← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 13269

تذكير الأنام بسنن وآداب الصيام

سالم جمال الهنداوي

Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تذكير الأنام بسنن وآداب الصيام كتبه سالم جمال الهنداوي باحث في الشريعة الإسلامية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣٥هـ / ٢٠١٤مـ دار الإمام الشافعي للطباعة والنشر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله فاتح أبواب المقال، ومانح أسباب النوال، وملهم جواب السؤال، أحمده حمدًا يستغرق البكر والآصال، ويستوعب الأماكن ويضيء الزمن والأطلال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شبيه ولا مثال، رب السموات والأرض وما بينهما الكبير المتعال. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله جامع صفات الجلال والجمال، ومن أوتي فصل المقال ﷺ ، وعلى آله وصحبه فرسان الجلاد والجدال ما ارتفعت للعلماء راية تمحص عارض الشكوك والإشكال. اللهم صلي على محمدٍ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصلي على محمدٍ ما تعاقب الليل والنهار، وصلي على محمدٍ وعلى المهاجرين والأنصار، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن الصيام هو أحد أركان الإسلام الخمسة ومبانيه العظام، قال رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). فيجب علينا أن نعرف حكمته التي شُرع من أجلها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. قال صاحب المنار ﵀: قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة؛ امتثالاً لأمره، واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض

стр. 3

بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه؛ ولذلك قال ﷺ : ««الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ» (١)، وهذا معنى دلالة «لعل» على الترجي، فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى، فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها (٢). وقال الإمام ابن القيم ﵀ عن الصوم: «هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]،

стр. 4

وقال النبي: ﷺ «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» (١)، وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة. والمقصود: أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانًا إليهم وحمية لهم وجنة. وكان هدي رسول الله ﷺ فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهله على النفوس» (٢). ويجب علينا: أن نعرف ونتعلم فقهه وسننه وآدابه وأسراره؛ حتى نحصل أجر الصائمين وجزاء المتقين، الذي أعده الله لعباده الطائعين المخبتين. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ...» الحديث (٣). إن الصيام مدرسة عظيمة، يتعلم فيها المسلم كيف يعود نفسه على خصال الخير التي يحبها الله ويرضاها. ويعود لسانه: أن يكف ويمتنع عن قول الزور، والفحش من القول، وأن يُلجمه عن الغيبة والنميمة إِلجامًا، وأن يُرطب لسانه أثناء صومه بذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم، وأن ينطق بالمعروف دائمًا، وإن سابه أحدٌ أو خاصمه أو قاتله لا يرد السيئة بمثلها، بل يقول: «إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».

стр. 5

ويعود الصائم يده على فعل الخيرات، وإعطاء الصدقات وإيتاء الزكوات، فلا يستعملها إلا في الخير دائمًا، فيكون جوادًا كريمًا كما كان رسول الله ﷺ . ويعود الصائم نفسه على الصيام عن الشهوات والملذات كما صامت عن المأكل والمشرب وكثير من المباحات أثناء الصيام. ويعود الصائم نفسه على قراءة القرآن وختمه باستمرار كما اعتاد ذلك أثناء الصيام، وربما دعاه ذلك إلى حفظه وتعلم أحكام تلاوته، ويعود نفسه على القيام بين يدي الله تعالى في السحر يناجي ربه ساجدًا وقائمًا ومخبتًا؛ فيفوز بالخير والثواب العظيم. إننا نحتاج حقيقة إلى هذه المدرسة كل عام، نجدد إيماننا، ونطهر نفوسنا، وننقي أبداننا، ونتقرب من الله ، فلله الحمد في الأولى والأخرة على شرعه الحكيم وكتابه المنير. ولقد جمعت في هذه الرسالة جملة من السنن والآداب التي يحتاجها الصائم في شهر رمضان وفي غيره من الأيام المباركات، راجيًا من الله تعالى القبول والرضوان، وأسميتها: «تذكير الأنام بسنن وآداب الصيام»، وما كان لي ذلك إلا بتوفيقٍ من الله . ولقد اعتمدت على كثيرٍ من كتب علماء الإسلام -رحمهم الله تعالى- وعفا عنا وعنهم أجمعين، فأدعوا الله السميع المجيب، اللطيف الخبير، أن ييسر لي ولغيري من أبناء المسلمين ما فيه خدمة الدين الحنيف، وأن يستعملنا دائمًا لنصرة الدين، وحمل لواء الشريعة الغراء ما حيينا إلى أن نلقى الله الكريم، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبي ونعم الوكيل. كتبه سالم جمال الهنداوي مصر - المنصورة ت/ ٠١٠٠٧٥٣٠٧٦٧ شهر رمضان المبارك ١٤٣٣هـ - أغسطس ٢٠١٢مـ

стр. 6

تمهيد تعريف السنة معنى السنة لغةً وشرعًا: السنة لغة: هي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنًا أي: طريقًا، وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة معناه الأمر بالإدامة، من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه. قال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد يستعمل في غيرها مقيدة كقوله: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» (١). وقيل: هي الطريقة المعتادة، سواءً كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٢). وأما معناها شرعًا: أي: في اصطلاح أهل الشرع فهي: قول النبي ﷺ وفعله وتقريره، وتطلق بالمعنى العام على الواجب وغيره في عرف أهل اللغة والحديث. وأما في عرف أهل الفقه: فإنما يطلقونها على ما ليس بواجب، وتطلق على ما يقابل البدعة كقولهم: فلان من أهل السنة. قال ابن فارس في «فقه اللغة العربية»: وكره العلماء قول من قال: سنة أبي بكر وعمر، وإنما يقال: سنة الله وسنة رسوله.

стр. 7

ويجاب عن هذا: بأن النبي ﷺ قد قال في الحديث الصحيح: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١)، ويمكن أن يقال: إنه ﷺ أراد بالسنة هنا الطريقة. وقيل في حدها اصطلاحًا: هي ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحًا ليس معه المنع من النقيض. وقيل: هي ما واظب على فعله النبي ﷺ مع ترك ما بلا عذر. وقيل: هي في العبادات النافلة، وفي الأدلة ما صدر عن النبي ﷺ من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير (٢). الفرق بين المستحب والمسنون قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: المستحب هو المسنون، وهو ما أمر به لا على وجه الإلزام بالفعل، فإن أمر به على وجه الإلزام كان واجبًا. وحكم المستحب: أن يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه، ولكنَّ ثوابَ المستحب أو المسنون أقل من ثواب الواجب، بالدليل الأثرى والنظري. أما الدليل الأثري: فقوله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٣)، فصلاة ركعتين فريضة أحب إلى الله من صلاة ركعتين نافلة. وأما الدليل النظري: فإن إيجاب الله للواجب يدل على أنه أوكد، وأنَّ المكلف محتاج إليه أكثر من احتياجه إلى النوافل.

стр. 8

وهل يفرَّق بين المستحب والمسنون؟ الجواب: فرق بعض العلماء بينهما بأن المستحب ما ثبت بقياس، والمسنون ما ثبت بسنة، أي بدليل. ولكن الصحيح: أنه لا فرق والمسألة اصطلاحية، فعند الحنابلة لا فرق بينهما، فلا فرق بين أن نقول: يستحب أن يتوضأ ثلاثًا، وأن نقول: يسن أن يتوضأ ثلاثًا، وهذا مجرد اصطلاح، أي: لو أن أحدًا قال في مؤلف له: أنا إن عبَّرت بيسن فإنما أعبِّر عن ثابت بسنة، وإن عبرت بيستحب فإنما عبرت عن ثابت بقياس، ثم مشى على هذا الاصطلاح لم ينكر عليه (١).

стр. 9

الفصل الأول سُنن الصيام

стр. 10

الفصل الأول: سنن الصيام للصيام سنن حسنة كان يفعلها النبي ﷺ ويحث أصحابه على المداومة عليها وفعلها، وكذلك له جملة من الآداب يستحب للمسلم أن يهتم بها، وأن يحافظ عليها رجاء الثواب والفضل من الله . فمن سنن الصيام: ١ - السحور: السَّحور: بالفتح اسم لما يُؤكل وقت السحر، والسُّحور: هو المصدر أو فعل الفاعل، وكلا الضبطين مناسب إذا ذُكر لفظ «الطعام»، أما إذا لم يُذكر فلا يصح إلا لفظ السَّحور بالفتح؛ لأن السَّحور هو الذي يُؤكل (١). قال ابن المنذر ﵀: أجمع العلماء أن السحور مندوب إليه مستحب، ولا مأثم على من تركه، وحض أمته ﵇ عليه؛ ليكون قوة لهم على صيامهم (٢). وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (٣). قال الإمام النووي ﵀: فيه الحث على السحور، وأجمع العلماء على استحبابه وأنه ليس بواجب، وأما البركة التي فيه فظاهرة؛ لأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام؛ لخفة المشقة فيه على المتسحر، فهذا هو الصواب المعتمد في معناه.

стр. 11

وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ، والذكر، والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة أو التأهب لها حتى يطلع الفجر (١). وعَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَلَا تَدَعُوهُ» (٢). وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ» (٣)، وسبب البركة: أنه يقوي الصائم، وينشطه، ويهون عليه الصيام. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» (٤). قال ابن حجر في «فتح الباري»: «السحور» هو بفتح السين وبضمها؛ لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر، أو البركة؛ لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحر به. وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي: اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من

стр. 12

يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية؛ فإن إقامة السنة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب؛ لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية (١). أكلةُ السحر فرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ» (٢). قال الإمام النووي ﵀: معناه: الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور؛ فإنهم لا يتسحرون ونحن يستحب لنا السحور (٣). قال القرطبي: هذا الحديث يدل على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خفف به عنهم أكلة السحر (٤). وقال الإمام الخطابي ﵀: معنى هذا الكلام: الحث على التسحر، وفيه الإعلام بأن هذا الدين يسر لا عسر فيه، وكان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان

стр. 13

الأمر في أول الإسلام ثم نسخ الله ذلك ورخص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١). وقال الإمام الطحاوي ﵀: فتأملنا هذا؛ لنقف على المعنى الذي أريد به ما هو، فوجدنا أهل الكتاب من شريعتهم أنهم إذا ناموا في ليلهم حرم عليهم بذلك في بقيته ما يحرم على الصائم، من إتيان النساء، ومن الأكل، ومن الشرب، إلى خروجهم من صوم غد تلك الليلة , وكذلك كان أهل الإسلام في صدر الإسلام حتى نسخ الله ذلك بما نسخه من كتابه. وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، والصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة الثلاثة، ثم قال: وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصام من كل شهر ثلاثة أيام، وصام يوم عاشوراء فصامها كذا ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم أنزل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]، وكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا وأجزأ ذلك عنه، حتى أنزل الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وإلى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ففرضه الله وأثبت صيامه على الصحيح المقيم، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للشيخ الذي لا يستطيع صيامه. وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء، فإذا ناموا امتنعوا من ذلك، فجاء رجل يقال له صرمة قد ظل يومه يعمل، فجاء فصلى العشاء ووضع رأسه فنام قبل أن يطعم، فأصبح

стр. 14

صائمًا فرآه رسول الله ﷺ من آخر النهار وقد أجهد فقال: «إني أراك قد أجهدت» فقال: يا رسول الله ظللت يومي أعمل فجئت صلاة العشاء فنمت قبل أن أطعم، وجاء عمر ﵁ وقد أصاب من النساء، فنزلت هذا الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال أيضًا: فوقفنا بذلك على أن معنى ما روينا في حديث عمرو بن العاص هو أن صومنا جائز لنا أن نأكل في لياليه وإن كنا قد نمنا فيها، بخلاف صوم أهل الكتاب الذين إذا ناموا في ليالي صومهم لم يأكلوا فيه، حتى يمضي غد تلك الليلة (١).

стр. 15

ومن سنن الصيام: ٢ - تأخير السحور: «ويسن تأخير السحور ما لم يقع في شكٍ في طلوع الفجر؛ لخبر: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (١) رواه الإمام أحمد؛ ولأنه أقرب إلى التقوي على العبادة،

стр. 16

فإن شك في ذلك كأن تردد في بقاء الليل لم يسن التأخير بل الأفضل تركه؛ للخبر الصحيح: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ (١)» (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: وأحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ اتباعًا لرسول الله ﷺ (٣). وقال الإمام النووي ﵀: قال أصحابنا: وإنما يستحب تأخير السحور مادام متيقنًا بقاء الليل، فمتى حصل شك فيه فالأفضل تركه (٤). وقال ابن حجر في «فتح الباري»: «قال بن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، وعند عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارا وأبطأهم سحورًا» (٥). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁، حَدَّثَهُ: «أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ». قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ» يَعْنِي: آيَةً (٦).

стр. 17

ولفظُ مسلم: عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ». قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «خَمْسِينَ آيَةً» (١). وقال ابن حجر في «فتح الباري»: «قال بن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود. قال بن أبي جمرة: كان ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يفضي إلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر، وقال: فيه أيضًا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام ولو ترك لشق على بعضهم، ولا سيما من كان صفراويًا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. قال: وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد ابن ثابت ما كان يبيت مع النبي ﷺ ، وفيه الاجتماع على السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ » ولم يقل نحن ورسول الله ﷺ ؛ لما يشعر لفظ المعية بالتبعية» (٢). وعن زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا هُنَيْهَةٌ» (٣).

стр. 18

وروي عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه كان يقول لغلامه قنبر: ائتني بالغذاء المبارك، فيتسحر ويخرج فيؤذن ويصلي؛ ولأن في تعجيل الفطر وتأخير السحور قوة لجسده ومعونة لأداء عبادته (١). تنبيه: ولا ينبغي لمؤخر السحور ومعجِّل الفطر أن يوقع فعلَه في مظنة التشكك، ودركُ اليقين في الطرفين أهمُّ من كل شيء (٢). التمر من أفضل ما يُتسحر به: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» (٣). وفي التسحر به بركة عظيمة، وثوابًا كثيرًا، فيطلب تقديمه في السحور، وكذا في الفطور إن لم يوجد رطب، وإلا فهو أفضل في زمنه. قال الطيبي: وإنما مدح التمر في هذا الوقت؛ لأن في نفس السحور ببركة وتخصيصه بالتمر بركة على بركة كما سبق: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة؛ ليكون المبدوء به والمنتهي إليه البركة (٤). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ» (٥).

стр. 19

وقال المناوي ﵀: لأنه يحصل به الإعانة على الصوم بالخاصية، أو لأنه يحصل به النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره العطش. وقال: فإن البركة في الفعل باستعمال السنة لا في نفس الطعام (١).

стр. 20

ومن سنن الصيام: ٣ - تعجيل الفطر ويًسن تعجيل الفطر، وذلك إذا تحقق وتيقن غروب الشمس. قال الإمام الشافعي ﵀: «وأحب تعجيل الفطر وترك تأخيره، وإنما أكره تأخيره إذا عمد ذلك، كأنه يرى الفضل فيه» (١). وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵁ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٢). قال ابن حجر في «فتح الباري»: «قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل؛ ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الارجح (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، عَجِّلُوا الْفِطْرَ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ» (٤). وقال الإمام النووي ﵀: «فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس، ومعناه: لا يزال أمر الأمة منتظمًا وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه» (٥). وقال الإمام السيوطي ﵀:

стр. 21

«لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»؛ لما فيه من المحافظة على السنة، فإذا خالفوها إلى البدعة كان ذلك علامة على إفساد يقعون فيه (١). وقال المناوي ﵀: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» أي: ما داوموا على هذه السنة؛ لأن تعجيله بعد تيقن الغروب من سنن المرسلين، فمن حافظ عليه تخلق بأخلاقهم؛ ولأن فيه مخالفة أهل الكتاب في تأخيرهم إلى اشتباك النجوم وفي ملتنا شعار أهل البدع فمن خالفهم واتبع السنة لم يزل بخير، فإن أخر غير معتقد وجوب التأخير ولا ندبه فلا ضير فيه، كما قال الطيبي: أن متابعة الرسول ﷺ هي الطريق المستقيم ومن تعوج عنها فقد ارتكب المعوج من الضلال ولو في العبادة» (٢). وقال ابن بطال ﵀: «قال المهلب: إنما حض ﵇ على تعجيل الفطر؛ لئلا يزاد فى النهار ساعة من الليل فيكون ذلك زيادة فى فروض الله؛ ولأن ذلك أرفق بالصائم وأقوى له على الصيام، وقد روى محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود يؤخرون». وقال عمرو بن ميمون الأودى: كان أصحاب محمد أسرع الناس فطرًا، وأبطأهم سحورًا. وقال سعيد بن المسيب: كتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تكونوا مسبوقين بفطركم، ولا منتظرين لصلاتكم اشتباك النجوم، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: «سمعت عروة بن عياض يخبر عبد العزيز بن عبد الله أنه يؤمر أن يفطر قبل أن يصلى ولو على حسوة». وروى أيضًا عبد الرزاق عن صاحب له، عن عوف، عن أبى رجاء قال: «كنت أشهد ابن عباس عند الفطر فى رمضان، فكان يوضع له طعامه، ثم يأمر مراقبًا يراقب الشمس، فإذا قال: قد وجبت، قال: كلوا، ثم قال: كنا نفطر

стр. 22

قبل الصلاة»، وليس ما رواه مالك فى «الموطأ». عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: «أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ويفطران بعد الصلاة»، بمخالف لما روى من تعجيل الفطر؛ لأنهما إنما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يعجلان الفطر بعدها من غير كثرة تنقل، لما جاء من تعجيل الفطر، ذكره الداودي (١). وعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ، عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْنَا: «يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ: يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ»، قَالَتْ: «أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟». قَالَ: قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: «كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ »، زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى (٢). وقال صاحب «مرقاة المفاتيح»: قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة والسنة، والثاني بالرخصة اهـ، وهذا بما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط، أما إذا كان الخلاف قوليًا فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه، وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل، والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز، كما سبق من عمل عمر وعثمان ﵃ أجمعين، وأما قول ابن حجر: وكان عذر أبي موسى أنه لم يبلغه فعل النبي ﷺ فعذر بارد، والله أعلم (٣).

стр. 23

ومن سنن الصيام: ٤ - الفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فليفطر على ماء: ويسن للصائم أن يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فليفطر على الماء؛ وذلك لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (١). وعن سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (٢). قال الإمام الشوكاني ﵀: وإنما شرع الإفطار بالتمر؛ لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة. وقيل: لأن الحلو لا يوافق الإيمان ويرق القلب، وإذا كانت العلة كونه حلوًا، والحلو له ذلك التأثير فيلحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد منه حلاوة فبفحوى الخطاب، وما كان مساويًا له فبلحنه (٣). وقال الدهلوي ﵀: وفيه بيان الشكر على الحالات التي يستطيبها الإنسان بطبيعته أو عقله معًا، وفيه تأكيد الإخلاص في العمل والشكر على النعمة (٤).

стр. 24

وقال ابن القيم ﵀: وكان ﷺ يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوة المدينة التمر، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوت وأدم ورطبه فاكهة. وأما الماء: فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده؛ ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. وكان ﷺ يفطر قبل أن يصلي، وكان فطره على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسواتٍ من ماء (١).

стр. 25

ومن سنن الصيام: ٥ - النهي عن قول الزور، والعمل به، والجهل في الصوم: إن الصيام الذي أمرنا الله به ليس صيامًا عن الطعام والشراب فقط، ولكنه صيام الجوارح كلها عن معصية الله ، وهذا هو مقصود الصيام وحقيقته، فالصائم لا يقول إلا خيرًا، ولا يغتاب ولا ينم ولا يسخر من أحدٍ. قال ابن القيم-﵀: الصائم هو: الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث. فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعاً صالحاً، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب. فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم (١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٢). وفي لفظٍ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَلَا شَرَابَهُ» (٣).

стр. 26

قال ابن قدامة ﵀: ينبغي للصائم أن يحرس صومه عن الكذب والغيبة والشتم والمعاصي (١). وقال ابن بطال ﵀: «قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه وترك قبوله منه. وقال غيره: وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه: التحذير من قول الزور، وهذا كقوله ﵇: «مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ» (٢)، يريد أي: يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه، فإن قيل: ما معنى قوله: «فليس لله حاجة» والله لا يحتاج إلى شئ؟ قيل معناه: فليس لله إرادة فى صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة (٣). وقال القاري ﵀: «من لم يدع» أي: يترك، «قول الزور» أي: الباطل وهو ما فيه إثم، والإضافة بيانية، وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، أي: من لم يترك القول الباطل من قول الكفر وشهادة الزور والافتراء والغيبة والبهتان والقذف والسب والشتم واللعن وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها. «والعمل» بالنصب «به» أي: بالزور، يعني: الفواحش من

стр. 27

الأعمال؛ لأنها في الإثم كالزور، وقال الطيبي: هو العمل بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه. «فليس لله حاجة» أي: التفات ومبالاة، وهو مجاز عن عدم القبول ينفي السبب وإرادة نفي المسبب. «في أن يدع» أي: يترك. «طعامه وشرابه» فإنهما مباحان في الجملة، فإذا تركهما وارتكب أمرًا حرامًا من أصله استحق المقت، وعدم قبول طاعته في الوقت، فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقًا لا تركًا دون ترك، وكأن هذا مأخذ من قال: إن التوبة عن بعض المعاصي غير صحيحة، والصحيحة حصتها كما هو مقرر في محلها بناء على الفرق بين الصحة والقبول، فإنه لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة بخلاف العكس، قال القاضي: المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع الأمارة، فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه، ولم ينظر إليه نظر عناية، فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات والقبول، وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان؟ قال الطيبي: وفي الحديث دليل على أن الكذب والزور أصل الفواحش، ومعدن المناهي، بل قرين الشرك، قال تعالى: ﴿(((((((((((((((الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ ((((((((﴾ [الحج: ٣٠]، وقد علم أن الشرك والزور مضاد للإخلاص، والصوم بالاختصاص فيرتفع بما يضاده، رواه البخاري. وفي معناه: حديث الحاكم الذي صححه: «ليس الصيام من الأكل والشرب فقط إنما الصيام من اللغو والرفث». ويؤخذ منه: أن يتأكد اجتناب المعاصي على الصائم كما قيل في الحج، لكن لا يبطل ثوابه من أصله بل كماله، فله ثواب الصوم وإثم المعصية، وأما ما نقله البيهقي عن الشافعي واختاره بعض أصحابه من أنه يبطل بذلك ثوابه من أصله فيحتاج إلى دليل معين، وعليل مبين، وأما قول ابن حجر: يتأكد على الصائم، أي: من حيث الصوم فلا ينافي كونه واجبًا من جهة أخرى أن يكف لسانه وسائر جوارحه من المباحات، وآكد من ذلك كف ما ذكر عن

стр. 28

المعاصي بأسرها فغير صحيح؛ إذ الإجماع قائم على أن الكف عن المباحات غير واجب، بل قوله يكره له شم الرياحين والنظر إليها ولمسها محتاج إلى نهي وارد مقصود كما هو مقرر» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵁: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ ...» الحديث (٢). وقال صاحب «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: «فلا يرفث» بالمثلثة وبتثليث الفاء قاله الزركشي والقسطلاني والعيني وكذلك في القاموس، والرفث: بفتح الراء والفاء يطلق ويراد به الجماع ومقدماته، ويطلق ويراد به الفحش، ويطلق ويراد به خطاب الرجل والمرأة فيما يتعلق بالجماع. وقال كثير من العلماء: إن المراد به في هذا الحديث الفحش وردى الكلام وقبيحه. وقيل: يحتمل أن يكون النهي لما هو أعم من ذلك. «ولا يصخب» بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحة، أي: لا يصيح ولا يخاصم. وقيل: أي لا يرفع صوته بالهذيان، وفي رواية للشيخين: «ولا يجهل» مكان قوله: «ولا يصخب» أي: لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه والسخرية ونحو ذلك، وفي رواية سعيد بن منصور ولا يجادل وهذا كله ممنوع على الإطلاق لكنه يتأكد بالصوم؛ ولذا قال القرطبي: لا يفهم من هذا إن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر وإنما المراد إن المنع من ذلك يتأكد بالصوم» (٣). وعن عطاء قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن نقرأه أو أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك بما لا بد لك منه.

стр. 29

وعن عبد الله قال: إن الرجل يخرج من بيته ومعه دينه فيلقى الرجل إليه حاجة، فيقول له: إنك كيت إنك كيت يثني عليه، وعسى أن لا يحظى من حاجته بشيء، فيسخط الله عليه وما معه من دينه شيء (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵁: «إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ...» (٢) الحديث. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵁: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» (٣).

стр. 30

ومن سنن الصيام: ٦ - أن يقول الصائم إذا شتم أو سب إني صائم: يُسن للصائم إن سابه أو قاتله أو شتمه أحد أن يقول: «إِنِّي صَائِمٌ»، فحينما يشتم أو يسب الصائم لا يرد الإساءة بمثلها، ولكنه يدفع بالتي هي أحسن، فلا يقول إلا خيرًا، إنه يقول: «إِنِّي صَائِمٌ». عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵁ قَالَ: «لَا تَسَابَّ وَأَنْتَ صَائِمٌ، وَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵁ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (٣). قال الإمام الخطابي ﵀: قوله ﷺ : «فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» يتأول على وجهين: أحدهما: فليقل ذلك لصاحبه نطقًا باللسان يرده بذلك عن نفسه. والوجه الآخر: أن يقول ذلك في نفسه: أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتمه؛ لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله» (٤).

стр. 31

وقال ابن عبد البر ﵀: وأما قوله: «فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» ففيه قولان: أحدهما: أن يقول الذي يريد مشاتمته ومقاتلته إني صائم وصومي يمنعني من مجاوبتك؛ لأني أصون صومي عن الخنا والزور، والمعنى في المقاتلة: مقاتلته بلسانه. والمعنى الثاني: أن الصائم يقول في نفسه إني صائم يا نفسي فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة، ولا يعلن بقوله: «إني صائم» لما فيه من الرياء واطلاع الناس عليه؛ لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر، وكذلك يجزئ الله الصائم أجره بغير حساب (١). وقال ابن حجر في «فتح الباري»: فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله إني صائم، واختلف في المراد بقوله: «فليقل إني صائم» هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في «الأذكار»، وقال في «شرح المهذب»: كل منهما حسن والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال: باب هل يقول إني صائم إذا شتم. وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقله في نفسه، وادعى بن العربي أن موضع الخلاف في التطوع وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا. وأما تكرير قوله: «إني صائم» فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك، ونقل الزركشي أن المراد بقوله: «فليقل إني صائم» مرتين يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه عنه، وتعقب بأن القول حقيقة باللسان وأجيب بأنه لا يمنع المجاز (٢).

стр. 32

وقال ابن عثيمين ﵀: وهل يقولها سرًا، أو جهرًا؟ قال بعض العلماء: يقولها سرًا، وقال بعض العلماء: جهرًا. وفصل بعض العلماء بين الفرض والنفل، فقال: في الفرض يقولها جهرًا؛ لبعده عن الرياء، وفي النفل يقولها سرًا؛ خوفًا من الرياء. والصحيح: أنه يقولها جهرًا في صوم النافلة والفريضة؛ وذلك لأن فيه فائدتين: الفائدة الأولى: بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلا لكونه صائمًا لا لعجزه عن المقابلة؛ لأنه لو تركه عجزًا عن المقابلة لاستهان به الآخر، وصار في ذلك ذل له، فإذا قال: إني صائم كأنه يقول: أنا لا أعجز عن مقابلتك، وأن أبين من عيوبك أكثر مما بينت من عيوبي، لكني امرؤ صائم. الفائدة الثانية: تذكير هذا الرجل بأن الصائم لا يشاتم أحدًا، وربما يكون هذا الشاتم صائمًا كما لو كان ذلك في رمضان، وكلاهما في الحضر، سواء حتى يكون قوله هذا متضمنًا لنهيه عن الشتم وتوبيخه عليه (١).

стр. 33

ومن سنن الصيام: ٧ - أن يقول الصائم إذا دُعي إلى الطعام: إني صائم . يستحب لمن كان صائمًا سواء كان الصيام واجبًا أو تطوعًا أن يقول إذا دعي إلى الطعام أو الشراب أن يقول: إني صائم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» (١). قال الإمام النووي-﵀: قوله ﷺ فيما إذا دعي وهو صائم: «فليقل: إني صائم» محمول على أنه يقول له اعتذارًا له وإعلامًا بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور، وليس الصوم عذرًا في إجابة الدعوة ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا. والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح كما هو معروف في موضعه، وأما الأفضل للصائم، فقال أصحابنا: إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صومًا واجبًا حرم الفطر. وفي هذا الحديث: أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن حاجة، وفيه الإشارة إلى حسن المعاشرة، وإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب، وحسن الاعتذار عند سببه (٢).

стр. 34

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» (١)، يَعْنِي: الدُّعَاءَ. وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» (٢)، يَعْنِي الدُّعَاءَ. وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» (٣). وعنْ أَنَسٍ ﵁ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: «أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ»، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا ...» (٤)، الحديث. وعن أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَدَعَتْ لَهُ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: «كُلِي». فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَفْرُغُوا - وَرُبَّمَا قَالَ: حَتَّى يَقْضُوا أَكْلَهُمْ -» (٥). قال القاري في «مرقاة المفاتيح»: قوله ﷺ : «فليقل» أي: ندبًا، «إني صائم» قال ابن الملك: أمر ﷺ المدعو حين لا يجيب الداعي أن يعتذر عنه بقوله: «إني صائم»، وإن كان يستحب إخفاء النوافل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة وبغض في الداعي.

стр. 35

وفي رواية قال: «إذا دعي أحدكم فليجب» أي: الدعوة «فإن كان صائمًا فليصل» قال الطيبي: أي ركعتين في ناحية البيت، كما فعل النبي ﷺ في بيت أم سليم، وقيل: فليدع لصاحب البيت بالمغفرة، وقال ابن الملك: بالبركة. أقول: ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء، قال المظهر: والضابط عند الشافعي أنه إن تأذى المضيف بترك الإفطار أفطر، فإنه أفضل وإلا فلا. قوله ﷺ : «وإن كان مفطرًا فليطعم» أي: فليأكل ندبًا، وقيل: وجوبًا، قاله ابن حجر، والأظهر أنه يجب إذا كان يتشوش خاطر الداعي، ويحصل به المعاداة إن كان الصوم نفلاً، وإن كان يعلم أنه يفرح بأكله ولم يتشوش بعدمه فيستحب، وإن كان الأمران مستويين عنده فالأفضل أن يقول: إني صائم، سواء حضر أو لم يحضر، والله أعلم (١).

стр. 36

ومن سنن الصيام: ٨ - الدعاء عند الفطر: يُسن للصائم الدعاء عند الفطر، وورد في ذلك عدة أحاديث، منها: عن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١). قال القاري ﵀: قوله: «ذهب الظمأ» بفتحتين، قال النووي في «الأذكار»: الظمأ مهموز الآخر مقصور، وهو العطش، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا، وفيه أنه قرئ: ﴿لا يُصِيبهم ظمَاء﴾ [التوبة: ١٢٠] بالمد والقصر، وفي القاموس: ظمئ كفرح ظمأ وظماء، ظماءة: عطش أو أشد العطش، ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة. «وابتلت العروق» أي: بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، وأما قول ابن حجر هو مؤكد لما قبله فاسترواح؛ لأن منها نعمة مستقلة، نعم لو عكس العطش لكان تأكيدًا كما هو ظاهر في الجملة. «وثبت الأجر» أي: زال التعب وحصل الثواب. وهذا حث على العبادات، فإن التعب يسير لذهابه وزواله، والأجر كثير لثباته وبقائه، قال الطيبي: ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، أي: استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿((((((((((لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِن رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. «إن شاء الله» متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر

стр. 37

عليه تعالى، ردًا على المعتزلة، أو لئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة، ويمكن أن يكون إن بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق» (١). وعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ, وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٤). وقال صاحب «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: قوله: «كان إذا أفطر قال» أي: دعا. وقال ابن الملك: أي قرأ بعد الإفطار: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ»، قال المظهر: يعني لم يكن صومي رياء بل كان خالصًا لك؛ لأنك الرازق فإذا أكلت رزقك ولا رازق غيرك فلا ينبغي العبادة لغيرك. وقال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهار للاختصاص في الافتتاح، وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام (٥).

стр. 38

للصائم دعوة مستجابة: يستحب الإكثار من الدعاء أثناء الصيام، وذلك بضوابط الدعاء الشرعية، بأن لا يدعوا بإثم أو قطيعة رحم، أو يدعوا على نفسه أو ولده، وأن يستفتح دعائه بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي ويسلم على النبي ﷺ ، ويختم دعائه أيضًا بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن يستحضر قلبه أثناء الدعاء، فذلك أرجى للقبول. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعُوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعُوَةُ الْمَظْلُومِ» (٣). قال المناوي ﵀: «ثلاث دعوات» بفتح العين «مستجابات» أي: عند الله تعالى إذا توفرت شروطها. «دعوة الصائم» حتى يفطر، ومراده كامل الصوم الذي صان جميع جوارحه عن المخالفات، فيجاب دعاؤه لطهارة جسده بمخالفة هواه (٤).

стр. 39

ومن سنن الصيام: ٩ - الفضل والجود والإكثار من فعل الخير في شهر رمضان: ويستحب للصائم أن يكثر من فعل الخير في شهر رمضان، وذلك بأن يطعم الفقراء والمساكين، وأن يبذل الصدقات، ويعطي المحتاجين، وأن ينفق في سبل الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (١). قال ابن حجر في «فتح الباري»: والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا: فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي ﷺ يؤثر متابعة سنة الله في عباده فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند الله تعالى (٢). قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: وفي هذا الحديث فوائد، منها: بيان عظم جوده ﷺ ، ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم، ومنها: استحباب مدارسة القرآن (٣).

стр. 40

وقال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري»: «قال المهلب: وفيه بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكار لفعل الخير، وتنبيهًا على الازدياد من العمل الصالح؛ ولذلك أمر ﵇ بمجالسة العلماء، ولزوم حلق الذكر، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه، ألا ترى قول لقمان لابنه: «يا بنى جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء»، وقال مرة أخرى: «فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم»، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم، وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد فى وجود النبى ﵇ وصدقته حتى كان أجود من الريح المرسله (١). وقال صاحب «منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري»: قوله: «كان رسول الله أجود الناس» أي: أعظم الناس وأكثرهم جودًا على الإطلاق؛ لأن جوده ﷺ كان خلقيًا وشرعيًا معًا. فأمّا جوده الخلقي: فهو السخاء، وسهولة الانفاق الناشيء عن الطبع والوراثة، وأما جوده الشرعي: فهو كما يقولون: «إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي خالصاً لوجه الله تعالى دون رياء أو سمعة سواء كان هذا العطاء واجباً كالزكاة، أو مندوباً كالصدقة»، وقد جمع الله تعالى في نبينا ﷺ بين كرم الطبع الموروث عن أسرته الهاشمية العريقة، وكرم الشرع الذي أدّبه به ربه، فأحسن تأديبه، وقد وصفه أنس ﵁ بقوله: «كان أجود الناس، وكان أشجع الناس، فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك خوفًا». «وكان أجود ما يكون فى رمضان» أي: وكان يتضاعف جوده في هذا الشهر الكريم، فيتصف بأكثر الجود في رمضان.
следующие страницы →