← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المقذوف قد ترك حقَّه، فليس لأحدٍ مطالبته بما قد ترك صاحبه، كما يترك القَوَد في القتل، فليس لأحدٍ قتلُه بعد عفوه. ••• [٢٤٨٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن اجتمعت عليه حُدُودٌ فيها قتلٌ، فالقتلُ يأتي على ذلك كلّه، إلَّا الفرية (١). • إِنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ في ترك الحدِّ للقاذف معرَّةً على المقذوف ودخول الضَّرر عليه، فوجب أن يُحدَّ، ثمَّ يقتل، فأمَّا غيرها من الحُدُودِ، فإنَّ بعضها يدخل في بعضٍ إذا اجتمعت، ويجزئ القتل منها. ألا ترى: أنَّ المحارب: (إذا أخذ المال وقَتَلَ، قُتِلَ ولم تُقطع يَدُهُ وَرِجْلُهُ، ولو انفرد أَخْذُهُ لِلْمَالِ، لقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ ولم يُقتل. (وكذلك لو قَتَلَ ولم يأخذ المال، قُتِلَ ولم تُقطع يَدُهُ وَرِجْلُهُ، ثمَّ إذا اجتمعا قُتِلَ ولم تُقطع يَدُهُ وَرِجْلُهُ. كذلك كُلُّ حَدٍّ إذا اجتمع مع القتلِ، اجتُزئ بالقتل عن إقامة الحدِّ؛ لأنَّ الحدَّ إِنَّمَا هو للرَّدْعِ، فلا معنى لردعه مع القتل، وفي حدِّ القذف تكذيبٌ له؛ لتزول المَعَرَّةُ عن المقذوف، ولا مَعَرَّةَ في ترك قطع يده مِنْ قطع يده (٢). •••

стр. 2137

[٢٤٨٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن قذف رجلاً وزنا، حُدَّ ثمَّ رُجِم، وإن قذف وشرب خمراً، حُدَّ حدّاً واحداً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، لِمَا ذكرناه: أنَّ القتل يجزئ عن إقامة غيره من الحدود، إلَّا حدّ القذف، لِمَا ذكرناه. وإذا قذف وشرب خمراً حُدَّ حدّاً واحداً؛ لأنَّ حدَّ الخمر إِنَّمَا وجب؛ لأنَّهُ قد يؤدِّي حاله إلى أن يقذف، وكذلك قال أصحاب رسول الله ﷺ لعمر ﵁ حين شاورهم في ذلك: «إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى» (٢)، فدخل حدُّ الخمر في حدّ القذف لهذه العلَّة. ••• [٢٤٨٦] مسألة: قال مالكٌ: والحدود في أرض العدو، والقِصَاص بين المسلمين، كهيئته في أرض الإسلام، فإن أخَّره الإمام أو فَرَّطَ فيه أو شُغِل عنه بحربه، أو بحصنٍ حاصره، حَتَّى يقدم أرض الإسلام، أقام ذلك عليهم في أرض الإسلام (٣). • قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحدود والقصاص لازمةٌ للمسلمين؛ لإيجاب الله ذلك عليهم، وليس يختلف حكم ذلك لاختلاف الأماكن والمواضع، كما لا يختلف أمر الصَّلاة، والصِّيام، والأحكام المتعبَّدة بها، وعليهم إقامة ذلك في دار الحرب، وهي لازمةٌ لهم، وكذلك الحدود وغيرها من الحقوق. •••

стр. 2138

باب ما جاء في حدود الخمر وغيره [٢٤٨٧] قال مالكٌ: ومن شَهِد عليه رجلٌ: «أنَّه رآه في شعبان سكرانَ من خمرٍ»، وشهد آخر: «أَنَّهُ رآه في رمضان سكرانَ من خمرٍ»، فيُحدُّ، وهو بمنزلة ما لو رَأَيَاهُ في مجلسٍ واحدٍ، فشهد أحدهما أَنَّهُ شرب خمراً في قَدَحٍ من عِيدَان، وشهد الآخر أَنَّهُ شرب في قَدَحٍ من قَوَارِيرَ، فنحدُّه. وقال أشهبُ: لا يُحدُّ (١). • قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا قال إنَّ عليه الحدَّ؛ لأنَّهما قد اتَّفقا على شربه الخمر، وجنس الخمر فغير مختلفٍ. وليس ذلك كاختلافهما في الزِّنا والسَّرق؛ لأنَّ جنس الأموال والزِّنا مختلفٌ، فلا حدَّ فيه حَتَّى يتَّفقا في الشّهادة في الوقت والفعل؛ لجواز أن تكون له في عينٍ مَوْطُوءَةٍ شبهةٌ، ولا تكون له شبهةٌ في عين الأخرى، وكذلك عين المسروق. فأمَّا الخمر فجنسها واحدٌ، ولا يختلف حكم عينها، فإذا شهد شاهدان على شربه لها، كان عليه الحدُّ، سواء شُهِدَ عليه في وقتٍ واحدٍ أو وقتين. وقال أشهب: «لا حدَّ عليه»، ووجه قوله: إنَّه لا فرق بين عين شرابٍ ما،

стр. 2139

وعين شرابٍ آخر في جواز الشّبهة في أحد العينين دون الآخر، كما يكون ذلك في المَوْطُوءَةِ والمَسْرُوقِ. وهذا القول أقيسُ، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. ••• [٢٤٨٨] مسألة: قال مالك: وإذا اختلفت الشّهادة في ريح الخمر، فإذا شهد اثنان عدلان أَنَّهُ ريح خمرٍ، حُدَّ، ولا يُقبل إلَّا مِمَّنْ يعرف الخمر من أهل الإسلام (١). ••• [٢٤٨٩] مسألة: ومن شُهِد عليه برائحة الخمر، حُدَّ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، لأنَّ الخمر إِنَّمَا يُعلم أنَّه خمرٌ برائحته؛ لأنَّهُ لا يمكن شُربُه فيُعْلَمُ ذلك بشربه، وإذا كان كذلك، ثمَّ شهد عدلان أَنَّهُ خمرٌ، حُدَّ شاربه. وكذلك إذا شُمَّ رائحة الخمر منه حُدَّ؛ لأنَّهُ كما يُحدُّ إذا شرب ما شُهِد على أَنَّهُ خمرٌ بالرائحة، فكذلك يُحدُّ إذا شُمَّ الرَّائِحَةُ منه وشهد على رائحتها عدلان. وقد حدَّ عمر بن الخطاب ابنه على الرَّائحة بمحضرٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، ولم ينكر عليه أحدٌ، ولا خالفه فيه. فروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن السَّائِبِ بن يزيد، أَنَّهُ أخبره: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ

стр. 2140

الخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ (١)، وَإِنِّي سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرَاً جَلَدْتُهُ»، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ﵁ الحَدَّ تَامّاً» (٢)، فدلَّ هذا الخبر: أنَّ عمر جلده على الرَّائحة من غير بيِّنةٍ قامت على شربه الخمر، ولا إقراره بأنه شرب خمراً، فكذلك إذا شَهِدَ على الرَّائحة منه عدلان حُدَّ، وإن لم يعترف بالشُّرب المشْهُودُ عليه. ••• [٢٤٩٠] مسألة: قال مالك: وإذا شهد شاهدٌ أنَّه سمع سعيداً في شعبان يقول: «إنَّ ميمون زانٍ، وإنَّه ليس من بني فلانٍ»، وشهد آخر أَنَّهُ سمعه في رمضان يقول ذلك، وجب عليه الحدُّ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القول يُكَرَّر ويعاد مثله، فإذا شهد اثنان على قذفه رجلاً حرّاً مسلماً عفيفاً، وجب عليه الحدُّ، وإن كان سماعهما في وقتين. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو شهد على إقرار رجلٍ بمئةٍ، وشهد عليه آخر بإقرارهِ في وقتٍ آخر بخمسين، لثبت للمُقَرِّ له الخمسين بشاهدين، وإن كان إقراره في وقتين، فكذلك القذف والطلاق مثله؛ لِأَنَّهَا شهادةٌ على القول.

стр. 2141

فأمَّا إذا كانت شهادةً على الفعل، مثل: الزِّنا والقتل والسَّرق، فَإِنَّهُ يُحتاج أن تكون الشّهادة على الفعل في وقتٍ واحدٍ، فإذا اختلفت الأوقات، لم يحكم بها. ••• [٢٤٩١] مسألة: قال مالكٌ: ومن شرب مسكراً، فعليه الحدُّ، سكر أو لم يسكر (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جنسه يُسْكِر، فوجب على شارب قليله الحدُّ، كما كان على شارب قليل الخمر الحدُّ؛ لأنَّ كثيره يسكر. وقد رُوِّينا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ حدَّ ابنه على الرَّائحة من غير أن رآه سكرانَ، ولا أقرَّ بشرب خمرٍ (٢)، وإنّما حدَّهُ، لِمَا قيل: إنَّ جنسه يُسكر. ولأنه لا فرق أيضاً بين الحدِّ في قليل ما يُسكر كثيره، وبين قليل الخمر الَّذِي يُسكر كثيره. وقد روى حمّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (٣).

стр. 2142

وروى مالكٌ وسفيان بن عيينة، عن الزّهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (١). وروى القاسم بن محمد، عن عائشة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ، فَالأُوقِيَّةُ مِنْهُ حَرَامٌ» (٢). وروى الأوزاعي وغيره، عن أبي كثيرٍ السُّحَيْمِيّ (٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «الخَمْرَةُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، النَّخْلَةِ وَالعِنَبَةِ» (٤). وروى النُّعْمَانُ بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرٌ، وَمِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وَمِنَ الذُّرَةِ خَمْرٌ» (٥). فلمَّا كانت الخمر من هذه الأشياء، وجب على شارب قليل ذلك الحدُّ، كما يجب على شارب قليل الخمر من عصير العنب الحدُّ. ••• [٢٤٩٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن أقرَّ على نفسه بشرب الخمر، حُدَّ، وإن نزع عن ذلك فقال: «إنّما قلته لوجه كذا وكذا»، فليس عليه حدٌّ. ويُضرب شارب الخمر كلَّما أُتيَ به (٦).

стр. 2143

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، كما يقول (١) في حدِّ الزّنا: «إنَّ رجُوعه يقبل»، وكذلك حدُّ الخمر؛ لأنَّهما جميعاً حدُّ لله يسقط بالشبهة. وقد قال مالكٌ في الزنا: «إنَّ رجوعه لا يُقبل حَتَّى يأتي بعذرٍ» (٢)، وكذلك الخمر مثله. وقوله: «إنَّه يُضرب كلَّما شرب»، فكما يُحدُّ كلّما زنا، ويُقطع كلّما سرق، إذا كان شُرْبُه بعد إقامة الحدِّ عليه، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدْهُ» (٣). ••• [٢٤٩٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن شرب خمراً، وجب عليه الحدُّ في أوَّل جرعةٍ يتجرَّعها. وإن شرب بعد ذلك أكواساً كثيرةً، فليس عليه إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ. وإن شرب بعد الحدِّ حُدَّ. ومن شرب الخمـ[ـر] (٤) مراراً قبل أن يحـ[ـدَّ] (٥)، فليس عليه إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ (٦).

стр. 2144

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، كما لو زنا مراراً، أو أولج في الفرج مراراً، فعليه حدٌّ واحدٌ قبل أن يحدَّ، بإجماع أهل العلم، وكذلك إذا سرق مراراً. فكذلك الشُّرب مثله، إذا شرب مراراً فعليه حدٌّ واحدٌ، وإن حُدَّ، ثمَّ شرب كان عليه حدٌّ آخر، كما يزني فيُحَدُّ، ثمَّ يزني فعليه حدٌّ، وكذلك إذا سرق بعد الحدَّ فعليه حدٌّ آخر. ••• [٢٤٩٤] مسألة: قال مالك: ومن وجُد مفطراً في شهر رمضان بشرب الخمر، فعليه نكالٌ مع الحدِّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ: «إنَّ عليه النَّكال»؛ لجرأته على الفطر في رمضان من غير عذرٍ. وعليه الحدُّ؛ لشربه الخمر. ••• [٢٤٩٥] مسألة: قال مالك: ومن وُجِدَ مع قومٍ يشربون ولم يشرب، وليست به رائحةٌ، ولعله يقول: «إنّي صائمٌ»، فَإِنَّهُ يُعاقب (٢). • إنّما قال: «إنّه يعاقب»؛ لحضوره حالاً هي معصيةٌ.

стр. 2145

ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّهُ لم يَثْبُت عليه أَنَّهُ شرب خمراً، ولا شُمّت منه رائحتها. ••• [٢٤٩٦] مسألة: قال مالك: ولا بأس بالنَّبِيذِ الحُلْوِ (١)، وما أسكر كثيره فقليله حرامٌ، ويجلد فيه الحدُّ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبِيذَ الحُلْوَ جائزٌ شربه، إذ ليس شيءٌ يمنع منه. وقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الحُلْوُ البَارِدُ» (٣). وروِّينا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الحُلْوَ، يُنْبَذُ لَهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيّاً» (٤). فأمَّا ما أسكر كثيره، فقليله حرامٌ، وقد روِّينا ذلك عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ (٥).

стр. 2146

ورُوِيَ ذلك من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ، فَالأُوقِيَّةُ مِنْهُ حَرَامٌ» (١). وروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (٢). ••• [٢٤٩٧] مسألة: قال مالك: ومن وُجِد به رائحةٌ، فشهد ذَوَا عدلٍ أَنَّهُ مسكِرٌ، حُدَّ، وإلّا: • فإن كان من أهل السَّفَهِ، نُكِّل. • وإن كان رِضاً، لم يكن عليه نكالٌ ولا غيره (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا لم يشهد عليه بالرائحة ذوا عدلٍ، ولا أقرَّ بالشُّرب للخمر، فلا حدَّ عليه. ويُنَكّل إذا كان من أهل السَّفه؛ لأنَّهُ مُتَّهمٌ في هذه الرَّائحة. وإن كان من أهل الرِّضا فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ غير متَّهمٍ إذا كان من أهل السَّلامة. •••

стр. 2147

[٢٤٩٨] مسألة: قال مالك: ولا يُحْرَقُ البيت الَّذِي يوجد فيه الخمر (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرق بيته تَعَدٍّ، فلا يجوز ذلك. وقد رُوِيَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ أَحْرَقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ السَّقَفِيِّ» (٢) (٣)، فإن صحَّ الخبر، فيجوز أن يكون بيتاً مفرداً كان للخمر، فأحرق البيتَ مع الخمر؛ لأنَّهُ كان تقدَّم إليه وزجره عن ذلك، فلمَّا عاد، غلَّظ عقوبته. وقد أحرق النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ المسجد الَّذِي بُنِيَ على الضِّرار (٤)، وقال في مانع الصَّدقة: «إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ» (٥)، فجائز أن يعاقب الإمام في البدن والمال لمن استحقَّ ذلك. ••• [٢٤٩٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن أدمن الخمر، جُلِد كلَّما أُتي به، ولو أُلْزِم السجن - إذا كان مدمناً -، لكان خَلِيقاً (٦).

стр. 2148

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» (١). وفي حبس مدمنه صلاحٌ ليرتدع. فأمَّا الحَدُّ في الخمر فهو ثمانون جلدةً، وكذلك أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بضرب الَّذِي أُتِيَ به. فروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا المَسْعُودِيُّ (٢)، عن زيد العَمِّيِّ (٣)، عن أبي نَضْرَةَ (٤)، عن أبي سعيد: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ» (٥).

стр. 2149

وروى حجَّاج، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن هلال (١)، عن عبد الله: «أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْرَاً فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، وَعَزَّرَهُ عِشْرِينَ» (٢). وقد ضرب عمر بن الخطاب في الخمر ثمانين، وأشار عليه بذلك عليٌّ، وعبدُ الرحمن، وجماعةٌ من الصَّحابة، فقالوا: «إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَنَرَى أَنْ تَحُدَّهُ حَدَّ المُفْتَرِي» (٣). ••• [٢٥٠٠] مسألة: قال مالكٌ: والجلد في الحدود: الإيجاع. ويُنْزَعُ عن المرأة من الثِّياب ما يقيها الضَّرب، ويُترك عليها ما يواريها (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله لم يفرِّق في ضرب الحدود، فقال : ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، بعد قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقال في القذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وأمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بضرب شارب الخمر، وكذلك ضربه أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بعده، ولم يفرِّق رسول الله

стр. 2150

صَلَّى الله عَلَيْهِ ولا أصحابه في الإيجاع في الضَّرب بين حدّ الخمر والقذف وغيرهما من الحدود، فوجب أن يُؤلم المضروبُ في الحدِّ؛ ليرتدع عن مثل ما ارتكبه (١). وقوله: «يُنْزَعُ عن المرأة من الثِّياب ما يقيها الضَّرب»؛ فلأنْ تأَلمَ بالضَّرب وترتدع بالحدِّ عن مثل ما ضُرِبت له. وقوله: «يُتْرَكُ عليها ما يواريها»؛ فلأنَّها عورةٌ، ولا يجوز كشف عورتها؛ لأنَّ بدنها عورةٌ. ••• [٢٥٠١] مسألة: قال مالكٌ: ويُجَرَّد الرَّجُلُ، ولا تُجَرَّد المرأَةُ. ويُجلدان وهما قاعدان (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بدن الرَّجُلِ ليس بعورةٍ كبدن المرأة، إلَّا موضع عورته، فَإِنَّهُ لا يُكشف. ••• [٢٥٠٢] مسألة: قال مالكٌ: ولا تُجلد الأعضاءُ كلّها (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من الأعضاء ما يَتْلَف الإنسانُ بجلدها، كالذَّكَر،

стр. 2151

والأنثيين، وذلك غير جائزٍ، وكذلك الرَّأس مثله، فوجب أن يُضْرَبَ من بدنه على الموضع الَّذِي لا يُخافُ تَلَفُهُ في ضربه. ••• [٢٥٠٣] مسألة: قال مالكٌ: وجلد الزِّنا والفرية والشَّراب سواءٌ. ولا يُحْلَقُ شارب الخمر. ولا بأس أن يُطاف به إذا كان فاسقاً مدمناً سفيهاً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله أطلق ذِكْرَ الحدِّ ولم يفرِّق بين ضرب واحدٍ منهما في الإيجاع والألم، فمن فرَّق بينهما فعليه الدّلالة. وقوله: «لا يُحلق شارب الخمر»، يعني: لا يحلق رأسه ولا لحيته؛ فلأنَّه لم يُنقل عن أحدٍ أَنَّهُ فعل ذلك به، ولا يجوز تَعَدّي ما قد حدَّه الله ورسوله. وقوله: «لا بأس أن يطاف به إذا كان مدمناً سفيهاً»؛ فلأنْ يرتدع هو بذلك، ومن يراه كذلك، فلا يَفْعَلُ كفعِلِه مِنْ شربِ الخمرِ وانهماكه وإدامته عليها. ••• [٢٥٠٤] مسألة: قال مالك: ومن سَبَّهُ عمُّهُ أو خالُهُ، فلا أرى عليه شيئاً. وكأني رأيته لا يرى الأخ مثلهم (٢).

стр. 2152

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العمَّ بمنزلة الأب، والخال بمنزلة الأمِّ، فإذا سبّاه، لم يُعاقَبا على ذلك، كما لو فعل ذلك له أبواه. فأمَّا الأخ فليس كذلك؛ لأنَّهُ نظيره، وليس بمنزلة الأب ولا الأمِّ، ولا بمنزلة من يُدْلِي بهما. ••• [٢٥٠٥] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان بينه وبين رجلٍ منازعةٌ، فقال له: «لَأَجْلَدَنَّكَ حدَّين»، فيحلف بالله ما أراد الفرية، فإن حلف أُدِّب (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يحتمل أن يكون لم يُرِدْ فريةً بقوله: «لأَجْلِدَنَّكَ». ويؤدب؛ لأذائه إيَّاه. ••• [٢٥٠٦] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قال عربيٌّ لقرشيٍّ، - وكلاهما قد صحب أبوه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ -، فقال كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه: «أنا خيرٌ منك، وأقرب برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ منك»، فما أرى من حدٍّ يَثْبُت، والعفو في مثل هذا أفضل (٢).

стр. 2153

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما لم يقولا شيئاً وجب فيه الحدُّ؛ لأنَّ الحدَّ يجب في القذف بالزِّنا، أو نفي نسبٍ، أو تعريضٍ بالزنا، لا غير. ••• [٢٥٠٧] مسألة: قال مالك: ولا بأس أن يُضْرَبَ في المسجد الضَّرْبُ الخَفِيفُ، الخَمْسَةُ الأسواط أو نحوَها، فَأَمَّا الضَّربُ الموجع والحُدُودُ، فلا تُضرَبُ في المسجد (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من أُقيم عليه الحدُّ يصيح، ويكره الصِّياح في المسجد، وقد يكون منه الحَدَثُ، وذلك كله مِمَّا تُنَزَّهُ المساجد عنه، وإنّما جُعِلَتِ المساجد للصَّلاةِ والذِّكرِ لله جلَّ وعزَّ. وقد رُوي عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ» (٢). فأمَّا الضَّربُ الخفيفُ فَإِنَّهُ يجوز؛ لحاجة الحاكم إلى كَثْرَةِ من يؤدِّبه ويَزْجُرُهُ، وليس يَكْثُرُ إقامة الحدود، بل يَقِلُّ، فوجب أن تقامَ في غيرِ المساجدِ. ••• [٢٥٠٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا حمارُ، يا فاسقُ، يا شارب خمرٍ»، فلا حدَّ عليه، ويعاقب (٣).

стр. 2154

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يرمه بشيءٍ يجب في رميه إيَّاه عليه حدٌّ؛ لأنَّ الحَدَّ يجب في القذف بالزنا، والتَّعْرِيضِ به، أو النَّفي من نسبٍ كما بَيَّنَّاهُ. ويعاقب لأذائه له؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله. ••• [٢٥٠٩] مسألة: قال مالكٌ: ومن قذف رجلاً ورجلٌ يَسْمَعُهُ ومعه غيره، فلا أرى له أن يكتم المقذوف، ولْيُعْلِمْهُ حَتَّى يكونَ على علمٍ. وقد قال مالكٌ: لا أرى أن يفعل، وأنكر أن يكون قال: يُعْلِمُهُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد وجب للمقذوف حقٌّ على القاذف، فيجب على من سمع ذلك منه أن يُعرِّف المقذوفَ، وذلك بمنزلة ما تكون عنده شهادةٌ لا يعلمها المشهودُ له، فعليه أن يُعَرِّفَهُ ذلك ولا يكتمْها؛ لنهي الله عن ذلك (٢). ووجه قوله: «لا يُعَرِّفْهُ»؛ فلأنَّ حدَّ القذف ليس هو حقاً لآدميٍّ على التَّجريد، بل هو أن يكون حقاً لله أولى، وأشبَهَ ذلك حدَّ الزِّنا، وقد أُمر الإنسانُ بالسِّتر على نفسه وعلى غيره. والقول الأوّل أصحُّ؛ لأنَّ حدَّ القذفِ تُراعَى فيه حرمةُ المقذوف؛ لأنَّهُ له في نفسه. وليس كذلك حدُّ الزِّنا، والسّرقة؛ لأنَّهُ لو سرق من كافرٍ أو مسلمٍ أو عبدٍ،

стр. 2155

لكان عليه القطع، وكذلك لو زنا بحرَّةٍ أو أمَةٍ أو كافرةٍ، كان عليه الحدُّ، فأشبه حَدُّ القذفِ القصاصَ في أَنَّهُ يراعى المقذوف في نفسه، كما يُراعَى المقتولُ في نفسه في كمال حرمته، فوجب أن يُعْلِمَهُ لهذه العلّة؛ لأنَّهُ حقٌّ لآدميٍّ. ••• [٢٥١٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن ادَّعى على رجلٍ أَنَّهُ قذفه، فليس له أن يَسْتَحْلِفَهُ، وإنْ كان له عليه شاهدٌ فَإِنَّهُ يَحلِفُ، فإن أبى أن يَحْلِفَ، سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحُكمَ بالشَّاهد واليمين إِنَّمَا يجبُ في الأموالِ دون الحدود وغيرها من الحقوق. وقوله: «لا يُسْتحلفُ المُدَّعَى عليه القذفُ»؛ لأنَّهُ لو نَكَل عن اليمين، لم يجزْ أن تُردَّ اليمينُ على المدَّعِي فيُحكم بالحدِّ؛ لأنَّ الحكمَ بالحدِّ لا يكون بنكول المدّعَى عليه مع يمين المدّعِي، كما لا يجوز بالشَّاهد واليمين. وقوله: «يسجن حَتَّى يحْلفَ إذا كان للمدَّعِي شاهدٌ»؛ فلأنَّه قد قَوِيَ سبب المدَّعِي، فوجب أن يُسْقِطَ المدَّعَى عليه سبَبَ المدَّعِي وحجَّتَه - وهي الشَّاهد العدلُ - بيمينه، فإذا لم يفعل ذلك وامتنع منه، حُبس حَتَّى يحلف؛ لأنَّ ذلك حقٌّ قد لزمه. •••

стр. 2156

[٢٥١١] مسألة: قال مالكٌ: ومن زنا فجُلدَ الحدَّ، ثمَّ افترَى عليه رجلٌ بعد سنةٍ أو أكثرَ، فلا حدَّ عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ زانٍ كما قال القاذفُ، ومَعَرَّةُ الزِّنا ثابتةٌ عليه، فلا حدَّ على قاذفه. ••• [٢٥١٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال للإمام: «إنِّي سمعت فلاناً يقذف فلاناً»، فليس على الإمام أن يُعْلِمَ فلاناً، ولا يُرْسِل إليه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإمام ليس بخصمٍ للقاذفِ، ولا يثبتُ أيضاً حدُّ القذفِ بشهادة الإمام عليه. ولأنَّ القاذفَ لم يجرِّد القذف، وإنّما جعله حكايةً عن غيره، فلا وجه لإعلام الإمام للَّذي قيل ذلك فيه. ••• [٢٥١٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن قذف رجلاً عند الإمام، فعلى الإمام أن يأخذ له بحدِّهِ (٣).

стр. 2157

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ حقٌّ قد ثبت لآدميٍّ عنده، وقد تعلَّق فيه حقٌّ لله ، فوجب على الإمام أن يقيمَ ذلك عليه. ••• [٢٥١٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن رَفَعَ إلى الوالي شهادتَهُ: «أَنَّهُ رأى فلاناً يشربُ الخمرَ»، أو: «يَسْرقُ»، وهو وَحْدَهُ، فَرَدَّ الوالي شهادته، فلا عقوبةَ عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصدْ قوله أذى المقولِ فيه، وإنّما حَمَلَهُ على ذلك أمر الله ، فلم تجب معاقبتُه. ••• [٢٥١٥] مسألة: قال مالكٌ: والنَّاسُ في أنسابهم ومواضِعِهم، على ما حازوا عليه وعُرِفوا، بمنزلة ما حازوا من رَقِيقِهِم وأرْضِهم، فمن ادَّعَى فيه وعليه غيرُ ذلك، فعليه البيِّنة (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الناسَ على أصلَ الحريّة والإسلام، قد ثبت ذلك واستقرَّ لهم بما عُرِف من ظاهرهم، فمن ادّعَى غيرَ ذلك كانت عليه البيِّنةُ، وإلا حُدَّ إن كان قاذفاً إذا ادَّعى رِقَّ من قذفه أو كُفْرَه أو غيرَ ذلك، مِمَّا ليس هو ظاهرُ حالِ المقذوف. •••

стр. 2158

[٢٥١٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا ابن أُمَّ»، فقال: «ابن أمِّكَ الشَّيطان»، فلا حدَّ فيه، وهو أذى، وهو خفيفٌ (١). • يعني: يُؤدَّبُ القائلُ له أدباً خفيفاً، ولا حدَّ عليه. ••• [٢٥١٧] مسألة: قال مالكٌ: ويَحْبِسُ الوالي القاذفَ إذا خاف أن يهربَ، وإِنْ قال: «دعني أخرج إلى اليمن أو إلى أفريقيَّة، لي بها بيِّنةٌ»، فلا يتركه، ويحدُّهُ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد لَزِمَهُ حقٌّ لغيره، فوجب حبسُه، كما يَحْبِسُهُ في الدَّيْنِ والقصاصِ. وإذا ادَّعى بيِّنةً غائبةً بعيدةَ الغيبةِ، لم يُقْبل ذلك منه؛ لأنَّهُ يريد إسقاطَ الحدِّ عنه بما يدَّعيه من البيِّنة في المواضع البعيدة. ••• [٢٥١٨] مسألة: قال مالكٌ: ولا أرى للوالي أن يُلِحَّ على أحدِ الرَّجُلَين: أن يدع خصومَتَه، أو يُصالِح (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحاكمَ إِنَّمَا جُعل لتنفيذ الأحكام، لا لإسقاطِها

стр. 2159

بشفاعته، وقد قال ابن الزّبير (١): «إِذَا بَلَغَ الحَدُّ الإِمَامَ، فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالمُشَفَّعَ» (٢). ••• [٢٥١٩] مسألة: قال مالك: وإن أُخذَتِ المرأةُ في حدِّ زنا، أو شرْب خمرٍ، أو قصاصٍ من جرحٍ، فادَّعت أنَّهَا حاملٌ، فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ بها، فإن تبيَّن حَمْلٌ، تُرِكَتْ حَتَّى تضع. فإن كان لولدها مالٌ، اسْتُرْضِعَ له منه وأقيم عليها الحدّ بما وجب عليها. وإن لم يَبِنْ بها حملٌ، أقيم عليها ما وجب عليها (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز قتل نفسين بجنايةٍ واحدةٍ، فوجب أن لا يقام عليها الحدّ حَتَّى تضعَ إذا كانت حاملاً. وكذلك قال النَّبيُّ ﷺ للغامدية: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي، ثمَّ تُرْضِعِي» (٤)، ثمَّ رجمها بعد ذلك. فأمَّا إذا ادَّعت أنَّهَا حاملٌ ولم يُعلَم ذلك، وتبيَّن أنَّهَا غيرُ حاملٍ، أقيم عليها

стр. 2160

الحدُّ؛ لِأَنَّهَا تريد إسقاطَ ما قد لزمها من الحدِّ أو تَأْخِيرِهِ عن الوقت الَّذِي قد وجب إقامتُه فيه. ••• [٢٥٢٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن تزوَّج الخامسة: • فَإِنْ كان مِمَّنْ يُعْذَر بِالجَهالةَ، فَلا حدَّ عليه. • وإن كان مِمَّنْ أتى ذلك بعلمٍ، رُجِم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا عُذِر بجهالةٍ، فلم يقصد الزِّنا، فلا حدَّ عليه، بمنزلة من وطئ بشبهةٍ، فلا حدَّ عليه. وإذا كان عالماً بالتَّحريم، فقد قصد الزِّنا، فعليه الرجمُ؛ لأنَّ عَقْدَهُ على خامسةٍ لا يبيح له وطأها. ••• [٢٥٢١] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن ولدت لستَّة أشهرٍ، أو بعدها بيومٍ، أُلْحِقَ الولدُ بالزَّوجِ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وضعت بعد أقلِّ مُدَّته (٣) الحملِ، فيُلحَقُ الولد بالواطئ.

стр. 2161

والدَّليل على أنَّ مدَّةَ الحمل تكون لستَّة أشهر - يعني: أقلَّ مدتِه -، قول الله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فإذا ذهب من الثَّلاثين شهراً أربعةٌ وعشرون شهراً، بقي ستَّة أشهر. وبهذا استدلَّ عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنَّ أجَلَ (١) مُدَّةِ الحملِ ستَّة أشهر، وأنَّ الولد يُلحَقُ بصاحب الفراش إذا أتت به لهذه المُدَّة (٢). ••• [٢٥٢٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن وُجِد مع امرأةٍ في لحافٍ، بات معها حَتَّى أصبح، فيُضْرب نَكالاً على قَدْرِ ما يرى الإمام، وربَّما كان النَّكال أكثر من الحَدِّ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فَعَلَ ما لا يجوز له فعله من نومه معها، فوجب أن يُعاقب على حسب ما يراه الإمام ردعاً له ولمثله. وليس يجب عليه بهذا الفعل حدُّ الزِّنا، حَتَّى يَثبتَ ذلك عليه بإقراره أو ببيِّنةٍ. فأمَّا النَّكال فعلى قدر ما يراه الإمام رادعاً للإنسان، وقد ضرب عمرُ بن الخطاب ﵁ في التَّعزير مئة سوطٍ، «ضَرَبَ مَعْنَ بَنَ زَائِدَةَ، حَيْثَ نَقَشَ

стр. 2162

عَلَى خَاتَمِهِ (١)، وَأَخَذَ بِهِ مَالَاً، وَحَبَسَهُ، ثمَّ كُلِّمَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: ذَكَّرتني الطَّعْنَ وكتَب ناساً (٢)، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِب مِئَةً، ثُمَّ حُبِسَ» (٣). ولَمَّا لم يكن لأصل التَّعزير حدٌّ، بل ذلك على حسب ما يراه الإمام من ردع من يؤدِّبه، على حسب حال الَّذِي يُرْدع من أجله، على قدر منزلته وعلمه وسِتْره، وكما قال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (٤)، وجب أن لا يكون لكثيره أيضاً حدٌّ. فأمَّا الحدود الَّتِي حدّها الله ، فلا يجوز تجاوزُها إلى زيادةٍ ولا نقصانٍ؛ لأنَّ الله قد حدَّها، وعَلِمَ أنَّ ذلك ردعاً للفاعل وصلاحاً له، فلا يجوز مجاوزتها بزيادةٍ ولا نقصانٍ. •••

стр. 2163

[٢٥٢٣] مسألة: قال مالكٌ: ومن أتى بهيمةً عُوقِبَ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعلُه. ولا حدَّ عليه؛ لأنَّهُ ليس بِزانٍ؛ لأنَّ الزِّنا إِنَّمَا يكون ببني آدم ﵇؛ لعلوِّ حرمتهم على غيرهم من الحيوان. وقد رُوِيَ حديثٌ عن عبد الله بن عباس، رواه عمرو بن أبي عمرو (٢)، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» (٣)، وهو غير ثابتٍ (٤). ••• [٢٥٢٤] مسألة: قال مالكٌ: ومن كان بينه وبين آخر منازعةٌ، فقال له: «يا مُراء، يا خائن»: • فإن كان في الصَّلاح وحسن الحال، عوقب. • وإن كان من دُنآءِ النّاس، أو هو من أهل السَّفه ولا يُبالي ما قيل له، عُوقِبَ على قدر ذلك.

стр. 2164

والنَّاس على قدر منازلهم: الرَّفيع، والدَّنيء (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد آذاه بما قال له، فوجب أن يُعاقَب إذا كان الَّذِي قال له من أهل الدِّين والمروءة. والعقوبة على حسبِ حالِ المؤذَى ودينهِ ومُروءتِهِ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (٢)، وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (٣)، فدلَّ بهذا أنَّ أحوالَ النَّاس مختلفةٌ، وأنَّهم يُكْرَمُون على حسب منازلهم، فكذلك يعاقب من آذاهم على حسب منازلهم. ••• [٢٥٢٥] مسألة: قال مالكٌ: وإذا أتى العجمُ الحدودَ، لم يُعْذَرُوا، وأقيم عليهم (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تحريم الزِّنا والسَّرَق والقتل في دين الإسلام مستفيضٌ عند النَّاس، فمن فعل ما يوجِب عليه حدّاً لِفِعْلِهِ، أقيم عليه ذلك، ولم يعذر بادِّعائه الجهالة - وإن كان أعجمياً -، إلَّا أن يكون مثله يُعلم أَنَّهُ لا يعلم تحريم ذلك. •••

стр. 2165

[٢٥٢٦] مسألةٌ: قال مالكٌ: وَمَنْ أَتَى برجلٍ إلى الإمامِ، فزعَمَ أنَّهُ سرقَ متاعَهُ: • فإذا كان إِنَّمَا أتاهُ لمظلمتِهِ، فلا أرى عليه شيئاً. • وإن قال ذلك في مشاتمةٍ، فعليه نَكَالٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصدْ أذاهُ بهذا القول، وإنّما قَصَدَ استخراجَ حقِّهِ بذلك. فإن كان ذلك في مشاتمةٍ، فقد قصد أذاه، فوجب أن يعاقب. ••• [٢٥٢٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «إنَّ أُمَّك لتُحِبُّ الظُّلَمَ»، فلا حدَّ عليه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الظُّلم قد يكون غيـ[ـر] (٣) الزِّنا، ولم يقل: إنَّها [ ..... ] (٤) تفعل الظلم، فلا حدَّ عليه، ولكن يعزَّر بأذائِهِ له في أُمِّهِ. ••• [٢٥٢٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قال مولىً لعربيٍّ: «أنا خيرٌ منك، وأقرب

стр. 2166

برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ منك»، فما أرى من أمرٍ بيِّنٍ، والعفو في مثل هذا أفضل. والنَّكال على قدر ما يرى الإمام من جُرم المأخوذ، وربما كان النَّكال أكثرَ من الحدِّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القول ليس فيه كثير أذى، فلا عقوبةَ على قائلِهِ، والعفوُ فيه أفضل، كما قال النَّبيُّ ﷺ (٢). ••• [٢٥٢٩] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن افترى على مَنْبُوذٍ، فيعزَّر بأذائه إيَّاه، ولا حدَّ عليه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المَنْبُوذَ في الأغلب هو ولد زناً؛ لأنَّ النّاس لا يرمون أولادهم إذا كانوا لغير زناً، وإن كان كذلك، فكأنَّه إِنَّمَا قال له ما هو عليه؛ فلا حدَّ على قائله له.

стр. 2167

ويعزَّر بأذائه إيَّاه؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوزُ لهُ فعله. ••• [٢٥٣٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «إنَّك لشحيحٌ بخيلٌ»، فَيُنْهى عنه، ولا أرى عليه ضرباً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القولَ خفيفٌ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ لم يقل ما يَجب به ضربه. ••• [٢٥٣١] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن قال لرجل: «كَذَبْتَ وأَثِمْتَ»، فإن كان من سَرَاةِ النَّاس (٢)، فأرى أن يُعَزَّر بالسَّوطِ، وهذا أشدُّ من الشَّحِيحِ، وذلك مختلفٌ. أمَّا الرَّجُلَانِ يختصمان، يقول أحدهما للآخر في خصومته: «كَذَبْتَ وَأَثِمْتَ»، فهذا مخالفٌ للَّذي يأتي الرَّجُلَ ليس بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عملٌ فيُكَذِّبَهُ (٣).

стр. 2168

• إِنَّمَا [قـ]ـال (١) ذلك؛ لأنَّهُ قد آذاهُ بهذا القولِ، فوجب أن يعاقبَ على قدرِ هيئة من [آذ] اه (٢) - في دينه ومروءته وشرفه، على ما بيَّنَّاه. ••• [٢٥٣٢] مسألة: قال مالكٌ: ولا أرى أن يعذَّبَ اللُّصُوص بالوَهَقِ (٣) والخَنَافِسِ، وإنّما هو الضَّرب والسِّجن، فإن لم يجد في ظَهْرِهِ مَضْرَبَاً سَجَنهُ، وأرى (٤) أن يُبْطَحَ فيُضْرَبَ على إليته إذا لم يجد في ظَهْرِهِ مَضْرَبَاً (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قد بَيَّنَ حَدَّ اللُّصوص، فلا يجوزُ تعدِّي ذلك إلى غيره، كما بَيَّنَ حَدَّ الزُّناة والقَذَفَة، فلا يجوز تعدِّي ذلك إلى غيره؛ لأنَّ ذلك ظلمٌ لهم، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]. •••

стр. 2169

[٢٥٣٣] مسألة: قال مالك: ومن أُخِذَ بليلٍ ومعه سيفٌ، فإن كان من أهل الطَّهارة والبراءةِ، فيَحْلِفُ بالله ﵎ (١). • يعني: يَحْلِفُ: «ما خرج لسوءٍ ولا مكروهٍ لأَحَدٍ». وإن كان من أهل الدَّعارة، عوقب على حسب ما يراه الإمام. ••• [٢٥٣٤] مسألةٌ: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «أُخْرِجْتَ من اليمن وحيداً طريداً»، فيَحْلِفُ ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ من أهل المدينة من خرج من الدين (٢) (٣). • يعني: أَنَّهُ يَحْلِفُ: «أَنَّهُ لم يُرِدْ بهذا القول سُوءاً، وأنه أراد الخير»، ثمَّ لا تكون عليه عقوبةٌ. ••• [٢٥٣٥] مسألة: قال مالكٌ: وأكرهُ لمن أَخَذَ قوماً في تهمةٍ له، أن يخلو ببعضهم، فيقول: «أَخْبِرني ولك الأمان» (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يعطيهم الأمان إن كانوا مِمَّنْ تجب

стр. 2170

عليهم الحدود؛ لأنَّ أَمَانَهُ لهم لا يُسقِط عنهم حدود الله اللَّازمة لهم، وإذا لم يجب عليهم حَدٌّ، فلا سبيل عليهم. ••• [٢٥٣٦] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «يا كلبُ»، فإن ذلك يختلف: • أن يُقالَ لذي الفضل والهيئة والشَّرف في الإسلام. • أو يُقالَ للدَّنِيءِ. فذلك يختلف في عقوبته (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه من قول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (٢)، فعقوبة القائل لهذا القول على حسبِ حالِ المقولِ لهُ: من دينِهِ، وعلمِهِ، وشرفِهِ، يجتهد في ذلك الإمام؛ لأنَّ من النّاس من لا يبالي بهذا القول إذا قيل له، ومنهم من يَعْظُمُ ذلك عليه. ••• [٢٥٣٧] مسألة: قال مالكٌ: ومن قال لرجلٍ: «لا أبَ لكَ»، فلا شيءَ عليْهِ، وإن كان في غضبٍ ومشاتمةٍ، فهو شديدٌ (٣).

стр. 2171

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا قال له ذلك في مشاتمةٍ، فقد نفاه عن أبيه، فعليه الحدُّ. ••• [٢٥٣٨] مسألة: قال مالك: ومن أصابَ ذاتَ مَحْرَمٍ، فعليه الحدُّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أتى مُحَرَّماً عليه، وهو زانٍ، فحكمهُ حكمُ الزَّاني في اعتبار حالِهِ في الحصانةِ وغيرِها. •••

стр. 2172

بَابُ مَا جَاءَ فِي القَطْعِ [٢٥٣٩] قال مالك: ومَن سرق مِنْ: حُرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، مِمَّنْ قد بلغ المحيض من النِّساء والحُلُمَ من الرِّجال، فبلغت سَرِقَتُهُ ربع دينارٍ، فعليه القطع (١). إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، ثمَّ بيَّن النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ المقدار الَّذِي يُقْطَع فيه. واتَّفق جملة أهل العلم على شرطِ السَّرقةِ: أن يكون المسروقُ في الحِرْزِ. فإذا اجتمع ذلك، قُطِع السَّارق إذا كان بالغاً عاقلاً مميِّزاً، سواءٌ كان حرّاً أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافراً، لا خلاف بين جملة أهل العلم في هذا - أعني: قطع السَّارق إذا كان بهذا الوصف -. واختلفوا في مقدار المسروق، فقال مالك ﵀: يُقطع إذا سرق ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم. والدَّليل على صِحّة ما قاله مالكٌ، ما رواه مالكٌ، وعُبَيْدُ الله، وأيوب، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ (٢) ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» (٣).

стр. 2173

وروى ابن وهبٍ، عن يونس، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، وعمرةَ، عن عائشة، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «السَّارِقُ يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ» (١). وروى ابن أبي حازم، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرةَ، عن عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهَ عَلَيْهِ قَطَعَ سَارِقَاً فِي رُبُعِ دِينَارٍ» (٢). وروى عبد الوهاب (٣)، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرة، عن عائشة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (٤). فإن قيل: قد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قطع في مِجَنٍّ قيمته عشرة دراهم (٥) (٦)؟ قيل له: نحن نقول بالخبرين جميعاً، يُقْطع في عشرة دراهم وفي ثلاثة دراهم، وفي ربع دينارٍ أيضاً؛ لحديث عائشة، نستعمل الأحاديث كلَّها ولا نترك بعضها.

стр. 2174

وهذا قولُ الصحابةِ والتابعين (١). ••• [٢٥٤٠] مسألة: قال مالكٌ: وإنّما يُنْظَرُ إلى قيمةِ السَّرقةِ حين تُسْرَق. وإن استأخر قَطْعُهُ - إمَّا بسجنٍ أو هَرَبٍ - حَتَّى أُخِذَ، فرخصت تلك السِّلعةُ أو غلت، فلا يُنْظرُ إلى ذلك، وإنّما يُنْظرُ إلى قيمتِها يومَ سَرَقَهَا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القطعَ إِنَّمَا وجبَ من أجلِ الفعلِ الَّذِي هو السَّرَق، فوجب أن تراعى قيمة المسروقِ يوم فِعْلِ السَّارقِ، لا ما بَعْدَ ذلك، كما وجب أن يراعى حال الزَّاني عند الزِّنا، لا ما بَعْدَ ذلك، فلو أنَّ عبداً زنا، ثمَّ عَتَقَ، لكان عليهِ حدُّ العبد؛ لأنَّهُ عبدٌ وقتَ الفعلِ المنهيِّ عنه، وكذلك السَّرقةُ مثله. ••• [٢٥٤١] مسألة: قال مالكٌ: وإذا دخل القومُ جميعاً منزلاً فسرقوا منه: • فإن كان مثل: مِكْتَلٍ (٣)، أو الخشبةٍ يحملونها جميعاً، أو الشَّيء يحمِلُهُ بعضُهم على بعضٍ، قُطِعوا جميعاً، وإن لم تكن تبلغ سرقتهم جميعاً كلّها إلَّا ربع دينارٍ.

стр. 2175

• وإن كان إِنَّمَا دَخلَ كُلُّ واحدٍ فأخذ شيئاً بيدِهِ وخرج به، فمن بلغ قيمة ما معه ربع دينارٍ قُطِعَ، ومن لم يبلغ ربع دينارٍ لم يُقْطَعْ (١). • إنَّما قال: «إنَّ عليهم القطع إذا سرقوا جميعاً ما قيمته ربع دينارٍ»؛ لِأَنَّهُم قد اشتركوا في فعل السّرق الَّذِي هو تناول المسروق، وليس يتميَّز فعل كلّ واحدٍ من فعل الآخر، فوجب قطعهم لهذه العلّة، كما يجب قتل الجماعة إذا قتلوا رجلاً فاشتركوا في قتله؛ لأنَّ فعلَ كلَّ واحدٍ منهم غيرُ متميِّزٍ، فوجب قتلهم كلّهم؛ إذ ليس أحدهم أولى بالقتل من الآخر، ولو لم يُقْتَلُوا، لأَدَّى ذلك إلى الهَرج والفساد. وكذلك لو لم تُقْطَعِ الجماعة إذا اشتركوا في سرقة ربع دينارٍ، أدَّى ذلك إلى سَرَقِ أموال النَّاسِ، فوجب ردُّ السَّرِقِ الَّذِي هو جنايةٌ إلى القتل الَّذِي هو جنايةٌ. فأمَّا إذا أَخَذَ كلّ واحدٍ منهم ما لا قطع فيه، فلا قطع عليه، بمنزلة ما لو انفرد بقتل من لا يجب القَوَدُ بينهم؛ لأنَّ حكم كلّ واحدٍ من السَّارقين منفردٌ بنفسه، كما لو انفرد كلّ واحدٍ من القتلة بقتل رجلٍ، كان حكمه معتبراً في نفسه دون غيره (٢). ••• [٢٥٤٢] مسألة: قال مالكٌ: ومن سَرَقَ فاخْتُلِفَ في قيمة سرقته، فإذا اجتمع عدلان على قيمة السَّرقة أنَّهَا ربع دينارٍ، قُطِعَ (٣).
следующие страницы →