رؤوس المسائل
«المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية»
تأليف
العلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري
(٤٦٧ هـ - ٥٣٨ هـ)
دراسة وتحقيق
عبد الله نذير أحمد
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
رُؤوس المَسَائِل
стр. 4
حُقوُق الطبع محَفُوظة
الطّبعَة الأولى
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م
دار البشائر الإسلامية
للطبَاعَة وَالنشرَ والتوَزيع
بَيروت - لبنان - ص. ب: ٥٩٥٥ - ١٤
стр. 5
الإهْداء
أهدي رسالتي هذه إلى مَن أرضعاني بحبّ الشرع
وغرسا فيَّ محبّة العلم والمعرفة:
* والدي العزيز، تغمده الله برحمته، وأنزل عليه
سحائب الرضوان، وأسكنه في فسيح جناته.
* والوالدة الحنونة، التي ما فَتِئَتْ تدعو لي بالتوفيق
والسّداد، أَمدَّها الله بالعمر المديد.
ابنكم عبد الله
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين حمدًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد، فلما كان علم الفقه من أجلّ العلوم حث الله عليه في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: "من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (٢). وكان من عظيم امتنان الله عليّ أن وفّقني لمواصلة دراستي الشرعية عامة والفقهية بخاصة.
ولما عزمت العمل في هذا الفن بدأت البحث عن كتاب في الفقه بعامة، وفي علم الخلاف بخاصة، جدير بأن يجد طريقه إلى أيدي الدارسين وينفض عنه غبار السنين، فساقتني عناية المولى إلى العثور على كتب عديدة في تراثنا الفقهي، كلها جديرة بأن تكون موضع اهتمام الباحثين.
ووقع اختياري من بينها على كتاب "رءوس المسائل" للإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ).
стр. 7
وكان مما زاد تعلقي بهذا الكتاب: اهتمام الدارسين والباحثين في الوقت الحاضر بفقه الخلاف، حيث الاتجاه العام إلى التجديد الفقهي، والخروج بآراء تتناسب والعصر الحديث.
ومن ثم وجدت في هذا الكتاب ضالتي التي أنشدها، فهو يشتمل على أهم مسائل الخلاف بين المذهبين: الحنفي والشافعي، ويعرض المسائل الفقهية عرضًا واضحًا مبسّطًا، وفي أسلوب علمي مستقيم، يميزه عن كثير من الكتب في هذا المجال العلمي، كما لا يفوته في منهج العرض إيراد الأدلة بإيجاز لكلا المذهبين، في أمانة وإنصاف.
وضاعف من هذه الرغبة لديّ المكانة العلمية التي يحتلها مؤلفه في تراثنا اللغوي، حيث شهرته وتميزه، غير أنه لم يعرف عنه في الأوساط العلمية الآن شيئًا عن نفقهه أو إفراده لهذا العلم بمصنفات.
بدأت العمل وسرت في طريق لم تخل من العقبات والصعوبات، كان من أهمها: عدم عثوري على نسخة أخرى للكتاب، في فهارس المكتبات العالمية، العربية منها والأجنبية، الموجودة في المكتبة المركزية بجامعة أم القرى وغيرها.
والمشتغلون بالتحقيق يدركون مدى صعوبة العمل على نسخة واحدة، وبخاصة إذا لم تخل في بعض الأحيان من السقطات في الجمل، بالإضافة إلى الأخطاء الإملائية والنحوية الكثيرة، التي كثيرًا ما تخلّ بالمعنى. كما أن المؤلف لم ينوّه بذكر مصادر كتابه كلية، ولم يذكر أيضًا أسماء رواة الحديث، مما جعلني أعاني مشقة عظيمة في الوقوف على مصادره، وأخيرًا تغلبت على هذه العقبة باعتماد الكتب الفقهية المعتمدة المؤلفة قبل عصر الزمخشري، وكتب المعاصرين له، التي كانت متداولة بين أيدي الدارسين للفقه الحنفي والشافعي حينذاك، وجعلها مصادر لكتابه؛ لأن غالب الظن أن المؤلف استمد مادة كتابه من هذه المصادر.
ورغم كل ما لاقيته من صعوبات، وطنت العزم على المضيّ في العمل مستعينًا بالله ، ثم مسترشدًا بآراء وتوجيهات أستاذي الفاضل الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، التي كان لها الأثر الكبير في إنجاز هذا العمل على هذه الصورة.
стр. 8
وقد قسمت العمل في هذه الرسالة إلى قسمين رئيسيين:
قسم الدراسة، وقسم التحقيق.
أما قسم الدراسة فقد جعلته على ثلاثة فصول:
* الفصل الأول: تحدثت فيه عن عصر المؤلف فتضمن العناصر التالية:
- الحالة السياسية.
- الحالة العلمية بعامة.
- الحالة الاجتماعية.
- الحالة الفقهية بخاصة.
* الفصل الثاني: تحدثت فيه عن حياة المؤلف، فتضمن العناصر التالية:
- نسبه ومولده.
- عقيدته.
- أسرته.
- مذهبه الفقهي.
- نشأته ومراحل حياته.
- الزمخشري فقيهًا.
- شيوخه.
- أخلاقه.
- تلامذته.
- وفاته.
- مؤلفاته.
- ثناء العلماء عليه.
* الفصل الثالث: تحدثت فيه عن كتاب "رءوس المسائل" موضوع الرسالة، وقد تضمن العناصر التالية:
- عنوان الكتاب.
- منهج المؤلف في الكتاب.
- نسبة الكتاب لمؤلفه.
- مصادر الكتاب.
- أهمية الكتاب.
- نقد الكتاب.
- موضوعات الكتاب ونظام ترتيبها.
- الكتب المؤلفة في علم الخلاف.
وأما قسم التحقيق فقد جعلت له مقدمة، تحدثت فيها عن النسخة المخطوطة الوحيدة، شارحا منهجي في تحقيق الكتاب.
يتلخص هذا المنهج في النقاط التالية:
- كتابة النص حسب قواعد الإملاء المتعارف عليها في الوقت الحاضر.
- تخريج الآيات القرآنية، بتعيين السورة التي ذكرت فيها، ورقمها بين آياتها.
стр. 9
- تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
- عزو آراء المذاهب إلى أصحابها، وتوثيقها من مصادر المذهب المعتمدة.
- بيان معاني الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفقهية والأصولية.
- وضع عناوين جانبية لكل مسألة من مسائل الكتاب، وترقيمها، وتسجيل أرقام أوراق النسخة المخطوطة على الهامش، لسهولة العودة إلى الأصل.
- وضع فهارس فنية مفصلة للمسائل الفقهية، والآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة.
ولما كانت نصوص الكتاب خالية من أسماء الأعلام في أكثر الأحيان، لم أجد موجبًا لوضع فهرسة خاصة بها.
وبعد، فهذا واحد من كتب التراث الفقهي المغمورة، يجد طريقه إلى النور، وقد بذلت غاية الجهد في إخراجه بصورة علمية تتناسب ومكانته. فإن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته، ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي، وبصّرني بأخطائي، وأسال الله أن يتقبله مني، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وينفعني به في الدارين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 10
قسم الدراسة
ويشتمل على:
• الفصل الأول: عصر الزمخشري.
• الفصل الثاني: حياة المؤلف.
• الفصل الثالث: كتاب رءوس المسائل.
стр. 11
الفصل الأول:
عصر الزمخشري
ويشتمل على العناصر التالية:
- الحالة السياسية.
- الحالة العلمية العامة.
- الحالة الاجتماعية.
- الحالة الفقهية بخاصة.
* * *
الحالة السياسية في عصر الزمخشري
(٤٦٧ - ٥٣٨ هـ)
عاش الزمخشري في فترة أفول شمس الخلافة العباسية وضعفها، حتى إنه لم يبق من الخلافة إلا اسمها.
عاصر الزمخشري من الخلفاء العباسيين:
١ - عبد الله المقتدي بالله بن محمد بن القائم (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ).
٢ - أحمد المستظهر بالله بن المقتدي (٤٨٧ - ٥١٢ هـ).
٣ - الفضل المسترشد بالله بن المستظهر (٥١٢ - ٥٢٩ هـ).
٤ - المنصور الراشد بالله بن المسترشد (٥٢٩ - ٥٢٩ هـ).
٥ - محمد المقتفي بالله بن المستظهر (٥٢٩ - ٥٥٥ هـ) (١).
стр. 12
وكانت نتيجة هذا الضعف والتفكك ظهور دويلات إسلامية متعددة، ففي بغداد عاصمة الخلافة العباسية، تعاقب في الاستيلاء على النفوذ والسلطات في الخلافة بعد آل بويه: الأتراك السلاجقة، وكانوا يلقبون: بالسلاجقة العظماء.
وقد أسس دولتهم ركن الدين أبو طالب طغرل (٤٢٩ - ٥٢٢ هـ) (١)، وعاصر الزمخشري من سلاطين هذه الدولة:
١ - جلال الدين أبو الفتح ملكشاه (٤٦٥ - ٤٨٥ هـ).
فقد ولد الزمخشري في عصره، ويعد عصره من أزهى عصور الدولة السلجوقية (٢).
٢ - ناصر الدين محمود (٤٨٥ - ٤٧٠ هـ).
٣ - ركن الدولة أبو المظفر بركيا رق (٤٧٨ - ٤٩٨ هـ).
٤ - ركن الدين ملكشاه الثاني (٤٩٨ - ٤٩٨ هـ).
٥ - غياث الدين أبو شجاع محمد بن أبي الفتح ملكشاه (٤٩٨ - ٥١١ هـ).
وقد اتصل به الزمخشري، ومدحه منوهًا بأفعاله وسجاياه التي خدم بها الِإسلام (٣).
٦ - معز الدين أبو الحارث سنجر (٥١١ - ٥٥٢ هـ) (٤).
وفي إطار التفكك والضعف للخلافة العباسية ظهرت دولة عرفت: (بالخوارزمية)، حيث مسقط رأس الزمخشري، ومكان إقامته. وامتد حكمها من خراسان إلى ما وراء النهر وتنسب هذه الدولة إلى مدينة خوارزم، وتطلق على منطقة شاسعة تقع في الجنوب من نهر جيحون وشمالي شرق خراسان، وهي منطقة معروفة
стр. 13
بخصوبة أراضيها، وقامت بدور كبير في تطور الحضارة في أواسط آسيا منذ أقدم العصور (١). ودخلها الإسلام في عام (٩٣ هـ)، بعد أن فتحها القائد العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي (م ٩٦ هـ) (٢).
عمرت هذه الدولة في هذه المنطقة من سنة (٤٧٠ هـ) حتى سنة (٦٢٨ هـ) (٣).
ومن الأسر التي حكمت خوارزم، وعاصرها الزمخشري، أسرة: أنوشتكين، وقد عاصر من ملوكها وأمراءها:
١ - أنوشتكين (٤٧٠ - ٤٩٠ هـ).
٢ - قطب الدين محمد بن أنوشتكين (٤٩٠ - ٥٢١ هـ).
٣ - أتسز بن محمد (٥٢١ - ٥٥١ هـ) (٤).
وكان للزمخشري صلة وثيقة بالأمير الخورازمشاة: محمد بن أنوشتكين، حيث مدحه بقصيدة مطلعها:
أي الملوك تلاقت في مجالسه ... غرائب العلم والأداب والحكم (٥)
وكانت له مكانة مرموقة عند هذا الأمير، وكذلك مع ابنه أتسز الذي حرر له الزمخشري كتابه "مقدمة الأدب" وأثنى عليه في مقدمته (٦).
стр. 14
ومن أشهر الدول التي حكمت البلدان الإسلامية في تلك الحقبة من الزمن:
١ - الدولة الفاطمية في مصر والشام (٢٩٧ - ٥٦٧ هـ) (١).
٢ - دولة المرابطين في المغرب والأندلس (٤٤٨ - ٥٤١ هـ) (٢).
وفي هذه الظروف القاسية من الضعف والانقسام التي كان يعاني منها العالم الإِسلامي، وجدت أوروبا الصليبية الفرصة مواتية لغزو الشرق الإسلامي، وإقامة كيان صليبي فيه، وقد رصلت الحملة الصليبية الأولى إلى الشام عام (٤٩١ هـ). وسقطت مدينة القدس عام (٤٩٢ هـ) (٣) في أيديهم.
الحالة الاجتماعية في عصر الزمخشري
كان المجتمع الإسلامي في عصر الزمخشري مكونًا من أجناس مختلفة أهمها: الجنس العربي والفارسي والتركي، وأجناس أخرى، ممن يسكنون المدن والقرى والخيام، من مختلف القوميات والشعوب.
وكان المجتمع على فئات متفاوتة، باعدت بينها موازين الحياة (٤)، يسودها الدين الإِسلامي، ولم يخل من أقليات من اليهود والنصارى، الذين كانت لهم الحرية والأمن والأمان ولهم كافة الصلاحيات في ممارسة شعائرهم، وتقلد مناصب كبيرة في الدولة، وعمل التجارة وغيرها. وكانت اللغة العربية، هي اللغة السائدة، غير أنه تسبب اندماج هذه الأمم المتفرقة ذات النوازع المختلفة في مجتمع واحد، إلى ظهور عادات وأخلاق غير إسلامية، مثل أعياد جاهلية: كالنيروز والمهرجان، وظهور نحل ومذاهب هدامة مختلفة. ومن ثم كثر الخلاف بين أصحاب النحل والأهواء، حول الأديان، وحول الاعتزال والمسائل الكلامية، مما أدى إلى فتن ومحن، من أهمها ما حدث من
стр. 15
الفتن الطائفية بين الشيعة والسُّنة سنة (٤٨٢ هـ)، مما أدّى إلى إزهاق الكثير من الأرواح. وتتكرر أمثال هذه الحوادث بعد كل فترة دون انقطاع (١).
ومن أغرب تلك الفتن ما كان يستعر بين أهل السنة أنفسهم، وبالأخص بين الحنابلة والأشاعرة كما حدث سنة (٤٤٧ هـ) حيث "وقعت بينهما فتنة عظيمة، حتى تأخر الأشاعرة عن الجمعات خوفًا من الحنابلة" (٢). كما ظهرت جماعة الباطنية، وهي جماعة إرهابية واسعة النشاط، فأخافوا البلاد والعباد، وقتلوا ونهبوا وعاثوا في الأرض فسادًا (٣).
وبلغ بهم التمرد إلى قتل الخلفاء والوزراء، إلى أن كفى الله تعالى الناس شرهم على يد السلطان محمد بن ملكشاه (م ٥١١ هـ) فقضى عليهم (٤).
وكذلك سرى الفساد في النظام المالي والقضائي، وانقسم ولاء الجيش لجهات متعددة، وفسدت أخلاق سكان المدن، خاصة مع ظهور كثرة العبيد والجواري.
وأمام هذه الحياة المضطربة لم يقف المصلحون مكتوفي الأيدي، بل بذلوا جهودهم في سبيل دعوة الناس، وإرشادهم ونصحهم إلى التمسك بدينهم، ومكافحة الشكوك التي يثيرها أصحاب الملل والنحل، ونظرة عابرة إلى كتب التراجم، والحالة العلمية، لهذا العصر تبيّن عظم جهودهم.
وأما التجارة فكانت لها أطوار مختلفة، حسب الوضع الاجتماعي، وحسب الأمن والاستقرار، واختلف نشاطها وركودها من جهة إلى أخرى. ولكنها كانت متدهورة بصورة عامة في منطقة العراق وما حولها، بسبب الفتن الداخلية، وظهور قطّاع الطرق.
стр. 16
كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى انتشار الفوضى والاضطراب الاجتماعي (١).
هذا ولا تختلف الحالة الاجتماعية في خوارزم عن جاراتها، من المناطق الإِسلامية، بيد أن أهلها كانوا شديدي التمسك بأمور الدين.
وينوّه ياقوت بهذا قائلًا: "وما أظن كان في الدنيا لمدينة خوارزم نظير في ... ملازمة أسباب الشرائع والدين" (٢).
وكانوا أهل جهاد دائم، وعلى ثغر من ثغور الإِسلام، "وقد اكتنفها أهل الشرك، وأطافت بها قبائل الترك، فغزو أهلها معهم دائم، والقتال فيما بينهم قائم، وقد أخلصوا في ذلك نياتهم، وأمحصوا عن طوياتهم، وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات، ومنحهم الغلبة في كافة الوقعات ... " (٣).
وقد كان لهذه البيئة الدينية أثر عظيم في الحماس الديني الذي نشأ عليه أبناؤها.
كان أهل خوارزم يمتازون باهتمامهم باللغة العربية والعلوم الإِسلامية، فتخرج فيها جماعة من الأدباء والشعراء والعلماء (٤). وتحدث الرحالون عن مظاهر ازدهارها بعمائرها الكثيرة، وشوارعها الفسيحة، وأسواقها المليحة، وسكانها الكثيرين ووفرة أسباب المعيشة والترف فيها (٥).
ومع هذه الوفرة المعيشية، فإن عامة الشعب لا يختلف وضعهم المعيشي في الفقر والبؤس عن بقية الأقطار الإِسلامية.
стр. 17
يصور لنا الزمخشري هذه الحالة في كثير من قصائده التي يشكو فيها الزمان (١) ومنها:
ومما شجاني أن غر مناقبي ... يغنى بها الركبان بين القوافل
وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي ... وسارت مسير النيران رسائلي
وكم من آمال لي وكم من مصنف ... أصاب بها ذهني محز المفاصل
غني من الآداب لكنني إذا ... نظرت فما في الكف غير الأنامل
فيا ليتني أصبحت مستغنيًا ولم ... أكن في خوارزم رئيس الأفاضل
ويا ليتني مرض صديقي ومسخط ... عدوي وأني في فهاهة باقل
وما حق مثلي أن يكون مضيقا ... وقد عظمت عند الوزير وسائلي (٢)
الحالة العلمية في عصر الزمخشري
رغم ما كان في هذا العصر من حروب وأحداث داخلية وخارجية، وجدت هناك حركات علمية ونهضات أدبية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، خلد التاريخ مآثرها ومفاخرها. أهمها: بناء المدارس في أنحاء أقطار العالم الإِسلامي وحظيت هذه الصروح العلمية باهتمام الملوك والأمراء والوزراء وتنافسهم في تشييدها، وإحضار أفاضل العلماء لها، وتشجيع الطلاب على التحصيل فيها. فمن ذلك ما أسسه الوزير السلجوقي: نظام الملك الحسن بن عاب بن إسحاق الطوسي (م ٤٨٥ هـ) من مدارس نظامية في المدن الإِسلامية الكبرى (٣).
ولم يقتصر هذا الاهتمام على الأمراء والوزراء فقط، بل كان العلماء وعامة الناس يسهمون في هذا العمل الجليل (٤).
стр. 18
وكان إلى جانب هذه المدارس حلقات التدريس في المساجد، ومجالس الجدل والمناظرات في النوادي ويؤمها عدد كبير من طلاب العلم وعشاق المعرفة، حتى رجالات الدولة.
كما كان لهم الاهتمام الكبير، بالكتب والمكتبات التي تضم شتى العلوم والفنون (١).
وكان للخوارزميين الحظ الأوفر في هذا النشاط العلمي الجليل، إذ كانت البيئة الخوارزمية تتسم بنشاط كبير في مختلف ميادين العلم والمعرفة.
يصور هذا المقدسي (م ٥٩٧ هـ) في وصف أهل خوارزم حيث يقول: "أهل فهم وفقه وقرائح وأدب، وقل إمام في الفقه والأدب والقرآن لقيته إلا وله تلميذ خوارزمي" (٢).
وهكذا كانت جميع المدن الإِسلامية حافلة بمدارس ومكتبات علمية عظيمة (٣). ومن ثم كان عصر الزمخشري عصرًا ذهبيًا في النتاج الفكري، وعصر خير وبركة في العطاء العلمي.
أنجب هذا العمى علماء وأدباء أفذاذًا، كانوا أئمة في العلوم النقلية والعقلية، وظهرت فيه المعاجم التاريخية والموسوعات الأدبية، ونمت فيه الحركة العقلية، يظهر هذا جليًا بنظرة عابرة إلى بعض أعلام هذا العصر وأثرهم الفكري.
فمن الأعلام النابغين في العلوم الدينية:
في القراءات:
- أحمد بن محمد (ابن العريف) (م ٥٣٦ هـ).
- عبد الله بن أحمد (الخشاب) (م ٥٦٧ هـ).
- القاسم بن فيرا (الشاطبي) (م ٥٩٠ هـ).
стр. 19
وفي التفسير:
- عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن (ابن عطية الأندلسي) (م ٥٤٢ هـ).
وفي الحديث:
- يحيى بن عبد الوهاب (ابن منده) (م ٥١١ هـ).
- الحسين بن مسعود الفراء (البغوي) (م ٥١٠ هـ)، وقيل (م ٥١٦ هـ).
- أبو الطاهر أحمد بن محمد (السِلَفي) (م ٥٧٦ هـ).
وفي الأديان:
- محمد بن عبد الكريم (الشهرستاني) (م ٥٤٨ هـ).
وفي علوم التاريخ:
- عبد الكريم بن محمد (السمعاني) (م ٥٦٢ هـ).
- علي بن الحسن (ابن عساكر) (م ٥٧١ هـ).
بعض أعلام اللغة:
- عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد (الجرجاني) (م ٤٧١ هـ).
- يحيى بن علي (أبو زكريا التبريزي) (م ٥٠٢ هـ).
- حسين بن محمد (الراغب الأصفهاني) (م ٥٠٢ هـ).
- أحمد بن محمد (الميداني النيسابوري) (م ٥١٨ هـ).
- عبد الله بن محمد (ابن السيد البطليوسي) (م ٥٢١ هـ).
- موهوب بن أحمد (الجواليقي) (م ٥٤٠ هـ).
- هبة الله بن علي (ابن الشجري) (م ٥٤٢ هـ).
- عبد الرحمن بن محمد (كمال الدين الأنباري) (م ٥٧٧ هـ).
بعض أعلام الجغرافيا والرحلات:
- أبو بكر الزهري الغرناطي (م ٥٣٢ هـ).
- الشريف الإِدريسي (م ٥٤٨ هـ).
ومن مؤلفي الموسوعات العامة:
- عبد الرحمن بن علي (ابن الجوزي) (م ٥٩٧ هـ).
стр. 20
ومن الفلاسفة المشهورين في هذا العصر:
- محمد بن محمد (الغزالي) (م ٥٠٥ هـ).
- محمد بن يحيى (ابن ماجه) (م ٥٣٣ هـ).
- محمد بن عبد الملك (ابن الطفيل) (م ٥٨١ هـ).
- محمد بن أحمد (بن رشد الحفيد) (م ٥٩٥ هـ).
بعض الشعراء والأدباء والكتاب:
- الحسين بن علي (الطغرائي) (م ٥١٣ هـ).
- القاسم بن علي (الحريري) (م ٥١٦ هـ).
- أحمد بن محمد (ابن الخياط الدمشقي) (م ٥١٧ هـ).
- إبراهيم بن أبي الفتح (ابن خفاجة) (م ٥٣٣ هـ).
- محمد بن محمد بن عبد الجليل (رشيد الدين الوطواط) (م ٥٧٣ هـ) (١).
وأما بالنسبة لمنطقة خوارزم، فإنها كانت زاخرة بالعلماء والأدباء والمحدثين واللغويين، ذكر الثعالبي بعضهم في اليتيمة ونبذًا من أدبهم وشعرهم، وهم كثيرون ومشهورون (٢).
ومن ثم فإن المحيط العلمي الذي عاشه الزمخشري كان أكبر حافز له ليبتوأ الدرجات العالية في العلوم العربية والدينية.
الحركة الفقهية في عصر الزمخشري
يمثل العصر الذي عاشه الزمخشري مرحلة انتهاء التجديد الفقهي، حيث استقرت المدارس الفقهية المختلفة، فالقرن الرابع الهجري يحدد بداية دور التقليد
стр. 21
والتزام مذاهب المتقدمين (١)، فقد بدأ طور جديد في الفقه الإِسلامي ذلك هو طور التهذيب والتنقيح، وتحرير أقوال علماء المذاهب وتوجيهها، والاستدلال لها والتفريع والتخريج عليها.
وجد في هذا العصر أعلام من الفقهاء الذين كان لهم دور كبير في تفصيل المذاهب وتطويرها وتهذيبها، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم: بأخذ أقوالهم وترجيحاتهم في المذهب. فعلى سبيل المثال في مذهب الحنفية عاصر الزمخشري فقهاء من الطبقة الثالثة: "طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالسرخسي (م ٤٨٣ هـ) "، وبعض فقهاء الطبقة الخامسة: "طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كالقدوري (م ٤٢٨ هـ) " (٢).
وكان وما زال التعويل والاعتماد على أقوالهم في المذهب، ويعد عصرهم المرحلة الثانية التي هي دور التوسع والنمو والانتشار في تطور المذهب الحنفي (٣).
وهكذا في المذهب الشافعي، عاصر بعضًا من الفقهاء الذين كان التعويل على كتبهم، وجرى الاعتماد عليها في تحرير الذهب، كالشيرازي (م ٤٧٦ هـ) في كتابه " المهذب "، والغزالي (م ٥٠٥ هـ) في كتابه "الوسيط" (٤).
وكان الفقه الشافعي في هذا العصر يعيش حركة نشطة للجمع بين طريقة العراقيين والخراسانيين، والتي تلاها تحرير المذهب على يد الإِمامين الجليلين: الرافعي (م ٦٢٣ هـ)، والنووي (م ٦٧٦ هـ) (٥).
стр. 22
وإليك أشهر فقهاء المذاهب، الذين عاصرهم الزمخشري، وامتازوا بالتأليف مذاهب أئمتهم وقيامهم بنشره:
أشهر فقهاء الحنفية:
١ - شمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي، المتوفى سنة (٤٨٣ هـ)، وقيل (٥٠٠ هـ) وقيل غير ذلك.
٢ - أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني، المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).
٣ - علي بن محمد البزدوي، المتوفى سنة (٤٨٣ هـ).
٤ - شمس الأئمة بكر بن محمد الزرنجري، المتوفى سنة (٥١٢ هـ).
٥ - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة (٥٤٢ هـ).
٦ - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة (٥٥٢ هـ).
٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفار، المتوفى سنة (٥٧٤ هـ).
٨ - أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، المتوفى سنة (٥٨٧ هـ).
٩ - فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني، المعروف بقاضيخان، المتوفى سنة (٥٩٢ هـ).
١٠ - علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، المتوفى سنة (٥٩٣ هـ).
أشهر فقهاء المالكية:
١ - أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، المتوفى سنة (٤٩٤ هـ).
٢ - أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري الصقلي، المتوفى سنة (٥٢٦ هـ).
٣ - أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي، المتوفى سنة (٥٣٤ هـ).
٤ - القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، المتوفى سنة (٥٤١ هـ).
٥ - إسماعيل بن مكي العوفي، المتوفى سنة (٥٨١ هـ).
٦ - محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، المتوفى سنة (٥٩٥ هـ).
стр. 23
أشهر فقهاء الشافعية:
١ - أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز آبادي، المتوفى سنة (٤٧٦ هـ).
٢ - أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ، المتوفى سنة (٤٧٧ هـ).
٣ - أبو سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي، المتوفى سنة (٤٨٨ هـ).
٤ - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (إمام الحرمين)، المتوفى سنة (٤٨٧ هـ).
٥ - أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، المتوفى سنة (٥٠٢ هـ).
٦ - حجة الإِسلام أبو حامد محمد الغزالي، المتوفى سنة (٥٠٥ هـ).
٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي، المتوفى سنة (٥٩٦ هـ).
٨ - أبو سعد عبد الله بن محمد هبة الله (ابن أبي عصرون التميمي الموصلي).
ولحق بهم الإِمامان الجليلان:
- أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي، المتوفى سنة (٦٢٣ هـ).
- محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) (١).
أشهر فقهاء الحنابلة:
١ - الشريف، أبو جعفر الهاشمي، المتوفى سنة (٤٧٠ هـ) (٢).
٢ - ابن البناء، الحسن بن أحمد بن عبد البغدادي، المتوفى سنة (٤٧١ هـ) (٣)
٣ - الحلواني، محمد بن علي بن محمد بن عثمان، المتوفى سنة (٥٠٥ هـ) (٤).
٤ - أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد بن الحسن، المتوفى سنة (٥١٠ هـ) (٥).
٥ - ابن عقيل، علي بن محمد بن عقيل البغدادي، المتوفى سنة (٥١٣ هـ).
стр. 24
٦ - ابن الزاغواني، علي بن عبد الله بن نصر، المتوفى سنة (٥٢٧ هـ).
٧ - عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي، المتوفى سنة (٥٣٦ هـ).
٨ - ابن عبدوس، علي بن عمر بن أحمد، المتوفى سنة (٥٥٩ هـ) (١).
٩ - ابن هبيرة، يحيى بن أبي منصور الوزير، المتوفى سنة (٥٦٥ هـ) (٢).
وبوجود هذا النشاط العلمي في تحرير المذاهب الفقهية مع التقاء فقهاء مختلف المذاهب الفقهية في قطر من الأقطار الإِسلامية، تمخضت هذه الحالة عن اتصالات علمية واسعة بين علماء المذاهب، يقول أبو زهرة: "والاتصال بين المذاهب المتضاربة في بعض نواحيها (كالعراق وما جاورها) وإن أوجد تناحرًا في بعض المسائل، يمكّن أصحاب كل مذهب من أن يفهموا بعض ما عند مخالفيهم، مما يحسن أخذه، إذ الالتقاء الفكري والمادي يجعل الأفكار تتبادل بينهم، أرادوا أم لم يريدوا، وأن المذهب الشافعي قد صاقب في بعض البلاد النائية عن البلاد العربية (كخراسان ونيسابور ونحوهما) المذهب الحنفي، وكانت المعركة شديدة بين المذهبين (خاصة مع تساهل الناس في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد وغيرهم) وبلغت أقصى حدتها، فكانت المناظرات تقام في المساجد وفي المجتمعات، وكل يتقرب إلى الله تعالى بالدفاع عن مذهبه، والاحتجاج له بالأدلة التي يراها مقوية له، ويضعف المذهب الآخر بكل ما يراه مضعفًا له، حتى أن المآتم كانت تحيا بالمناظرات" (٣).
وشاعت مجالس المناظرات والجدل شيوعًا كثيرًا حتى لا تكاد مدينة كبيرة تخلو من عقد تلك المجالس، ووجد لها روّادها وجمهورها، حتى الخلفاء والوزراء كانوا يشجعونها بحضورها، وألّفت كتب في قواعد النظر، وأطلق عليها علم: أدب البحث، وأصبحت المناظرات فنًا من الفنون، ولقد ترتب على ذلك: التعصب المذهبي الشديد، وأفرط فيه بعض الكاتبين في تفضيل مذهب على آخر، حتى أن
стр. 25
بعض أنصاف العلماء كانوا يطعنون في المذاهب بتصيد قول ضعيف للمذهب المخالف له.
ويقدم لنا الزمخشري صورة حية عما كان يجري من منابزة بين المذاهب في القصيدة التالية:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به ... وأكتمه كتمانه لي أسلم
فإن حنفيًا قلتُ، قالوا بأنني ... أبيح الطّلا وهو الشراب المحرّم
وإن ماليكَّا قلتُ، قالوا بأنني ... أبيح لهم أكل الكلاب وهم وهم
وإن شافعيًا قلتُ، قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
وإن حنبليًا قلتُ، قالوا بأنني ... ثقيل حلوليّ بغيض مجسّم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه ... يقولون تيس ليس يدري ويفهم
تعجبت من هذا الزمان وأهله ... فما أحد من ألسن الناس يسلم
وأخّرني دهري وقدّم معشرًا ... على أنهم لا يعلمون وأعلم (١)
* * *
стр. 26
الفصل الثاني:
حياة المؤلِّف
ويشتمل على العناصر التالية:
- نسبه ومولده .
- شيوخه.
- عقيدته.
- أخلاقه.
- أسرته.
- تلامذته.
- مذهبه الفقهي.
- وفاته.
- نشأته ومراحل حياته.
- مؤلفاته.
- الزمخشري فقيهًا.
- ثناء العلماء عليه.
* * *
نسبه ومولده
نسبه: هو الإِمام أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (١) الخوارزمي. يلقب: بفخر خوارزم، وجار الله، لمجاورته بمكة المكرمة زمانًا، وغلب عليه هذا اللقب فصار معروفًا به.
стр. 27
ولد بإحدى قرى خوارزم: (زمخشر) (١)، يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر رجب، سنة سبع وستين وأربعمائة (٢)، في عهد السلطان جلال الدين والدنيا أبي الفتح ملكشاه (٤٦٥ - ٤٨٥ هـ)، ووزيره نظام الملك (م ٤٨٥ هـ).
أسرته
ولد الزمخشري بين أبوين تدثرا بدثار الصلاح والتقى - وإن عزَّ التعريف بهما في كتب التاريخ - وهذا ما يمكن استخلاصه من الأحداث التالية:
منها ما ذكره الزمخشري أن مؤيد الملك (م ٤٩٤ هـ) سجن والده الشيخ عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري (م ٤٨٨ هـ) تقريبًا، فيستعطفه الزمخشري ويتوسل إليه أن يطلقه مستشفعًا بفضله وتقواه، حيث يقول:
أكفى الكفاة مؤيد الملك الذي ... خضع الزمان لعزه وجلاله
ارحم أبي لشبابه ولفضله ... وارحمه للضعفاء من أطفاله
стр. 28
ارحم أسيرًا لو رآه من العِدى ... أقساهم قلبًا لرقَّ لحاله
ما أطول الليل الذي يفنيه في ... سهر وأطول منه ليل عياله
يشكو قيودًا قصرت من خطوه ... وسلاسلًا حكمت بضيق مجاله
ما ضرّ مثلك لو عفا عنه فمن ... دأب الكرام العفو عن أمثاله
هب أنه ممن أساء فما له ... غلب الرزانة منك سوء فعاله (١)
وعندما رزئ بفقد وألده رثاه بالقصيدة التالية، منوهًا عن صلاحه واستقامته بقوله:
فقدته فاضلًا فاضت مآثره ... العلم والأدب المأثور والورع
أخا طباع مصفّاة مناسبة ... ماء السحابة ما في بعضها طبع
وذا حقائق لا في لحظه طلب ... لغير رشد ولا في لفظه قذع
لم يأل ما عاش جدًا في تقاه يرى ... إن الحريص على دنياه منخدع
صام النهار وقام الليل وهو شج ... من خشية الله كابي اللون ممتقع (٢)
وأما والدته فقد كانت شديدة العطف رقيقة القلب، وكان مجابة الدعوة وهذا ما يلتمس في القصة التي حكاها الزمخشري بقوله: "كنت في صباي أمسكت عصفورًا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله" (٣). وقطعت رجله عندما سقط عن دابته.
والأسرة بصفة عامة كانت أسرة متدينة، ملتزمة بآداب الشرع وتعاليمه، وهو ما أشاد به الزمخشري في الأبيات التالية:
هات التي شبهت ظلمًا بشمس ضحى ... لو عارضتها لغطتها بإشراق
стр. 29
استغفر الله أني قد نسبت بها ... ولم أكن لحميّاها بذواق
ولم يذقها أبي قبلًا ولا أحدًا ... من أسرتي واتفاق الناس مصداقي (١)
نشأته ومراحل حياته
إذا أمعنَّا النظر في حياة الإِمام الزمخشري، نجد أن حياته لم تسر على نمط ونسق واحد، بل طرأت عليها تطورات وتغيرات، وسجل الزمخشري بنفسه كثيرًا من سيرته ومراحل حياته، في قصائد شعرية ومقطوعات نثرية، يستخلص منها الدارس وقائع مجريات حياته على مدى السبعين سنة التي عاشها.
المرحلة الأولى: مرحلة الصبا:
نشأ في قريته (زمخشر) وتعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ولعله كان على يد والده الذي سبق الحديث عن علمه وفضله، "قيل كان أبوه إمامًا بقرية زمخشر" (٢)، ولا نعرف كثيرًا عن مشايخه، في هذه المرحلة من عمره، حيث لم يهتم المؤرخون بتدوينها. حينما جاوز سن الطفولة وأصبح غلامًا يافعًا، أدى ضيق ذات اليد بوالده إلى أن يسلم ابنه محمود إلى خياط وقال: "أعلمه الخياطة؛ لأنه صار زمنًا مبتلى" (٢)، إلا أن رغبته الشديدة في تعلم العلم جعلته يستعطف أباه ويقول له: "احملني إلى البلد واتركني بها".
وأمام هذه الرغبة الملحة اقتنع والده "فحمله إلى البلد، ورزقه الله حظًا حسنًا، فكفاه الله رزقه" (٣).
يقول الزمخشري عن نفسه، كما يروي ابن خلكان: "إنه لما بلغ سن الطلب رحل إلى بخارى لطلب العلم" (٤). وكانت بخارى في ذلك الحين إحدى مراكز العلوم
стр. 30
والآداب كما يصفها الثعالبي: "كانت بخارى في الدولة السامانية بمثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر" (١).
وكانت هذه المرحلة من حياة الزمخشري مرحلة حرجة، يكتنفها الفقر والآلام، ومن الأمور البارزة في هذه المرحلة التي ضاعفت آلامه: أن رجله قطعت وهو في سن الصبا، ورويت لذلك أسباب مختلفة: قيل بسبب البرد، وقيل بسبب جرح أصابه، ويقال: أنه سقط عن دابته بسبب دعاء والدته عليه، كما يرويه الفقيه الدامغاني (م ٥٤٠ هـ) أنه سأل الزمخشري عن ذلك؛ فأجابه: بأنه سقط من الدابة فقطعت رجله بسبب دعاء والدته عليه (٢).
المرحلة الثانية: طلبه العلم:
تمثل هذه المرحلة من حياته الفترة العلمية الأولى التي عاشها الزمخشري بكل مواهبه وقواه وآماله. وتبدأ بخروجه من قريته زمخشر إلى خوارزم، وقيل إلى بخارى، طالبًا للعلم وطمعًا في الاستزادة، من شتى العلوم الإِسلامية، وفروع المعرفة.
أقبل الزمخشري على حلقات العلم، ومجالسة الشيوخ والأخذ عنهم مجدًّا في التحصيل مكبًا على الحفظ والقراءة، مقبلًا على دراسة علوم عصره، التي أخذ منها بنصيب وافر.
فكان من تلك العلوم: أصول الفقه، والحديث، والتفسير، والتوحيد، والمنطق، والفلسفة، والعلوم العربية. وقد قيض الله له علماء أفذاذًا، عرفوا بثقافاتهم الواسعة في العلوم، فأخذ العلوم من منابعها الوافرة الصافية.
لم يصف له الحال في هذه الفترة أيضًا، فقد بلغه نعي والده في سجن المؤيد فكان له التأثير الكبير على نفسيته لبعده عنه، وكذلك لفقره وانقطاع المعونة عنه، كما يصور ذلك في قصائده التي نظمها:
стр. 31
وإن مما قراني حسرة وأسى ... وضاقني الكرب من جرّاه والوجع
أن عاقني شحط دار عن تفقده ... حتى مضى وهو من ذكراي ملتذع
يا حسرتا أنني لم أرو غلته ... وغلتي بزمان فيه نجتمع
قد كنت أشكو فراقًا قبل منقطعًا ... وكيف لي بعده بالعيش منتفع (١)
ويصف فقره ورقة حاله في موضع آخر:
أشكو الزمان ولا أرى لي مشكيًا ... ممن يرى شَعَثي ورقة حالي
يا حسرتا من لي بصفقة رابح ... في متجر والفضل رأس المال (٢)
وقد أدى به ضيق ذات اليد إلى مدح عدد من الملوك والوزراء من خلال قصائده مع الإشادة بمكانته العلمية، طمعًا في منصب يناله، أو حظوة يجدها عند الأمراء ومن ذلك يقول:
وما حق مثلي أن يكون مضيّعًا ... وقد عظمت عند الوزير وسائلي
وأعظمها أني نسيب نصابه ... إذا عرضت أنساب هذي القبائل
فكل امرئ آماله عدد الحصا ... وهات نظيري في جميع المحافل
لئن كان أمري في خوارزم ما أرى ... فإن رحالي في ظهور الرواحل (٢)
وسجلت هذه المرحلة نشاطه ورحلاته الأولى في طلب العلم فزار (مرو) ولقي فيها الإِمام السمعاني (م ٥٦٢ هـ)، وطاف بكثير من مدن خوارزم وخراسان محصلًا للعلم، مجالسًا للعلماء، مناظرً لأقرانه.
هذه المرحلة كانت من أهم مراحل حياته العلمية الحافلة، إذ نضج فيها عقله، وقويت ملكاته، ووضحت شخصيته، وحصّل الكثير من العلوم الإِسلامية، ونبغ في الأدب. نثره وشعره، وطارت فيها شهرته (٣).
стр. 32
المرحلة الثالثة: تكامل شخصيته العلمية:
ما لبث أن تكاملت شخصية الزمخشري العلمية، حتى طوّر صلاته الاجتماعية: بالملوك والوزراء ورجالات الدولة، وكذلك أكثر من الرحلات والاتصال بأهل العلم والفضل، والاستفادة منهم وإفادتهم: حيث رحل إلى مكة المكرمة حوالي عام (٥٠٢ هـ) (١) وكانت هذه أولى رحلاته إلى الديار الحجازية، فأقام فيها مجاورًا لبيت الله الحرام، ولقّب نفسه بجار الله، واتصل في مكة المكرمة بالشريف علي بن حمزة بن وهّاس (٥٢٦ هـ) الذي كان معدودًا في صفوف الأدباء (٢) فلقى منه كل عناية وعطف، وأهدى له كثيرًا من مؤلفاته. وفي أثناء إقامته بالحجاز زار اليمن ومدنها، وأكثر أنحاء جزيرة العرب، كما جاء في أساس البلاغة: "وطئت كل تربة في أرض العرب" (٣). ولكنه بعد مضي فترة اشتاق إلى وطنه الأول، وعاوده الحنين إليه، ثم لام نفسه على عودته، كما يصور ذلك في قصائده التي حفل بها ديوانه، منها:
بكاء على أيام مكة إنّ بي ... إليها حنين النيب فاقدة البكر
تذكرت أيامي بها فكأنني ... قد اختلفت زرق الأسنة في صدري (٤)
وما لبث أن عاد إلى مكة المكرمة مرة أخرى نحو عام (٥١٨ هـ) (٥)، وفي أثناء عودته مر بالشام ومدح تاج الملك، صاحب دمشق (م ٥٢٦ هـ) (٦).
قضى الزمخشري هذه الفترة من حياته في استقرار ورخاء نسبي، كما نستخلص هذا من شعره، ويظهر من شعره أيضًا أنه تزوج غير أنه لم يوفق في زواجه، ولم يقدر له
стр. 33
الخلف منه (١). ويصور ذلك بقوله:
تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصب ... فيا ليتني قد متّ قبل التزوّج
فوالله ما أبكي على ساكني الثرى ... ولكنني أبكي على المتزوج (٢)
وكان لهذا ردة فعل سيئة على نفسية الزمخشري، سجلها في قصائده الكثيرة التي تطفح ألمًا وكراهية للحياة الزوجية، ومنها:
تصفحت أولاد الرجال فلم أكد ... أصادف من لا يفضح الأم والأبا
رأيت أبًا يشقى لتربية ابنه ... ويسعى لكي يدعى مكبًّا ومنجبا
أراد به النشء الأغر فما درى ... أيوليه حجرًا أم يعليه منكبا
أخو شقوةٍ ما زال مركب طفله ... فأصبح ذاك الطفل للناس مركبا
لذاك تركت النسل واخترت سيرة ... مسيحية أحسن بذلك مذهبًا (٣)
وقد استبدل كتبه وتلاميذه بالحياة الزوجية، حيث يقول:
وحسبي تصانيفي وحسبي رواتها ... بنين بهم سيقت إلى مطالبي (٤)
ومهما اعتذر لموقفه هذا من الحياة الزوجية، فهي أعذار مردودة وأوهام خاطئة، قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣).
المرحلة الأخيرة: إنتاجه العلمي:
أدركت الزمخشري سن الخامسة والأربعين وهو بمكة، وأصابه مرض تسبب في انقطاعه عن المجتمع الذي كان يعيشه، وآثر العزلة، حيث يقول متحدثًا عن نفسه:
стр. 34
"فلما أصيب من سنة ثنتي عشرة بعد الخمسمائة بالمرضة الناهكة التي سماها المنذرة وكانت سبب إنابته وفيئته وتغير حاله وهيئته ... " (١). فندم على ما بدر منه من مطامع للوصول إلى المناصب، وما صدر منه من مدائح للملوك والسلاطين في سبيل ذلك.
وعاهد الله إن منّ عليه ألّا يطأ بأخمصه عتبة سلطان، ولا يتصل بخدمتهم ويربأ بنفسه عن مديحهم، وأن يعكف على العلم تعليمًا وتعلمًا وتأليفًا (٢).
وفي الحقيقة تعد هذه المرحلة من حياته مرحلة عطاء وإنتاج وتمخض لما كابده في سنوات التحصيل والطلب، حيث ألّف أشهر مؤلفاته وأنفعها في هذه الفترة وكانت أغلب تصانيفه بين زمزم والمقام، كتفسيره العظيم الكشاف، وأطواق الذهب، وأساس البلاغة، ونوابغ الكلم، والمستقصى في أمثال العرب، وربيع الأبرار (٣). وقد وجد من رعاية ومحبة الشريف ابن وهاس، له الدافع الكبير لهذا العطاء الزاخر، وقد نوّه الزمخشري بهذا العطف والعناية التي لقيها من ابن وهاس في مقدمة تفسيره الكشاف والذي من أجله صنّفه (٤)، وبإشارته جمع الزمخشري منظوماته في (ديوان الأدب) يقول في مقدمته، منوهًا بفضله:
ومما أجل الصنع فيه إناختي ... بمكة مرضيًا مرادًا وموردا
ولولا ابن وهاس وسابغ فضله ... رعيت هشيما واستقيت مصردا (٥)
وبعد أن طالت إقامته بمكة المكرمة، من رحلته الثانية (٦) عاوده الحنين إلى وطنه مرة أخرى. وفي أثناء عودته عرّج على بغداد، وزاره الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجري (م ٥٤٢ هـ) مهنئًا بقدومه، ومدحه وأثنى عليه وعرف له فضله ومكانته العلمية (٧).
стр. 35
عاد الزمخشري إلى وطنه شيخًا كهلًا، وقد أصبح بعد رجوعه فخر خوارزم، ومرجع العلماء في كل عويصة، وأصبحت له شهرة علمية في أنحاء العالم الإِسلامي.
شيوخه
لقد توافر للزمخشري أعلام في الفكر الإِسلامي، تتلمذ عليهم وتخرج لهم، واستقى من منابعهم، ولم يقتصر على التلقي على شيوخ بلدة معينة، بل كان يجوب البلاد ويستفيد من علمائها، بأدب وتواضع، فلم ير غضاضة في أن يتتلمذ وهو في شيخوخته وأستاذيته، على من يراه أهلًا ومحلًا للعلم والفضل، ومن أبرز شيوخه:
- محمود بن جرير الضبي الأصفهاني (أبو مضر) (م ٥٠٧ هـ) الذي كان يلقب بفريد العصر، ووحيد الدهر في علم اللغة والنحو، ويضرب به المثل في أنواع الفضائل، وهو الذي أدخل على خوارزم مذهب الاعتزال.
وقد درس عليه: النحو والأدب، واستفاد منه كثيرًا (١) ورثاه الزمخشري بقوله:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني (٢)
كما أخذ الأدب عن الشيخ أبي الحسن علي بن المظفر النيسابوري الضرير، كما ذكره ياقوت، والسيوطي (٣).
стр. 36
- الشيخ السديد الخياطي، وقد أخذ عنه الفقه (١).
- ركن الدين محمد الأصولي، وقد أخذ عنه الأصول (٢).
وأخذ الحديث عن شيخ الإِسلام أبي منصور نصر الحارث، وأبي سعد الشقاني النيسابوري، والمحدث أبي الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله البَطِر (م ٤٩٤ هـ) (٣).
- أبو السعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي، (م ٤٩٤ هـ) (٤).
وممن استفاد منهم: الإِمام الفقيه أبو الحسين أحمد بن علي الدامغاني (م ٥٤٠ هـ) (٥).
ومما يدل على حرصه واهتمامه بالعلم ما حكاه القفطي عن الإِمام أبي اليمن زيد بن
стр. 37
الحسن الكندي قال: "قدم علينا [الزمخشري] بغداد سنة (٥٣٣ هـ)، ورأيته عند شيخنا أبي المنصور الجواليقي (١) (٤٤٦ - ٥٣٩ هـ) مرتين، قارئًا عليه بعض كتب اللغة من فواتحها، ومستجيزًا لها" (٢).
ويظهر من هذه الرواية مدى حب الزمخشري للعلم، وتحصيله والاستزادة منه، حيث لم يأنف أن يجلس جلسة الطالب المستزيد مع ما وصل إليه من مكانة علمية عظيمة.
ونجد كذلك في تاريخ حياته الحافلة أنه قرأ في مكة من رحلته الثانية كتاب سيبويه على: عبد الله بن طلحة اليابري الأندلسي (م ٥١٨ هـ) (٣).
واستفاد كذلك من الشريف أبي الحسن علي بن موسى بن حمزة بن وهاس العلوي (م ٥٢٦ هـ)، كما استفاد هو الآخر من الزمخشري (٤).
تلامذته
تتلمذ على الإِمام الزمخشري كثيرون من طلاب العلم، وأصبحوا بعد ذلك أئمة في اللغة والأدب وعلوم الدين.
يذكر السمعاني بأنه روى عن الزمخشري طائفة كبيرة من العلماء من أقطار البلاد، منهم: أبو المحاسن إسماعيل بن عبد الله الطويلي بطبرستان، وعبد الرحيم
стр. 38
البزار بابيورد، وأبو عمر عامر بن الحسن السمار بزمخشر، وأبو سعد أحمد بن محمود الشاشي بسمرقند، وأبو طاهر سامان بن عبد الملك الفقيه بخوارزم، وجماعة سواهم (١).
ومن تلاميذه: علي بن محمد العمراني، الخوارزمي، أبو الحسن الأديب، الملقب بحجة الأفاضل وفخر المشائخ (م ٥٦٠ هـ) (٢).
ومنهم أيضًا: محمد بن أبي القاسم بايجوك، أبو الفضل البقالي الخوارزمي الآدمي، المقلب بزين المشائخ، وجلس مكانه بعده (٣).
ومنهم أيضًا: أبو يوسف يعقوب بن علي بن محمد بن جعفر البلخي، أحد الأئمة في النحو والأدب (٤).
ومنهم أيضًا: علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس العلوي (٥) وقد مدح أستاذه بأبيات من الشعر منها:
وكم للإِمام الفرد عندي من يد ... وناهيك مما قد أطاب وأكثرا
وممن استجازه، أو أجازهم:
ومما يدل على علو مكانته في الأوساط العلمية، استجازة أكابر علماء ذلك العصر لرواية كتبه. منهم:
الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السِلَفي (م ٥٧٦ هـ). الذي قال عنه ابن خلكان: "كان أحد الحفاظ المكثرين، قصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله" (٦).
стр. 39
ومحمد بن عبد الملك البلخي، المعروف بالأديب رشيد الوطواط (م ٥٧٨ هـ)، وكان من أبرع معاصريه في النظم والنثر (١). وأجاز لأبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، وكذلك السيدة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري (٢).
مؤلفاته
قدّم الزمخشري للمكتبة الإِسلامية مؤلفات قيّمة في فنون شتّى: في العلوم الشرعية، واللغة، والنحو، والأدب، والعروض. تبلغ تأليفه خمسين مؤلفًا كما ذكرها المترجمون له، وفيما يأتي عرضها على حسب الحروف:
- أساس البلاغة (وهو معجم يهتم بالاستعارة والمجاز) (٣).
- أطواق الذهب (أو النصائح الصغار) (مائة مقالة في الوعظ والنصائح والحكم) (٤).
- أعجب العجائب في شرح لامية العرب (٥).
- الأمالي في كل فن (٦).
- الأمكنة والجبال والمياه والبقاع المشهورة في أشعار العرب (٧).
- الأنموذج (كتاب صغير في النحو مختصر من المفصل) (٨).
стр. 40
- تسلية الضرير (١).
- تعليم المبتدئ وإرشاد المهتدى (جمل مفردة عربية وترجمتها بالفارسية للناشئين) (٢).
- جواهر اللغة (٣).
- خصائص العشرة الكرام البررة (٤).
- ديوان التمثيل (٥).
- ديوان الرسائل (٦).
- ديوان الزمخشري (٧).
- ديوان الشعر (٨).
- رءوس المسائل (في الفقه الخلافي بين المذهبين الحنفي والشافعي) هذا هو الكتاب الذي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا (٩).
- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار (مختارات شتى من الأدب والتاريخ والعلوم) (١٠).
- الرسالة الناصحة (١١).
- سوائر الأمثال (١٢).