← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

[١٢٧٥] مسألة: قال: ولا يأكل التمرات ولا الكِسَرَ (١) إلّا المحتاج (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغني يستغني عن أكلها بماله، فيجب أن يدعها للفقراء. ولا بأس على المحتاج في أكلها، كما يجوز له أكل الكفّارة والزكاة. ••• [١٢٧٦] مسألة: قال: ومن عرَّف لقطةً سنةً، فليتصدَّق بها أفضل، ثمّ يُخَيِّرُ صاحبها إذا قدِم، وإن أحبَّ أن يمسكها أمسكها (٣). • إنّما قال: «إنه يتصدَّق بها أفضل»؛ لأنَّ الصدقة ينتفع بها الفقراء ويزول عنه تعاهدها، وتركها في يده قد تتلف، فلا ينتفع بها صاحبها ولا الفقراء. ثم يُخَيِّر صاحبها إذا قدِم بين أن يكون له الثواب أو يغرمها له على ما قلنا (٤). •••

стр. 1157

[١٢٧٧] مسألة: قال: ومن افتقد ديناراً من كمه، فتبعه به رجلٌ، فإن (١) استيقن أنّه له، فليأخذه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا استيقن أنّه ماله جاز له أخذه، وإذا شك فيه، تركه، لقول النبيِّ ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٣)، وقال صلى الله عليه: «مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (٤)، وقال: «مِنَ الوَرَعِ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ» (٥). ••• [١٢٧٨] مسألة: قال: ومن الْتقط دنانير فابتاع بها غنماً فنمت، فليتصدَّق بالدنانير والغنم (٦). • وفي بعض النسخ: «والغنم له»، يعني: للملتقط، وهو الصحيح؛ لأنّه بمنزلة المودَعِ، اشترى بالدنانير شيئاً، غنماً أو غيرها، فالغنم له، وعليه لصاحب الدنانير دنانير مثلها، وهذا مثله سواءٌ. ومن قال: يتصدَّق بالدنانير والغنم، فإنما قال ذلك؛ لأنَّ نماء الدنانير

стр. 1158

بمنزلتها، فليتصدَّق بها وبنمائها، غنماً كانت أو غيرها؛ لأنّه إنّما تجر بها لربِّها لا لنفسه، أعني: الملتقط. ومتى استقرضها وتجر فيها لنفسه، كان الربح له دون ربِّ المال، وذلك بمنزلة الوديعة. ••• [١٢٧٩] مسألة: قال: ومن وجد مثل المِخْلَاةِ (١) والدلو والحبل وأشباه ذلك: (فإن كان في طريقٍ: وضعه في أقرب الأماكن إلى ذلك المكان يُعْرَف. (وإن كان في مدينة: انتفع به، ويتصدَّق به أحب إلينا، وصاحبه على حقه إن جاء (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحبه إنّما يطلبه في الموضع الذي ضاع فيه وما قاربه من الأماكن (٣)، فيُحب أن يُتْرَكَ فيه إن كان في المدينة عرف.

стр. 1159

ويجوز أن ينتفع به إذا كان ذلك لا يضرُّ به، ويتصدَّق به إن شاء الملتقط، ويكون صاحبه مخيَّراً إن جاء على ما ذكرناه. ••• [١٢٨٠] مسألة: قال: ومن وجد لقطةً فكانت ذات بالٍ (١)، فليأخذها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا ترك أَخْذَهَا أَخَذَهَا من لعلَّه غير ثقةٍ عليها، وذلك يكره له؛ لأنّه يترك حفظها على صاحبها، وفي حفظها عليه فعل خيرٍ ومعونةٍ عليه، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] (٣). ••• [١٢٨١] مسألة: قال: ومن وجد شَنْفَاً (٤) في المسجد، فليعطه بعض نساء المسجد تُعَرِّفُه أفضل (٥).

стр. 1160

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشَّنْفَ مما يكون للنساء، فهن بتعريفه أعرف؛ لأنهنَّ يذكرنه للنساء، ولا يقدر الرجال على مثل ذلك. ••• [١٢٨٢] مسألة: قال: ومن وجد شيئاً فكان لا يقوى عليه، فوجد من يثق به يعطيه يُعَرِّفُهُ فليفعل، وإن كان شيءٌ له بالٌ، فليأخذه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حفظه اللقطة وتعريفها شيءٌ يجب على المسلمين جملةً، ليس يختص أحدهم بذلك دون الآخر، فعليهم التعاون على ذلك، فجاز للملتقط أن يدفعها إلى غيره ليعرفها إذا كان ثقةً مثله. وليس ذلك كالوديعة: لأنَّ الوديعة لا كلفة عليه في كونها عنده، ولا يحتاج إلى تعريفها، ويحتاج في اللقطة إلى ذكرها وتعريفها، فينقطع بذلك عن شغله. ولأنَّ اللقطة لم يختر صاحبها أمانته، فجاز له نقلها إلى غيره، والوديعة قد اختار صاحبها أمانة المودَعِ ويده، فليس يجوز له نقل ذلك إلى غيره إلّا من ضرورة سفرٍ أو غيره (٢). •••

стр. 1161

[١٢٨٣] مسألة: قال: ولا يُنشِد اللقطة في المسجد، ولو مشى في الحِلَق غير رافعٍ صوته فلا بأس به (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلَاً يَنْشُدُ لُقَطَةً فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: لَا وَجَدْتَ» (٢)، فكأنه كَرِهَ رفع الصوت في المسجد؛ لأنَّ المساجد إنّما جعلت لذكر الله والصلاة لا لغيرها، ولهذه العلة كُرِه فيها البيع والشراء وعمل الصنائع. فأمّا إذا ذكرها من غير رفع صوتٍ فلا بأس، كما يجوز أن يتحدَّث في المسجد، وإنما كُرِه رفع الصوت؛ لأنَّ ذلك يؤذي الناس. ألا ترى: أنّه كُرِه الجهر بالقراءة؛ لأنَّ ذلك يؤذي الناس (٣). ••• [١٢٨٤] مسألة: قال: وإذا وجد في البحر خشبةً، فتَرْكُ أَخْذِهَا أفضل (٤). • إنّما قال ذلك: لجواز أن يأتي صاحبها ويأخذها. ولأنها ليست كسائر الأشياء التي يُخشى فسادها وتلفها بتركها. ولأنه لا يَتَوصَّل إلى صاحبها، فكان له ترك أخذها.

стр. 1162

والفرق بين ما يوجد في البر وبين ما يوجد في البحر: هو أنّه قد يغرق في موضعٍ فيُحَصَّلُ في غير ذلك الموضع، يجرُّه الماء، فلا يُدرى من أين ذهب، وليس كذلك البر؛ لأنّه يمكن أن يُضَم إلى أقرب القرى التي وُجِد فيها. ••• [١٢٨٥] مسألة: قال: ومن وجد شاةً أو بقرةً في صحراءٍ، فليأكلها ولا غُرم عليه (١) لصاحبها إن جاء يطلبها. فإن كانت في قريةٍ، فليضمها إليه أو إلى غنمه ولا يأكلها حتى تمر بها سنةٌ أو أكثر. وإن كان لها جزازٌ أو لبنٌ، فيبيعه ويرفع ثمنه، ولا بأس أن يصيب من نسلها ولبنها بقدر قيامه، وإن كان تيساً، فلا بأس أن ينزو في غنمه (٢). • إنّما قال: «إنه يأكل الشاة والبقرة إذا وجدها في الصحراء وحيث يخاف عليها وتضيعُ إن تركها»؛ فلأنه إن لم يأكلها هو تلفت أو أكلها الذئب، ولم ينتفع صاحبها بها، فكان أكل هذا الواجد لها أولى من تلفها أو أكل الذئب. ولم يُكَلَّف سوقها إلى المدن والقرى؛ لمشقة ذلك عليه، وقد قال النبيُّ ﷺ حين سُئل عن الشاة: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (٣)، معناه: أَنَّهَا لك إن أكلتها،

стр. 1163

أو لأخيك، أي: لآخر مثلك إن لم تأخذها، أو للذئب يأكلها إن لم تأكلها أنت أو أخوك، ومعنى ذلك: أَنَّهَا تتلف إن لم تأخذها أنت أو أخوك، فجاز لواجدها أكلها لهذه العلة. ولا غرم عليه لصاحبها؛ لأنّه لم يُتْلِف عليه شيئاً له قيمةٌ في حال ما أتلفه. فإن قيل له (١): كيف يجوز للإنسان أن يأكل مال غيره عن غير طيب نفسٍ منه ولا يكون عليه بدله إذا أكله، وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إَلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٢) (٣)؟ قيل له: معنى هذا الخبر: إذا كان مال المسلم مما يقدر أن ينتَفِعَ به ويصل إليه أو له قيمةٌ، فأمّا إذا كان لا يصل إليه ولا ينتفع به أو لا قيمة له، فليس يُمْنَع أن ينتفع غيره به، إذ لا ضرر على ربه في ذلك، وينتفع غيره به، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٤)، وقد وجد النبيُّ صلى الله عليه تمرةً، فقال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» (٥)، فلم يمتنع النبيُّ صلى الله عليه من أكلها من أجل أَنَّهَا مال غيره؛ لأنَّ ذلك (٦) لا يؤَثِّر عليه، وإنما امتنع من أجل حق الله ، وهو تحريمه الصدقة عليه.

стр. 1164

فإن قيل: كيف يجوز للإنسان أكل شيءٍ لا يملكه، ثمّ لا يكون عليه قيمة ذلك؟ (١) قيل له: كما يجوز للإنسان أكل الطعام في أرض العدو، وليس عليه ردُّ قيمته في المغانم، ولو أراد حمله لغير الأكل، لم يجز. فإن قيل: أليس هذه الشاة لو ساقها إلى قريةٍ، ثمّ وجدها صاحبُها، كانت لصاحبها دون آخذها، فَلِمَ لا تكون عليه قيمتها إذا أكلها؟ (٢). قيل له: كما يحمِلُ الطعام من أرض العدو ولا يأكله، فلا يجوز له تملكه، بل يتصدَّق به أو يردُّه إلى المغنم، ولو كان أَكَلَهُ، لم يكن عليه غرم ذلك، فكذلك الشاة مثله. فأمّا إذا كانت في قرية أو بقرب قريةٍ، لم يأكلها وضمَّهَا إلى القرية؛ لأنّها في غير مضيعةٍ من الأرض، وغير موضعٍ يخاف عليها التلف، فلا يجوز له أكلها. ولأنَّ سوقها إلى القرية غير شاقٍّ عليه، وليس كذلك ما كان في الصحراء والبادية، فلا يأكلها في القرية حتى تمر بها سنةٌ، ثمّ يكون مخيراً على ما بيَّنَّاه. وحكم صوفها ولبنها مثلها؛ لأنَّ ذلك كله ملك غيره. ويجوز أن يأكل من نسلها بقدر قيامه عليها إذا كان محتاجاً، كما يجوز لإمام المسلمين وحاكمهم وقوَّامهم أن يأكلوا من أموالهم بقدر حاجتهم إلى

стр. 1165

ذلك، وكذلك قيِّمُ اليتيم إذا كان محتاجاً، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، أي: من مال اليتيم (١). ••• [١٢٨٦] مسألة: قال: ويأمر الإمام ببيع الضوال، فإذا جاء صاحبها دُفِع إليه ثمنها. فأمّا الإباق فإنهم يُحْبَسون، فإن جاء طالب وَإِلّا بِيعوا، فإن جاء صاحبه أخذ الثمن ولم يكن له إلى العبد سبيلٌ (٢). • إنّما قال: «إنَّ الإمام يبيع الضوال»؛ لأنَّ تركها يضر به وبصاحبها؛ لأنّها تحتاج إلى مؤونةٍ، ويُخَاف تلفها أيضاً، فيجوز له بيعها ودفع ثمنها إلى صاحبها إن جاء. وكذلك يجوز بيع الآبق إذا طال حبسه؛ خيفة أن يتلف وأن يهرب، فيجوز بيع الإمام له، فإذا جاء صاحبه كان له الثمن. وليس له أن يأخذ العبد؛ لأنَّ بيع الإمام على الإنسان كبيعه لنفسه، لا فرق في ذلك؛ لأنَّ حكم الحاكم ينفَّذ على المحكوم عليه وإن كره ذلك، فكذلك بيعه عليه. •••

стр. 1166

[١٢٨٧] مسألة: قال: ولا يبيع ضالةً إلّا الإمام (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإمام هو القيِّمُ بأموال المسلمين - الغُيَّب منهم - والولي عليهم، فيجب أن يبيع الضالة هو لغيبة صاحبها، أو من يأمره الإمام بذلك؛ لأنَّ بيعه لها بمنزلة حكمٍ يحكم به. ••• [١٢٨٨] مسألة: قال: ومن وجد إبلاً فعرَّفَها فلم تُعترف، فليسَرِّحها حيث وجدها. وليس عليه إشهاده على إرسالها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز له أخذ الإبل؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لمن سأله: «مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، دَعْهَا تَأْكُلُ الشَّجَرَ وتَرِدُ المَاءَ» (٣). ولأنه لا يُخافُ عليها كالخوف على الشاة والبقرة، فعلى من أخذها تركها حيث وجدها (٤). •••

стр. 1167

[١٢٨٩] مسألة: قال: ومن وجد شاةً إلى جنب قريةٍ فأكلها، غرمها (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا مؤنة عليه في سَوقِها إلى القرية. ولأنها في موضع لا يُخاف عليها التلف من أكل ذئبٍ أو غيره. ••• [١٢٩٠] قال: وتفسير عمر بن الخطاب: «من آوى ضالةً فهو ضالٌّ» (٢)، يقول: «مخطئٌ»، وإنما يعني بذلك: الإبل (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإبل منهيٌّ عن أخذها، وآخِذُهَا ضالٌّ: أي: مخطئٌ؛ لأنّه فعل ما لا يجوز له فعله؛ لنهي رسول الله ﷺ عن أخذها. ••• [١٢٩١] مسألة: قال: ومن وجد ضالةً فطال زمانها، فليتصدق بها، فإن جاء صاحبها لم يغرمها؛ لأنَّ المواشي في ذلك ليست كغيرها (٤). • إنّما قال: «إنه لا يغرم لصاحبها قيمتها»؛ لأنَّ المواشي لو أكلها في موضعٍ يُخاف عليها التلف لَمَا كان عليه غرم قيمتها لصاحبها، وليس كذلك سائر

стр. 1168

الأموال؛ لأنّها تبقى ولا يخاف عليها تلفها، إلّا أن تكون من الأشياء التي تتفسد من المأكول، فيكون حكمها حكم المواشي (١). وإذا كان كذلك، لم يكن عليه غرم قيمتها لصاحبها إذا تصدق بها؛ لأنَّ شبهة ملتقط المواشي فيها وأمره أوكد من سائر الأشياء غيرها، فعليه غرم قيمة ما تصدق بها، وليس عليه غرم قيمة المواشي؛ لأنّه لو أكلها في موضعٍ ما بدل ما تصدق بها، لم يكن عليه غرم قيمتها. ••• [١٢٩٢] مسألة: قال: ومن صاد ظبياً أو صقراً فانفلت منه، ثمّ وجده يباع: (فإن كان قد طال وصار مع الصيد، فليس له فيه شيءٌ إذا صار إلى حالته الأولى. (وإن كان بعد ذهابه بيومٍ أو يومين، فهو أولى به (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصيد لمّا كان أصله مباحاً أخْذُهُ بغير عوضٍ ولا دفعٍ من آدمي عنه، كان ملكه لمن هو في يديه ما دامت يده عليه، فإذا خرج عن يده ورجع إلى أصله من الامتناع، ثمّ صاده الآخر كان للثاني؛ لأنّه قد مَلَكَه بالمعنى الذي ملكه به الأول وزوال معنى الأول عنه. وأشبه ذلك الماء يسقيه الإنسان في قربته من بركةٍ أو بئرٍ معينةٍ غير جاريةٍ، ثمّ يَنْصَبُّ في البئر أو البركة بعد أخذه له، فقد زال ملكه عنه وعاد إلى ما كان عليه

стр. 1169

من أصل الإباحة، فهو وغيره من النّاس سواءٌ في ماء البركة أو البئر؛ لأنَّ أصل ذلك كله مباحٌ، ثمّ عاد ما كان في يده إلى أصله. فكذلك الصيد إذا عاد إلى أصله واستوحش، فهو وغيره سواءٌ. فإن قيل: إنَّ الصيد يعرف بعينه، وليس كذلك الماء، فافترقا لهذه العلة؟ (١) قيل: لو وجب لهذه العلة أن يزول ملك صاحب الماء عنه إذا انصب في البركة أو البئر بعدما ملكه، لوجب إذا انصب له زيتٌ في بركة زيتٍ لغيره أو بئر زيتٍ لغيره، أن يزول ملك صاحب الزيت عنه؛ لأنّه لا يعرف بعينه، فلمَّا كان هذا غلطاً بإجماعٍ وأنهما شريكان في الزيت على مقدار ما لكل واحدٍ منهما ولم يكونا كذلك في الماء، فكذلك يجب أن يكون الصيد مثله؛ للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنَّ أصله مباحٌ لا يمنع منه آدميٌّ. فإن قيل: لو كان كما قلت، لكان العبد إذا لحق بدار الحرب، ثمّ أخذه غير سيده، وجب أن يكون لمن أخذه؛ لأنّه قد رجع إلى أصله، فلمَّا لم يكن كذلك، فكذلك الصيد ليس هو لمن أخذه؟ (٢). قيل: لا يلزم ما قلت؛ من قِبَل أنَّ أصل العبيد ليس هو مباحاً كالصيد، إذ لهم من يمنع عنهم، وهم يمتنعون بأنفسهم، وليس كذلك الصيد، إذ لا يمنع منه آدمي.

стр. 1170

ولأنَّ أصل العبد هو ببذلٍ يتركه الغانم، فأشبه ذلك المشتري له إذا استحق من يده أنّه يرجع إلى بائعه، وليس كذلك أخذ الصيد؛ لأنّه لا يأخذه بعوضٍ يتركه. وكذلك أخذ الذهب من المعادن هو بمنزلة أخذ العبد من بلد الحرب؛ لأنَّ أصل المعدن ليس مباحاً كالصيد؛ لأنّها محوزةٌ للناس يمنعون عنها، وليس كذلك الصيد؛ لأنّه ليس محوزاً لهم يمنعون عنه. ••• [١٢٩٣] مسألة: قال مالكٌ في الملتقط: إذا جاء من يعرف العِفَاصَ (١)، والوِكَاءَ (٢)، أنّه يدفع ذلك إليه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك، والثوري، وحماد بن سلمة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث (٤)، عن زيد بن خالد الجهني: «أَنَّ رَجُلَاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، وَعَرِّفْهَا عَامَاً،

стр. 1171

فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» (١)، وهذا لفظ حديث حماد بن سلمة، عن زمعة (٢). ورَوَى حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبيِّ ﷺ مثله (٣). ورَوَى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل (٤)، عن سويد بن غفلة (٥) قال: «أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: إني وَجَدْتُ صُرَّةً فِي مُنَاخِ (٦) قَوْمٍ فِيهَا مِئَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلَاً، فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: اعْلَمْ وِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا وَعِدَّتَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِدَّتِهَا وَوِعَائِهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلّا فَاسْتَنْفِعْ بِهَا» (٧)،

стр. 1172

فلمَّا أمره النبيُّ ﷺ بدفعها إلى طالبها إذا عَرَفَ عفاصها ووكاءها، وجب على الملتقط دفعها إليه وإن لم تكن للطالب بينةٌ على ذلك. فإن قيل: إنَّ الطالب قد يجوز أن يكون غير الذي يَعْرِفُها، فليس يجوز للملتقط أن يدفعها إليه بغير بيِّنةٍ (١). قيل له: قد جعل النبيُّ ﷺ بينة الطالب ما يذكره من العفاص والوكاء، وأَمَرَ الملتقط أن يدفعها إليه إذا ذكر ذلك، والبيِّنات فتختلف على حسب الأحوال المشهود عليها. ألا ترى: أَنَّهَا تجوز في مواضع الضرورة ما لا يجوز في غير الضرورة، من ذلك: شهادة النساء منفرداتٍ، تجوز فيما لا يطلع الرجال عليه؛ للضرورة إلى ذلك؛ لأنّه لا يحضره الرجال. فكذلك جعل العفاص والوكاء بيِّنَةً في دفع المال إلى الطالب؛ لأنَّ إقامة البيّنة على سقوط ماله يتعذر ويشق، ولو جُعِلَ ذلك، لأدى ذلك إلى ترك انتفاعه بماله؛ لأنّه لا يقدر أن يحرّكه ويغيّر شده، ولو فعل ذلك، لاحتاج أن يشهد عليه ثانيةً، وهو قولٌ بَيِّنُ الفساد؛ لأنّه يؤدِّي إلى ترك انتفاع النّاس بأموالهم؛ ولأنَّ الذي في يده اللقطة لمّا كان لا يدَّعيها لنفسه وليس مدَّعى عليه لعينه. ألا ترى: أنّه لا يحلف إذا لم تكن للمعتَرِفِ المطالِبِ بيِّنةٌ، فكذلك لا يكلف الطالب البيِّنة؛ لأنَّ البيِّنة تلزم المدَّعي حيث تلزم المدَّعى عليه اليمين. فإن قيل: لو كانت العلَّة ما ذكرت: «تعذّر الإشهاد في حال سقوط المال،

стр. 1173

وأنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى ترك انتفاع النّاس بأموالهم»، لكان ذلك فيمن ادَّعى سرقةً في يد زيدٍ، أنَّ قوله يقبل إذا صفة (١) ذلك من وعاءٍ ووكاءٍ وعددٍ؛ لتعذر الإشهاد على السارق في حال ما سرق، فلمَّا لم تقبل العلامة في ذلك دون الشّهادة، فكذلك اللقطة (٢). قيل: لا يلزم ما ذكرت؛ من قِبَلِ أنَّ المدَّعى عليه السَّرِقَ ينكر ذلك، ومن يدَّعي الشّيء لنفسه فهو خصمٌ قائمٌ بعينه، فلا يعطى مدَّعي ذلك عليه إلّا ببيِّنةٍ. ألا ترى: أنَّ المدَّعى عليه السرقة يُستَحلف إذا أنكر ذلك، وليس كذلك اللقطة؛ لأنَّ الملتقط لا يدَّعيها لنفسه، ولا لإنسانٍ قائمٍ بعينه غيره، ويجوز أن تكون لطالبها، فلا يلزم ما ذكرت على اعتلالنا. ولو لم يدَّع الذي السرِقَ في يده لنفسه، جاز أن يعطى طالب ذلك بالعلامة، وقد قال مالكٌ: «في قطاع الطريق إذا أُخِذوا ووُجِد في أيديهم مالٌ، فادَّعى قومٌ أنَّ مِنْ دفعِ (٣) علامة ذلك من عددٍ وعِفَاصٍ، بأنَّه يدفع إليه بغير بيِّنةٍ، كاللقطة سواء» (٤). وعلَّة ذلك ما ذكرناه، أنَّ الذي في يده الشّيء ليس يدَّعيه لنفسه ولا لخصمٍ قائمٍ بعينه، فجاز أن يَدْفَعَ ذلك إلى الطالب بما يذكره من العلامة؛ لجواز أن يكون له.

стр. 1174

فإن قيل: أرأيت إن اجتمع جماعةٌ على ذكر علامةِ اللقطةِ واستووا في ذلك؟ (١). قيل له: يَدفَع ذلك إليهم كلهم بعد أيمانهم، كما يَفعَل ذلك إذا أقاموا بيِّنةً أنّه يدفع إليهم بعد أيمانهم. فإن قيل: أرأيت لو دَفَع إلى واحدٍ بعلامةٍ، ثمّ جاء آخر يذكر مثل تلك العلامة؟ (٢). قيل له: هذا كما يحكم لزيدٍ بها بالبينة، ثمّ يأتي عمرو ببيِّنةٍ أَنَّهَا له، فكلما حكم مخالفنا به من البيِّنة حكمنا بمثله في العلامة. وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (٣): إنه يفتيه بدفعها إليه، ولا يحكم عليه. فكيف يجوز للإنسان أن يفتي بما لا يحكم به؛ لأنَّ سبيل العالم أن لا يفتي إلّا بالحق عنده، كما لا يجوز له أن يحكم إلّا بالحق عنده (٤). •••

стр. 1175

باب الإباق [١٢٩٤] قال: ومن وجد آبِقَاً، فليس له عليه إلّا ما أنفق وحَمْلُهُ. (فإن خاف عِظَمَ النفقة فأرسله، فهو ضامنٌ له. (وإن أَبِقَ منه، فلا ضمان عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه في أخذه له فَعَلَ ما يجوز له أن يفعل، وكذلك نفقته عليه وحمْلُهُ، فعلى صاحب العبد أن يعطيه ذلك؛ لأنّه لا يجوز له تضييع ماله وإتلافه، فإذا حفَظِهُ عليه غيره فعليه بدل ما حفظ عليه به. وهذا إذا كان الذي أخذه ليس ممن يطلب الجعل في أَخْذِه، فإن كان ممن يطلب الجُعْلَ على أخذه كان له ذلك؛ لِمَا قلناه: إنَّ كلّ من فعل شيئاً حفظ به مال غيره، مما لو كان صاحب المال حاضراً كان عليه فعله، فعلى صاحب المال دفع ذلك إليه؛ لأنّه لو امتنع من حفظ ماله وأراد تضييعه لمُنِع من ذلك وحُجِر عليه، وكان بهذا الفعل سفيهاً، وقد قال الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (٢).

стр. 1176

ألا ترى: أنَّ رجلاً لو أَقَادَ مِنْ قاتل وليه دون الإمام، لَمَا كان عليه قَوَدٌ ولا حَدٌّ؛ لأنّه فعل ما على الإمام فعله إذا طالبه بذلك، فكذلك الذي يأخذ العبد الآبق له أجرته إن كان ممن يطلب مثله الأجرة، وَإِلّا نفقته وحمله. فإن أرسله خوف النفقة ضمن قيمته؛ لأنّه قد تعدى بإرساله بعد أن أَخَذَه؛ لأنَّ حفظه على صاحبه قد لزمه، كما لو أخذ لقطةً ليحفظها، ثمّ ردَّها إلى موضعها، لزمته قيمتها لصاحبها؛ لأنّه قد ضيَّع على صاحبها ما قد لزمه من حفظها له. فإن أَبِقَ منه فلا شيء عليه إذا لم يفرط في حفظه؛ لأنّه غير متعدٍّ ولا مضيعٍ، فهو بمنزلة ما لو مات في يده. ••• [١٢٩٥] مسألة: قال: ومن جعل في آبِقٍ ديناراً لمن جاء به، ثمّ بدا له فرجع عن ذلك، فليس ذلك له (١). • إنّما قال ذلك، إذا كان قد خرج المجعول له في طلب العبد وسافر لذلك، فليس له أن يرجع عنه ويُبْطِل عمل المجعول له.

стр. 1177

وإن كان قبل أن يخرج في طلبه، كان ذلك له؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس بعقدٍ لازمٍ كالإجارة، وإنما يجري مجرى الوكالة والمضاربة. ••• [١٢٩٦] مسألة: قال: ويُحْبَس الآبق، فإن لم يأت له طالبٌ بيع إذا خيف أن يموت ضياعاً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في بيعه صلاحاً للسيد؛ إذ في ذلك حفظ ماله إذا خيف تلفه، وصلاحاً للعبد أيضاً؛ ليزول عنه الضرر الذي يلحقه من عدم النفقة وغير ذلك. ••• [١٢٩٧] قال: وقد قيل: إنَّ الإمام يُخَلِّي سَبِيلَهُ ولا يتركه يموت (٢). • يعني: يتركه حتى يرجع إلى سيده؛ لأنَّ رجوعه إلى سيده أو أخذ سيده له إن لم يرجع إليه أصلح لسيده من تركه حتى يموت جوعاً وضراً. ووجه القول الأول أوضح، أن لا يتركه حتى يأتي سيده، أو يبيعه ويحفظ ثمنه على سيده. •••

стр. 1178

[١٢٩٨] مسألة: قال: ومن جعل في آبِقٍ جُعْلَاً إن وجده، فإن لم يجده فله طعامه وكسوته، فلا يجوز ذلك (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الجعل هاهنا يصير مجهولاً وغرراً؛ لأنَّ المجعول له لا يدري أيُّ الجعلين يحصل له، الذي جُعِل له لمجيء العبد، أو الطعام أو الكسوة إن لم يجده، وذلك غير جائزٍ. ولأنَّ أخذه الطعام ولا الكسوة (٢) إن لم يأت به غير جائزٍ؛ لأنَّ ذلك إنّما يستحق بمجيء العبد، كما يستحق الجعل بمجيئه، أعني: غير الطعام والكسوة. ••• [١٢٩٩] مسألة: قال: ومن جاء بآبقٍ وكان ممن يخرج بطلب الإباق، فله الجعل في ذلك على وجه الاجتهاد، وإن لم يكن يطلب الإباق، فله نفقته (٣). • قد ذكرنا وجه قولهِ: «إنَّ الجُعل (٤) إذا كان ممن يُعرف بطلب الإباق»؛ من قِبَل أنَّه فعل ما على سيِّد العبد فعله، وما يجب على الإمام فعله إذا لم يحضر

стр. 1179

صاحبه، أعني: حفظ أموال النّاس عليهم بأجرةٍ وغير أجرةٍ؛ لأنهم لا يجوز لهم تضييعها، ومتى فعلوا ذلك، خرجوا إلى حدِّ السفه ووجب الحجر عليهم. وإن لم يكن يُعرف بطلب الإباق، كانت له نفقته دون الأجرة على ما ذكرناه. ••• [١٣٠٠] مسألة: قال: ووجه ما يحبس فيه الآبق سنة (١). • إنّما قال ذلك، قياساً على حفظ اللقطة على صاحبها؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه جعل حدَّ حفظها على صاحبها سنةً، ثمّ قال بعد السنة: «شَأْنُكَ بِهَا» (٢)، أي: في جواز التصرف، من بيعها عليه، أو نفقتها وغرم ذلك له إذا جاء، أو التصدُّق بها وتخييره إذا جاء من الأجر والغرم، فكذلك الآبق يحبسه سنةً يحفظه على صاحبه، ثمّ يجوز له بيعه وحفظ ثمنه على صاحبه. ••• [١٣٠١] قال: ومن وجد آبقاً فكان لمن يعرفه، فليأخذه. وإن كان لمن لا يعرفه، فلا يأخذه ولا يقربه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان لمن يعرفه، حَفِظَه على صاحبه وأداه إليه

стр. 1180

من غير ضررٍ يلحق سيِّده في ذلك ولا العبد أيضاً، فوجب أخذه وحفظه على صاحبه. فإذا كان لمن لا يعرفه كُرِه له أخذه؛ لأنّه لا يعرف مَنْ صاحبه فيحفظه عليه. ولأنَّ العبد يلحقه ضررٌ بحبسه، وكذلك سيِّده يلحقه ضررٌ بتأخُّر عبده عنه، وقد يجوز أن يأخذه من يعرف سيِّده. وليس كذلك اللقطة؛ لأنّها لا تزول من موضعٍ إلى موضعٍ، ويُخاف عليها الهلاك. وقد قال مالكٌ: «إنه لا بأس بأخذه الآبق»» (١)، وهذا هو القياس، سواءٌ كان لمن يعرفه أو لا يعرفه، كما يأخذ اللقطة، عَرَفَ صاحبها أو لم يعرفه؛ لأنَّ في أخذه حفظ مال غيره، وذلك من فعل الخير الذي قد أُمِر به الناس. ••• [١٣٠٢] مسألة: قال: ومن جعل جُعلاً (٢) في آبقٍ، ثمّ طلب نفقته مع الجعلِ، فليس له إلّا الجعل. (ولو خلَّى سبيله بعد أن أخذه لعذرٍ: خاف أنْ يضربه أو يقتله، فلا شيء عليه.

стр. 1181

(وإن كان إنّما أرسله لشدة النفقة، فهو ضامنٌ (١). • إنّما قال: «إنه لا نفقة له مع الجعل»؛ لأنَّ الجعل إنّما يأخذه لِمَا يلزمه من المؤنة والتعب بمجيء العبد، فليس له النفقة مع الجعل. وله النفقة دون الجعل إذا كان ليس ممن يطلب مثله الجعل على ما ذكرناه. فأمّا إذا أرسله بعذرٍ، مثل خوفه من قتل الآبق له، أو ضربه أو إضراره به، فلا شيء عليه؛ لأنّه غير متعدٍّ بإرساله. وإن كان أرسله لغير عذرٍ من خوفٍ على نفسه، مثل خوف النفقة عليه، فهو ضامنٌ؛ من قِبَلِ أنّه كان ينبغي له أن يرفعه إلى الإمام لينفق عليه، وليس يمكنه رفعه إليه مع خوفه على نفسه، فكان معذوراً بإرساله. ••• [١٣٠٣] مسألة: قال: ومن أتى به أصحاب الإباق وقد سرق، فقطعه السّلطان: (فإن كان جَعَلَ فيه جُعلاً، فهو لازمٌ له. (وإن كان لم يجعل فيه جُعلاً وكان له بالعبد حاجةٌ، أعطاهم جعلهم وأخذه.

стр. 1182

(وإن لم تكن له به حاجةٌ، فليس عليه (١). • إنّما قال: «إنَّ الجعل يلزمه إذا كان قد جَعَل له»؛ لأنّه قد ألزم نفسه ذلك، وليس له صنعٌ في سرقة العبد. فأمّا إذا لم يجعل جُعلاً، فالخيار إلى سيده، فإن شاء أعطاه جُعلَ مثله وكان له العبد، وإن شاء أسلمه له؛ لأنَّه يقول: «لم آمرك بالمجيء به، وإنما اخترتَ ذلك، فليس عليَّ جُعْلَك». وذلك بمنزلة العبد إذا جنى، أنَّ جنايته في رقبته، فإن شاء سيده أسلمه، وإن شاء افتكه بأرش الجناية. وكذلك جُعْلُ العبد في رقبته إذا لم يأمره السيِّد بالمجيء به، فإن شاء أخذه ودفع إليه الجعل، وإن شاء تركه. •••

стр. 1183

باب الغصب [١٣٠٤] قال: ومن استهلك شيئاً من الحيوان أو العروض (١)، فعليه قيمته يوم استهلكه، ومن استهلك طعاماً فعليه مثله، ومن استهلك ذهباً أو فضةً فكذلك (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فعلى الإنسان القصاص إذا اعتدى على الإنسان في بدنه بدل ما فعل، وعليه مثله في المال، أعني: غرامة ذلك، وبذلك حكم النبيُّ صلى الله عليه. فرَوَى مالكٌ، وعبيد الله، وجماعةٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصَاً لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ» (٣).

стр. 1184

ورَوَى حميدٌ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَصَحْفَةٌ بِصَحْفَةٍ» (١). فوجب بدليل الكتاب والسنة على الإنسان بَدَلُ ما أتلف على الإنسانِ من ماله، عمداً كان أو خطأً؛ لأنَّ حكم الإتلاف يستوي في العمد والخطأ في المال. ألا ترى: أنَّ ذلك يستوي في وجوب الجزاء على قاتل الصيد. فإذا كان الشّيء المتلف مما لا مثل له، كالحيوان والعروض، فعليه قيمته؛ لأنَّ ضبط مثله بالقيمة أحصر منه في الخلقة. وإذا كان مما يكال أو يوزن، فعليه مثله في الخلقة؛ لأنَّ رد مثله في الخلقة ممكنٌ. ولا خلاف في هذه الجملة بين فقهاء الأمصار الذين يرجع إليهم، دون من شذ منهم ولم يُعَدَّ خلافاً (٢). ••• [١٣٠٥] مسألة: قال: ومن اغتصب عبداً، فهلك عنده من غير تعبٍ ولا طول زمانٍ، فقد ضمنه (٣).

стр. 1185

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغصب تعدٍّ، فإذا تلف المغصوب في يد الغاصب لزمه قيمته يوم غصب لتعدِّيه، وسواءٌ تلف بفعل الغاصب أو غير فعله؛ لأنّه متعدٍّ بغصبه، فعليه ضمانه. ولا خلاف في هذا بين أهل العلم. ••• [١٣٠٦] مسألة: قال: ومن تسوق بسلعةٍ، فأعطاه بها غير واحدٍ ثمناً، فاستهلكها رجلٌ (١)، فهو ضامنٌ لِمَا أُعْطَاهُ، ولا يُنْظَرُ إلى قيمتها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثمن الذي قد أُعْطِي بها يقينٌ، والقيمة اجتهادٌ، وما قد عُلِم من بدلها بيقينٍ أولى من قيمتها التي هي اجتهادٌ. وهذا إذا كان الثمن يشبه ثمنها، فأمَّا إذا كان أكثر من ذلك فليس على مستهلكها غير قيمتها، أو ثمن مثلها، والقيمة أقيس. ••• [١٣٠٧] مسألة: قال: وإذا استكره النصراني الأمةَ، غرِمَ ما نقص من قيمتها، بكراً كانت أو ثيِّباً. وكذلك العبد يستكره الأمة، فإن دفع ذلك سيِّده، وَإِلّا أسلمه (٣).

стр. 1186

• إنّما قال ذلك؛ لأنهما جانيان جميعاً على مال غيرهما، والنصراني عليه غُرْمُ ما نقص من مال غيره، وذلك في ماله، والعبد فعليه ذلك في رقبته، فإن شاء سيِّده أسلمه بأرش جنايته، وإن شاء افتكَّه. ••• [١٣٠٨] مسألة: قال: ولا يُضَعَّفُ الغُرْمُ على أحدٍ في شيءٍ استهلكه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فلمَّا لم يجز أن يُتَعَدَّى في القِصَاص إلى أكثر مما وجب، فكذلك في المال. وكذلك قال النبيُّ ﷺ : «طَعَامٌ كَطَعَامٍ وَقَصْعَةٌ كَقَصْعَةٍ» (٢)، وكذلك من أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ العَدْلِ. فوجب بما ذكرنا من دليل الكتاب والسنة أن لا يُضَاعَف الغُرْمُ على أحدٍ في مالٍ، ولا قَوَدٍ في جنايةٍ. فأمّا ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب من تضعيفه القيمة على البراء (٣) في الناقة التي انتحرها غلمانه (٤)، فإنَّ ذلك يجوز أن يكون له معنى أو سببٌ أَوْجَبَ ذلك

стр. 1187

عليه، لا من أجل الإتلاف، ولا نعلم خلافاً في أنَّ تضعيف قيمة الشّيء المتلف غير جائزةٍ بين الفقهاء، وإنما عاقبه عمر ﵁ بالغرم؛ من أجل إجاعته لعبيده، لا من أجل إتلافهم الناقة، وكذلك قال النبيُّ صلى الله عليه: «مَنْ مَنَعَهَا، يعني الزَّكَاةَ، فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا » (١)، أي عقوبةً على منعه الزكاة؛ لا أنَّ ذلك زكاةٌ؛ لأنَّ العقوبات قد تقع في الأبدان والأموال، بدلالة وجوب القود والحدود في الأيمان، والكفارات في الأموال. ••• [١٣٠٩] قال: ومن استهلك زرعاً قبل أن يبدو صلاحه، غرم قيمته على قدر الرجاء والخوف (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد أتلف الزرع وقَطَعَه عند بلوغه إلى حال الانتهاء، فوجب أن يُقَوَّم على حسب ما يرجى من بلوغه، وعلى قدر خوف انقطاعه عن ذلك، كما يُفْعَل ذلك في جنين الحرة والأمة، أنَّ فيه عُشْرُ دية أُمِّهِ إذا كان حراً،

стр. 1188

أو عُشْرُ قيمة أُمِّه إذا كان عبداً؛ لأنّه قد قطعه عن بلوغه إلى حال الحياة، ولم تراع قيمته في نفسه، فكذلك الزرع يجب أن يُراعى حال بلوغه مع جواز الخوف عليه، ولا يُقَوَّم في حال الإتلاف. ••• [١٣١٠] مسألة: قال: ومن اغتصب قمحاً في موضعٍ، فليس عليه إلّا غرمه في الموضع الذي استهلكه فيه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قيمة القمح تختلف في البلاد، فليس على المُتْلِفِ أن يعطي إلّا مثل ما أتلفه في الموضع الذي أتلفه، وسواءٌ كان ذلك مما يُرَدُّ مثله أو قيمته؛ لأنَّ في ردِّه في غير الموضع الذي أتلفه ضرراً عليه. ألا ترى: أنّه لو أراد ذلك المُتلِفُ وامتنع المتلف عليه، لَمَا كان ذلك له، إلّا أن يتراضيا على ذلك فيجوز. ••• [١٣١١] مسألة: قال: ومن استهلك عليه رجلٌ متاعه فباعه: (فإن وجده، أخذه. (وإن لم يجده، فله ثمنه. وإن كان ثوباً فلبسه الذي اشتراه، أخذ قدر قيمة ما لبس له (٢).

стр. 1189

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشّيء المستهلك على ملك صاحبه بغير منعةٍ، فلصاحبه أخذه إن وجده، وإن لم يجده، فله قيمته إن كان قد تلف، أو ثمنه الذي بيع به إن شاء. وله أن يأخذ بدل ما قد لبسه ممن وجده عنده؛ لأنّه انتفع بِشيءِ غيره، فعليه بدل ذلك لصاحبه. ••• [١٣١٢] مسألة: قال: ومن غصب رجلاً أرضه فزرع حتى بلغ، فلصاحبها الكراء. فإن أدركه وهو لو قلع زرعه زرع مكانه، كان ذلك له (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغاصب متعدٍّ بالغصب وزَرْعِه الأرْضَ، فلصاحب الأرض قلع زرعه وإزالة التعدِّي عنه. وقد رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٢).

стр. 1190

فإن كان وقت الزرع قد فات ولم يقدر صاحبها على زرعها لو قلع زرعه، لم يكن له قلع زرعه؛ لأنّه لا ينتفع بذلك، ويضرُّ بصاحب الزرع، وليس يجوز أن يضرَّ به من حيث لا ينتفع هو بقلع زرعه، وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ»، رواه أبو سعيد الخدري عنه (١). وقد قال مالك: «إنَّ له قلع زرعه، سواءٌ قدر أن يزرع أرضه أم لا» (٢)؛ لأنَّ الغاصب هو الذي أتلف ماله وظَلَمَ نفسه، حيث زرع ولم يكن له أن يزرع، والقول الأول كأنه أولى. ••• [١٣١٣] مسألة: قال: ومن قُطِعَ عليه الطريق، فكان رجلٌ قائمٌ معهم لم يتناول شيئاً، ثمّ اقتسموه فأَخَذَ معهم، فغُرْمُ ما أخذ عليه، وغُرْمُ ما أخذ أصحابه يشبه أن يكون عليه (٣)؛ لأنهم تعاونوا جميعاً (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ غُرْمَ ما أخذه قد لزمه بأخذه مال غيره على غير حقٍّ، فوجب عليه ردُّه. فأمّا ما أخذ غيره فعليه ردُّه أيضاً؛ لأنّه سبب إتلافه على صاحبه، فوجب

стр. 1191

عليه ردُّه وإن كان قد شاركه غيره في أخذه، كما يجب عليه القود وإن شاركه غيره في القتل، وتجب عليه الكفّارة والجزاء وإن شاركه غيره في القتل. والقياس أن لا يكون عليه إلّا غرم ما أخذه دون ما أخذه أصحابه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ عليه غُرْمُ ما أخذه، ولا يشبه ذلك القتل ولا الكفّارة؛ لأنَّ القتل ليس يقع فيه تبعيضٌ فيُجْعَلُ على كلّ واحدٍ بقدره، والكفارة والجزاء فإنما جعل ذلك تغليظاً؛ لأنّها حقوق الله ، فأمّا حقوق الآدميين فبخلاف ذلك. ألا ترى: أنَّ جماعةً لو أتلفوا مال انسانٍ، لكن على كلّ واحدٍ بقدر ما أتلف دون ما أتلف صاحبه، وليس كذلك القتل والكفارة. ••• [١٣١٤] قال: ومن خانه رجلٌ مالاً وجحده، ثمّ قَدِرَ له على مثل ذلك فأراد أن يغصبه، فلا نأمره بذلك (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يجوز له أن يأخذ حقه بيده ممن وجب له عليه؛ لأنَّ ذلك كالحكم له، ولا يجوز له أن يحكم لنفسه. وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٢).

стр. 1192

وقد قال مالك: «إنَّ له أن يأخذ بقدر حقه، إذا كان عليه دَينٌ لغيره مما يصيبه في المحاصَّة، لا يزيد على ذلك» (١). ووجه هذا القول: هو أنَّ الإنسان له أخذ حق نفسه؛ لأنَّ ذلك فِعْلُ ما يجوز له فعله، فلو قدر على أخذ حق غيره من ظالمٍ لوجب ذلك عليه؛ لأنَّ ذلك فعل خيرٍ ومعونةٌ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النبيُّ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمَاً أَوْ مَظْلُوماً، قِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمَاً، قَالَ: بِمَنْعِهِ مِنَ الظُّلْمِ» (٢)، وقد قال النبيُّ ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٣)، فأباحها النبيُّ صلى الله عليه أخذ حقها وحق ولدها بالمعروف من غير علم أبي سفيان ولا إذنه لها في ذلك، فوجب أن يجوز لكل ذي حقٍّ أن يأخذ حقه ممن منعه منه إذا قدر عليه بنفسه وغيره، والله أعلم. ••• [١٣١٥] مسألة: قال: ومن زرع أرضاً بشبهةٍ، فعليه كراؤها - يعني: ولا يُقْطَع زرعه -، استحقها صاحبها في وقت الزرع أو غير وقته (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ من زرع بشبهةٍ فليس هو متعدِّياً بالزرع كالغاصب الذي هو متعدٍّ بالزرع، فوجب أن تكون لزرعه حرمةٌ، لا يجوز أن يقلع حتى يبلغ،

стр. 1193

كما وجب أن يكون للواطئ بالشبهة لولده الذي هو زرعه حرمةٌ لا يجوز إسقاطها، كما يكون ذلك في الزّنا. فكان الزارع بالشبهة في أنّه مثل الزارع في ملكه، أنَّ ذلك لا يُقْلع حتى يبلغ، كما كان الواطئ بشبهة ملكٍ أو نكاحٍ كالواطئ بنكاحٍ أو ملكٍ صحيحٍ في أنَّ لولده حرمةً. وكان الغاصب في الزرع في أن لا حرمة له، كالواطئ زناً أن لا حرمة لزرعه الذي هو الولد، فوجب قلع زرعه إن أحب ذلك صاحب الأرض. •••

стр. 1194

باب البضائع [١٣١٦] قال: ومن أرسل رسولاً يشتري له سلعةً أو يستسلف له شيئاً، ففعل، ثمّ تلف من الرسول، فهو على المُرْسِل، فإن جحد ضمن الرسول (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ يد الرسول يد المُرْسِل؛ لأنَّ المُرْسِل قد ائتمنه، فإذا تلف الشّيء منه فهو على المُرْسِل، وعليه رد مثله، إلى صاحبه الذي استسلف منه، وعليه تَلَفُ ما اشتراه الرسول له. فإن جحد المُرْسِلُ أن يكون أرسل المُرْسَلَ، ضمن الرسول ما قبضه؛ لأنّه إنّما قبضه لنفسه، ولم يثبت له قبضه لغيره فيكون ذلك على غيره. ••• [١٣١٧] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بدينارٍ، وأبضع معه آخر باثنين، فهلك أحد الثلاثة، لا يُدْرَى لمن هو، فهما شريكان في المصيبة، على كلّ واحدٍ منهما بقدر نصيبه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أصحاب الدنانير قد صاروا شركاء بملك المال، فإذا تلف منه شيءٌ كان عليهم من التلف بقدر ما لكل واحدٍ منهم.

стр. 1195

وقد قيل في هذه المسألة: «إنَّ تلف الدينار يكون من صاحبي المال» (١)؛ لأنَّ صاحب الاثنين قد عَلِمَ أنَّ أحد الدينارين الباقي له، ويحتمل أن يكون الذي سلم منه أو من صاحب الدينار، فوجب أن تكون المصيبة منهما نصفين، وكلّ قولٍ محتملٌ، وهذا قول ابن القاسم. ••• [١٣١٨] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ في شيءٍ، فاشترى له غيره، فهو بالخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء ضمَّنَهُ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب المال مُتَعَدَّىً عليه، فوجب أن يكون بالخيار، كالمجني عليه وولي المقتول أنّه بالخيار، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية إذا بُذلت له، فكذلك ربُّ المال المبضِعِ، هو بالخيار بين أن يجيز فعله، ويكون على ما دخلا عليه إن كان ذلك على وجه المضاربة أو غيرها، وإن شاء ضمَّنَه المالَ، الخيار في ذلك لرب المال؛ لأنّه إنّما طلب الفضل بدفعه إليه، فلو لم يكن له الخيار لتَعَدَّى كلّ من دُفِعَ إليه مالٌ لِطَلَبِ الفَضْلِ ليكون له الفضل بمخالفة ربّ المال، فكان يكون في ذلك ضررٌ على أرباب الأموال، فكان لهم الخيار لهذه العلَّة. وقد أعطى النبيُّ ﷺ عروة البارقي ديناراً ليشتري له كبشاً، فاشترى له كبشين بدينارٍ، ثمّ باع أحدهما بدينارٍ، وجاء بكبشٍ ودينارٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فأخذ
следующие страницы →