ومن سنن الصيام:
١٣ - اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان:
ويسن الاعتكاف فيه -أي: في شهر رمضان - وآكده العشر الأواخر منه؛ لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ : «كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (١) رواهما البخاري ومسلم (٢).
وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون، وأما المقصود منه: فهو جمع القلب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة، والإقبال عليه تعالى، والتنعم بذكره، والإعراض عما عداه (٣).
قال ابن القيم ﵀:
لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفًا على جمعيته على الله ، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.
стр. 72
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان (١).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (٢).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» (٣).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ » (٤).
قال ابن بطال-﵀:
فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي ﵇؛ فينبغي للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم.
стр. 73
وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي ﵇ لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام فى العشر الأواخر حتى قبضه الله، وروى ابن نافع عن مالك قال: ما زلت أفكر فى ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبضه الله تعالى وهم أتبع الناس بآثاره، حتى أخذ بنفسى أنه كالوصال المنهى عنه، وأراهم إنما تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء، قال مالك: ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن. واسمه المغيرة، وهو ابن أخى أبى جهل، وهو أحد فقهاء تابعى المدينة.
قال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخرسانى أنه قال: كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدى ربه، ثم قال: رب لا أبرح حتى تغفر لي، رب لا أبرح حتى ترحمني (١).
قال ابن رجب الحنبلي ﵀:
وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا؛ لإشغاله وتفريغًا للياليه، وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعلم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الإنفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه.
وهذا الإعتكاف: هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، سئل ابن عباس -رضي اللع عنهما- عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة قال: «هو في النار»، فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الإعتكاف في المساجد خصوصًا في شهر رمضان خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همك
стр. 74
عطل على الهموم وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات .. مالي شغل سواه مالي شغل .. ما يصرف عن قلبي هواه عذل .. ما أصنع أجفان وخاب الأمل ... مني بدل ومنه مالي بدل.
فمعنى الإعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق؛ للإتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الإنقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.
كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، اعْتَكَفَ عِشْرِينَ» (٢).
لماذا اعتكف النبي ﷺ عشرين؟
قال ابن حجر ﵀: قيل: السبب في ذلك: أنه ﷺ علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير؛ ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمل؛ ليلقوا الله على خير أحوالهم.
وقيل: السبب فيه أن جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين؛ فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين، ويؤيده أن عند ابن ماجه عن هناد عن أبي بكر بن عياش في آخر حديث الباب متصلاً به: «وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين».
стр. 75
وقال بن العربي: يحتمل أن يكون سبب ذلك أنه لما ترك الاعتكاف في العشر الأخير بسبب ما وقع من أزواجه واعتكف بدله عشرًا من شوال اعتكف في العام الذي يليه عشرين؛ ليتحقق قضاء العشر في رمضان اهـ.
وأقوى من ذلك أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين؛ لأنه كان العام الذي قبله مسافرًا، ويدل لذلك ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبو داود وصححه بن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين».
ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر، ومرة بسبب عرض القرآن مرتين (١).
وقال الخطابي ﵀:
قلت: فيه من الفقه أن النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض، ومن هذا قضاء رسول الله ﷺ بعد العصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم (٢).
стр. 76
ومن سنن الصيام:
١٤ - تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان:
اتفق الفقهاء على أنه يندب إحياء ليلة القدر؛ لفعل النبي ﷺ ، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ جاور في العشر الأواخر من رمضان، ولما ورد عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» (١)، والقصد منه إحياء ليلة القدر؛ ولقوله ﷺ : ««مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٢).
ويكون إحياء ليلة القدر: بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وأن يكثر من دعاء: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني».
قال ابن علان بعد ذكر هذا الحديث: فيه إيماء إلى أن أهم المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب، وطهارته من دنس العيوب، فإن بالطهارة من ذلك يتأهل للانتظام في سلك حزب الله، وحزب الله هم المفلحون (٣).
قال ابن حزم ﵀:
«وَأَجْمعُوا أَن لَيْلَة الْقدر حق، وَأَنَّهَا فِي كل سنة لَيْلَة وَاحِدَة» (٤).
стр. 77
سبب تسميتها:
قال الإمام القرطبي ﵀: سميت بذلك؛ لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: [إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل] ﵈.
وعن ابن عباس ﵄ قال: يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتى الحاج. قال عكرمة: يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء أبائهم، ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم. وقاله سعيد بن جبير، وقد مضى في أول سورة الدخان هذا المعنى.
وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.
وقيل: إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ومنزلة، قاله الزهري وغيره.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلاً.
وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك؛ لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنه أنزل فيها كتابًا ذا قدرٍ، على رسول ذي قدرٍ، على أمة ذات قدرٍ.
وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدرٍ وخطر.
وقيل: لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة.
وقال سهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين.
وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله تعالى: ﴿((((قُدِرَ عَلَيْهِ ((((((((﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق. (١).
стр. 78
فضلها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا -أُرَاهُ قَالَ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ» (٢).
ليلة القدر خير من ألف شهر:
قال الإمام القرطبي ﵀: قال كثير من المفسرين: أي: العملُ فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال أبو العالية: ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر.
وقيل: عنى بألف شهر جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء، كما قال تعالى: ﴿((((((أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ ((((((﴾ [البقرة: ٩٦] يعني: جميع الدهر.
وقيل: إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدًا حتى يعبد الله ألف شهر، ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فجعل الله تعالى لأمة محمد ﷺ عبادة ليلة خيرًا من ألف شهر كانوا يعبدونها، وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرًا من ملكهما.
وقال ابن مسعود ﵁: إن النبي ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فنزلت: ﴿((((((أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣] الآية، خير من ألف شهر
стр. 79
التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله، ونحوه عن ابن عباس وهب بن منبه: إن ذلك الرجل كان مسلمًا، وإن أمه جعلته نذرًا لله، وكان من قرية قوم يعبدون الأصنام، وكان سكن قريبًا منها، فجعل يغزوهم وحده، ويقتل ويسبي ويجاهد، وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير، وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطش، انفجر له من اللحيين ماء عذب، فيشرب منه، وكان قد أعطي قوة في البطش، لا يوجعه حديد ولا غيره: وكان اسمه شمسون.
وقال كعب الأحبار: كان رجلاً ملكًا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى الله إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه الله ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في عسكر، ويخرجه مجاهدا في سبيل الله، فيقوم شهرًا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في عسكر، فكان كل ولد يقتل في الشهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل الله تعالى: ﴿((((((((الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله.
وقال علي وعروة: ذكر النبي ﷺ أربعة من بني إسرائيل، فقال: «عبدوا الله ثمانين سنة، لم يعصوه طرفة عين»، فذكر أيوب وزكريا، وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون، فعجب أصحاب النبي ﷺ من ذلك. فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قرأ: ﴿((((((أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فسر بذلك رسول الله ﷺ .
وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرًا من ألف شهر (١).
стр. 80
والحكمة في إخفائها:
أن يجتهد الناس في طلبها، ويجدّوا في العبادة؛ طمعًا في إدراكها، كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة، وأخفي اسمه الأعظم في أسمائه، ورضاه في الحسنات، إلى غير ذلك. (١).
وقتها:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٢).
وعن عُمَرُ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُلْتَمِسًا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وِتْرًا» (٣).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٤).
وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا- فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ ...» (٥) الحديث.
يَسْتَثْنِي، وَوَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» (١).
قال الإمام النووي ﵀:
قال القاضي: واختلفوا في محلها، فقال جماعة: هي منتقلة تكون في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ليلة أخرى وهكذا، وبهذا يجمع بين الأحاديث.
ويقال: كل حديث جاء بأحد أوقاتها ولا تعارض فيها، قال: ونحو هذا قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم.
قالوا: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل في كله، وقيل: إنها معينة فلا تنتقل أبدًا بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها، وعلى هذا قيل في السنة كلها وهو قول بن مسعود وأبي حنيفة وصاحبيه.
وقيل: بل في شهر رمضان كله، وهو قول بن عمر وجماعة من الصحابة، وقيل: بل في العشر الوسط والأواخر، وقيل: في العشر الأواخر، وقيل: تختص بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها كما في حديث أبي سعيد، وقيل: بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول بن عباس، وقيل: تطلب في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين وحكي عن على وبن مسعود، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثيرين من الصحابة وغيرهم، وقيل: ليلة أربع وعشرين وهو محكي عن بلال وبن عباس والحسن وقتادة، وقيل: ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة، وقيل: سبع عشرة، وهو محكي عن زيد بن أرقم وبن مسعود أيضا، وقيل: تسع عشرة وحكي عن بن مسعود أيضًا وحكي عن علي أيضًا، وقيل: آخر ليلة من الشهر.
قال القاضي: وشذ قوم فقالوا رفعت لقوله ﷺ حين تلاحا الرجلان فرفعت، وهذا غلط من هؤلاء الشاذين؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه ﷺ قال فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم
стр. 83
فالتمسوها في السبع والتسع هكذا هو في أول صحيح البخاري، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي ﷺ : «لتاسعة تبقى لسابعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى» (٢)، فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح.
وهكذا أقام النبي ﷺ في الشهر، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي.
وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي ﷺ : «تحروها في العشر الأواخر»، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب ﵁ يحلف أنها ليلة سبع وعشرين. فقيل له: بأي شيء علمت ذلك؟ فقال بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : «أخبرنا أن الشمس تطلع صبحة صبيحتها كالطشت لا شعاع لها»، فهذه العلامة التي رواها أبي بن كعب عن النبي ﷺ (٣).
стр. 84
وقال ابن المنذر ﵀:
يتحراها مع ذَلِكَ في الوتر من ليالي العشر وفي ليلة سبع وعشرين خاصة، وأحوط للأمر أن لا يغفل عن إحياء الليالي العشر رجاء أن لا تفوته؛ لأن النَّبِيّ ﷺ عظم من أمرها، فَقَالَ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه وما تأخر» (١).
ما يقوله إذا وافق ليلة القدر:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: «تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٢).
علامة ليلة القدر:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَهِيَ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يَخْرُجَ فجرها» (٣).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً» (٤).
стр. 85
وعَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زِرًّا يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا، وَلَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ قَالَ: قُلْنَا: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ بِأَيِّ شَيْءٍ يُعْرَفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا شُعَاعَ لَهَا» (١).
قال ابن رجب الحنبلي ﵀:
والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة: إن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كان ليلة القدر أمر الرب ﵎ الملائكة بالنزول إلى الأرض؛ لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول الرب تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم: ﴿((((((((((فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ ((((((﴾ [البقرة: ٣٠] الآية.
فقلت لكم: ﴿(((((((أَعْلَمُ مَا لَا (((((((((((﴾ [البقرة: ٣٠]، اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين؛ لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين (٢).
قال ابن عثيمين ﵀:
إن من نعمة الله على عباده أن شرع لهم التعاون على البر والتقوى، ومن ذلك تفطير الصائم؛ لأن الصائم مأمور بأن يفطر وأن يعجل الفطر، فإذا أعين على هذا فهو من نعمة الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ««مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (١).
واختلف العلماء في معنى: «من فطر صائمًا» فقيل: إن المراد من فطره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.
وقال بعض العلماء: المراد بتفطيره أن يشبعه؛ لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله وربما يستغني به عن السحور، ولكن ظاهر الحديث أن الإنسان لو فطر صائمًا ولو بتمرة واحدة فإنه له مثل أجره.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على إفطار الصائمين بقدر المستطاع لاسيما مع حاجة الصائمين وفقرهم أو حاجتهم؛ لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم، وما أشبه ذلك (٢).
стр. 88
ومن سنن الصيام:
١٦ - صيام ستة أيام من شوال بعد صيام شهر رمضان:
ويندب صيام ستة أيام من شهر شوال؛ وذلك تحصيلاً لفضيلة صيام الدهر، واتباعًا لهدي النبي ﷺ .
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (١).
والسر في مشروعيتها: أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم، وإنما خص في بيان فضيلة التشبه بصوم الدهر؛ لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر أمثالها، وبهذه الستة يتم الحساب (٢).
قال النووي ﵀:
قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال؛ لهذا الحديث، قالوا: ويُستحب أن يصومها متتايعة في أول شوال، فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز وكان فاعلاً لأصل هذه السنة لعموم الحديث وإطلاقه، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود.
وقال مالك وأبو حنيفة: يكره صومها.
قال مالك في «الموطإ»: وصوم ستة أيام من شوال لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغه ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان أهل الجفاء والجهالة ما ليس منه لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك، هذا كلام مالك في «الموطإ».
стр. 89
ودليلنا: الحديث الصحيح السابق ولا معارض له، وأما قول مالك: «لم أر أحدًا يصومها» فليس بحجة في الكراهة؛ لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض فكونه لم ير لا يضر، وقولهم: «لأنه قد يخفى ذلك فيعتقد وجوبه» ضعيف؛ لأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله إنه يكره صوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه، وهذا لا يقوله أحد (١).
وقال ابن رشد ﵀:
أن مالكًا كره ذلك، إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس في رمضان، وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده وهو الأظهر (٢).
وقال اللخمي ﵀:
وإذا ثبت الحديث عن النبي ﷺ فلا معنى للكراهة بأنه زيادة على الفرض، فإنه إنما يصومهن تطوعًا، لا بنية الفرض، وقد فصل بينه وبين الفرض بإفطار يوم العيد، والله أعلم (٣).
وقال الصنعاني ﵀:
إنه بعد ثبوت النص بذلك لا حكم لهذه التعليلات، وما أحسن ما قاله ابن عبد البر: إنه لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، يعني حديث مسلم (٤).
وعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ» (٥).
стр. 90
قال العمراني ﵀ في «البيان»:
قال أصحابنا: وهذا صحيح في الحساب؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصوم شهر رمضان يقوم مقام ثلاثمائة يوم، وهو عشرة أشهر، فإذا صام ستة أيام بعده قامت مقام ستين يومًا، وذلك شهران، وذلك كله عدد أيام السنة (١).
وقال الإمام الرملي ﵀:
وخص شوال بذلك؛ لمشقة الصيام مع تشوف النفس إلى الأكل وصبرها على طول الصوم (٢).
وقال ابن عثيمين في «الشرح الممتع»:
قال الفقهاء ﵏: والأفضل أن تكون هذه الست بعد يوم العيد مباشرة؛ لما في ذلك من السبق إلى الخيرات.
والأفضل أن تكون متتابعة؛ لأن ذلك أسهل غالبًا؛ ولأن فيه سبقًا لفعل هذا الأمر المشروع.
فعليه يُسن أن يصومها في اليوم الثاني من شوال ويتابعها حتى تنتهي، وهي ستنتهي في اليوم الثامن، من شهر شوال، وهذا اليوم الثامن يسميه العامة عيد الأبرار، أي: الذين صاموا ستة أيام من شوال.
ولكن هذا بدعة فهذا اليوم ليس عيدًا للأبرار، ولا للفجار، ثم إن مقتضى قولهم، أن من لم يصم ستة أيام من شوال ليس من الأبرار، وهذا خطأ، فالإنسان إذا أدى فرضه فهذا بَرُّ بلا شك، وإن كان بعض البر أكمل من بعض.
ثم إن السنة أن يصومها بعد انتهاء قضاء رمضان لا قبله، فلو كان عليه قضاء ثم صام الستة قبل القضاء فإنه لا يحصل على ثوابها؛ لأن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان» ومن بقي عليه
стр. 91
شيء منه فإنه لا يصح أن يقال: إنه صام رمضان؛ بل صام بعضه، وليست هذه المسألة مبنيّة على الخلاف في صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن هذا التطوع أعني صوم الست قيده النبي ﷺ بقيد وهو أن يكون بعد رمضان.
وقد توهم بعض الناس فظن أنه مبني على الخلاف في صحة صوم التطوع قبل قضاء رمضان، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبينا أن الراجح جواز التطوع وصحته، ما لم يضق الوقت عن القضاء.
تنبيه: لو أخر صيام الست من شوال عن أول الشهر ولم يبادر بها، فإنه يجوز؛ لقوله ﷺ : «ثم أتبعه ستًا من شوال» فظاهره أنه ما دامت الست في شوال، ولو تأخرت عن بداية الشهر فلا حرج، لكن المبادرة وتتابعها أفضل من التأخير والتفريق؛ لما فيه من الإسراع إلى فعل الخير (١).
وقال الدكتور/حسام الدين عفانة: فمن السنة أن تصوم ستة أيام من شهر شوال، والأفضل في حق من كان عليه قضاء أيام من رمضان أن يقضيها أولاً ثم يصوم ستاً من شوال؛ فإن القضاء واجب وصيام الستة سنة والواجب مقدم على السنة (٢).
стр. 92
الفصل الثاني
آدابُ الصيام
стр. 93
الفصل الثاني: آداب الصيام
وللصيام جملة من الآداب فعلى الصائم أن يراعيها، ومن هذه الآداب:
١ - التوبة:
يندب للصائم في رمضان وفي غيره من الأيام، أن يبدأ شهره بتجديد التوبة والأوبة إلى الله ، وأن يجعلها وظيفة العمر، وذلك بضوابطها وشروطها.
قال تعالى: ﴿(((((((((((إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ (((((((((((﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨]
وَعَن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (١).
стр. 94
ومن آداب الصيام:
٢ - الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس قبل الفجر؛ ليكون على طهر من أول الصوم:
قال الإمام النووي ﵀: ويستحب تقديم غسل الجنابة عن الجماع، والاحتلام على الصبح، ولو طهرت الحائض ليلاً ونوت الصوم، ثم اغتسلت في النهار، صح صومها (١).
وقال الخطيب الشربيني ﵀:
ويستحب أن يغتسل عن الجنابة والحيض والنفاس قبل الفجر؛ ليكون على طهر من أول الصوم، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه، وخشية من وصول الماء إلى باطن أذن أو دبر أو نحوه.
قال بعض المتأخرين: وينبغي أن يغسل هذه المواضع إن لم يتهيأ له الغسل الكامل، قال الإسنوي: وقياس المعنى الأول المبادرة إلى الاغتسال عقب الاحتلام نهارًا، فلو وصل شيء من الماء إلى ما ذكر من غسله، ففيه التفصيل المذكور في المضمضة والاستنشاق.
وقال المحاملي والجرجاني: يكره للصائم دخول الحمام يعني من غير حاجة لجواز أن يضره فيفطر، وقول الأذرعي: هذا لمن يتأذى به دون من اعتاده ممنوع؛ لأنه من الترفه الذي لا يناسب حكمة الصوم كما مر.
ولو طهرت الحائض أو النفساء ليلاً ونوت الصوم وصامت أو صام الجنب بلا غسل صح الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿((((((((((بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ ((((((﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، ولخبر الصحيحين «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ» (٢)، وقيس بالجنب الحائض والنفساء.
стр. 95
وأما خبر البخاري: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» (١)،
فحملوه على من أصبح مجامعًا واستدام الجماع، وحمله بعضهم على النسخ، واستحسنه ابن المنذر (٢).
стр. 96
ومن آداب الصيام:
٣ - الاحترز من الحجامة والقبلة:
أولاً: الحجامة:
ويستحب أن يحترز عن الحجامة والفصد ونحوهما؛ لأن ذلك يضعفه، فهو خلاف الأولى كما في «المجموع» وإن جزم في أصل «الروضة» بكراهته، وقال المحاملي: يكره أن يحجم غيره أيضًا، وأن يحترز عن القبلة: هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها بل تحريمها (١).
«والحجامة مما يكره للصائم، وهي استخراج الدم المحقن من الجسم، مصًا أو شرطًا.
ومذهب الجمهور: أنها لا تفطر الحاجم ولا المحجوم، ولكنهم كرهوها بوجهٍ عام.
وقال الحنفية: لا بأس بها، إن أمن الصائم على نفسه الضعف، أما إذا خاف الضعف، فإنها تكره، وشرط شيخ الإسلام الكراهة، إذا كانت تورث ضعفًا يحتاج معه إلى الفطر.
وقال المالكية: إن المريض والصحيح، إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنت، جازت الحجامة لهما، وإن علم أو ظن عدم السلامة لهما حرمت لهما، وفي حالة الشك تكره للمريض، وتجوز للصحيح.
قالوا: إن محل المنع إذا لم يخش بتأخيرها عليل هلاكًا أو شديد أذى، وإلا وجب فعلها وإن أدت للفطر، ولا كفارة عليه.
وقال الشافعية: يستحب الاحتراز من الحجامة، من الحاجم والمحجوم؛ لأنها تضعفه.
قال الشافعي في «الأم»: لو ترك رجل الحجامة صائمًا للتوقي، كان أحب إلي، ولو احتجم لم أره يفطره.
ونقل النووي عن الخطابي: أن المحجوم قد يضعف فتلحقه مشقة، فيعجز عن الصوم فيفطر بسببها، والحاجم قد يصل إلى جوفه شيء من الدم.
стр. 97
ودليل كراهة الحجامة حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك ﵁: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف».
قال الشوكاني: يجمع بين الأحاديث، بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببًا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى» (١).
ثانيًا: القُبلة:
يكره للصائم تقبيل الزوجة إن لم يأمن على نفسه وقوع مفسد من الإنزال والجماع؛ لما روي أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: لا. فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض؟ إن الشيخ يملك نفسه؛ ولأنه إذا لم يأمن المفسد ربما وقع في الجماع فيفسد صومه، وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة.
ومحل الكراهة: إذا كانت القبلة بقصد اللذة لا إن كان بدون قصدها، كأن تكون بقصد وداع أو رحمة فلا كراهة.
وإذا أمن على نفسه وقوع مفسدٍ: فلا بأس بالتقبيل عند جمهور الفقهاء؛ لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم.
وقال المالكية: تكره القبلة بقصد اللذة للصائم لو علمت السلامة من خروج مني أو مذي، وإن لم يعلم السلامة حرمت.
واتفق الفقهاء على أن التقبيل ولو كان بقصد اللذة لا يفطر الصائم ما لم يسبب الإنزال، أما إذا قبل وأنزل بطل صومه اتفاقًا بين المذاهب (٢).
стр. 98
وقال الإمام الجويني ﵀: قال الأئمة: إن كانت القبلة تحرك الشهوة كرهناها للصائم، وإن كانت لا تحركها تحريكًا يخاف منه الخروج عن الضبط فلا بأس بها؛ قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يقبل إحدانا، وهو صائم، وكان أملككم لإرْبه، بأبي هو وأمي» (١).
وقيل: سأل سائل رسول الله ﷺ عن القبلة في الصوم فأباحها له، [فسأله آخر فنهاه]، فروجع في جوابه ﷺ ، فقال: كان الأول شيخًا، والثاني شابًا.
وعن عمر ﵁ أنه سئل عن قبلة الصائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت» (٢)، وهذا منه قياس حسن، وفيه إشارة إلى تنزيله القبلة على المضمضة والمبالغة (٣).
وقال ابن قدامة ﵀:
وتكره القبلة لمن تحرك شهوته؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه، ومن لا تحرك شهوته فيه روايتان:
إحداهما: يكره؛ لأنه لا يأمن من حدوث شهوة.
والأخرى: لا يكره؛ لأن «النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم» متفق عليه لما كان أملك لإربه، والحكم في اللمس وتكرار النظر كالحكم في القبلة؛ لأنهما في معناها (٤).
стр. 99
ومن آداب الصيام:
٤ - أن لا يكثر من تناول الطعام أو الشراب:
يستحب أن لا يكثر من تناول الأطعمة والأشربة؛ وذلك اتباعًا لهدي النبي ﷺ .
عَنْ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١).
قال العلامة السيوطي ﵀:
قال ابن القيم في «الهدي»: الأمراض نوعان: أمراض حادثة تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعيَّة، وهي الأمراض الأكثرية؛ وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة، وإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك، أورثته أمراضًا متنوعة.
فإذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر الحاجة وكان معتدلاً في كميته وكيفيته كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
ومراتب الغذاء ثلاثة: أحدها: مرتبة الحاجة، ْوالثانية: مرتبة الكفاية، والثالثة: مرتبة الفَضْلَة.
فأخبر النَّبي ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسْقط قُوَّته ولا يَضعُفُ معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثلث للنفس؛ وهذا من أنفع ما للبدن والقلب، فإنَّ البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض له الكرب والتعب بحمله، بمنزلة حامِلِ الحِمْلِ الثقيل، والشبع
стр. 100
المفرط يُضعف القُوى والبدن، وإنما يَقْوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته، ولما كان في الإنسان جزء أرضيّ وجزء مائي، وجزء هوائي.
قسم النَّبي ﷺ طعامه وشرابه ونفسه إلى الأجزاء الثلاثة، فإن قيل: فأين الحظ الناري؟ قيل: هذه مسألة خلاف.
فمن النَّاس من قال: ليس في البدن جزء ناري، وعليه طائفة من الأطبَّاء وغيرهم، ومنهمِ من أثبته, انتهى (١).
وقال صاحب «مرقاة المفاتيح»: والمعنى: فإن كان لا يكتفي بأدنى قوت ألبتة، ولا بد أن يملأ بطنه، فليجعل ثلث بطنه للطعام، وثلثه للشراب، وليترك ثلثًا خاليًا بخروج النفس، ولا ينبغي أن يكون كطائفة القلندرية حيث يقولون: بملء البطن من الطعام، والماء يحصل مكانه ولو في المسام والنفس إن اشتهى خرج وإلا فلا بعد تمام المرام، فأولئك كالأنعام بل هم أضل قال تعالى: يَاكُلُوا يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ (((((((((((﴾ [الحجر:٣]، وسبق: «إِنَّ المُؤْمِنَ يَاكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرَ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» (٢).
وقال الطيبي ﵀: أي: الحق الواجب أن لا يتجاوز عما يقام به صلبه ليتقوى به على طاعة الله، فإن أراد ألبتة لتجاوز فلا يتجاوز عن القسم المذكور، جعل البطن أولاً وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفًا لحوائج البيت توهينًا لشأنه، ثم جعله شر الأوعية؛ لأنها استعملت فيما هي له، والبطن خلق؛ لأنه يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضي إلى الفساد في الدين والدنيا، فيكون شرًا منها.
стр. 101
قال الشيخ أبو حامد: في الجوع عشر فوائد: الأولى: صفاء القلب وإيقاد القريحة ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة، ويعمي القلب، ويكثر البخار في الدماغ، كشبه الشبكة حتى يحتوي على معادن الفكر، فيثقل القلب بسببه عن الجولان.
وثانيها: رقة القلب وصفاؤه الذي به هيئ لإدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر.
وثالثها: الانكسار والذل وزوال المطر والأشر والفرح الذي هو مبدأ الطغيان، ولا تنكسر النفس لشيء ولا تذل، كما تذل بالجوع، فعنده تستكن لربها وتفيق على عجزها.
ورابعها: أنه لا ينسى بلاء الله وعذابه وأهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائعين والجوع.
وخامسها: وهي من كبار الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، وتقليلها يضعف كل شهوة وقوة والسعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه.
وسادستها: دفع النوم ودوام السهر، فإن من شبع شرب كثيرا، ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوم ضياع العمر، فوات التهجد، وبلادة الطبع، وقساوة القلب، والعمر أنفس الجواهر، وهو رأس مال العبد، فيه يتجر، والنوم موت فتكثيره تنقيص من العمر.
وسابعتها: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات ; لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام أو طبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلاء ثم يكثر تردده إلى بيت الماء، ولو صرف هذه الأوقات في الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه. قال السري: رأيت مع علي الجرجاني سويقا يستف منه فقلت: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة.
وثامنتها: من قلة الأكل صحة البدن، ودفع الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل، وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق، ثم المرض يمنع عن العبادات، ويشوش القلب، ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب، وكل ذلك يحتاج إلى مؤن، وفي الجوع ما يدفع عنه كل ذلك.
стр. 102
وتاسعتها: خفة المؤنة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير.
وعاشرتها: أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على المساكين، فيكون يوم القيامة في ظل صدقته، فما يأكله فخزانته الكنيف، وما يتصدق به فجزاؤه فضل الله تعالى (١).
وقال ابن حجر في «فتح الباري»:
قال القرطبي في «شرح الأسماء»: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، وقال الغزالي قبله في باب كسر الشهوتين من الإحياء ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم من هذا، ولا شك في أن أثر الحكمة في الحديث المذكور واضح.
وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنها أسباب حياة الحيوان؛ ولأنه لا يدخل البطن سواها، وهل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال والأول أولى، ويحتمل أن يكون لمح بذكر الثلث إلى قوله في الحديث الآخر: «الثلث كثير».
وقال بن المنير: ذكر البخاري في «الأشربة» في «باب شرب اللبن للبركة» حديث أنس، وفيه قوله: «فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه»، فيحتمل أن يكون الشبع المشار إليه في أحاديث الباب من ذلك؛ لأنه طعام بركة، قلت: وهو محتمل إلا في حديث عائشة ثالث أحاديث الباب فإن المراد به الشبع المعتاد لهم، والله أعلم.
واختلف في حد الجوع على رأيين ذكرهما في الإحياء، أحدهما: أن يشتهي الخبز وحده فمتى طلب الأدم فليس بجائع، ثانيهما: أنه إذا وقع ريقه على الأرض لم يقع عليه الذباب.
وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة، الأول: ما تقوم به الحياة، الثاني: أن يزيد حتى يصوم ويصلي عن قيام وهذان واجبان، الثالث: أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل، الرابع: أن يزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مستحبان، الخامس: أن يملأ الثلث وهذا
стр. 103
جائز، السادس: أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن ويكثر النوم وهذا مكروه، السابع: أن يزيد حتى يتضرر وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام اهـ.
ويمكن دخول الثالث في الرابع والأول في الثاني والله أعلم (١).
وعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ، وَأُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ يَاكُلُهُ، فَقَالَ: حَسْبِي، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا، أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كُفَّ جُشَاءَكَ عَنَّا، فَإِنَّ أَطْوَلَكُمْ جُوعًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُكُمْ شِبَعًا فِي دَارِ الدُّنْيَا» (٣)، ومعنى تجشأ: أي أخرج من فمه الجشاء، وهو ريح يخرج من الفم مع صوت عند الشبع.
وقال ابن بطال ﵀:
قال الطبرى: غير أن الشبع وإن كان مباحًا فإن له حدًا ينتهى إليه، ومازاد على ذلك فهو سرف، فالمطلق منه: ما أعان الآكل على طاعة ربه، ولم يشغله ثقله عن أداء واجب عليه، وذلك دونما أثقل المعدة، وثبط آكله عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير، فالحق لله على عبده المؤمن أن لايتعدى فى مطعمه ومشربه ما سد الجوع وكسر الظمأ.
فإن تعدى فى ذلك إلى مافوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه لله كان قد أسرف فى مطعمه ومشربه، وبنحو هذا ورد الخبر عن النبي ﷺ (٤).
стр. 104
ومن آداب الصيام:
٥ - المحافظة على الوقت:
يندب للصائم أن لا يضيع وقته إلا في طاعة لله أو عمل نافع، ويحرم عليه تضييع وقته وذلك بالجلوس لمشاهدة ما يبثه التلفاز أو نحوه من أشياء تخالف الشريعة - أما مشاهدة البرامج النافعة سواء كانت دينية أو علمية فلا حرج فيها-، أو يضيع وقته بالجلوس على المقاهي أو في الطرقات، أو لعب النرد أو نحوه.
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (١).
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ» (٢).
قال المباركفوري ﵀:
قال الطيبي ﵀: أنثه بتأويل الخصال، «عن عمره» بضمتين ويسكن الميم، أي: عن مدة أجله، «فيما أفناه» أي: صرفه، «وعن شبابه» أي: قوته في وسط عمره، «فيما أبلاه» أي: ضيعه، وفيه تخصيص بعد تعميم وإشارة إلى المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبره.
وقال الطيبي: فإن قلت هذا داخل في الخصلة الأولى فما وجهه؟ قلت: المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة، «وعن ماله من أين اكتسبه» أي: أمن حرام أو حلال، «وفيما أنفقه» أي: طاعة أو معصية، «وماذا عمل فيما علم» قال القارىء: لعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب، وقال الطيبي: إنما غير السؤال في
стр. 105
الخصلة الخامسة حيث لم يقل: «وعن عمله ماذا عمل به»؛ لأنها أهم شيء وأولاه، وفيه إيذان بأن العلم مقدمة العمل، وهو لا تعتد به لولا العمل (١).
إن هذا العمر الذي يعيشه ابن آدم هو رأس ماله، يستطيع فيه أن يعمل أعمال نافعة، أو عبادت لله .
عن عبد الرحمن بن زبيد اليامي، قال: «لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي: أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، ابْنَ آدَمَ إِنِّي لَنْ أَمُرَّ بِكَ أَبَدًا، فَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا، فَإِذَا هُوَ أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا أَبَدًا» (٢).
стр. 106
ومن آداب الصيام:
٦ - التستر عند الأكل والشراب لمن كان له رخصة في الفطر:
من الأدب أن لا يجاهر المسلم -المرخص له بالإفطار- في إفطاره في نهار رمضان؛ إحترامًا لشعور الصائمين، ولكي لا يشجع المستهترين من المفطرين بالمجاهرة في إفطارهم بحجة أو بغير حجة، هذا بخلاف من لديه سبب مقبول كمريض يتحتم عليه أن يأخذ الدواء فلا حرج في ذلك.
ومن آداب الصيام:
٧ - أن لا يجالس إلا الصالحين (١):
عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (٢).
قال ابن حجر في «الفتح»:
وفي الحديث: النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما (٣).
стр. 107
وقال صاحب «منار القاري»:
والمعنى: أن النبي ﷺ شبه الجليس الصالح في دينه وخلقه بمن يحمل معه مسكًا، وشبه جليس السوء بمن ينفخ كيرًا، وهو آلة من الجلد ينفخ بها الحداد على النار، ثم بين وجه الشبه في قوله: «فحامل المسك إمّا أن يحذيك» أي: فإذا جلست إلى حامل المسك لا بد أن تنتفع منه؛ لأنه إما أن يهديك من الطيب الذي معه، «وإما أن تبتاع منه» أي: تشترى منه مسكًا، وإما أن تجد منه -أى: تشم منه- رائحة طيبة، وكذلك الجليس الصالح إما أن يفيدك بعلمه أو بنصحه وتوجيهه، أو حسن سلوكه بالاقتداء به، «ونافخ الكير» إذا صحبته لا بد أن يؤذيك فهو «إما أن يحرق ثيابك» من الشرر المتطاير، «وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة» من الدخان الذي يتصاعد من ناره فتشمّ منه رائحة كريهة تخنق أنفاسك، كذلك جليس السوء إما أن يغريك بالسيئة أو تقتدي بسلوكه السيء فتنحرف عن سواء السبيل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولاً: الترغيب في مجالسة أهل الفضل؛ لأنهم يسعد بهم جليسهم، فإن كانوا علماء استفاد منهم علمًا، وإن كانوا صلحاء استفاد منهم صلاحًا، وإن كانوا أبطالاً استفاد منهم شجاعة؛ لأن الأخلاق والمواهب والعلوم والمعارف والمهارات والآداب تتلاقح ويتأثر بعضها ببعض.
ثانيًا: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من جلساء السوء؛ لأنهم شر على من يجالسهم، وربما قصدوا أن ينفعوه فيضروه من حيث لا يشعرون.
ثالثًا: قال العيني: في الحديث دليل على طهارة المسك، وروينا عن النبي ﷺ بسند جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وعلى هذا جمهور العلماء، وقد كرهه جماعة، منهم عمر ﵁، وقال: لا تحنطوني به، وكذا عمر بن عبد العزيز إلّا أن هذا الخلاف قد انقرض واستقر الإجماع على طهارته، وجواز استعماله.
стр. 108
رابعًا: أن المسك من أجمل العطور وأحلاها وأطيبها وأغلاها ولذلك ضرب به المثل في هذا الحديث (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (٢).
قال القاري في «مرقاة المفاتيح»:
قوله ﷺ : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» أي: غالبًا، والخلة الحقيقية لا تتصور إلا في الموافقة الدينية، أو الخلة الظاهرة قد تفضي إلى حصول ما غلب على خليله من الخصلة الدينية، ويؤيده قوله: «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» قال تعالى: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ (((((((((((((﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدرى (٣).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَاكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (٤).
قال القاري في «مرقاة المفاتيح»:
قوله ﷺ : «لا تصاحب» أي: لا تقصد في المصاحبة، «إلا مؤمنًا» أي: كاملاً بل مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين؛ لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد
стр. 109
بالمؤمن جنس المؤمنين، «ولا يأكل طعامك إلا تقي» أي: مؤمن أو متورع يصرف قوة الطعام إلى عبادة الله الملك العلام، والنهي وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام، فهو من قبيل لا أرينك ههنا، فالمعنى: لا تصاحب إلا مطيعًا، ولا تخالل إلا تقيًا (١).
وصاحب تقيًا عالمًا تنتفع به ... فصحبةُ أهل الخير ترجى وتطلبُ
وإياك والفساد لا تصحبنّهم ... فصحبتهم تعدي، وذاك مجربُ
واحذر مؤاخاة الدنيء لأنه يعدي ... كما يعدي الصحيحَ الأجربُ
واختر صديقك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسبُ
стр. 110
ومن آداب الصيام:
٨ - ترك الأكل لو شك في طلوع الفجر:
ولو شك في طلوع الفجر فالمستحب له أن لا يأكل، هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا شك في الفجر فأحب إلي أن يدع الأكل؛ لأنه يحتمل أن الفجر قد طلع؛ فيكون الأكل إفسادًا للصوم فيتحرز عنه.
والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لوابصة بن معبد: «الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١).
ولو أكل وهو شاك: لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه؛ لأن فساد الصوم مشكوك فيه؛ لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع أن الأصل هو بقاء الليل، فلا يثبت النهار بالشك.
وهل يكره الأكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف: أنه يكره.
وروى ابن سماعة عن محمد: أنه لا يكره، والصحيح قول أبي يوسف، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا شك فلا يأكل وإن أكل فقد أساء؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» (٢)، والذي يأكل مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه؛ فكان بالأكل معرضًا صومه للفساد، فيكره له ذلك (٣).