← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(وإن شاء ترك (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مال العبد لم يكن رهناً فيدخل في الرهن متى افتك المرتَهِنُ العبد بجنايته؛ لأنّه إذ افتكه بجنايته بقَّاه على ما كان عليه في الأصل من الرهن، ولم يكن ماله رهناً معه. ••• [١٢٣٠] قال: وقد قيل: إذا أسلمه سيده، كان للمرتهن أن يفديه إن شاء، ويكون ما افتداه به في رقبة العبد وماله لا يدخل على السيد. وإن كان في ثمن العبد فضلٌ عما افتداه به، كان للسيد، وإن كان ثمنه أقل، فلا شيء له. وإنما كان له أن يفديه؛ لأنّه كان يرجو أن يكون له فضلٌ، والأول أعجب إلينا (٢). • وجه هذا القول: هو أنَّ المرتهن إذا افتَكَّ العبدَ بجنايته فقد وجب له العبد بماله؛ لأنّه لولاه لكان المجني عليه يأخذه بماله، فإن شاء سيد العبد أخذ العبد وماله بعد أن يدفع إلى المرتهن حقه من الدَّين وما زاد عليه مما افتكه به من أرش الجناية، وإن شاء تركه له إن زادت قيمته عن الدَّين، وإن نقصت قيمته عن الدَّين، كان للمرتهن أخذ ما نقص من دَينه من مال سيِّده. وهذا إذا افتداه المرتهن بغير أمر الراهن، فأمّا إذا افتداه بأمره، فإنَّ ما زاد

стр. 1122

على حقه مما افتداه به فهو على السيد يدفعه إلى المرتهن مع حقه ويأخذ عبده، أو يباع في دينه ويتبعه المرتهن بما تبقى من الدَّين وما زاد عليه مما افتك به العبد من أرش الجناية. ••• [١٢٣١] مسألة: قال: ومن ارتهن زرعاً فأصابته عاهةٌ، فأخذ مالاً من غيره فأصلحه به حتى انتعش، فالأول يبدأ، ثمّ الثاني (١). • يعني: أنّه يُبْدَأ بالذي جُنِيَ الزرع بماله؛ لأنّه أقوى سبباً من غيره، ثمّ بالآخر بعده؛ لأنّه لولا ما حيي به من مال الآخر، لم يُنتَفع بمال الأول، فوجب أن يبدأ الأول فالأول، يعني: الأول الذي حيي الزرع به، وهو الذي أنفق ماله آخراً، يبدأ به؛ لأنَّ الزرع بماله حيي، ثمّ الذي يليه. وهذا معنى قوله: يبدأ بالأول فالأول، أي: الأولى فالأولى. ••• [١٢٣٢] مسألة: قال: ومن ارتهن رهناً، فطلبه صاحبه ليبيعه ويدفع إليه ثمنه، فليس ذلك له حتى يرضى المرتهن (٢).

стр. 1123

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن قد وجب رهناً للمرتهن وتعلق حقه فيه، فليس للراهن أن يبيعه ولا يخرجه عن يد المرتهن إلّا برضاه. ••• [١٢٣٣] مسألة: قال: ومن ارتهن داراً ذات غلةٍ، ثمّ قال لصاحب الدار: «استأجِروني أتقاضى غلتكم وآخذ الخراج بإجارةٍ معلومةٍ»، فلا بأس بذلك (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرهن لا يخرج عن يد المرتهن وإن استأجره الراهن لقيامه عليه وحفظه؛ لأنّه لا ينتقل عن يده إلى يد غيره، وإنما الذي يكره أن يخرج من يد المرتهن إلى غيره ممن لا يقوم مقامَه. ••• [١٢٣٤] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لرجلٍ: «قد أحرزْتُ لك رهنك، فأسلف فلاناً» - لرهنٍ (٢) كان يريد أن يضعه على يديه -، فدفع بقوله، فإنّه ضامنٌ للتفليس، ويحاصُّه الغرماء (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي قال للمرتهن: «قد أحرزت رهنك»، وهو لم يحرزه، قد غرَّه في دفعه ماله إلى الراهن، بل قد ضمن له توفية حقه من الرهن

стр. 1124

الذي ذكر أنّه قد قبضه، فعليه دفع الحق إلى المرتهن؛ لأنَّ المرتهن على ذلك دَفَعَ المال إلى الراهن، فمتى لم يدفع إليه حقه من الرهن الذي ضمنه له، وجب عليه أن يدفع إليه من ماله، وقد قال عثمان ﵁: «لَا تَوىً عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» (١). ••• [١٢٣٥] مسألة: قال: وإذا رهن رجلان داراً، ثمّ مات أحدهما قبل الأجل، فقد حل ما على الميت منهما في نصيبه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدَّين يحل بموت الذي عليه وفَلَسه؛ لزوال ملك الميت، وخراب ذمَّة المفلس، ووجوب تفرقة مال الميت على ورثته، وقسم مال المفلس على غرمائه، وكان الدَّين أولى من الميراث، فوجب تقدمتُه لهذه العلة، وبقي نصيب الحي حتى يحل الدَّين. ••• [١٢٣٦] مسألة: قال: ونفقة الرهن على صاحبه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك الرهن هو للراهن، لا ينتقل بكونه رهناً عن

стр. 1125

ملكه، فوجب نفقته عليه وكان له غلته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: «الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (١)، يريد: له غلته، وعليه نفقته (٢). ••• [١٢٣٧] مسألة: قال: والرهن أولى من الكفن (٣). • إنّما قال ذلك، لأنَّ المرتهن قد وجب حقه في الرهن وتعلق به، فصار أولى من غيره كائناً ما كان، من ربه وغير ربه. ألا ترى: أنَّه ليس لأحدٍ أخذه من يده ولا إخراجه عن رهنه إلّا بإذنه أو دفع الحق إليه، فلمَّا لم يكن لربه أن يأخذه في حال الحياة بغير إذنه حتى يوفيه حقه، فكذلك إذا مات لم يكن ذلك لورثته؛ لأنَّ الورثة يقومون مقامه فيما كان يملكه، وليس لهم ما لم يكن له. ••• [١٢٣٨] مسألة: قال: ومن رهن غلاماً له، ثمّ حلف بعتقه، فحنث وليس له مالٌ غيره، فلا يجوز عتقه، كانت يمينه قبل أن يرهنه أو بعدما رهنه (٤).

стр. 1126

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق المرتهن قد تعلَّق بالرهن وهو العبد، فليس للراهن أن يعتقه؛ لأنَّ في ذلك إبطال حق المرتهن. ألا ترى: أنَّه ليس له أن يبيعه بغير إذن مرتهنه. وسواءٌ كانت يمينه قبل رهنه أو بعده، يعني: عقد يمينه بعتقه؛ لأنّه لا يجوز أن يعتقه بعد رهنه، سواءٌ كان عقد اليمين بعد الرهن أو قبله؛ لأنّ العتق بعد رهنه، ولا يجوز عتق الراهن الرهن من غير إذن المرتهن أو دفع الحق إليه. وهذا إذا لم يملك الراهن مالاً غير العبد المرهون، فأمّا إذا كان له مالٌ غيره جاز عتقه وأُخِذ حق المرتهن منه، أو يدفع إليه رهناً بدل رهنه. ••• [١٢٣٩] مسألة: قال: ومن رهن حائطاً ليتيمٍ، ثمّ باعه من رجلٍ، فالبيع مردودٌ، وليس ذلك له إلّا برضا المرتهن (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق المرتهن قد وجب في الرهن، فليس يجوز لأحدٍ إخراج الرهن عن يده بغير إذنه، أو دفع الحق إليه، لا ببيعٍ ولا غيره. وهذا إذا كان الذي رهنه ممن يجوز رهنه على اليتيم، فأمّا إذا كان ممن لا يجوز ذلك له، فرهنه باطلٌ وفعله باطلٌ. •••

стр. 1127

[١٢٤٠] مسألة: قال: ومن وضع رهنه على يدي رجلٍ، ثمّ عدوا عليه فباعوه، فإنّه يأخذ رهنه حيث وجده، فإن فات أخذ حقه حالّاً إن رضي بذلك. وإن تعدَّى الذي وُضِع الرهن على يديه فباعه ولم يكن له مالٌ، لم يحل الحق على الراهن، وكان إلى أجله (١). • إنّما قال ذلك: «إنَّ المرتهن يأخذ الرهن إذا بيع بغير أمره إن شاء أو أَخَذَ ثمنه»؛ فلأنَّ الرهن قد تعلَّق به حقٌّ للمرتهن، فليس لأحدٍ إخراجه إلّا بإذن المرتهن، أو دفع حقه إليه إذا رضي بذلك المرتهن، ومتى تعدَّى أحدٌ فباعه ممن وُضِعَ على يديه، فللمرتهن أخذه حيث وجده، أو أخذ دينه ممن باعه إن لم يجد الرهن أو كان قد فات. فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن له أخذ الحق من الراهن حتى يحل أجله؛ لأنَّ الراهن لم يتعدَّ في بيع الرهن، وليس عليه من تعدِّي غيره شيءٌ، وعليه دفع الحق الذي كان الرهن به إذا حلَّ أجله. ••• [١٢٤١] مسألة: قال: ومن رهن أمةً بغير ولدها - ولها ولدٌ صغيرٌ -، فذلك جائزٌ، وإذا بيعت، بيع معها ولدها، فكان له (٢) في رهنه ثمن الوليدة، ولم يكن له أولادها، فإن فضل له من حقه شيءٌ، كان أسوة الغرماء في ثمن الولد (٣).

стр. 1128

• إنّما أجاز رهن الأمة دون ولدها؛ لأنَّ الرهن ليس هو إخراج ملك الأمة عن الراهن إلى المرتهن، وإنما هو وثيقةٌ للمرتهن، وإنما مُنِعَ من التفرقة بينهما في البيع؛ لأنّه إخراج ملكٍ، فأمّا إذا لم يكن إخراج ملكٍ جاز. ألا ترى: أنَّ له أن يؤاجر الأم دون الولد، فكذلك يجوز ذلك في الرهن. ثم تباع الأم مع ولدها إذا حل الأجل الحق؛ لأنّه لا يجوز التفرقة بينهما في البيع؛ لأنّه إخراج ملكٍ، ثمّ تكون للراهن حصة الولد من الثمن، وللمرتهن حصة الأم من الثمن. فإن بقي من دَيْنِه شيءٌ شارك المرتهن سائر الغرماء في ثمن الولد؛ لأنّه مثلهم، ولا يشاركه الغرماء في ثمن الأم؛ لأنّه أولى بالرهن منهم، فكذلك هو أولى بثمنه منهم. ••• [١٢٤٢] مسألة: قال: ومن رهن رجلاً رهناً بدَينٍ إلى سنةٍ وحازه، ثمّ ابتاع من آخر شيئاً إلى شهرٍ ورهنه فضل الرهن الأول، فحل أجل المرتهن الآخر قبل الأول، ولم يكن علم الآخر أنَّ الأول إلى سنةٍ، فيباع الرهن ويعطى حقه من ثمنه، ويعطى الآخر ما فضل، ولا يؤخر الأول إلى أجله (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن الآخر إنّما دخل على أن يباع الرهن إذا حل

стр. 1129

أجل الحق ويُعطى حقه من ثمنه إن لم يكن يعطيه الراهن ذلك من ماله، فوجب أن يباع له الرهن، ثمّ يدفع إليه ما فضل عن حق المرتهن الأول. ويدفع إلى المرتهن الأول حقه أيضاً ولا يوقف إلى أجله؛ لأنّه ليس في ذلك منفعةٌ للراهن ولا المرتهن، بل قد يلحق الراهن ضررٌ بوقفه، وهو أن يتلف فيحتاج أن يغرم حق المرتهن ثانيةً، وهذا ضررٌ عليه وعلى المرتهن، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١). ولأنَّ المرتهن الثاني دخل أيضاً على تقدمة المرتهن الأول عليه، وأنه إنّما يأخذ ما فضل عن حق الأول. وهذا إذا كان رهن الثاني بإذن الأول، فإن كان بغير إذنه لم يجز رهنه، وكان الرهن كله رهناً للأول بحقه، ولا شيء للمرتهن الثاني؛ لأنَّ الراهن متعدٍّ بالرهن الثاني، فوجب ردُّ تعدِّيه، ولا يلزم ذلك المرتهن الأول. •••

стр. 1130

باب العارية [١٢٤٣] قال: ومن استعار دابَّةً ولم يتعدَّ عليها، فلا ضمان عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير: ليس متعدِّياً بالقبض كالغاصب فيلزمه ما تلف في يديه من غير صنعه. ولا هو مثل المستقرض الذي قبض ليرد مثله بدلاً مما قبضه. وإنما قبض العارية لينتفع بها، ثمّ يرد عينها إن بقيت، وإن تلفت، فلا ضمان عليه إذا لم يكن تلفها بسببه. فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ : «العَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (٢) (٣)؟ قيل له: معنى قوله صلى الله عليه «العَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ»: أي: ضمان الردِّ؛ لأنَّ صفوان الجمحي قال له: «أَغَصْبٌ أَمْ عَارِيَةٌ يَا مُحَمَّدُ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ»، أي: مؤدّاةٌ؛ لأنَّ صفوان ظنَّ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يردُّ عليه ما استعاره (٤). وقد رَوَى إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني (٥)، قال:

стр. 1131

سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (١). ورَوَى عبدة (٢)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (٣). ومعنى قوله: «مُؤَدَّاةٌ»، كقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فإذا تلفت الأمانة لم يكن على المؤتمن شيءٌ، فكذلك العارية إذا عُلِم أَنَّهَا قد تلفت؛ لأنّه لم يأخذها على الضمان، ولا هو متعدٍّ بالأخذ. ورَوَى وكيع، عن علي بن صالح (٤)، عن عبد الأعلى، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵇ قال: «العَارِيَةُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَلَا مَضْمُونَةً، إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ فَيُضَمَّنَ» (٥).

стр. 1132

وهذا قول جماعة من التابعين، منهم: شريح، وإبراهيم، والحسن. ••• [١٢٤٤] قال: ويضمن العارية كلها، ما ضاع أو انكسر من الحلي أو الثياب، ولا يضمن الحيوان إلّا ما تعدَّى به، وكذلك الرهون. ومن نزل به أمرٌ من الله جَلَّ وَعَزَّ ببيِّنةٍ تقوم بعذره، لم يفرِّط ولم يضيِّع، فلا ضمان عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير ليس قبضه العارية على وجه الأمانة مفردةً، بل قبَضَهَا لمنفعة نفسه، فإذا عُلِم هلاكها من غير صنعه لم يكن عليه شيءٌ. وإذا لم يعلم ذلك، ضمن قيمتها؛ لأنّه غير مُصَدَّقٍ على التلف، وإنما يُصَدَّقُ على تلف الشّيء مَنْ قَبَضَ الشيءَ لمنفعة ربِّه، كالمودع، دون غيره من المستعير والمرتهن (٢). فأمّا إذا تلفت بتعدِّيه عليها لزمه قيمتها؛ لجنايته عليها، بمنزلة ما لو تعدَّى عليها وهي في يد ربها، فعليه قيمتها. •••

стр. 1133

[١٢٤٥] مسألة: قال: ومن أعار رجلاً دابَّةً إلى أجلٍ، فليس له أخذها إلى ذلك الأجل (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد ألزم نفسه فعل خيرٍ ومعروفٍ وأوجبه في ماله لغيره، فليس له أن يرجع فيه، كما لو أوجب شيئاً من ماله هدياً أو أضحيةً أو على وجه النذر، لم يكن له أن يرجع فيه، وقد قال الله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وقد رَوَى محمد بن المنكدر (٢)، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ قال: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (٣)، فليس يجوز الرجوع في الصدقة (٤). ••• [١٢٤٦] مسألة: قال: ومن أعار رجلاً نحاساً - طستاً (٥) أو مهراساً (٦) أو

стр. 1134

غير ذلك من المتاع - حياته، فذلك له، وليس له فيه رجعةٌ، وشراؤه منه جائزٌ إن شاء (١). • إنّما قال: «إنَّه لا يرجع فيه»؛ لِمَا ذكرناه: أنّه قد ألزم نفسه فعل خيرٍ في ماله لغيره، فليس له أن يرجع عنه؛ لأنَّ فعل المعروف صدقةٌ، كما قال رسول الله ﷺ . وقوله: «يشتريه منه»، فإنما يريد أن يعطي المعير للمعار شيئاً على أن يخلي بينه وبين العارية، وذلك جائزٌ، كما يجوز ذلك في العَرِيَّةِ (٢) أن يشتريها المُعْرِي يخرصها ثمراً؛ لأنَّ فعله يحمل على غير وجه المتاجرة، فكذلك المعير، إنّما أراد رجوع الشّيء إليه، لا وجه المتاجرة في شراء منفعة العارية. ••• [١٢٤٧] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً إلى مكانٍ فتعدَّى (٣)، فصاحبها بالخيار: (بين أن يُضَمِّنَه إياها يوم تعدَّى بقيمتها. (وبين أن يكون له الكراء في التعدِّي (٤).

стр. 1135

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتعدَّى عليه قد جُعِل مخيراً، أعني: المجني عليه، أو ولي المقتول، بين القود والعفو، أو أخذ أرش الجناية إذا بُذلت له؛ لأنَّ المجني عليه مظلومٌ والجاني ظالمٌ، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢]، فجعل المجني عليه مخيراً على الجاني؛ لئلا يعود الجاني لمثل فعله، وليرتدع غيره بذلك، فكان ربُّ الدابة مخيراً بين كراء الدّابة من حيث تعدَّى، وبين أخذ قيمتها منه (١). ••• [١٢٤٨] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً أو عبداً، فضلت أو أبق، فهو مصدَّقٌ وعليه اليمين. وإن ادَّعى أنَّه مات وله جيران لا يعلم بذلك أحدٌ منهم ولا غيرهم، فلا يصدَّق، إلّا أن يدَّعي إباقاً أو انفلاتاً فيعذر بذلك، إلّا أن يأتي ما يدل على كذبه. وقد قيل: إنَّه لا شيء عليه، إلّا أن يأتي ما يدلُّ على كذبه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إِبَاقَ العبد وضلاله، وانفلات الدابَّة وضلالها، ليس هو مما يقدر المستعير على إظهار ذلك في الناس؛ لأنّه يحدث من غير علمه ولا

стр. 1136

معرفته بذلك، فكان القول قوله مع يمينه على ما يذكر من ذلك؛ لأنا لا نعرف كذبه فيما يقول. فأمّا إذا ذكر موت ذلك، لم يقبل قوله إلّا أن يأتي بمن يعرف ذلك؛ لأنَّ موت العبد والدابَّة ليس يخفى ذلك على غيره من الجيران ومن يقرب منه، ليس هو ينفرد به، ويقدر أيضاً على إظهاره وإعلام جيرانه بذلك، فمتى لم يفعل ذلك، فقد فرَّط وقصَّر، فلم يُقبل قوله (١). ••• [١٢٤٩] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً إلى بلدٍ فاختلفا، فقال المعير: «غير ذلك البلد»، فالقول قول المستعير إذا كان يشبه ما قال (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستعير قد وجب له ركوب الدابة بحصول العارية له وقبضِه لها، فكان أقوى سبباً، وكان القول قوله مع يمينه. ولأنَّ المعير يريد إبطال ما قد وجب للمستعير من العارية، فلا يقبل ذلك منه، إلّا أن يأتي المستعير من ذلك بما لا يعرفه النّاس، ولم تجر عادتهم به في

стр. 1137

العارية، فلا يقبل قوله لخروجه عن عرف الناس، كما لا يقبل قول من يدَّعي خلاف عرف النّاس في النقد والسير والحمولة وأشباه ذلك. ••• [١٢٥٠] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً أربعة أميالٍ، فتعدى عليها إلى بريدين (١)، فجاء بها على أحسن ما كانت عليه، فليس عليه شيءٌ إلّا كراء ما ركب (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا المقدار الذي تعدَّى إليه يسيرٌ، فليس عليه قيمتها إذا سلمت الدابة فيه ولم تتغيَّر، ولو وجب أن تكون عليه القيمة في هذا المقدار، لوجب ذلك في الميل ونحوه. وله الكراء؛ لأنّه زاد في ركوبها على ما أذِنَ له صاحبها، فله كراء ذلك. وقد قال مالك: «إنَّ له قيمة الدابة - إن شاء - من حين تعدَّى عليها، أو كراء ما تعدَّى عليها، وإن هي لم تتغيَّر في سَوْقٍ ولا بَدَنٍ» (٣).

стр. 1138

ووجهه ما قلناه: أنَّ التعدِّي لَمَّا حصل من المستعير، كان ربُّ الدابة المتعدَّى عليه مخيراً بين كراء مثلها في التعدِّي، أو قيمتها من حين تعدَّى بلا كراءٍ؛ لئلا يتعدَّى النّاس بعضهم على بعضٍ، فجعل المتعدَّى عليه بالخيار على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم. ••• [١٢٥١] مسألة: قال: ومن استعار ثوباً أياماً فلبسه أكثر من ذلك، فيلزمه ما نقص من قيمته بعد الأيام التي استعار إليها، وإن كان أخلقه، فيرده وما نقص بعد تلك الأيام (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الثوب لم يأذن له أن يلبس أكثر مما أعاره من المدَّة، فإذا زاد عليها كان متعدِّياً، وعليه بدل ما لبسه لصاحبه من نقصان قيمته، أو أجرة تلك الأيام، الخيار في ذلك إلى ربِّه. ••• [١٢٥٢] مسألة: قال: ومن أتت إلى أهلها (٢) بقلادةٍ وزعمت أَنَّهَا

стр. 1139

استعارتها (١)، فأنكروا ذلك عليها، فقبلوها (٢) ليردُّوهَا، فاعتيلت (٣) القلادة، قال: فإنّه يغرمها الذي قبلها، ويصفونها، ثمّ يحلفون على صفتها، ويلزمهم غرم ما قُوِّمَت به (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القلادة أُخذت على وجه العارية، فإذا تلفت ولم يعلم تلفها، فعلى من تلفت عنده قيمتها من المستعير، أو من دَفَعَ المستعير إليه ذلك وهم أهل الأمة. والقول قولهم في صفتها؛ لأنهم يغرمون قيمتها، والقول في الأصول قول الغارم مع يمينه؛ لأنَّ صاحبه يدَّعي أكثر مما يذكره الغارم، فلا يقبل ذلك منه إلّا ببيِّنةٍ. ••• [١٢٥٣] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً ليحمل عليها حنطةً، فحمل جلجلان، فلا ضمان عليه إن كان الذي حمل منه مثل الذي ذكر.

стр. 1140

وكذلك لو قال: «أحمل مروياً (١)» فحمل قوهياً (٢)، فلا ضمان عليه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا حمل على الدابة مثل ما استعارها له وأقل ضرراً بها، فقد فعل ما له أن يفعل؛ لأنَّ المعير قد أذن له في ذلك، فلا شيء عليه؛ لرضاه بذلك. وإذا حمل ما هو أكثر ضرراً بالدابة، فقد تعدى وفعل ما لم يؤذن له فيه، فصاحبها مخيرٌ بين قيمتها أو كراء ما زاد، على ما ذكرنا. ••• [١٢٥٤] مسألة: قال: ومن استعار دابَّةً على أنّه لها ضامنٌ، فلا ضمان عليه (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العارية إذا ظهر هلاكها فلا ضمان على المستعير، هذا أصلها وحكمها، فإذا شرط خلاف ما عليه الأصول، كان الشرط باطلاً،

стр. 1141

وقد قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ» (١)، وأبطل اشتراط البائع الولاء على المشتري (٢)؛ لأنَّ الأصل أنّه للمشتري. ••• [١٢٥٥] مسألة: قال: ومن استعار غرائر (٣) فسرقت، فهو لها ضامنٌ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغرائر مما يخفى هلاكها، فإذا لم يكن للمستعير بيِّنةٌ على هلاكها، ضمن قيمتها؛ لأنّه ليس مُصَدَّقاً على تلف العارية؛ لأنَّ قبضها لمنفعته دون منفعة ربها. فإن قيل: أليس المضارب إذا ذكر أنَّ المال قد تلف في يده، فالقول قوله مع يمينه وإن كان قبضه الشّيء لمنفعة نفسه، وكذلك المستأجر قبضه الشّيء المستأجر لمنفعة نفسه، ثمّ تلفه من مال ربه، والقول قوله في تلف ذلك مع يمينه، فكذلك يجب أن يكون المستعير والمرتهن (٥)؟

стр. 1142

قيل: لا يلزم ما ذكرت؛ من قِبَلِ أنَّ أكثر المنفعة في الرهن للمرتهن، وكلها للمستعير، وأكثر المنفعة في الإجارة للمؤاجر، وكذلك في المضاربة أكثرها لرب المال، وإذا كان كذلك، نُظِر إلى من هو أكثر منفعةً في الأصل، فَجُعِل التلف منه، وكان الذي الشّيء في يده مصدَّقاً على التلف؛ بدلالة أنَّ المودَع مصدَّقٌ على تلف الشيء؛ إذ لا منفعة له في الوديعة، وليس الغاصب مصدَّقاً على تلف الشيء؛ لأنَّ قبضه الشّيء لنفسه لا لربِّه، وكذلك لو عُلِم تلفه كان ضامناً. وكذلك المستقرض إذا تلف الشّيء في يده كان عليه بدله؛ لأنَّ قبضه الغرض لمنفعة نفسه، ثمّ ينظر بعد ما ذكرنا إلى أكثر المنفعة أن تكون لقابض الشّيء أو لربِّه: فيكون إن كثرت لربه مصدقاً على التلف، أعني: الذي في يده. وإن كانت له دون ربِّه، لم يكن مصدَّقاً على التلف، إلّا أن يُعْلم تلفه ببيِّنةٍ، فلا يكون عليه ضمانٌ؛ لأنَّ تلفه قد ثبت بغير قوله، وليس هو متعدِّياً بالقبض فيلزمه ضمان ما تلف من غير فعله ولا جنايته، كما يلزم ذلك الغاصب المتعدِّي (١). •••

стр. 1143

باب الوديعة [١٢٥٦] قال: ومن كانت عنده وديعةٌ، فاشترى بها جاريةً فحملت منه، فهي في ذمَّته وتكون أم ولدٍ، وإن كان إنّما أكلها، فصاحب الوديعة أسوة الغرماء (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودَعَ لمّا تعَدَّى في المال الذي عنده باشترائه جاريةً، فقد تعلَّق المال في ذمَّته وصارت الجارية له، فإذا حملت منه صارت أم ولدٍ؛ لأنَّ المودِعَ، أعني: ربَّ المال، لا يملك عينها فيكون له أخذها، وله المال في ذمَّة المودَعِ. وكذلك إذا تلف المال فهو في ذمَّته، ويكون المودِعُ أسوة الغرماء؛ لأنَّ ماله قد صار دَيناً في ذمَّة المودَعِ. وليس المودَعُ في هذا كالمقارض أو المبضَعِ معه إذا اشترى بالمال جاريةً، ثمّ وطئها فحملت أَنَّهَا تباع دون ولدها: لأنَّ المودِعَ لم يُرِدْ في الوديعة طلب الفضل وإنما أراد حفظها، فإذا ردَّ عليه مثلها فقد وصل إلى غرضه. والمقارِضُ والمبْضِعُ طلبا الفضلَ لمَّا دفعا إلى المقارَضِ والمبْضَعِ معه، فيكون لهما الخيار إذا تعدَّى عليهما، بين:

стр. 1144

تضمين المتعدِّي المال الذي طُلِبَ الفضلُ - وهو قيمة الجارية حين الوطء -. أو تضمين المال الذي أخذاه. وله بيع الجارية إن لم يكن للمتعدِّي مالٌ؛ لأنَّ شراء الجارية إنّما هو لربِّ المال، وليس كذلك شراء المودَعِ الجارية لربِّ المال، فيكون له أخذها، فافترقا من هذا الوجه (١). ••• [١٢٥٧] مسألة: قال: وإذا استودَعَ الرجُلُ وديعةً عنده لحجٍّ أراده عند من يثق به، فلا ضمان عليه. وكذلك أموال اليتامى (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودَعَ عليه أن يفعل في الوديعة من الحفظ والحياطة والحرز مثل ما يفعل بماله (٣)، فإذا احتاج إلى سفرٍ لحجٍّ أو غيره مما يجوز، جاز أن يودعَهَا غيرَه ممن يثق به، كما يفعل ذلك بماله، ليس عليه أكثر من ذلك.

стр. 1145

فإن تلفت لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنّه فعل ما له أن يفعل، كما لو تلفت عنده لم يكن عليه شيءٌ. ••• [١٢٥٨] مسألة: قال: وإذا كانت الوديعة لا يقدِرُ على صاحبها، أنّه إذا أيس منه تصدَّق بها عنه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّها مالٌ لا يُعرَف له مستَحقٌّ، فحكمه أن يفرق في الفقراء أو في مصالح المسلمين، كما يُفعل ذلك في الأموال التي لا أرباب لها، كالخمس والصدقات وأشباه ذلك (٢). ••• [١٢٥٩] مسألة: قال: ومن تجر بوديعةٍ، فالربح له، والضمان عليه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه متعدٍّ بالتجارة بها، فعليه الضمان إن تلفت، والربح له بالضمان. وليس كذلك المضارب والمبضَعِ معه إذا تجرا بالمال لأنفسهما؛ لأنَّ ربَّ المال دخل في هذا على طلب الفضل والتجارة، فليس لهما أن يجعلا ذلك لهما

стр. 1146

دون ربِّ المال، ولم يدخل المودِعُ على طلب الفضل، وإنما أراد حفظها له، وله أصل المال دون الربح (١). ••• [١٢٦٠] مسألة: قال: ولا يتسلف الرّجل من الوديعة تكون عنده إلّا بإذن صاحبها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوديعة هي مالٌ عند المودَعِ، وليس يجوز له أن يتصرَّف فيه بغير إذن ربه؛ وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٣)، فليس ينبغي لأحدٍ أن ينتفع بملك أحدٍ بغير إذنه إذا كان ذلك يضرُّ به. فإن كان لا يضرُّ به جاز ذلك له؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٤)، فليس ينبغي لأحدٍ أن يمنع غيره أن ينتفع بشيءٍ من ماله إذا كان لا يضرُّ به (٥). ••• [١٢٦١] مسألة: قال: ومن أقر بوديعةٍ عند رجالٍ من غير أن يُشْهِدَ عليها صاحِبُهَا، ثمّ هلك، فقام صاحب الوديعة بطلب ذلك:

стр. 1147

(فإن كان ذلك قريباً، فلعلَّ شهادتهم يؤخذ بها. (وإن كان ذلك بعد حينٍ أو بعد زمانٍ قد طال، فلا شيء له (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما قرب من المدَّة إذا أقر بها، فهو في الظاهر أَنَّهَا في يده، وأنه إنّما أراد التوثق لصاحبها بالإشهاد عليه. فأمّا إذا طال ذلك، أعني: طال ما بين مدَّته وإشهاده على نفسه، لم يؤخذ بشهادتهم؛ لجواز ردِّ المودَعِ ذلك عليه، أو تلفها عنده فيما تقدَّم من طول المدَّة. ••• [١٢٦٢] مسألة: قال: ومن استُودِعَ وديعةً، فاستودَعَهَا على غير عذرٍ، فعليه الضمان (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودِعَ إنّما وثق بالمودَعِ دون غيره، فليس له أن يدفعها إلى غيره من غير ضرورةٍ تنزل به؛ لأنّه إذا فعل ذلك ضمنها؛ لأنّه متعدٍّ مخالفٌ لِمَا قد أمر به من غير ضرورةٍ. •••

стр. 1148

[١٢٦٣] مسألة: قال: ومن دُفِعَت إليه وديعةٌ ببيِّنةٍ، فلا يخرجه منها إلّا بالبيِّنة (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذ شُهِدَ على المودَعِ عند قبضه للوديعة، فكأنه لم يوثق به؛ إذ قد توثق منه عند الدفع إليه، فيجب أن يتوثق هو أيضاً عند ردِّها، ومتى لم يفعل ذلك، فقد فرَّط ولا يقبل قوله في ردِّها إلّا ببيِّنةٍ. ••• [١٢٦٤] مسألة: قال: ومن تسلَّف من وديعةٍ شيئاً، فلا ضمان عليه فيما بقي، ويضمن ما أخذ حتى يردَّه. وترك السلف من الودائع أفضل (٢)، فإن كان له مالٌ فيه وفاءٌ وأشهد على ذلك، فأرجو أن لا يكون به بأس (٣). • إنّما قال ذلك: «إنه لا ضمان عليه فيما بقي من الوديعة إذا تلفت»؛ فلأنه غير متعدٍّ فيما بقَّاه، وليس هو متعدِّياً بالسلف منها؛ لأنَّ تسلفها أحرز لها؛ لأنّها تتعلَّق بذمَّته، وتركها كذلك يُخْشَى عليها التلف.

стр. 1149

فإذا كان المودَعُ موسراً مأموناً، كان تسلفها أنفع لربِّها، فلم يكن متعدِّياً بالسلف منها ولا بترك ما بقي. فليس يلزمه ضمان ما بقي، وإنما يلزمه ردُّ ما تسلَّف، وقد رُوِيَ عن عائشة (١)، وابن عمر (٢)، أنهما كانا يتسلَّفان أموال أيتامٍ في حجرهما (٣). ••• [١٢٦٥] مسألة: قال: ومن استودَعَ رجلاً صبرةً فيها حنطةٌ فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها، فقال: «قد أنفقتها»، قال: «فإني جعلت فيها دنانير»، فيحلف المستودَعُ: «ما أخذت منها شيئاً ولا علمت لك فيها شيئاً»، ويبرأ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المودِعَ مدَّعٍ على المودَعِ دنانير، وهو منكِرٌ لذلك، فعليه البيّنة على ما يدعيه، وَإِلّا حلف المودَعُ؛ لأنّه منكِرٌ. ••• [١٢٦٦] مسألة: قال: ومن دُفِعَ إليه مالٌ بغير بيِّنةٍ ليدفعه إلى رجلٍ، فلا يدفعه إلّا ببيِّنةٍ، فإن فعل ضمن، ولكن له أن يودّيها إلى من ائتمنه بغير بيِّنة إذا كان دفعها إليه بغير بيِّنةٍ (٥).

стр. 1150

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المدفوع إليه المال يجب عليه أن يتوثق للدافع إليه ذلك بأن يُشْهِدَ على الذي أمره بالدفع إليه؛ ليسقط المال الذي كان على الدافع؛ ولتزول المطالبة عنه، فمتى لم يفعل ذلك المأمور بالدفع، فقد فرط وضيع، ولزمه المال إذا جحد ذلك المدفوع إليه، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، أمَرَ الحكام والأوصياء بذلك والمال ليس في ذمَّتهم، إنّما هو في أيديهم أمانةٌ، فكذلك المدفوع إليه المال هو في يده أمانةٌ، وعليه أن يدفع ذلك ببيِّنةٍ إلى من لم يأمنه عليه. فأمّا إذا ردَّه إلى ربه الذي دفعه إليه، قُبِلَ قوله وإن لم تكن له بيِّنةٌ؛ لأنّه قد ائتمنه على ذلك، وهذا إذا لم يدفعه إليه ربه ببيِّنةٍ على ما ذكرناه. ••• [١٢٦٧] مسألة: قال: ومن استُودِعَ مالاً، فزعم أنّه قد ضاع، فالقول قوله ولا شيء عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه مؤتمنٌ على الوديعة، والقول قول المؤتمن مع يمينه في التلف؛ لأنّه لا يقدر على التحرز من ذلك؛ ولا صنع له في تلفها؛ ولأنَّ

стр. 1151

قبضه الشّيء لمنفعة ربه لا لمنفعته، فلا فائدة له في الوديعة، فكان تلفها من ربها، والقول قول المودَعِ في ذلك (١). ••• [١٢٦٨] مسألة: قال: ومن هلك وعنده وديعةٌ وقراضٌ ومال بضاعةٍ دُفِعَ إليه، ولم يوصِ به ولم يذكر في حياته أنَّ ذلك قد هلك قبله، فإنّه يجب في ماله كهيئة الدَّين، يكون أسوة الغرماء (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ ذلك حقٌّ في يده، وديعةً كانت، أو قراضاً، أو بضاعةً، وعليه ردُّ ذلك إلى أربابه، كما عليه أداء الدَّين. فإذا مات قَبْلَ ذلك كانوا أسوة الغرماء إذا لم تُعْرَف أموالهم بأعيانها. فإذا عُرِفت كانوا أولى بها من أرباب الدَّين؛ لأنَّ حقوق هؤلاء في الأعيان لا الذمَّة، فصاروا أولى بأعيان حقوقهم. ألا ترى: أَنَّهَا لو تلفت وعُلِم ذلك، لم يؤخذ من ماله شيءٌ. فإذا لم تعرف أعيانها كانوا أسوة الغرماء؛ لاختلاط ذلك كله بماله؛ وأنها حقوقٌ في يده تؤخذ من ماله إذا لم تُعرَف أعيانها. •••

стр. 1152

[١٢٦٩] مسألة: قال: ومن أمر رجلاً يتقاضى له مالاً، ففعل وخلطه بماله، فهو أسوة الغرماء (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مال الذي أمره بقبضه قد صار في ماله واختلط به، فربه أسوة الغرماء على ما ذكرناه. ••• [١٢٧٠] مسألة: قال: والمرأة في صداقها أسوة الغرماء (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصداق دَينٌ من الديون، ويجب عن بدلٍ ومعاوضةٍ، كما وجب سائر الديون، فكانت المرأة أسوة الغرماء. •••

стр. 1153

باب اللقطة [١٢٧١] قال: وإذا وجد العبد اللقطة فاستهلكها قبل السنة، فهي في رقبته، وإن استهلكها بعد السنة، فهي في ذمَّته (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ تصرُّفه في اللقطة قبل السنة جنايةٌ منه؛ لأنّه لم يؤذن له في التّصرف فيها قبل السنة، وإنما أُذِنَ له في ذلك بعد السنة إن شاء الملتقط، وإذا كان كذلك، فقد جنى وتعدَّى، وجناية العبد على مال غيره في رقبته، يفتكه بها السيد إن شاء، أو يسلمه. فأمّا إذا استهلكها بعد السنة فهي في ذمَّته؛ لأنّه قد أُذِنَ للملتقط في التّصرف فيها بعد السنة إن شاء وغرامتها لصاحبها إذا جاء، فليس هو متعدِّياً بالتصرف فيها؛ للإذنِ الذي أُذِن له في التصرُّف، فكانت دَيناً عليه، ودَين العبد عند مالكٍ في ذمَّته لا في رقبته. فلهذا فرَّق بين استهلاك العبد اللقطة قبل السنة وبعدها (٢). •••

стр. 1154

[١٢٧٢] قال: ومن وجد نعلين أو سوطاً فلم يجد صاحبه فتصدَّق به عنه، فإن جاء غرِمه. (ولا بأس أن ينتفع بذلك إذا كان محتاجاً. (وإن كان غنياً، تصدَّق بقيمته وانتفع به. ويستلف من ذلك ما كان يؤكل، فيأكله إن كان محتاجاً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا عَرَّف ما التقطه من هذه الأشياء فلم يأت صاحبها، كان له أن يتصدَّق بها إن شاء؛ لأنَّ حفظه لها وتعاهده يشق عليه، ثمّ يخيره إذا جاء بين الأجر أو الغرم، وقد رُوِّينَا في ذلك أثراً في تخييره عن عمر ﵁ (٢). فإن كان محتاجاً انتفع به ولم يكن عليه بذل ذلك للفقراء. وإن كان غنياً تصدَّق بقيمته إن احتاج إلى الانتفاع به؛ لأنّه لا يجوز - يعني: أن ينتفع بأموال المحتاجين -، كما لا يجوز له أن ينتفع بالزكاة وكفارة اليمين. •••

стр. 1155

[١٢٧٣] مسألة: قال: وإذا وجد الرّجل بطريق مكة الإداوة (١) وما أشبهها، فتَرْكُ ذلك أحبُّ إلينا، إلّا أحدٌ يضطر إليه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا استغنى عن أخذها تَرَكها حتى يأخذها من هو أحوج إليها منه، ثمّ يكون على آخذها قيمتها إن كان غنياً. ••• [١٢٧٤] مسألة: قال: ومن وجد ثوباً فذهب به إلى أصحابه فلم يعرفوه، فلا بأس أن يردَّه إلى موضعه (٣). • إنّما قال ذلك، إذا كان اعتقاده في أخذه أنّه يردَّه إن لم يكن لمن ظنَّ أنّه له؛ لأنّه لم يأخذه على أن يحفظه حتى يجد صاحبه. فأمّا إذا أخذه على ذلك ثمّ ردَّه فعليه قيمته؛ لأنّه قد ضيعه بردِّه بعد أن قد لزمه الحفظ، وقد فُسِّر معنى ما ذكرته عن مالكٍ (٤). •••

стр. 1156

[١٢٧٥] مسألة: قال: ولا يأكل التمرات ولا الكِسَرَ (١) إلّا المحتاج (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغني يستغني عن أكلها بماله، فيجب أن يدعها للفقراء. ولا بأس على المحتاج في أكلها، كما يجوز له أكل الكفّارة والزكاة. ••• [١٢٧٦] مسألة: قال: ومن عرَّف لقطةً سنةً، فليتصدَّق بها أفضل، ثمّ يُخَيِّرُ صاحبها إذا قدِم، وإن أحبَّ أن يمسكها أمسكها (٣). • إنّما قال: «إنه يتصدَّق بها أفضل»؛ لأنَّ الصدقة ينتفع بها الفقراء ويزول عنه تعاهدها، وتركها في يده قد تتلف، فلا ينتفع بها صاحبها ولا الفقراء. ثم يُخَيِّر صاحبها إذا قدِم بين أن يكون له الثواب أو يغرمها له على ما قلنا (٤). •••

стр. 1157

[١٢٧٧] مسألة: قال: ومن افتقد ديناراً من كمه، فتبعه به رجلٌ، فإن (١) استيقن أنّه له، فليأخذه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا استيقن أنّه ماله جاز له أخذه، وإذا شك فيه، تركه، لقول النبيِّ ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٣)، وقال صلى الله عليه: «مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (٤)، وقال: «مِنَ الوَرَعِ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ» (٥). ••• [١٢٧٨] مسألة: قال: ومن الْتقط دنانير فابتاع بها غنماً فنمت، فليتصدَّق بالدنانير والغنم (٦). • وفي بعض النسخ: «والغنم له»، يعني: للملتقط، وهو الصحيح؛ لأنّه بمنزلة المودَعِ، اشترى بالدنانير شيئاً، غنماً أو غيرها، فالغنم له، وعليه لصاحب الدنانير دنانير مثلها، وهذا مثله سواءٌ. ومن قال: يتصدَّق بالدنانير والغنم، فإنما قال ذلك؛ لأنَّ نماء الدنانير

стр. 1158

بمنزلتها، فليتصدَّق بها وبنمائها، غنماً كانت أو غيرها؛ لأنّه إنّما تجر بها لربِّها لا لنفسه، أعني: الملتقط. ومتى استقرضها وتجر فيها لنفسه، كان الربح له دون ربِّ المال، وذلك بمنزلة الوديعة. ••• [١٢٧٩] مسألة: قال: ومن وجد مثل المِخْلَاةِ (١) والدلو والحبل وأشباه ذلك: (فإن كان في طريقٍ: وضعه في أقرب الأماكن إلى ذلك المكان يُعْرَف. (وإن كان في مدينة: انتفع به، ويتصدَّق به أحب إلينا، وصاحبه على حقه إن جاء (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحبه إنّما يطلبه في الموضع الذي ضاع فيه وما قاربه من الأماكن (٣)، فيُحب أن يُتْرَكَ فيه إن كان في المدينة عرف.

стр. 1159

ويجوز أن ينتفع به إذا كان ذلك لا يضرُّ به، ويتصدَّق به إن شاء الملتقط، ويكون صاحبه مخيَّراً إن جاء على ما ذكرناه. ••• [١٢٨٠] مسألة: قال: ومن وجد لقطةً فكانت ذات بالٍ (١)، فليأخذها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا ترك أَخْذَهَا أَخَذَهَا من لعلَّه غير ثقةٍ عليها، وذلك يكره له؛ لأنّه يترك حفظها على صاحبها، وفي حفظها عليه فعل خيرٍ ومعونةٍ عليه، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] (٣). ••• [١٢٨١] مسألة: قال: ومن وجد شَنْفَاً (٤) في المسجد، فليعطه بعض نساء المسجد تُعَرِّفُه أفضل (٥).

стр. 1160

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشَّنْفَ مما يكون للنساء، فهن بتعريفه أعرف؛ لأنهنَّ يذكرنه للنساء، ولا يقدر الرجال على مثل ذلك. ••• [١٢٨٢] مسألة: قال: ومن وجد شيئاً فكان لا يقوى عليه، فوجد من يثق به يعطيه يُعَرِّفُهُ فليفعل، وإن كان شيءٌ له بالٌ، فليأخذه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حفظه اللقطة وتعريفها شيءٌ يجب على المسلمين جملةً، ليس يختص أحدهم بذلك دون الآخر، فعليهم التعاون على ذلك، فجاز للملتقط أن يدفعها إلى غيره ليعرفها إذا كان ثقةً مثله. وليس ذلك كالوديعة: لأنَّ الوديعة لا كلفة عليه في كونها عنده، ولا يحتاج إلى تعريفها، ويحتاج في اللقطة إلى ذكرها وتعريفها، فينقطع بذلك عن شغله. ولأنَّ اللقطة لم يختر صاحبها أمانته، فجاز له نقلها إلى غيره، والوديعة قد اختار صاحبها أمانة المودَعِ ويده، فليس يجوز له نقل ذلك إلى غيره إلّا من ضرورة سفرٍ أو غيره (٢). •••
следующие страницы →