- الشيخ السديد الخياطي، وقد أخذ عنه الفقه (١).
- ركن الدين محمد الأصولي، وقد أخذ عنه الأصول (٢).
وأخذ الحديث عن شيخ الإِسلام أبي منصور نصر الحارث، وأبي سعد الشقاني النيسابوري، والمحدث أبي الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله البَطِر (م ٤٩٤ هـ) (٣).
- أبو السعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي، (م ٤٩٤ هـ) (٤).
وممن استفاد منهم: الإِمام الفقيه أبو الحسين أحمد بن علي الدامغاني (م ٥٤٠ هـ) (٥).
ومما يدل على حرصه واهتمامه بالعلم ما حكاه القفطي عن الإِمام أبي اليمن زيد بن
стр. 37
الحسن الكندي قال: "قدم علينا [الزمخشري] بغداد سنة (٥٣٣ هـ)، ورأيته عند شيخنا أبي المنصور الجواليقي (١) (٤٤٦ - ٥٣٩ هـ) مرتين، قارئًا عليه بعض كتب اللغة من فواتحها، ومستجيزًا لها" (٢).
ويظهر من هذه الرواية مدى حب الزمخشري للعلم، وتحصيله والاستزادة منه، حيث لم يأنف أن يجلس جلسة الطالب المستزيد مع ما وصل إليه من مكانة علمية عظيمة.
ونجد كذلك في تاريخ حياته الحافلة أنه قرأ في مكة من رحلته الثانية كتاب سيبويه على: عبد الله بن طلحة اليابري الأندلسي (م ٥١٨ هـ) (٣).
واستفاد كذلك من الشريف أبي الحسن علي بن موسى بن حمزة بن وهاس العلوي (م ٥٢٦ هـ)، كما استفاد هو الآخر من الزمخشري (٤).
تلامذته
تتلمذ على الإِمام الزمخشري كثيرون من طلاب العلم، وأصبحوا بعد ذلك أئمة في اللغة والأدب وعلوم الدين.
يذكر السمعاني بأنه روى عن الزمخشري طائفة كبيرة من العلماء من أقطار البلاد، منهم: أبو المحاسن إسماعيل بن عبد الله الطويلي بطبرستان، وعبد الرحيم
стр. 38
البزار بابيورد، وأبو عمر عامر بن الحسن السمار بزمخشر، وأبو سعد أحمد بن محمود الشاشي بسمرقند، وأبو طاهر سامان بن عبد الملك الفقيه بخوارزم، وجماعة سواهم (١).
ومن تلاميذه: علي بن محمد العمراني، الخوارزمي، أبو الحسن الأديب، الملقب بحجة الأفاضل وفخر المشائخ (م ٥٦٠ هـ) (٢).
ومنهم أيضًا: محمد بن أبي القاسم بايجوك، أبو الفضل البقالي الخوارزمي الآدمي، المقلب بزين المشائخ، وجلس مكانه بعده (٣).
ومنهم أيضًا: أبو يوسف يعقوب بن علي بن محمد بن جعفر البلخي، أحد الأئمة في النحو والأدب (٤).
ومنهم أيضًا: علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس العلوي (٥) وقد مدح أستاذه بأبيات من الشعر منها:
وكم للإِمام الفرد عندي من يد ... وناهيك مما قد أطاب وأكثرا
وممن استجازه، أو أجازهم:
ومما يدل على علو مكانته في الأوساط العلمية، استجازة أكابر علماء ذلك العصر لرواية كتبه. منهم:
الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السِلَفي (م ٥٧٦ هـ). الذي قال عنه ابن خلكان: "كان أحد الحفاظ المكثرين، قصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله" (٦).
стр. 39
ومحمد بن عبد الملك البلخي، المعروف بالأديب رشيد الوطواط (م ٥٧٨ هـ)، وكان من أبرع معاصريه في النظم والنثر (١). وأجاز لأبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، وكذلك السيدة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري (٢).
مؤلفاته
قدّم الزمخشري للمكتبة الإِسلامية مؤلفات قيّمة في فنون شتّى: في العلوم الشرعية، واللغة، والنحو، والأدب، والعروض. تبلغ تأليفه خمسين مؤلفًا كما ذكرها المترجمون له، وفيما يأتي عرضها على حسب الحروف:
- أساس البلاغة (وهو معجم يهتم بالاستعارة والمجاز) (٣).
- أطواق الذهب (أو النصائح الصغار) (مائة مقالة في الوعظ والنصائح والحكم) (٤).
- أعجب العجائب في شرح لامية العرب (٥).
- الأمالي في كل فن (٦).
- الأمكنة والجبال والمياه والبقاع المشهورة في أشعار العرب (٧).
- الأنموذج (كتاب صغير في النحو مختصر من المفصل) (٨).
стр. 40
- تسلية الضرير (١).
- تعليم المبتدئ وإرشاد المهتدى (جمل مفردة عربية وترجمتها بالفارسية للناشئين) (٢).
- جواهر اللغة (٣).
- خصائص العشرة الكرام البررة (٤).
- ديوان التمثيل (٥).
- ديوان الرسائل (٦).
- ديوان الزمخشري (٧).
- ديوان الشعر (٨).
- رءوس المسائل (في الفقه الخلافي بين المذهبين الحنفي والشافعي) هذا هو الكتاب الذي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا (٩).
- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار (مختارات شتى من الأدب والتاريخ والعلوم) (١٠).
- الرسالة الناصحة (١١).
- سوائر الأمثال (١٢).
стр. 41
- شافي العي (من كلام الشافعيّ رحمه الله تعالى) (١).
- شرح أبيات كتاب سيبويه (٢).
- شرح بعض مشكلات المفصل (٣).
- شرح مقامات الزمخشري (وهو كتاب النصائح الكبار) (٤).
- شقائق النعمان في حقائق النعمان (مناقب أبي حنيفة ﵀ (٥).
- صميم العربية (٦).
- ضالة الناشد في علم الفرائض (٧).
- الفائق (في غريب الحديث) (٨).
- القسطاس (٩).
- القصيدة البعوضية، (وأخرى في مسائل الغزالي) (١٠).
стр. 42
- (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) (في التفسير) بلغ هذا التفسير في نفوس العلماء مبلغًا عظيمًا، حتى وصلت شروحه وتعليقاته ومختصراته، والردود عليه بما يربو على ستة وثلاثين مصنفًا (١).
كما استفاد منه كثير من العلماء في تفاسيرهم، كأبي السعود (م ٩٨٢ هـ)، في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ومحمود الألوسي (م ١٢٧٠ هـ) في تفسيره روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، وغيرهما كثير:
- الكشف في القراءات (٢).
- متشابه أسامي الرواة (٣).
- المحاجاة في الأحاجي والأغلوطات (٤).
- مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة (٥).
- مسألة في حكمة الشهادة (٦).
- المستقصى (في أمثال العرب) (٧).
- معجم الحدود (في الفقه) (٨).
- المفرد والمركب أو والمؤلف (٩).
стр. 43
- المفصّل في تعليم النحو (١).
- مقامات الزمخشري (٢).
- مقدمة الأدب (معجم عربي فارسي) (٣).
- المنهاج (في أصول الفقه) (٤).
- نزهة المستأنس (٥).
- النصائح الصغار والبوالغ الكبار (٦).
- نكت الأعراب في غريب الإِعراب (في غريب إعراب القرآن) (٧).
- نوابع الكلم (مجموعة حكم وأقوال) (٨).
عقيدته
كان الزمخشري معتزلي (٩) العقيدة، مجاهرًا بذلك، مفتخرًا بها، منافحًا ومدافعًا عنها بكل قواه، وكان إذا قصد صاحبًا له، واستأذن عليه في الدخول، يقول له: "أبو القاسم المعتزلي بالباب" (٩).
ويقول أيضًا: "أنا الشيخ المعتزلي من بيرزلي من بيرزلي".
стр. 44
مذهبه الفقهي
كان الزمخشري حنفي المذهب كأهل بلاده خوارزم ويشيد الزمخشري عن مذهبه الحنفي مفتخرًا به، حيث يقول:
وأسند ديني واعتقادي ومذهبي ... إلى حنفاء اختارهم حنائفا
حنيفية أديانهم حنفية ... مذاهبهم لا يبتغون الزعانفا (١)
стр. 45
ترجم له علماء الحنفية في مدونات طبقاتهم، منهم: القرشي، في الجواهر المضيئة (١)، وابن قطلوبغا في التاج وقال: "عده في الحنفية الشيخ مجد الدين" (٢)، واللكنوي في الفوائد، وقال: إنه من أكابر الحنفية (٣).
ويختلف الزمخشري الحنفي عن الزمخشري المعتزلي، فهو متسامح مع مخالفيه في مسائل الفقه، ولم يمنعه كونه حنيفًا أن يتقبّل مذاهب الآخرين، وربما أدّى به الأمر إلى ترجيح آراء مخالفيه (٤)، على العكس مع مخالفيه في العقيدة، حيث سلك معهم أسلوب التقريع والتسفيه والتجريح (٥).
الزمخشري فقيهًا
عرف الزمخشري مفسرًا، كما عرف لغويًا، وأديبًا، وشاعرًا، أما الزمخشري الفقيه فهو الجانب المغمور من صفاته، والذي لم يشتهر به بين الباحثين.
ويهمنا هنا بالأصالة التعرف على هذا الجانب من جوانبه العلمية، إذ المقاييس المسلّمة في مثل هذه الأمور هي:
أوّلًا: إنتاجه العلمي في هذا المجال.
ثانيًا: كيفية تناوله ومنهجه للموضوعات الفقهية إذا عرضت مناسبة لذلك.
ثالثًا: تسليم العلماء المتخصصين له والثناء عليه في ذلك المجال.
وعلى ضوء هذه المقاييس سيكون الحديث عن الزمخشري الفقيه. أما إنتاجه فكتاب رءوس المسائل، ليس كتاب فقه فحسب، بل هو أدق من ذلك، وهو: الخلاف بين مذهبه المذهب الحنفي، والمذهب الشافعي؛ ولا يتناول هذا الموضوع
стр. 46
بالتأليف إلا عالم ذو باع طويلة، واقتدار علمي كبير في الفقه، إذ أنه لا يتحدث عن مذهبه فحسب وإنما عن مذهبه ومذهب مخالفه مع ذكر أدلة كلا الطرفين، وسيتضح لنا جانب الإِبداع في كتابه هذا في قسم الدراسة الخاص به (١).
أولًا: لم يكن إنتاجه الفقهي قاصرًا على هذا الكتاب، بل إن له تأليف أخرى في فنون الفقه وهي: (معجم الحدود) في الفقه، و (المنهاج) في أصول الفقه (٢).
ثانيًا: وأما كيفية عرضه وتناوله للموضوعات الفقهية، إذا عرضت مناسبة لذلك، ففي كتابه الكشاف في التفسير نجده يفسر آيات الأحكام ويتحدث عن المسائل الفقهية، ويعالجها بمهارة تدل على اطلاع واسع وإلمام كبير بآراء الفقهاء، مع مناقشة لآرائهم، وإن كان ولاؤه غالبًا لمذهبه الحنفي.
أمثلة ذلك من تفسير الكشاف:
قال الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).
"الهدي هو هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشافعي يجري مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النحر عندنا، وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي فعليه ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي في وقته، وهو أشهره، ما بين الإِحرامين: إحرام العمرة وإحرام الحج وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويومًا قبلهما، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم، وعند الشافعي: لا تصام إلا بعد الِإحرام بالحج تمسّكًا بظاهر قوله: ﴿فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بمعنى: إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج، عند أبي حنيفة، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهاليهم ... ، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى
стр. 47
التمتع عند أبي حنيفة وأصحابه، لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن، كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه، وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق، فدمهما دم نسك، يأكلان منه. وعند الشافعي إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام، ولم يوجب عليهم شيئًا.
وحاضروا المسجد الحرام: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة" (١).
ونموذج آخر يبين ملكته الفقهية الراسخة في تناوله آيات الأحكام:
قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
قال الزمخشري: "وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال: فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإِزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة ﵂ أن عبد الله بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تشد إزارها على سفلتها ثم لتباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم، أن رجلًا سأل النبي ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها (٣)، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا، عن عائشة ﵂، أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك.
وقرئ يطّهّرن بالتشديد، أي يتطهرن، بدليل قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿حتى يتطهرن، ويطهرن﴾ هو بالتخفيف، والتطهر: الاغتسال، والطهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن
стр. 48
يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم، وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة، وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتطهّر، فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح ويعضده قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ " (١).
ففي النموذجين السابقين نجد الزمخشري المفسر هنا فقيهاً، له شخصية علمية واضحة، لم يكتف بعرض الآراء، بل يناقش الأدلة، وأوجه الاستدلال، ويؤدي به الأمر أحياناً إلى اختيار غير مذهبه الحنفي إذا رأى قوة أدلة المذهب المخالف، كما فعل هذا في الآية الثانية.
ثالثاً: لم يكن الزمخشري غفلاً في هذا المجال العلمي بل شهد له بذلك وأثنوا عليه، فالمترجمون له يصفونه: "بأنه كان فقيهاً مناظراً" (٢)، كما يوصف: "بالفقيه الحجة" (٣).
وكل هذه الدلائل مجموعة تثبت أن الزمخشري كان فقيهاً مبرزاً، كما كان لغوياً، ومفسراً، وأديباً، وشاعراً، إلا أنه اشتهر في الأوساط العلمية، وبخاصة في العصر الحديث، باللغة والأدب، لبروزه وكثرة اشتغاله بهما أولاً، ولتركيز الباحثين على هذا الجانب في معارفه ثانياً، وأصبح الجانب الفقهي لديهم نسياً منسياً.
والزمخشري كغيره من علمائنا يجيدون فنوناً متعددة، وعلوماً شتى، ولكنهم يبرزون في فن واحد أكثر من غيره، فيعرفون به، ويعدّون حجة فيه.
أخلاقه
كان الزمخشري أبىّ النفس، معتزاً بها، يأنف الضيم، ومن ثم كان شديد الاعتداد برأيه، والثقة بنفسه والصلابة فيما يذهب إليه من آراء والتمسك بما يعتقد أنه
стр. 49
الحق، ولكن هذا لم يمنعه من قبول الحق والرجوع إليه إذا تبيّن له واقتنع بأن الصواب مع غيره، يقول تلميذه رشيد الدين الوطواط عنه: "وقد جرى بيني وبينه، في حياته وأوقات راحته مما يتعلق بفنون الآداب وأقسام علوم العرب، مسائل أكثر من أن يحصى عددها، أو يستقصى آمدها، رجع فيها إلى كلامي، ونزل على قضيتي وأحكامي، فالسعيد من إذا سمع الحق، سكتت شقاشق لجاجه، وسكنت صواعق حجاجه، ... ثم يقول: وإنما ذكرت هذا القدر اليسير ليعلم فتيان هذه الخطة، أن هذا الإِمام كان صبوراً على مرارة الحق، وحرارة الصدق، مع أنه رب هذه البضائع، وصاحب هذه الوقائع، فهو مع الحق ولو على نفسه" (١).
وكان متواضعاً شديد التواضع جم الأدب، يقول في جوابه للحافظ السِلَفي حينما استجازه: "ولا يغرّنكم قول فلان فيّ ... ، فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذين غرّهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وتبليغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإفادة المبارّ والصنائع عليهم، وعزة النفس والربء بها عن السفاسف الدنيات، والإِقبال على خويصتي، والإِعراض عما يعنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا فيّ، ونسبوا إليّ ما لست منه في قبيل ولا دبير، وما أنا فيما أقول بها ضيم لنفسي ... " (٢).
ويقول في مقاماته: "نعم يا أبا القاسم إن سمعتهم يقولون: ما أكثر فضلك! فقل: إن فضولي أكثر، وما أغزر أدبك! فقل: إن قلة أدبي أغزر" (٣).
وكان على حظ كبير من التدين والزهد والبعد عن الشبهات والعزوف عن الدنيا. حتى أن بعض مؤرخيه لم يجدوا فيه مطعناً إلا الاعتزال، يقول ابن حجر: "إنه صالح لكنه داعية إلى الاعتزال" (٤).
стр. 50
وقد اضطرته الحاجة وضيق ذات اليد إلى الاتصال بالملوك والأمراء يستمنحهم ويمدحهم بشعره، فترة من حياته الأولى، مع أن مدائحه لم تخل من الدعاء لهم بالتوفيق، لإزالة الظلم والجور، ونشر العدل على أيديهم (١).
ولكنه حينما أدرك - في مرحلته الأخيرة من حياته - مغبة صنعه آثر العزلة على الحياة العامة، وأخذ على نفسه الميثاق: "بأن لا يطأ بأخمصه عتبة السلطان، ولا واصل بخدمة السلطان أذياله، وأن يربأ بنفسه ولسانه عن قرض الشعر فيهم ... " (٢).
وكان حرباً على الجهلة من أدعياء التصوّف كلما سنحت مناسبة لذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣): "إذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفّق بيديه مع ذكرها، ويطرب، وينعر ويصعق، فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله، ولا يدري ما محبة الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصور في نفسه الخبيثة، صورة مستملحة معشقة، فسمّاها الله بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها ... " (٤).
وفاته
أقام الزمخشري بخوارزم بعد رجوعه من مكة المكرمة، إلى أن توفاه الله تعالى، ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ (١١٤٣ م) بجرجانيه (٥).
стр. 51
وأوصى بأن تكتب على قبره هذه الأبيات:
يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الألْيَل
ويرى عروق نياطها في نَحرها ... والمخّ في تلك العظام النّحّلِ
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول (١)
"ويروى أنه تاب في آخر عمره ورجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المرجو عن مثل هذا الإِمام، والعلم عند الملك العلام" (٢).
ثناء العلماء عليه
لقد استوجبت الخصائص الخلقية والعلمية التي اتصف بها العلامة الزمخشري، ثناء العلماء والأدباء عليه قديماً وحديثاً، خلده له التاريخ عبر القرون لما كان له من مكانة مرموقة في الأوساط العلمية. ويعد الزمخشري إمام عصره في اللغة بلا مدافع كما وصفه الباحثون، ومن ذلك ما ينقله القفطي عن الإِمام أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، قوله: "كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم اكتساباً واطلاعاً على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم" (٣).
وقال القفطي في ترجمة الزمخشري: "وكان ممن يضرب به المثل في علم الأدب والنحو واللغة، وصنف التصانيف: في التفسير وغريب الحديث، والنحو وغير ذلك، ودخل خراسان، وورد العراق، وما دخل بلداً إلا اجتمعوا عليه: وتلمذوا له واستفادوا منه، وكان علاّمة الأدب، ونسّابة العرب، أقام بخوارزم، تُضرب إليه أكباد الإِبل، وتحط بفنائه رحال الرجال، وتحدى باسمه مطايا الآمال" (٤).
стр. 52
ونقل ابن الأنباري في ترجمة الزمخشري تكريم ابن الشجري له: "قدم بغداد للحج فجاءه شيخنا الشريف بن الشجري مهنئاً له بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن داود أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري (١)
ومدحه الشريف بن وهّاس:
جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوءها داراً فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ ... إذا عدّ في أسد الشرى زمخ شرا (٢)
وقال السيوطي عنه: "كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء وجودة القريحة، متفنناً في كل علم ... " (٣).
* * *
стр. 53
الفصل الثالث:
كتاب رؤوس المسائل، موضوع الرسالة
ويشتمل على العناصر التالية:
- عنوان الكتاب .
- منهج المؤلف في الكتاب.
- نسبة الكتاب لمؤلفه.
- مصادر الكتاب.
- أهمية الكتاب.
- نقد الكتاب.
- موضوعات الكتاب ونظام ترتيبها.
- الكتب المؤلفة في علم الخلاف.
* * *
عنوان الكتاب
عنوان الكتاب: (رءوس المسائل)، وهو بهذه الصياغة، يوحي لأول وهلة، بمضمونه ومدلوله، فموضوعه: المسائل الفقهية المهمة، مسبوكة في إيجاز، معروضة عرضاً مذهبياً محدوداً، أو متجاوزاً إلى المذاهب الأخرى، حسب قدرة المؤلف، ورسوخه العلمي فيما يتعرض له من مباحث ومسائل.
هذا النوع من التأليف الفقهي، مخصوص بين الفقهاء: بالكتب الفقهية المختصرة التي يؤثر مؤلفوها فيها الإِيجاز لقصد تعليمي، ذلك هو تسهيل حفظها على الطلاب، لم يكن الزمخشري مؤلف هذا الكتاب بدعاً في هذه التسمية، بل سبقه بها عدد من المؤلفين في مختلف المذاهب.
من هذه المؤلفات التي حفظ لنا التاريخ عناوينها، ما جاء ذكرها في كشف
стр. 54
الظنون (١) تحت عنوان رءوس المسائل: لأبي الفتح سليم بن أيوب الرازي (م ٤٤٧ هـ) في الفروع، ولأبي الحسن المحاملي (م ٤١٥ هـ) "يذكر فيها أصول المسائل ويستدل عليها" (٢)، كما يوجد كتاب بهذا العنوان، للإِمام النووي (م ٦٧٦) (٣).
ورءوس المسائل من تأليف الشريف عبد الخالق بن عيسى الهاشمي الحنبلي (م ٤٧٠ هـ)، ويتحدث ابن بدران عن منهج هذا المؤلف في هذا الكتاب: "أنه يذكر المسائل التي خالف فيها الإِمام أحمد، واحداً من الأئمة أو أكثر ثم يذكر الأدلة منتصراً للإِمام، ويذكر الموافق له في تلك المسألة، بحيث إن من تأمل كتابه، وجده مصححاً للمذاهب، وذاهباً من أقوالها المذهب المختار" (٤).
وألف أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني (م ٦٩٥ هـ): الخلاف الكبير، وهو: الانتصار، والخلاف الصغير، وسماه: رءوس المسائل (٥).
ومن هذا العرض المجمل يتضح، أن هذه الكتب بهذا العنوان، أصبحت علماً على الكتب المختصرة في فقه الخلاف غالباً.
فكان رءوس المسائل للإِمام الزمخشري واحداً من هذه الكتب في هذا الفن.
نسبة الكتاب لمؤلفه
تتحقق نسبة أي كتاب إلى مؤلفه بأمور منها:
أولاً: غلاف الكتاب، وما دوّن عليه من عنوان ونسبة، وتعليقات للعلماء.
ثانياً: كتب التراجم، حيث يتعرضون غالباً للإِنتاج العلمي، لمن يترجمون له.
стр. 55
ثالثاً: كتب المصادر (البيبلوجرافية) وما تحدث فيها أصحابها عن هذا الكتاب.
أما بالنسبة لهذا الكتاب، فإنه كتب على صفحة الغلاف بالنص:
"رءوس المسائل، للعلامة الزمخشري، صاحب الكشاف"
وعليها بعض التملكات (١) والمطالعات لبعض العلماء الذين تملكوه، أو استفادوا من مطالعته، هذه الكتابات تعد من الاثباتات القوية الدالة على صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، إذ لو كان ثمة أدني شك في هذه النسبة، لبيّنوها وذكروها في تعليقاتهم، كما هي عادتهم.
ثانياً: ذكر الكتاب، ونسبته لمؤلفه في كتب التراجم:
- ذكره ابن خلكان (م ٦٨١ هـ) في وفيات الأعيان، من ضمن مؤلفات الزمخشري وقال: "وصنف التصانيف البديعة، منها: الكشاف، في تفسير القرآن العزيز، لم يصنف قبله مثله ... ورءوس المسائل في الفقه" (٢).
стр. 56
- وذكره البدر العيني (م ٨٥٥ هـ) في كشف القناع المرني عن مهمات الأسامي والكنى (١). وذكره ابن قطلوبغا (م ٨٧٩ هـ) في تاج التراجم في طبقات الحنفية في ترجمته للزمخشري (٢).
ئالثاً: أما كتب المصادر، فقد أورده حاجي خليفة (كاتب جلبي) (م ١٠٦٧) (٣) في كشف الظنون تحت عنوان (رءوس المسائل) (٣).
- وذكره إسماعيل البغدادي (م ١٣٣٩ هـ)، في هداية العارفين (٤).
كما أنه لم يُثَر أي جدل أو شبهة حول نسبته له، بحيث يعد هذا إجماعاً علمياً على صحة نسبة هذا الكتاب، للعلامة الزمخشري قطعاً، وبدون أدني ريب أو شك.
أهمية الكتاب ومكانته بين كتب الفن
اشتهر عصر الزمخشري بالموسوعات المدوّنة في الفنون بعامة، وعلم الخلاف بخاصة، وأراد الزمخشري أن يكون كتابه هذا بمثابة المتن بالنسبة للمطوّلات في علم الخلاف حيث إن المتون لا تتعرض لكل المسائل الفقهية بل أهمها، ليستفيد منه المبتدئ والمنتهى: "إذا قرأه المبتدئ وتصوره تنبّه به على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهى تذكر به جميع الحوادث".
كما أنه يضيف إضافة جديدة إلى مجموعة مدوّنات علم الخلاف بعرض أقوال مذهبين من مذاهب أهل السنة، حيث يمثل كل منهما اتجاهاً مغايراً، إذ ينتمي مذهب الأحناف إلى مدرسة الرأي، ومذهب الشافعية إلى مدرسة الحديث.
فمن ثم تكون للكتاب أهميته العلمية بين مجموعة المؤلفات في هذا المجال الفقهي.
стр. 57
موضوعات الكتاب ونظام ترتيبها
احتوى الكتاب على معظم موضوعات الفقه الأساسية: العبادات، المعاملات، المناكحات، الجنايات، الحدود، الجهاد، على أنه لم يستوف في العرض، لكافة أبواب المسائل المتصلة بهذه الموضوعات، بل تخير بعضاً من مسائلها، فكان يكتفي في بعض الأبواب، بالمسألة والمسألتين والثلاث، من ذلك:
كتاب الحوالة والضمان: ذكر فيه مسألة واحدة (١).
وكتاب الكفالة: ذكر فيه مسألتين (٢).
وكتاب العارية: ذكر فيه ثلاث مسائل (٣).
فمجموع المسائل التي ذكرها تحت الأبواب المختلفة، لا تمثل كل الموضوعات الخلافية، بين الحنفية والشافعية، بل تمثل بعضاً منها وهو ما يمكن أن يعد من أهمها (٤).
سار المؤلف ﵀ في ترتيب كتابه على نمط مستقل في الموضوعات الفرعية، وإن شابه ترتيب الأحناف من حيث الأساس؛ لأنهم يبدأون بالعبادات فالمعاملات، فالمناكحات ثم يذكرون في آخرها كتاب العتق وما يلحقه من مسائل، فالجنايات والحدود، فيذكرون بعدها كتاب الصيد والذبائح والأضحية" وبعده: الدعوى والبينات، ثم يذكرون القضاء والإِكراه، فالجهاد والمواريث. هذه طريقة الأحناف كما في ترتيب القدوري وغيره.
- وأما ترتيب كتب الشافعية في عهد الزمخشري، فكان على النمط التالي:
أولاً: العبادات ويلحق بها كتاب الصيد والذبائح والأطعمة.
ثانياً: المعاملات وفي آخرها كتاب العتق وما يتعلق به، وبعده المواريث.
стр. 58
ثالثاً: المناكحات.
رابعاً: الجنايات ومن ضمنها الجهاد ومتعلقاته، والأقضية، والشهادات والإِقرار، وهذه طريقة الشيرازي في المهذب والتنبيه.
- أما ترتيب الغزالي من الشافعية في الوجيز:
العبادات، فالمعاملات، (وذكر فيها الإِقرار) وبعده المواريث، فالمناكحات، فالجنايات، وبعدها الجهاد، وفيه الجزية، والصيد، والذبائح والأطعمة والأيمان والنذور، وبعدها القضاء، والشهادات والدعاوى والعتق وما يتعلق به.
- وهذا هو ترتيب النووي في المنهاج.
وبالمقارنة بين ترتيب المؤلف في كتاب رءوس المسائل وترتيب غيره، نجد تشابهاً كبيراً بين ترتيب المؤلف وترتيب فقه الأحناف، من حيث الموضوعات الأساسية وإن كان يخالفهم في بعض التبويبات الفرعية: ذكر المؤلف الإكراه بعد الطلاق، وعادة الأحناف ذكره في كتاب القضاء، وأخّر كتاب العتق إلى آخر الكتاب. مع أن الأحناف يذكرونه في آخر المناكحات، وكذلك قدّم وأخر في بعض الأبواب في المعاملات، ما عدا المحذوفة منها، كما خالفهم في وضع كتاب السير، حيث ذكره بعد المعاملات وقبل المناكحات، وفصل عن السير كتاب الجزية، حيث ذكره في آخر الجنايات.
وأما الاختلاف بين ترتيبه وترتيب الشيرازي فواضح جلي، حيث إن الشيرازي ذكر كتاب الصيد والذبائح ضمن العبادات، في حين أن الزمخشري ذكر هذه الأبواب ضمن الجنايات، كذلك ذكر الشيرازي كتاب العتق ومتعلقاته تحت العاملات وصاحب رءوس المسائل ذكره بعد الجنايات في آخر الكتاب، وهكذا في مواضع أخرى.
والكتاب الذي يكاد يطابق ترتيبه ترتيب المؤلف هو: "كتاب الوجيز"، للإِمام الغزالي، مع اختلاف الزمخشري عنه في ترتيب كتاب السير.
стр. 59
منهج المؤلف في الكتاب
من المألوف بين المؤلفين، أن يقدم المؤلف بين يدي الكتاب مقدمة (خطبة) يبين فيها الغرض من تأليف الكتاب، ومنهجه فيه، وتقسيمه لموضوعاته وخطته التي اعتمدها في تصدّيه لمباحث الكتاب، ومصادره التي اعتمدها، إلى غير ذلك مما يتعلق بالكتاب.
عرى هذا الكتاب عن هذه المقدمة، بل بدأه الإِمام الزمخشري مباشرة بالموضوع الأول من الكتاب: كتاب الطهارة.
ليس هذا هو الكتاب الوحيد بين كتب الإِمام الزمخشري الذي سار فيه بهذه الطريقة، بل أن له كتاباً آخر سلك فيه السلك نفسه ذلك هو كتاب الأنموذج في النحو (١)، حيث بدأه مباشرة بموضوعات الكتاب، في حين أن خطته العامة في بقية كتبه التقديم بين يدي الكتاب مقدمة، يفصّل فيها السبب الداعي لتأليف الكتاب، وما سيتطرق إليه من موضوعات، إلى غير ذلك.
كما نجد هذا جلياً: في تفسيره الجليل "الكشاف"، و"أساس البلاغة"، و "الفائق في غريب الحديث"، و "مقامات الزمخشري"، وغيرها من الكتب.
ولما كان البحث يستوجب التعرف على منهجه في هذا الكتاب، من خلال عرضه، لموضوعات الكتاب، ومسائله، وأسلوب بيانه.
فوضّحت هذا المنهج في الخطوات التالية:
أولاً: يفتتح المؤلف: المسألة مع ذكر حكمها لكلا المذهبين بأسلوب خبري، مبتدئاً بقول أبي حنيفة، ومثنياً بالشافعي رحمهما الله تعالى، وهو في ذلك لا يتعرض إلا لقول أبي حنيفة - وإن كان المذهب خلافه.
ثانياً: يعقب المسألة لذكر دليلها لكلا الطرفين: مبتدأ بدليل قول أبي حنيفة ومثنياً بدليل قول الشافعي.
стр. 60
- يعرض الأدلة لكل مذهب كما يقررها كل فريق، خالية من الجدل والمناقشة، مخالفاً لما جرت عليه عادة كتب الخلاف عامة: حيث يناقشون الأدلة، للانتصار لقول المذهب الذي ولاء المؤلف له.
هذا هو المنهج العام لعرض مسائل الكتاب في جميع الأبواب التي تعرض لها، وقد يخرج عن هذا النهج في بعض الأحيان: فيعرض المسألة بطريقة الاستفهام ويعقبها بالإجابة كما في مسألة: (٦٥، ٦٨، ٧٥).
- أو يذكر أقوال غير الِإمامين - أبي حنيفة والشافعي - كمالك وأبي يوسف ومحمد ﵏، كما في مسألة (٨، ١٤٨، ٣١٨).
- أو يقدم دليل قول الشافعي على دليل قول أبي حنيفة كما في مسألة (٣٩، ٤٢).
- أو يعقب المسألة ببيان صورة توضيحية، إن كانت ثمة حاجة للتوضيح، كما في مسألة (١٠٠، ٢١٢، ٢٣١، ٢٣٦، ٢٨٩).
- أو يذكر بعد الأدلة سبب الاختلاف بين الطرفين كما في المسألة (٧٠، ٧٢، ٨٤، ٨٧، ١١٣).
- أو يذكر فائدة الخلاف في المسألة كما في (٣٠٩، ٣٢٩).
وقد يتعرض في بعض الأحيان لمناقشة دليل المخالف بطريقة ضمنية كما في مسألة (٥٠، ٥٥، ٦٣، ٧٧، ٢٥٢، ٢٥٨).
مصادر الكتاب
اعتاد الفقهاء المتقدمون، إرجاع نسبة القول لقائله في كتبهم، وحذا حذوهم المتأخرون منهم، فيعقبون المسألة بالنص على مصدرها الذي تم النقل عنه، توثيقاً للقارئ، واعترافاً بفضل السابق.
خالف الزمخشري هذا المبدأ في هذا الكتاب، حيث لم يذكر مصدراً من المصادر
стр. 61
التي اعتمدها في تأليفه، سواء المذهب الحنفي أو الشافعي، كما أنه لم يخرّج الأحاديث ولم يسندها إلى رواتها، إلا ما ندر رغم إتقانه له.
وبعد التتبع الشديد للمصادر التي اقتبس مادته الفقهية منها، محاولًا التعرف عليها من خلال تشابه الجمل والعبارات والاستدلال للمسائل، فوجدت أن المؤلف استقى بعض الأحكام وأدلتها للمذهبين من بعض كتب المذهب الحنفي، كالمبسوط حيث التشابه الكبير بين ما يعرضه الزمخشري من استدلالات وأدلة المبسوط في بعض المسائل، وإن لم ينقلها نصاً، بل تصرف فيها بالاختصار، أو النقل بالمعنى، وهذا احتمال قوي، كما تكون من الأدلة المشهورة لدى الفقهاء فتوافق النقل، وقد يكون نقله من كتب لا نعرفها، ولم تصل إلينا، والله أعلم.
ولعلنا نجد للمؤلف مسوّغاً، لكل ما تقدم، في واحد من الأمور التالية:
(أ) قصد الاختصار، كما هو ظاهر من عنوان الكتاب، ومنهجه فيه.
(ب) شهرة المسائل التي عرض لها بين الفقهاء.
(ج) كتابته لها من محفوظاته من غير اعتماد على كتاب معين.
ومن ثم يبدو الأمر شاقاً وعسيراً، إذ لا بد من تحقيق نصوصه، والتأكد من صحة نقله، ونسبة القول إلى مصادره.
لم أجد أمام هذا الواقع، لإِكمال هذه الثغرة العلمية المهمة إلا الرجوع إلى الكتب المعتمدة: المطولة والمتوسطة والمختصرة، المدعمة بالأدلة، والمجردة عنها، ممّا ألّف قبل عصره، أو في عصره، حيث إنها مظنة رجوعه إليها واقتباسه منها، تيقناً بأنها الكتب الشائعة، المتداولة بين فقهاء عصره.
ويضطرني البحث أحياناً الرجوع إلى الكتب المؤلفة بعد عصره، إما لزيادة شرط، أو لتوضيح مسألة، أو لذكر القول المعتمد في المذهب، ووثّقت كل هذه المعلومات بالهامش مراعياً الترتيب على حسب وفاة مؤلفيها.
стр. 62
نقد الكتاب
اشتمل الكتاب على خصائص علمية ومنهجية، كما لم يخل من ثغرات ومآخذ، نعرض هنا لأهمها:
تميز الكتاب بالخصائص التالية:
- اقتصاره على أهم المسائل الخلافية.
- جمع المسائل المتشابهة في الأحكام بباب واحد من الأبواب المتفرقة، كما في كتاب البيوع، وفي هذا عون كبير للدارس على ربط الأحكام ببعضها، وأحرى به على تذكرها.
- عرضه السهل المبسط، بطريقة مقتضبة موجزة، وهو بهذا يحقق الهدف التعليمي من تأليف الكتاب، لييسر حفظه على الدارسين.
- ذكره صورة الخلاف وتوضيحها، إن كان ثمة غموض في المسألة، كما هو في مسألة (١٠٠، ٢١٢، ٢٣١، ٢٨٩). وهذا هو شأن الكتب التعليمية، حيث الابتعاد عن الغموض وتوضح المعلومات ما أمكن.
- أمانته العلمية: صحة نسبته الآراء التي حكاها عن أصحابها وما شذ عن هذه الحقيقة إلا مسألتي (٢٠٩، ٢٤٥) عند الأحناف فقط.
- وكذلك أن معظم المسائل التي حكاها عن الشافعي كانت على الأقوال الراجحة في المذهب، إلا ما جاء في بعض المسائل التي حكي فيها الأقوال المرجوحة أو القديم من قول الشافعي وذلك مثل ما يلي:
- أورد خمس مسائل على الأقوال المرجوحة لدى الشافعية: (١٦٣، ١٩٠، ٢٦١، ٣٤٤، ٣٧٧).
- وكذلك أورد ثلاث مسائل على القول القديم للشافعي: (٢٥٣، ٢٩٧، ٣٣٥).
وهناك مسألتان أورد في أثناء الاستدلال والتمثيل لها أقيسة مخالفة لحكم المذهب: (٦٨، ٨٣).
стр. 63
وأورد مسألة واحدة فقط مخالفاً لقول الشافعي: (١١).
ولنا أن نتلمس عذراً للمؤلف، عن ذكره الأقوال القديمة والمرجوحة: حيث لم تظهر الأقوال الراجحة تماماً في المذهب الشافعي في ذلك الحين، كما بينت ذلك بشيء من التفصيل أثناء الحديث عن منهج التحقيق (١).
- وكذلك نقل عن الإِمام مالك مسألتين مخالفاً لمذهبه: (٨، ٣١٨).
- تنظيره بمسألة متفقة بين الطرفين، بعد استدلاله بالدليل الأساسي لقول المذهب - تقوية الجانب المستدل.
أما المآخذ على الكتاب فقد سبق ذكر جملة منها وتلك هي:
- خلوّ الكتاب من المقدمة التي يتعرف القارئ من خلالها على منهج المؤلف، ومحتويات كتابه.
- إغفاله التام للمصادر التي اعتمدها في التأليف.
- ترتيبه لأبواب الكتاب لم يكن منتظماً ولا متناسقاً.
- تكراره لبعض الأبواب، ووضعه لها في غير موضعها، كما في كتاب الأشربة، والأيمان، وكذلك تكراره لبعض المسائل، كما كرر مسألة (عقوبة المرتدة): مرة في كتاب السير (٢٤٠) ومرة في قتال أهل البغي (٤٥).
- ومسألة (دم الحامل) كررها مرة في الطهارة (٣٧) ومرة في العدة (٣٠٩).
- إغفاله لذكر قول أحد المذهبين كما في مسألة (٩٥، ٩٦).
- إغفاله للمسألة الخلافية بين الطرفين، بعد ذكر المتفق بينهما كما في مسألة (١٠١).
- ذكره المسألة مطلقة، بدون ذكر قيد أو شرط كما في مسألة (١٣٥).
стр. 64
- عدم اعتنائه بالاصطلاحات الفقهية الدقيقة، حيث يقول لا يجوز: ويقصد به: الكراهة، وكراهة تحريم، والحرام، (١٤) وحيث يستعمل الشرط، ويقصد به الفرض، وغير الشرط، ويقصد به السنة، كما في مسألة (٧، ٩) وغيرها من المسائل.
- ذكره للأحاديث بالمعنى كقوله (للمغرب وقتان) في مسألة (٤٠) وكذلك في معظم الأحاديث.
- دمجه لعدة أحاديث في حديث واحد كما في مسألة (٤٢).
- عدم ذكر راوي الحديث وتخريجه، مع أن للزمخشري باعاً طويلة في الحديث.
- نسبة بعض آثار الصحابة والتابعين، حتى بعض القواعد الفقهية أنها من كلام النبوة الشريفة (٨٥، ٢٦٧، ٣٤٤).
- استدلاله بالقياس مع وجود دليل نقلي كما في مسألة (١٦، ٤٤، ٥٤، ٦٠، ١٠٤) وأمثلة ذلك كثيرة.
- اكتفاؤه بدليل أحد الطرفين مع محاولة إلزام الطرف الثاني الحجة، برد ضمني، كما في مسألة (٤٧، ٥١، ٧٦، ٧٧).
- إغفاله لدليل أحد المذهبين كثيراً، أو دليل المذهبين معاً كما في مسألة (١٠١، ١١٤، ١٥٠).
الكتب المصنفة في علم الخلاف
اهتم العلماء منذ القرن الأول بعلم الخلاف، حتى اشترطوا على المفتي أن يكون عالماً بأقوال العلماء المختلفة ومذاهبهم، كما نقل ابن القيم عن الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فلا يفتى" (١).
стр. 65
ومن ثم زخرت بها المصنفات العلمية الكبرى: ككتب التفاسير بعامة، وكتب تفسير آيات الأحكام بخاصة، كالجصاص، وابن العربي والقرطبي، والكيا الهراسي.
ومن المصنفات الحديثية التي اهتمت بهذه الناحية: مصنف عبد الرزاق، مصنف ابن أبي شيبة، وموطأ الإِمام مالك، وشرح معاني الآثار، وكذلك معظم كتب شروح الحديث.
كما اهتم به بعض كتب الفقه المذهبي: كالمبسوط والبدائع، والمجموع، والمغني، ومن شدة اعتناء العلماء بهذا الفن، أفردوا له مؤلفات خاصة، وقسّموا التأليف فيه إلى قسمين:
قسم يتعرض لجميع الأقوال المتعددة في المسألة مع ذكر أدلتها، وبعضهم مع تجريدها عن الأدلة.
وقسم يتعرض لأصول مسائل الخلاف، وسر منشأه، ومعرفة مآخذ أدلة الأئمة لاستنباط الأحكام.
أهم الكتب المصنفة من القسم الأول: الذي يتعرض لذكر الأقوال المتعددة في المسألة الواحدة قبل عصر الزمخشري:
- اختلاف الصحابة، للإِمام أبي حنيفة النعمان (م ١٥٠ هـ) (١).
- اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (م ١٨٢ هـ) (٢).
- والرد على سير الأوزاعي، لأبي يوسف (٣).
- الحجة على أهل المدينة، لمحمد بن الحسن الشيباني (م ١٨٩ هـ) (٤).
стр. 66
ويشتمل "الأم" للإِمام الشافعي (م ٢٠٤ هـ) أبواباً متعددة، من اختلاف الفقهاء مع الشافعي، رحمهم الله تعالى (١).
الِإجماع والاختلاف، لأبي عبد الرحمن الشافعي (٢).
كتاب الاختلاف، لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (م ٢٠٩ هـ) (٣).
كتاب اختلاف الفقهاء، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (م ٣١٠ هـ) (٤).
الأوسط في السنن والِإجماع.
كتاب الاختلاف.
- الِإشراف على مذاهب أهل العلم، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر الشافعي (م ٣١٨ هـ) (٥).
- كتاب اختلاف الفقهاء، لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (م ٣٢١ هـ) (٦).
- مختلف الرواية بين أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (م ٣٧٣ هـ) (٧).
- التجريد لأبي الحسين أحمد بن محمد القدوري الحنفي (م ٤٢٨ هـ) (٨).
стр. 67
- اختلاف الفقهاء الكبير، واختلاف الفقهاء الصغير، لأحمد بن نصر المروزي.
- كتاب الاختلاف في الفقه، لأبي يحيى زكريا بن يحيى بن محمد الساجي (١).
- كتاب الاختلاف، لأبي إسحاق بن إبراهيم بن جابر (٢).
الكتب المؤلفة في علم الخلاف في عصر الزمخشري:
- النكت، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (٤٧٦ هـ) (٣).
- الخلافيات، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (٤٥٨ هـ) (٤).
- الكفاية في مسائل الخلاف، لعلي بن سعيد بن عبد الرحمن العبدري (م ٤٩٣) (٥).
- حلية العلماء في اختلاف الفقهاء، لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال (م ٥٠٧ هـ) (٦).
- منظومة النسفي، لنجم الدين عمر بن محمد النسفي (٥٣٧ هـ) (٧).
- الطريقة الرضوية، لرضي الدين محمد بن محمد السرخسي الحنفي (٥٧١ هـ) (٨).
стр. 68
- الِإشراف على مذاهب الأشراف (١)، والِإفصاح عن معاني الصحاح (٢) للوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي (م ٥٦٠ هـ).
- تقويم النظر في مسائل الخلاف، لمحمد بن علي بن شعيب، المعروف بابن الدهان (م ٥٩٠ هـ) (٣).
ومن تأليفات المتأخرين في هذا الفن:
- كتاب الميزان، لعبد الرحمن الشعراني (٩٧٣ هـ) (٤).
- كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (٥)، لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي (٥).
والقسم الذي يتعرض لأصول مسائل الخلاف، وسر منشأ الخلاف ومعرفة مآخذ أدلة الأئمة لاستنباط الأحكام:
- تأسيس النظر، للإِمام عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي (م ٤٣٠ هـ) (٦).
- الإِنصاف في التنبيه على أسباب الخلاف، لأبي محمد عبد الله البطليوسى (م ٥٢١ هـ) (٧).
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (م ٥٩٥ هـ) (٨).
стр. 69
- تخريج الفروع على الأصول، لأبي المناقب شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (م ٦٥٦ هـ) (١).
- رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لشيخ الِإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية (م ٧٢٨ هـ) (٢).
ومن الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة في هذا الفن:
- الِإنصاف في بيان سبب الاختلاف في الاختلاف في الأحكام الفقهية،
لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي (م ١١٧٦ هـ) (٣).
- أسباب اختلاف الفقهاء، للشيخ علي الخفيف (معاصر).
- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، للدكتور مصطفى سعيد الخن (معاصر) (٤).
- أسباب اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الله عبد المحسن التركي (معاصر) (٥).
... وإلى غير ذلك من كتب حديثه في أصول الفقه وتاريخه.
* * *
стр. 70
قسم التحقيق
ويشتمل على:
- وصف نسخة الكتاب.
- منهج التحقيق.
- النص المحقق.
стр. 71
نسخة الكتاب
من الأهمية بمكان لتحقيق المخطوط، البحث عن نسخ متعددة له، حتى يتمكن الباحث بمقابلة بعضها مع البعض الآخر، من إخراج نسخة مصححة، كما لو كانت النسخة الأصلية التي دوّنها المؤلف بيده.
ولقد رجعت إلى فهارس مكتبات العالم (١) المتوافرة منها في المكتبة المركز بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وفهارس مكتبة البحث العلمي بكلية الشريعة بالجامعة؛ للعثور على نسخ متعددة لكتاب رءوس المسائل، فما وجدت منه إلا نسخة واحدة فقط، مصورة على (ميكروفلم) بمركز البحث العلمي وإحياء التراث الِإسلامي، بكلية الشريعة، بجامعة أم القرى، تحت رقم (٣٠٨ فقه عام)، مصورة من مكتبة شستربتي (بدبلن - ايرلندا) تحت رقم (٣٦٠٠).
- وهي نسخة بخط عادي، وبأوراقها آثار رطوبة بلل، عدد أوراقها ست ومائة ورقة، وسطورها: ثلاثة عشر سطراً، في كل سطر: ثلاث عشرة كلمة تقريباً،
стр. 72
ومقاس الصفحة ١٧ × ١٣.١ سم. وهذه المعلومات مطابقة لما هو مدوّن عليها باللغة الانجليزية كما هو مدون في فهرسة مكتبة شستربتي برقم (٣٦٠٠)(١).
- تاريخ نسخها: يعود إلى سنة (٥٧٦ هـ)، كما ورد ذلك في آخرها، حيث قال ناسخها: "وقع الفراغ في شهر الله الأصم رجب، في آخر الظهر، في سنة ست وسبعين وخمسمائة من هجرة النبي صلى الله عليه (وسلم) صاحبه شبلي بن عبد الرحمن بن جندر بن أيوب غفر الله لهم أجمعين، وصلى الله على محمد وآله".
فهي ليست بعيدة العهد عن عصر المؤلف، إذا علمنا أن وفاته كانت عام (٥٣٨ هـ). وقرب نسخها من حياة المؤلف يعطيها أهمية خاصة، كما هو معروف في مجال تحقيق المخطوطات.
- خط النسخة واضح، وإن لم يسر الناسخ على نسق واحد في النسخ، فأحياناً يكتب بعض الحروف منقوطة، وأحياناً غير منقوطة.
- وكذلك في رسم بعض الحروف من الناحية الإملائية.
- يبدو أن الناسخ كان وراقاً محترفاً، لم يتوفر له نصيب كبير من العلم، وكان ذا معرفة ضعيفة بالنحو والإملاء، حيث لا تخلو صفحة واحدة من عدة أخطاء نحوية وإملائية.
ومما يؤكد بأن الناسخ كان وراقاً نسبة بعض الأقوال والأدلة لغير أصحابها، كما في مسألة (٢٤٣، ٣٠٦).
ولم أشر إلى شيء من ذلك في الهامش، بل اكتفيت بتعديلها، وتركت ما وجدت له وجهاً صحيحاً منها.
- توجد على ورقة الغلاف بعض التملكات والمطالعات التي تدل على تداول
стр. 73
هذه النسخة بين يدي كثير من العلماء، كما بينت هذه التملكات في أثناء حديثي عن توثيق الكتاب (١).
- بعد تدوين الناسخ تاريخ انتهاء نسخ الكتاب، الذي يعتبر نهاية النهاية فيه، دون مسألتين (٤٠٥، ٤٠٦)، في صفحة أخرى غير مستكملتي الحكم والدليل، مما يشير إلى أنهما أضيفتا إليه مؤخراً، وليستا من صلب الكتاب.
- خصصت الصفحة الأخيرة من الكتاب لفهرسة الكتاب.
* * *
стр. 74
منهج التحقيق
لما كانت النسخة كثيرة الأخطاء في النحو والإملاء وكثيرة السقطات، لزم إعادة نسخها، لتقويم نصوصها، وإصلاح عباراتها، وإكمال الساقط منها، وتهذيب مسائلها، لتصبح أقرب ما تكون من نسخة المؤلف بقدر الإِمكان، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قمت بالخطوات التالية:
- نسخ الكتاب من الميكروفلم، مع مراعاة كتابة الكلمات حسب القواعد الِإملائية المعروفة في عصرنا.
- فقد جرت عادة الناسخ على إسقاط الألف في مثل الكلمات (الشفعى، تعلى، ثلثا، السلم) التي أصبحت كتابتها بإثبات ألف المد فيها: (الشافعي، تعالى، ثلاثا، السلام).
- وكذلك باستبدال الألف واواً كرسم المصحف، مثل: (الحيوة، والصلوة) مما أصبح رسمه بالألف (الحياة، الصلاة).
- كما جرت عادته على حذف الهمزة في الممدودة، مثل: (الصحرا، ما، الأعضا، الأشيا، الِإنا) في حين أن الرسم الِإملائي لها في الوقت الحاضر هو إثباتها رسماً.
- وكذلك مده للمقصور منها، مثل: (المعنا، روا، يعطا).
- وإبداله الهمزة ياء مثل: (البير، المايعات، نسايه، البهايم) ونحوها كثير لم أشر لكل هذه الأمور بالهامش، اكتفاء بذكرها هنا.
стр. 75
- ضبط المفردات اللغوية، بالرجوع إلى المعاجم اللغوية وقواميسها.
- إتمام النقص والسقطات، بما يتفق مع العبارات المتقطعة الموجودة مستعيناً بمدونات الفقه في المذهبين لِإكمال السقطات، واضعاً ذلك داخل قوسين مربعين []، ومبيناً سبب الزيادة، وأترك الإِشارة إلى الزيادة كثيراً، لدلالة الأقواس عليها.
وإن استبدلت شيئاً من النص، فإني أبين ما في الأصل بالهامش وأضع البدل الذي رأيته مناسباً في النص بين مربعين.
- جرت عادة المؤلف باستعمال صيغ ناقصة في الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، مما ذكرها العلماء، فجاءت منه على النحو التالي:
فغالباً ما يقول: (النبي صلى الله عليه)، جرياً على عادة المعتزلة التي ينبذها أهل السنة، وأحياناً: (النبي صلى الله ﵇، و (النبي ﵇، واستبدلت كل هذه الصيغ، بالصيغة الكاملة، المندوب إليها والتي حث على التزامها علماء (١) السنة، وإن كان في ذلك تغيير لنسخة الكتاب، إيثاراً للمنهج القويم: منهج أهل السنة والجماعة.