في شهر رمضان في سنة سبع وستين. وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير، فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين، فسار عبد الملك إلى مصعب بن الزبير، وقاتله حتى قتله في جمادى منها، وملك العراق كله، ولم يبق مع ابن الزبير إلَّا الحجاز واليمن فقط. فجهز إليه عبد الملك الشقي الحجاج بن يوسف الثقفي، فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قُتل عبد الله بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان مجموع مدة ابن الزبير تسع سنين وشيء. ثم اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، ثم بعده على ابنه الوليد، ثم ابنه الآخر سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابنه الآخر يزيد، ثم ابنه الآخر هشام. فهؤلاء كلهم أولاد عبد الملك إلَّا عمر؛ فإنه ابن أخيه عبد العزيز. ثم بعد هشام تولّى ابن أخيه الوليد بن يزيد، فقام عليه ابن عمه يزيد بن الوليد فقتله، وقام عليه مروان الحمار بن محمد بن مروان. ولما مات ولي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، واختل أمرهم حتى غلب على المُلْكِ بنو العباس وقتلوهم أشد قِتلة. فلله الأمر من قَبلُ ومن بَعْد. ومنها: خراب المدينة بعد الحرة: أخرج ابن شَبّة، عن أبي هريرة ﵁: لَيخرُجَن أهل المدينة من المدينة أَعْمَرَ ما كانت، نصفًا زَهوًا ونصفًا رُطبًا، قيل: من يُخْرِجهم؟ قال: أمراء السوء. وروى أحمد برجال الصحيح؛ أنَّ النبي ﷺ صَعِد أُحُدًا، فأقبل

стр. 71

على المدينة، فقال: "ويل أُمّها، قريةٌ يدعها أهلها كأينع ما تكون". وَروى ابن شبة عن شريحِ بن عبيد؛ أنه قرأ كتابًا لكعب: ليغشين أهل المدينة أمرٌ يُفْزِعهم حتى يتركوها وهي مُذللةٌ، وتبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء. وفي "الموطأ": "لتتركنّ المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي -أي: يبول- على بعض سواري المسجد". ورواه ابن شَبّة، ولفظه: "فيقذي على سواري المسجد والمنبر". قال القاضي عياض: إنَّ هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، أما الدين: فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا: فلعمارتها واتساع حال أهلها. وذكر الإخباريون: أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجعوا. قال: وقد حكى قومٌ كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به ﷺ من تقذية الكلاب على سواري مسجدها. انتهى وقال النووي: الظاهر المختار أن الترك لها يكون آخر الزمان. قال السيد السمهودي في "تاريخها": إنه ورد ما يقضي أن الترك لها يكون مُتعددًا؛ فقد روى ابن شبة: "ليخرجن أهل المدينة منها ثم ليعودون إليها، ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها". وروي أيضًا عن عمر ﵁ مرفوعًا: "يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها، ثم تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها ولا يعودون إليها أبدًا". قال: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "يخرجهم أمراء السوء"، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان. انتهى ملخصًا.

стр. 72

قُلْتُ: ويؤيد ما ذكره ما في رواية شريح السابقة: "ليغشين أهل المدينة أمرٌ يفزعهم حتى يتركوها"، فإن خروجهم عنها آخر الزمان يكون للهجرة إلى بيت المقدس؛ طلبًا للجهاد لا للفزع. نعم؛ يمكن أن يقال: إن ذلك يقع في زمن السفياني أيضًا، وهو من أمراء السوء، وهو في آخر الزمان. لكن إذا ثبت التعدد سهل الأمر بأن يقال: يخرجون منها ثلاث مرات، وإنما ذُكِرَ في الحديث مرتين إيجازًا واختصارًا. وبالجملة: فقد وقع ذلك في زمن يزيد، وهو من جملة قبائحه الشنيعة، ولابد من وقوعها مرة أخرى في آخر الزمان؛ كما صرحت به الأحاديث الصحيحة، وسيأتي إن شاء الله هذا الترك الثاني في القسم الثالث، وبالله التوفيق. ومن الفتن التي وقعت في زمن بني مروان: قتل ابن الزبير، وهدم الكعبة، وتولية الحجاج؛ فإنه قتل مئة ألف وعشرين ألفًا وأربعة آلاف نفس حرام صبرًا، غير ما قتله في المحاربات، وأهان جماعةً من الصحابة، وختمهم في رقابهم إهانةً، منهم: أنس ﵁؛ خادم النبي ﷺ ، ودسَّ على ابن عمر ﵄ من ضربه بحربة مسمومة فقتله ... إلى غير ذلك من القبائح، ولا شك أنه سيئة من سيئات عبد الملك؛ فإنه كان أميرًا له على العراق وعلى الحجاز. وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي ﵁ لرجل: لا متَّ حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: ما فتى ثقيف؟ قال: ليُقالن له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم؛ رجل يملك عشرين أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلَّا ارتكبها، حتى لو لم تبق إلَّا معصيةٌ واحدة وكان بينه وبينها بابٌ مغلق لكسره حتى يرتكبها، يَقتُلُ بمن أطاعه من عصاه. رواه البيهقي في "الدلائل". ومنها: قتل زيد بن علي بن الحسين ﵁، وصلبه، وحرقه بالنار، وقتل ولده يحيى في زمانهم، وشربهم للخمر، وصلاتهم بالناس سكارى، وتقديمهم الجواري في المحراب، وغير ذلك من أنواع القبائح: بل نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء": أن الوليد بن يزيد عزم على الحج؛ لأجل

стр. 73

أن يشرب فوق ظهر الكعبة، فَقُتِلَ قبل أن يبلغ مراده. عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف ﵃: ألم يكن فيما تقرأ: (قاتلوا في الله في آخر مرة كما قاتلتم أول مرة)؟ قال: متى ذاك؟ قال: "إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو مخزوم الوزراء"، رواه الخطيب. وقد مر لعنهم على لسان نبيهم ﷺ . هذا وطريق السلامة والورع السكوت عنهم، والاشتغال بعيوب النفس وبذكر الله تعالى؛ فإن الاشتغال بهم بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان، ولقد أحسن من قال: لَعَمْرُكَ إِنَّ فِي ذَنْبِي لَشُغْلًا ... بِنَفْسِي عَنْ ذُنُوبِ بَنِي أُمَيَّه عَلَى رَبِّي حِسَابُهُمُ تَنَاهَى ... إِلَيْهِ عِلْمُ ذَلِكَ لا إِلَيَّه وَلَيْسَ بِضَائِرِي مَا قَدْ أَتَوْهُ ... إِذَا مَا اللهُ يَغْفِرُ مَا لَدَيَّه ومنها: دولة بني العباس: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقبات خراسان جاؤوا بنعي الإسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة" رواه أبو نُعيم في "الحلية". وعن أبي أمامة قال [: قال رسول الله ﷺ ]: "ستخرج راياتٌ من المشرق لبني العباس، أولها مثبور، وآخرها مثبور، لا تنصروهم، لا ينصرهم الله، من مشى تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالى النار يوم القيامة. ألا إنهم شرار خلق الله، وأتباعهم شرار خلق الله، يزعمون أنهم مني وما هم مني". رواه الطبراني. وعن ثوبان، وعن مكحول مرسلًا، وعن علي ﵁ موصولًا: "ما لي ولبني العباس؟ ! شيعوا أمتي، وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار" رواه الطبراني. لكن قد رَوى السهروردي وغيره بسندٍ جيد: أن جبريل ﵇ نزل لابسًا

стр. 74

السواد، فقال: يا محمد؛ هذه ثياب بني عمك العباس، فدعا لهم ﷺ . وقال: اللهم؛ اغفر للعباس وولده. فَتُحْمل الأحاديث الأُول إن صحت على شرارهم، وهذا وأمثاله على خيارهم، على أن هذا أصح وله شواهد. ومن الفتن التي وقعت في زمنهم: - قتال أهل المدينة. - وقتل محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط. - وقتل أخيه إبراهيم بن عبد الله. - وقتل جماعةٍ كثيرةٍ من العلويين. - وحبس الإمام جعفر الصادق في زمن المنصور. - وموت الإمام موسى الكاظم في الحبس في زمن الرشيد. - وإدخال الفلسفة في الإسلام. - ونصرة الاعتزال في زمن المأمون. - وقتل كثير من العلماء. - وتكليفهم القول بخلق القرآن. - وضرب الإمام أحمد بن حنبل في زمنه وزمن المعتصم والواثق وغيرهم. ولم تتفق الكلمة في زمنهم، ولم تَصْفُ لهم الخلافة، فكان أول من رجع عن الاعتزال منهم، ونصر السُنّة: المتوكل؛ فإنه رأى في المنام كأنَّ النبي ﷺ على تَلٍّ وحوله خلقٌ كثير، وهو ينادي بأعلى صوته: "ألا إن محمد بن إدريس الشافعي ترك فيكم عِلمًا نَفيسًا فاتبعوه تهتدوا"، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وعين من بيت المال اثني عشر ألفًا لنشر حديث رسول الله ﷺ .

стр. 75

ثم لا زالوا في التناقص إلى أن بقي لهم من الخلافة مُجرد الاسم، وغلب آل سلجوق على معظم البلاد، فكان آخرهم بالعراق المستعصم الذي قتله التتار، ثم انتقلوا إلى مصر. وكان زمانهم مشحونًا بالعلماء في كل فنٍّ؛ من التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والقراءات، والفقه، والكلام، والتاريخ، وغير ذلك، حتى أن زمان الرشيد كان يسمى: عروس الدهر. ومنها: فتنة الفاطمية: واستيلاؤهم على المغرب ومصر نحوًا من ثلاث مئة سنة، وإظهارهم الرفض، ونصرهم مذهب الباطنية، وإلحادهم في الدين. وكان استيلاؤهم على جزيرة الفسطاط سنة ثمان وثلاث مئة، وكان انتزاعها منهم على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، في سنة أربع وستين وأربع مئة، فرحم الله روحه، وجزاه عن الإسلام خيرًا. ومن فتن هؤلاء: أنَّ الحاكم منهم بنى دارًا وفرشها، وأجلس الفقهاء والمحدثين فيها، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل الفقهاء والمحدثين. وأنَّ الظاهر بن الحاكم جمع ألفين وست مئة وستين جارية مزينات بحليهن في قصرٍ، وأمر ببناء أبوابه إلى أن مِتن كُلُّهن، وبعد ستة أشهر أضرم عليهن النار، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا ﵀، ولا رحم من خلفه. ذكر ذلك السيوطي في "حُسْنِ المحاضرة". قال ابن أبي حَجلَة في "السكردان": إن الحاكم قتل من العلماء ما لا يُحصى، وأمر بِسَبِّ الصحابة، وأمر بكتب ذلك على أبواب المساجد والشوارع، ثم محاه بعد مدة، وهدم قمامةً، وبنى مكانها مسجدًا، ثم أعادها كما كانت. وبنى المدارس، وجعل فيها العلماء والمشايخ، ثم قتلهم وهدمها، ونهى عن أكل الملوخية والجرجير، وعلل تحريمها بكون معاوية ﵁ يميل إلى الملوخية، وعائشة ﵂ إلى الجرجير.
следующие страницы →