← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 13269

تذكير الأنام بسنن وآداب الصيام

سالم جمال الهنداوي

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن سنن الصيام: ٨ - الدعاء عند الفطر: يُسن للصائم الدعاء عند الفطر، وورد في ذلك عدة أحاديث، منها: عن ابن عمر ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١). قال القاري ﵀: قوله: «ذهب الظمأ» بفتحتين، قال النووي في «الأذكار»: الظمأ مهموز الآخر مقصور، وهو العطش، وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا، وفيه أنه قرئ: ﴿لا يُصِيبهم ظمَاء﴾ [التوبة: ١٢٠] بالمد والقصر، وفي القاموس: ظمئ كفرح ظمأ وظماء، ظماءة: عطش أو أشد العطش، ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة. «وابتلت العروق» أي: بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، وأما قول ابن حجر هو مؤكد لما قبله فاسترواح؛ لأن منها نعمة مستقلة، نعم لو عكس العطش لكان تأكيدًا كما هو ظاهر في الجملة. «وثبت الأجر» أي: زال التعب وحصل الثواب. وهذا حث على العبادات، فإن التعب يسير لذهابه وزواله، والأجر كثير لثباته وبقائه، قال الطيبي: ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، أي: استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿((((((((((لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِن رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. «إن شاء الله» متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر

стр. 37

عليه تعالى، ردًا على المعتزلة، أو لئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة، ويمكن أن يكون إن بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق» (١). وعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ, وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٤). وقال صاحب «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: قوله: «كان إذا أفطر قال» أي: دعا. وقال ابن الملك: أي قرأ بعد الإفطار: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ»، قال المظهر: يعني لم يكن صومي رياء بل كان خالصًا لك؛ لأنك الرازق فإذا أكلت رزقك ولا رازق غيرك فلا ينبغي العبادة لغيرك. وقال الطيبي: قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهار للاختصاص في الافتتاح، وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام (٥).

стр. 38

للصائم دعوة مستجابة: يستحب الإكثار من الدعاء أثناء الصيام، وذلك بضوابط الدعاء الشرعية، بأن لا يدعوا بإثم أو قطيعة رحم، أو يدعوا على نفسه أو ولده، وأن يستفتح دعائه بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي ويسلم على النبي ﷺ ، ويختم دعائه أيضًا بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن يستحضر قلبه أثناء الدعاء، فذلك أرجى للقبول. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعُوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعُوَةُ الْمَظْلُومِ» (٣). قال المناوي ﵀: «ثلاث دعوات» بفتح العين «مستجابات» أي: عند الله تعالى إذا توفرت شروطها. «دعوة الصائم» حتى يفطر، ومراده كامل الصوم الذي صان جميع جوارحه عن المخالفات، فيجاب دعاؤه لطهارة جسده بمخالفة هواه (٤).

стр. 39

ومن سنن الصيام: ٩ - الفضل والجود والإكثار من فعل الخير في شهر رمضان: ويستحب للصائم أن يكثر من فعل الخير في شهر رمضان، وذلك بأن يطعم الفقراء والمساكين، وأن يبذل الصدقات، ويعطي المحتاجين، وأن ينفق في سبل الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (١). قال ابن حجر في «فتح الباري»: والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا: فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي ﷺ يؤثر متابعة سنة الله في عباده فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند الله تعالى (٢). قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: وفي هذا الحديث فوائد، منها: بيان عظم جوده ﷺ ، ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم، ومنها: استحباب مدارسة القرآن (٣).

стр. 40

وقال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري»: «قال المهلب: وفيه بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكار لفعل الخير، وتنبيهًا على الازدياد من العمل الصالح؛ ولذلك أمر ﵇ بمجالسة العلماء، ولزوم حلق الذكر، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يصبك من متاعه لم تعدم طيب ريحه، ألا ترى قول لقمان لابنه: «يا بنى جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء»، وقال مرة أخرى: «فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم»، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم، وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد فى وجود النبى ﵇ وصدقته حتى كان أجود من الريح المرسله (١). وقال صاحب «منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري»: قوله: «كان رسول الله أجود الناس» أي: أعظم الناس وأكثرهم جودًا على الإطلاق؛ لأن جوده ﷺ كان خلقيًا وشرعيًا معًا. فأمّا جوده الخلقي: فهو السخاء، وسهولة الانفاق الناشيء عن الطبع والوراثة، وأما جوده الشرعي: فهو كما يقولون: «إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي خالصاً لوجه الله تعالى دون رياء أو سمعة سواء كان هذا العطاء واجباً كالزكاة، أو مندوباً كالصدقة»، وقد جمع الله تعالى في نبينا ﷺ بين كرم الطبع الموروث عن أسرته الهاشمية العريقة، وكرم الشرع الذي أدّبه به ربه، فأحسن تأديبه، وقد وصفه أنس ﵁ بقوله: «كان أجود الناس، وكان أشجع الناس، فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك خوفًا». «وكان أجود ما يكون فى رمضان» أي: وكان يتضاعف جوده في هذا الشهر الكريم، فيتصف بأكثر الجود في رمضان.

стр. 41

«حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن» أي: والسبب في زيادة كرمه، ومضاعفة جوده، يرجع إلى أمرين: التقاؤه بجبريل، ومدارسته للقرآن. «فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة» أي: كان نبينا ﷺ أكرم وأكثر عطاءً وفعلاً للخير، وأعظم نفعًا للخلق من الريح الطيبة التي يرسلها الله بالغيث والرحمة، تسوق السحاب إلى الأرض الميتة، تحييها بالنبات الذي يتغذى به الحيوان، وينتفع به الإنسان؛ لأنّها قد تتخلف عن العطاء، أما عطاؤه ﷺ فلا يتخلف أبدًا، ولا يقف عند حد؛ ولأنّها إنما تعطى الدنيا فقط، أما نبينا ﷺ فإنه يعطي الدنيا والآخرة؛ لأنه جاء بنعمة الإِسلام التي تتحقق بها سعادة الناس في الدارين، هذا بالإِضافة إلى أنه ﷺ كان مضرب الأمثال في جوده وكرمه، ففي الحديث عن ابن عباس ﵄: «أنه ﷺ كان لا يُسْألُ شيئاً إلاّ أعطاه» (١)، أخرجه أحمد (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أِيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «صَوْمُ شَعْبَانَ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ». قَالَ: فَأِيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ» (٣). قال الإمام الشافعي ﵀: «فأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ؛ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، وتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم» (٤).

стр. 42

وقال الإمام الماوردي ﵀: يختار للناس أن يكثروا من الجود والإفضال في شهر رمضان؛ اقتداء برسول الله ﷺ وبالسلف الصالح من بعده؛ ولأنه شهر شريف قد اشتغل الناس فيه بصومهم عن طلب مكاسبهم، ويستحب للرجل أن يوسع فيه على عياله ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه (١). وقال ابن رجب الحنبلي ﵀: وكان جوده ﷺ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع وكان قد أتاه صبي مرة فشكت إليه فاطمة ما تلقي من خدمة البيت وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع». وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضًا فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة وكان على ذلك من قبل البعثة. وذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرًا يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج إلى حراء كما يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل من الله ، ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك

стр. 43

فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق. وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه ويمتنع مما زجر عنه فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇ وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود ولا شك إن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقًا من المخالطة (١). وقال ابن رجب الحنبلي ﵀: وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة: منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه، وفي الترمذي عن أنس مرفوعًا: «أفضل الصدقة صدقة رمضان» (٢). ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم كما أن: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (٣)، وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (٤).

стр. 44

ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لاسيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، كما قال ﷺ : «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ» (١)، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل. ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا»، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (٢). وهذه الخصال كلها تكون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث. والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله ، قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك. وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَصَبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣).

стр. 45

ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تفكير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصًا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» (١). وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (٢)، وكان أبو الدرداء ﵁ يقول: «صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يومٍ عسير». ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما نبغي التحفظ منه كما ورد ذلك في حديث خرجه ابن حبان في صحيحه وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي؛ ولهذا نهى أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمته كله فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل؛ ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والصيام والصدقة لهما مدخل في كفارات الإيمان ومحظورات الإحرام وكفارة الوطء في رمضان، ولهذا كان الله تعالى قد خير المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين، ثم نسخ ذلك وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام لكبره، ومن أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فإنه يقضيه ويضم إليه إطعام مسكين لكل يوم تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصحابة، وكذلك من أفطر لأجل غيره كالحامل والمرضع على قول طائفة من العلماء. ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها؛ ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر؛ لأن الطعام يكون محبوبًا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون من أطعم الطعام

стр. 46

على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها. وسئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع، وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده، وقد ذكرنا فيما تقدم حديث سلمان وفيه: «وهو شهر المواساة» (١)، فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة. كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون، كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا. واشتهى بعض الصالحين من السلف طعامًا وكان صائمًا فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلاً يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال عبده المعدم من الحسنات فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاويًا. وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائمًا، وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوعًا ويجلس يروحهم وهم يأكلون، وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم، سلام الله على تلك الأرواح رحمة الله على تلك الأشباح لم يبق إلا أخبار وآثار كم بين من يمنع الحق الواجب عليه وبين أهل الإيثار (٢).

стр. 47

ومن سنن الصيام: ١٠ - تلاوة القرآن الكريم ومدارسته: القرآن الكريم هو دستور المسلمين، إن قراءته عباده، والتفكير فيه عباده، واتباعه واجب، وكلما اقترب الإنسان من تحقيق الأخلاق التي رسمها كان أقرب من الله ورسوله، وأحب إلى الله ورسوله ﷺ . يجعله الصالحون شعارهم، ويجعلونه وردهم، إنه ربيع قلوبهم الدسم، وهو الرياض التي تتفتح أزاهيرها لبصيرتهم، ناضرة يانعة، إنها تتفتح لهم على الدوام، فيستمتعون بأريجها العطري وجمالها الرائع، وروعتها الجميلة (١). ولقد كان الصحابة ﵃ يعملون بالقرآن، ويتخذونه إمامًا وقائدًا، إنهم لم يتخذوه دراسة نظرية، وإنما اتخذوه هداية عملية حتى إن بعضهم ما كان يجاوز في الحفظ السورة إلى غيرها إلا إذا حقق ما فيها من أوامر، وانتهى عما فيها من نواهٍ. لقد اتخذوه دستورهم في الحياة، وأقاموه إمامًا في حياتهم، لقد طبقوا قواعده والتزموا مبادئه، من جهاد، وضرب في الحياة، ي القول، وإحسان في العمل، وعبودية أسمى وأقوى وأخشع ما تكون العبودية لله سبحانه وحده وحققوا بذلك الأمة التي أحبها الله ورسوله. ولقد ربى القرآن على مر العصور رجالاً اتخذوه إمامًا وهاديًا؛ فكانوا مثالاً عاليًا في الإنسانية، لا يدانيهم غيرهم من سائر الدول، ولا يزال القرآن للآن هو القرآن الذي وحد قبائل وجمع أشتاتًا، وألف بين قلوب، وكون أمة، وأرسى قواعد حضارية تعتز بها؛ لأنها حضارة بنيت على التقوى من أول يوم (٢).

стр. 48

وشهر رمضان هو الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم هداية للبشرية جميعًا، ورحمة للناس أجمعين، قال تعالى: ﴿((((((رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى (((((((((((((((﴾ [البقرة: ١٨٥]. فيجب علينا أن نعمر أوقاتنا بقراءته، ومدارسته وختمه مرات كما كان يفعل سلفنا الصالح ﵏، وأن نتأدب بآداب القرآن الكريم، ونقف عند حدوه ونواهيه، وإذا تلي علينا نحسن الاستماع والانصات لتلاوته، وأن نغتنم أجر وثواب تلاوته. عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» (١). قال الإمام البغوي ﵀: سُمي القرآن قرآنا؛ لأنه يجمع السور والآي والحروف، وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد. وأصل القرء: الجمع، وقد يحذف الهمز منه فيقال: قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وقرأ ابن كثير: القران بفتح الراء غير مهموز، وكذلك كان يقرأ الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل (٢). وقال الإمام القرطبي ﵀: نص في أن القرآن نزل في شهر رمضان، وهو يبين قوله : ﴿(١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١ - ٣]، يعني: ليلة القدر؛ ولقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

стр. 49

﴾ [القدر: ١]، وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره، ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر- على ما بيناه- جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل ﵇ ينزل به نجمًا نجمًا في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة. وقال ابن عباس ﵄: أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ نجومًا-يعني الآية والآيتين- في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة. وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿((((((رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ قال: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرًا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع: «أن القرآن أنزل جملة واحدة»، والله أعلم. (١). عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ ...» (٢) الحديث. في لفظٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ ...» الحديث (٣).

стр. 50

وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ فَاطِمَةَ ﵍: «أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي» (١). وقال ابن بطال ﵀: وما كانت مدارسته للقرآن إلا لتزيده رغبة فى الآخرة، وتزهدًا فى الدنيا، وفيه: دليل أن الجليس الصالح ينتفع بمجالسته. فإن قيل: فما معنى مدارسة جبريل للنبي ﷺ القرآن وقد ضمن الله لنبيه ألا ينساه بقوله: ﴿((((((((((((فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]؟ فالجواب: أن الله تعالى إنما ضمن له ألا ينساه بأن يقرئه إياه فى المستأنف؛ لأن السين فى ﴿سَنُقْرِؤُكَ﴾ دخلت للاستئناف، فأنجز له ذلك بإقراء جبريل، ومدارسته له القرآن فى كل رمضان. وخص رمضان بذلك؛ لأن الله تعالى أنزل فيه القرآن إلى السماء الدنيا، ولتتأسى بذلك أمته فى كل أشهر رمضان، فيكثروا فيه من قراءة القرآن، فيجتمع لهم فضل الصيام والتلاوة والقراءة والقيام (٢). قال ابن رجب الحنبلي ﵀: ودل الحديث أيضًا على استحباب دراسة القرآن في رمضان والإجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي حديث فاطمة ﵍ عن أبيها ﷺ أنه أخبرها: «أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتين»، وفي حديث ابن عباس ﵄: أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاًً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب

стр. 51

واللسان على التدبر كما قال تعالى: ﴿((((نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ (((((﴾ [المزمل:٦]. وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: ﴿((((((رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ (((((((((((((﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد قال ابن عباس ﵄: إنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿((((((أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقوله: ﴿((((((أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا ((((((((﴾ [الدخان: ٣]. وقد كان النبي ﷺ : يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: «فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فأذنه بالصلاة» خرجه الإمام أحمد وخرجه النسائي وعنده أنه ما صلى إلا أربع ركعات. وكان عمر ﵁: قد أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارىء يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصى من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي رواية: «أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها»، وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين وأوسطهم بخمس وعشرين وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف. قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهوية كم يقرأ في قيام شهر رمضان فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات، من البقرة ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة يعني في كل ركعة وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.

стр. 52

وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار وإنما الأمر على ما يحتمله الناس، وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا ستًا سبعًا قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين، وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات ست آيات. وكلام الإمام أحمد يدل على: أنه يراعي في القراءة حال المأمومين فلا يشق عليهم، وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وقد روي عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته» خرجه أهل السنن وحسنه الترمذي، وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة لكن مع الإمام، وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام، وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل. وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ» (١) يعني: أنه كتب له قنطار من الأجر، ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعًا: «مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ، كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ» (٢)، وفي إسنادهما ضعف، وروي حديث تميم موقوفًا عليه وهو أصح.

стр. 53

وعن ابن مسعود قال: «من قرأ ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار». ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطول ما شاء كما قاله النبي ﷺ وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته. وكان بعض السلف: يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم: في كل سبع، منهم: قتادة، وبعضهم: في كل عشرة، منهم: أبو رجاء العطاردي. وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث. وكان قتادة: يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه، وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت، وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه. وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره.

стр. 54

واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفى أجره بغير حساب، قال كعب: ينادي يوم القيامة منادٍ بأن كل حارث يعطى بحرثه، ويزاد غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب. ويشفعان له أيضًا عند الله كما في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ» (١). فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواءً كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها أو لا يختص كشهوة فضول الكلام المحرم والنظر المحرم، والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته. فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني، كما ورد مثل ذلك في الصلاة. قال بعض السلف: «إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شم رأسه قال: أجد في رأسه القرآن فيقال شم قلبه فيقول: أجد في قلبه الصيام فيقال: شم قدميه فيقول: أجد في قدميه القيام فيقال: حفظ نفسه حفظه الله ».

стр. 55

وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فأما من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، وقد ذكر النبي ﷺ رجلاً فقال: «ذاك لا يتوسد القرآن» يعني: لا ينام عليه فيصير له كالوسادة. وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعًا: «إِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَاتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَا وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ، أَوْ تَرْتِيلًا» (١). قال ابن مسعود ﵁: «ينبغي لقارىء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون». قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارىء القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده. قال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي وصحب رجل رجلا شهرين فلم يره نائمًا فقال: مالي لا أراك نائما قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى. قال أحمد أبي الحواري: إني لأقرا القرآن وأنظر في آيه فيحير عقلي بها وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله وأما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا أنشد ذو النون المصري:

стр. 56

منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك العظيم كلامه ... فهما تذل له الرقاب وتخضع فأما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار فإنه ينتصب القرآن خصمًا له يطالبه بحقوقه التي ضيعها. وخرج الإمام أحمد من حديث سمرة: «أن النبي ﷺ رأى في منامه رجلاً مستلقيًا على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدخ به رأسه فيتدهده الحجر، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان فيصنع به مثل ذلك فسأل عنه؟ فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة» (١)، وقد خرجه البخاري بغير هذا اللفظ (٢). فضل الاجتماع في المسجد لتلاوة القرآن ومدارسته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (٣). قال الإمام النووي ﵀: قيل المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض، وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار هو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.

стр. 57

وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه، ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع فى مدرسة ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الذي بعده فإنه مطلق يتناول جميع المواضع ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب لا سيما في ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به (١). وقال ابن رجب الحنبلي ﵀: هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وفي صحيح البخاري عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٢). وقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذاك الذي أقعدني في مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف. وإن حمل على ما هو أعم من ذلك، دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة القرآن مطلقًا، وقد كان النبي ﷺ أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال ﷺ : «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» (٣). وكان عمر ﵁ يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارةً يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر ﵃ جميعًا-. وسئل ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال: «ذكر الله، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يفيضوا في حديث غيره»، وروي مرفوعًا والموقوف أصح.

стр. 58

وروى يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ قال: كانوا إذا صلوا الغداة، قعدوا حلقًا حلقًا، يقرءون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون الله (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: من المستحب أن الناس يجتمعون على تلاوة القرآن، كما يوجد الآن في حلقات تحفيظ القرآن في المساجد، فإن هذا النوع يجتمعون يتعلمون القرآن ويعلمونه، فإن هذا مما ندب إليه النبي ﷺ ، وذلك فيما رواه أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». هذه أربعة أشياء تترتب على هذا الاجتماع بقوله ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله» وبيوت الله في الأرض المساجد، قال الله تعالى: ﴿(((بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ (((((((((((﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]، وأضاف الله هذه الأماكن إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا؛ ولأنها محل ذكره وتلاوة كلامه والتقرب إليه بالصلاة، وإلا فهو فوق عرشه فوق سماواته لا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه جل وعلا لكن هذه الإضافة للتشريف. وقوله ﷺ : «يتلون كتاب الله» تلاوة كتاب الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - تلاوة اللفظ. ٢ - تلاوة المعنى. ٣ - تلاوة العمل. أما تلاوة اللفظ: فمعروف يقرأ هذا وهذا وهذا، وهي على نوعين:

стр. 59

١ - أن يقرأ القارئ صفحة أو صفحتين، ثم يتابع الباقون يقرءون نفس ما قرأ، وهذا غالبًا يكون في التعليم. ٢ - أن يقرأ القارئ صفحة أو صفحتين، ثم يقرأ الثاني بعده صفحة أو صفحتين غير ما قرأهما الأول وهلم جرا. فإن قال قائل: هذا النوع الثاني يفوت فيه ثواب بعضهم؛ لأن ما قرأه هذا غير ما قرأه ذاك، فيقال: لا يفوته شيء؛ لأن المستمع كالقارئ له ثوابه، ودليل ذلك قول الله ﵎ في سورة يونس في قصة موسى ﷺ حين دعا على آل فرعون: ﴿(((((((اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ (((((((((﴾ [يونس: ٨٨]، القائل هو موسى كما في أول الآية: ﴿(((((((مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ (((((((((﴾، فقال الله تعالى: ﴿(((((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا (((((((((((﴾ [يونس: ٨٩]، الداعي واحد، لكن قال العلماء إن هارون كان يستمع ويؤمن على دعائه فكان الدعاء لهما جميعا. أما التلاوة المعنوية: فأن يتدارس هؤلاء القوم كلام الله ويتفهموا معناه، وقد كان السلف الصالح لا يقرءون عشر آيات حتى يتفهموها وما فيها من العلم والعمل. أما القسم الثالث من التلاوة فهي تلاوة العمل: وهذه هي المقصود الأعظم للقرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. العمل بما جاء في القرآن، وذلك بتصديق ما أخبر الله به، والقيام بما أمر به، والبعد عما نهى عنه، هذه التلاوة العملية لكتاب الله ، يقول ﷺ : «إلا نزلت عليهم السكينة» السكينةُ: شيء يقذفه الله في القلب فيطمئن ويوقن ويستقر، ولا يكون عنده قلق

стр. 60

ولا شك ولا ارتياب، هو ذاته مطمئن، وهذه من أكبر نعم الله على العبد أن ينزل السكينة في قلبه بحيث يكون مطمئنًا غير قلق ولا شاك، راضيًا بقضاء الله وقدره مع الله في قضائه وقدره، إن أصابته ضراء صبر وانتظر الأجر من الله، وإن أصابته سراء شكر وحمد الله على ذلك مطمئن مستقر مستريح، هذه السكينة نعمة عظيمة نسأل الله أن ينزل في قلوبنا وقلوبكم السكينة، وقد قال الله تعالى: ﴿((((الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ ((((((((((((﴾ [الفتح: ٤]، فهي من أسباب زيادة الإيمان. «وغشيتهم الرحمة» يعني: غطتهم، والغشيان بمعنى الغطاء كما قال تعالى: ﴿((((((((((إِذَا ((((((((﴾ [الليل: ١] يعني: يغطي الأرض بظلامه. «غشيتهم الرحمة» أي: رحمة الله فتغشاهم وتحيط بهم وتكون لهم بمنزلة الغطاء الشامل لكل ما يحتاجون إليه من رحمة الله . «وحفتهم الملائكة» أحاطت بهم يستمعون الذكر، ويكونون شهداء عليهم، «وذكرهم الله فيمن عنده» يذكرهم الله تعالى في الملأ الأعلى، وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ» (١)، وهذا الحديث يدل على فضيلة الاجتماع على كتاب الله (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: من فوائد هذا الحديث: ١ - أن رحمة الله تحيط بهؤلاء المجتمعين على كتاب الله؛ لقوله: «وَغَشيتهم الرَّحمَةُ» أي: أحاطت بهم من كل جانب كالغشاء وهو الغطاء يكون على الإنسان. ٢ - أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت من بيوت الله لينالوا بذلك شرف المكان؛ لأن أفضل البقاع المساجد.

стр. 61

٣ - تسخير الملائكة لبني آدم؛ لقوله: «حَفَّتهم المَلائِكة»، فإن هذا الحف إكرام لهؤلاء التالين لكتاب الله . ٤ - علم الله بأعمال العباد؛ لقوله: «وَذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَن عِنده» جزاء لذكرهم ربهم بتلاوة كتابه. ٥ - أن الله يجازي العبد بحسب عمله، فإن هؤلاء القوم لما تذاكروا بينهم، وكان كل واحد منهم يسمع الآخر، ذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة تنويهًا بهم ورفعة لذكرهم (١). «وينبغي الانتباه إلى تدبر الآيات والتفكر فيها أثناء القراءة، وليس المقصود هو كثرة القراءة وسرعتها، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه جاءه رجل فقال: «إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة -والمفصل هو السبع السابع من القرآن الكريم ويبدأ بسورة الحجرات إلى سورة الناس- فقال ابن مسعود: أهذَّاً كهذِّ الشعر؟! إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع»، وكان ابن مسعود يقول: «إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأصغ لها سمعك، فإنه خير تُؤْمَر به أو شر تُصْرَف عنه». وقال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملاً». وخلاصة الأمر: أن على المسلم أن يصرف جميع وقته في طاعة الله وبالذات في رمضان، وأن لا يضيع وقته في متابعة ما يقدمه شياطين الإنس في الفضائيات وغيرها من فساد وانحلال ومن فحشاء ومنكر» (٢).

стр. 62

ومن سنن الصيام: ١١ - قيام رمضان: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). قال الإمام النووي ﵀: معنى «إيمانًا»: تصديقًا بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى «احتسابًا»: أن يريد الله تعالى وحده لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، والمراد بقيام رمضان: صلاة التراويح. واتفق العلماء على استحبابها، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت؛ لقوله ﷺ : «أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ» (٢) (٣). وقال العلامة السيوطي ﵀: قوله: «غفر له ما تقدم من ذنبه» المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر، وقال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة (٤).

стр. 63

وعن عُرْوَةُ ﵁: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ (١). عمر ﵁ يجمع المسلمون على قارىءٍ واحد: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ» ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ» يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ (٢). قال ابن بطال ﵀: وفى جمع عمر الناس على قارئ واحد دليل على نظر الإمام لرعيته فى جمع كلمتهم وصلاح دينهم، قال المهلب: وفيه أن اجتهاد الإمام ورأيه فى السنن مسموع منه مؤتمر له فيه، كما ائتمر الصحابة لعمر ﵁ في جمعهم على قارئ واحد؛ لأن طاعتهم لاجتهاده واستنباطه طاعة لله تعالى لقوله: ﴿((((((رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ((((((((﴾

стр. 64

[النساء: ٨٣]، وفيه: جواز الاجتماع لصلاة النوافل، وفيه: أن الجماعة المتفقة فى عمل الطاعة مرجو بركتها؛ إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم، فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فيجب أن تكون النافلة كذلك. وفيه: أن قيام رمضان سنة؛ لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول الله يحبه، وقد أخبر ﵇ بالعلة التى منعته من الخروج إليهم، وهى خشية أن يفترض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أمن عمر ﵁ أن تفترض عليهم فى زمانه لانقطاع الوحى أقام هذه السنة وأحياها، وذلك سنَةَ أربع عشرة من الهجرة فى صدر خلافته. قال المهلب: وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة، وزالت العلة أنه لا بأس بأعادة العمل، كما أمر عمر ﵁ صلاة الليل فى رمضان بالجماعة، وفيه: أنه يجب أن يؤم القوم أقرؤهم؛ فلذلك قال عمر: «أُبَى أقرؤنا»، فلذلك قدمه عمر، وهذا على الاختيار إذا أمكن؛ لأن عمر قدم أيضًا تميمًا الدارى، ومعلوم أن كثيرًا من الصحابة أقرأ منه، فدل هذا أن قوله ﵇: «يؤم القوم أقرؤهم» (١) إنما هو على الاختيار. قول عمر: «نعم البدعة» فالبدعة: اختراع ما لم يكن قبل، فما خالف السنة فهو بدعة ضلالة، وما وافقها فهو بدعة هُدى، وقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعم البدعة. وقوله: «والتى ينامون عنها أفضل» يعنى: القيام آخر الليل؛ لحديث التنزل واستجابة الرب تعالى فى ذلك الوقت لمن دعاه (٢).

стр. 65

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: «السُّحُورُ»، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ» (١). وقال إسحاق ﵀ قلت لأحمد الصلاة في الجماعة أحب إليك أم يصلي وحده في قيام شهر رمضان قال يعجبني أن يصلي في الجماعة يحيي السنة (٢). صفة صلاته ﷺ : عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂، كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: «مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا» (٣). قال ابن عثيمين ﵀: اختلف العلماء في عدد ركعات التراويح، فمنهم من قال: إحدى عشرة ركعة، ومنهم من قال: ثلاث عشرة ركعة، ومنهم من قال: ثلاث وعشرون ركعة، ومنهم من قال أكثر من ذلك، والأمر في هذا واسع لأن السلف الذين اختلفوا في هذا لم ينكر بعضهم على بعض،

стр. 66

فالأمر في هذا واسع، يعني نحن لا ننكر على من زاد على إحدى عشرة ركعة، ولا على من زاد على ثلاث وعشرين ركعة. ونقول: صل ما شئت ما دامت جماعة المسجد قد رضوا بذلك، ولم ينكر أحد. أما إذا اختلف الناس فالرجوع إلى السنة أولى، والسنة ألا يزيد على ثلاث عشرة ركعة لأن عائشة سئلت كيف كان النبي ﷺ يصلي في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. فأما مع عدم الخلاف فإنه يصلي ثلاثا وعشرين أو أكثر، ما دام الناس لم يقولوا خفف، فإذا قالوا: خفف فلا يزيد على إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة. (١).

стр. 67

من سنن الصيام: ١٢ - الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» (٢). وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَرَفَعَ الْمِئْزَرَ». قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَا رَفَعَ الْمِئْزَرَ؟ قَالَ: اعْتَزَلَ النِّسَاءَ (٣). قال الإمام النووي ﵀: اختلف العلماء في معنى شد المئزر، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته ﷺ في غيره، ومعناه: التشمير في العبادات، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له وتفرغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء؛ للاشتغال بالعبادات، وقولها: «أحيا الليل» أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وقولها: «وأيقظ أهله» أي: أيقظهم للصلاة في الليل، وجد في العبادة زيادة على العادة. ففي هذا الحديث: أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات (٤).

стр. 68

ودل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ﷺ كان يخصُّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في غيرها، منها: إحياء الليل، وإيقاظ الأهل، واعتزال النساء. ثانيًا: استحباب الاجتهاد في العبادة وإحياء الليل وايقاظ الأهل في هذه العشر اقتداءً به ﷺ . وعن الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» (١). قال صاحب مرقاة المفاتيح: أي: يبالغ في طلب ليلة القدر فيها، كذا قيل، والأظهر: أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة «ما لا يجتهد في غيره» أي: في غير العشر؛ رجاء أن يكون ليلة القدر فيه، أو للاغتنام في أوقاته والاهتمام في طاعته وحسن الاختتام في بركاته (٢). وقيل: كان يجتهد في العشر لمعنيين، أحدهما: لرجاء ليلة القدر، والثاني: لأنه آخر العمل، وينبغي أن يحرص على تجويد الخاتمة (٣). قال ابن بطال ﵀: إنما فعل ذلك ﵇؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر فى العشر الأواخر، فَسَنَّ لأمته الأخذ بالأحوط فى طلبها فى العشر كله لئلا تفوت؛ إذ يمكن أن يكون الشهر ناقصًا وأن يكون كاملاً، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن فى ليالى السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا الليالى كلها فى طلبها، فذلك يسير فى جنب

стр. 69

طلب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة فى عشر ليال؛ ليدركها أهل الضعف وأهل الفتور فى العمل مَنا من الله ورحمة (١). ويستحب إيقاظ الأهل: عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٢). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» (٤). قال ابن رجب الحنبلي ﵀: قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك، وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليًا ليلاً فيقول لهما: «ألا تقومان فتصليان»، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر، وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة ونضح الماء في وجهه. وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب ﵁: كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] الآية.

стр. 70

وكانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا (١).

стр. 71

ومن سنن الصيام: ١٣ - اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان: ويسن الاعتكاف فيه -أي: في شهر رمضان - وآكده العشر الأواخر منه؛ لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ : «كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (١) رواهما البخاري ومسلم (٢). وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون، وأما المقصود منه: فهو جمع القلب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة، والإقبال عليه تعالى، والتنعم بذكره، والإعراض عما عداه (٣). قال ابن القيم ﵀: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفًا على جمعيته على الله ، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.

стр. 72

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان (١). عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ » (٤). قال ابن بطال-﵀: فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي ﵇؛ فينبغي للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم.

стр. 73

وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي ﵇ لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام فى العشر الأواخر حتى قبضه الله، وروى ابن نافع عن مالك قال: ما زلت أفكر فى ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبضه الله تعالى وهم أتبع الناس بآثاره، حتى أخذ بنفسى أنه كالوصال المنهى عنه، وأراهم إنما تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء، قال مالك: ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن. واسمه المغيرة، وهو ابن أخى أبى جهل، وهو أحد فقهاء تابعى المدينة. قال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخرسانى أنه قال: كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدى ربه، ثم قال: رب لا أبرح حتى تغفر لي، رب لا أبرح حتى ترحمني (١). قال ابن رجب الحنبلي ﵀: وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا؛ لإشغاله وتفريغًا للياليه، وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعلم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الإنفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه. وهذا الإعتكاف: هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، سئل ابن عباس -رضي اللع عنهما- عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة قال: «هو في النار»، فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الإعتكاف في المساجد خصوصًا في شهر رمضان خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همك

стр. 74

عطل على الهموم وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات .. مالي شغل سواه مالي شغل .. ما يصرف عن قلبي هواه عذل .. ما أصنع أجفان وخاب الأمل ... مني بدل ومنه مالي بدل. فمعنى الإعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق؛ للإتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الإنقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، اعْتَكَفَ عِشْرِينَ» (٢). لماذا اعتكف النبي ﷺ عشرين؟ قال ابن حجر ﵀: قيل: السبب في ذلك: أنه ﷺ علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير؛ ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمل؛ ليلقوا الله على خير أحوالهم. وقيل: السبب فيه أن جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين؛ فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين، ويؤيده أن عند ابن ماجه عن هناد عن أبي بكر بن عياش في آخر حديث الباب متصلاً به: «وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين».

стр. 75

وقال بن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرًا من شوال اعتكف في العام الذي يليه عشرين؛ ليتحقق قضاء العشر في رمضان اهـ. وأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين؛ لأنه كان العام الذي قبله مسافرًا، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبو داود وصححه بن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين». ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر، ومرة بسبب عرض القرآن مرتين (١). وقال الخطابي ﵀: قلت: فيه من الفقه أن النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض، ومن هذا قضاء رسول الله ﷺ بعد العصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم (٢).
следующие страницы →