[٣٢٩١] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: إنَّ من عَيْبِ القاضي، أنَّه إذا عُزِلَ، لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يَتَعَلَّمُ فيه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كأنَّه قد دخله ضَرْبٌ من الكِبْرِ والتِّيه (٢) لتقليده القضاء متى لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يتعلّم فيه أو يُعَلِّم، وذلك عيبٌ فيه.
•••
[٣٢٩٢] قال مالكٌ: سمعت أنَّه يُستَحبُّ للرَّجُلِ إذا دخل منزله أن يقول: «ما شاء الله، لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله» (٣).
• لأنَّ الله تعالى يقول في كتابه، في الرَّجُلَينِ أو أحدهما: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، فهو يَسْتَحِبُّ ذلك عند دخول الرّجل حجرته وبيته.
•••
[٣٢٩٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: أَتَرَاهُ صالحاً أن يأكل الرّجل من طعامٍ لا يأكله عيالُهُ ورقِيقُهُ، ويلبس ثياباً لا يكسوهم مثلها؟
فقال: إي والله، إنّي لأراه من ذلك في سَعَةٍ، ولكن يُحْسِن إليهم ويطعمهم.
стр. 2767
فقيل لمالكٍ: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدّرداء (١)؟
فقال: كان النّاس يومئذٍ، ليس لهم هذا القوت (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإنسان مباحٌ له أن يأكل ويلبس مِمَّا قد رزقه الله تعالى من المال، ما يحبُّه ويشتهيه، ويتجمَّلُ به عند النَّاس، ما لم يكن فِعْلُهُ سَرَفَاً، فجاز له في ذات نفسه أن يفعل ذلك ويختصَّ به دون عياله، بعد أن يُوَفِّي عياله حقوقهم.
وقد كان للنّبي ﷺ ثيابٌ يتجمَّل بها للجمعة والأعياد والوفود إذا قدموا عليه (٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ، سِوَى
стр. 2768
ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (١)، فدلَّ هذا أنَّ التَّجَمُّلَ في النَّاس مستحبٌّ.
•••
[٣٢٩٤] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يشتري العَبْدَ، فيَسْأَلُهُ بالله لا يشتريْهِ؟
قال: أحَبُّ إليَّ أن لا يشتريه، فأمَّا أن يُحْكُمَ عليه بذلك فلا (٢).
• إنَّما استَحَبَّ له أن لا يشتريه؛ لِمَا قد أَقْسَمَ عليه العبد من ترك شرائه.
فأمَّا أن يكون ذلك واجباً عليه فلا؛ لأنَّ شراءه له مباحٌ، ولا يلزمه ترك شرائه من أجل قسم غيره عليه.
•••
[٣٢٩٥] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن النِّسبة الَّتِي ينتسب إليها النَّاس، حَتَّى يبلغوا آدم ﵇، أتكره ذلك؟
قال: نعم، إنّي أكره ذلك.
فقلت له: أيَنْتَسِبُ حَتَّى يبلُغَ إبراهيم وإسماعيل ﵉؟
فقال: لا أحبّ ذلك.
قال: وأكره أن يُرْفَع في أنساب الأنبياء كغيرهم، يقول» «إبراهيم بن فلانٍ بن فلانٍ»، ما يُدْرِيه ما هذا؟، ومن يخبره بهذا؟ (٣).
стр. 2769
• إنَّما كره النِّسبة إلى آدم وإبراهيم وأشباههما؛ لأنَّ معرفة ذلك لا تُعلَم من طريق العقل، وإنّما تُعْلم من جهة الخبر، وليس في هذا خبرٌ صحيحٌ يُعتَمَد عليه، وقد رُوِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]، فَقَالَ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ» (١)، فيُكْرَه أن يُنْسَبَ الإنسانُ إلى غير أبيه، ولا سيّما الأنبياء ﵈؛ لوجوب حقهّم، وثبوت حرمتهم على النّاس.
•••
[٣٢٩٦] قال أشهب: قال مالكٌ: الفَظَّةُ مكروهةٌ، يقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله سبحانه قال حاكياً عن لقمان الحكيم: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، وقال : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» (٣)، وقال أبو الدَّرداء، سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَا وُضِعَ فِي
стр. 2770
المِيزَانِ شَيْءٌ أَثْقَل مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» (١)، وقال الزُّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٢)، وقال الزهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ» (٣)، ورُوِيَ في الخبر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (٤)، وقال الأصبغ بن نباته (٥)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇: «مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ، وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ» (٦)، فيُسْتَحَبُّ للإنسان أن يكون في كلامه لَيِّنٌ، وفي أموره متواضعٌ؛ لأنَّ ذلك من أخلاق المؤمنين، ولايكون فظّاً غليظاً جافياً؛ لأنّ ذلك من أخلاق الجبابرة، وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَلَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَّا رَفَعَهُ الله ، وَلَا عَفَا عَنْ مَظْلَمَةٍ، إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا عِزّاً» (٧).
•••
стр. 2771
[٣٢٩٧] وسُئِلَ مالكٌ عن بعض (١) ما جاء من الحديث: «يُكْرَهُ إضاعة المال» (٢)؟
قال: ألا ترى قول الله : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:٢٦] الآية، وهو: مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، ووضعه في غير حقِّه (٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ التَّبذير سفهٌ، ومن السّفه أخذ المال من غير حقّه، ووضعه في غير حقّه؛ لأنَّ الحكمة وضع الأشياء مواضعها، والسّفه هو ضدّها، وهو وضع الأشياء غير مواضعها.
•••
[٣٢٩٨] قال أشهب: سمعت مالكاً يقول: لا تنبغي الإقامة بأرضٍ يُعْمَلُ فيها بغير الحقِّ والسَّبّ للسَّلف، قال أبو الدَّرداء لمعاوية ﵁ حين قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا، قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا كُنْتُ أَرَى بِهَذَا بَأْسَاً، قَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَتُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا، فَخَرَجَ عَنْهُ» (٤).
قال مالكٌ: والنَّاس كانوا يخرجون من الكلمة، وهذا يقيم على هذا العمل
стр. 2772
بغير الحقِّ والسبِّ للسَّلف!، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإنسان قد أُمِر بترك مجالسة أهل المعاصي والباطل واللَّهو، وأُمِرَ بمفارقتهم، قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] (٢) فأمر الله سبحانه نبيَّه ﷺ بمفارقة أهل الكفر والمعاصي، وأمر بقتال أهل البغي والمعاصي بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (٣)، فوجب بما ذكرناه مفارقة أهل الظُّلم وترك مخالطتهم والخروج عن جملتهم، وترك الإقامة بالأرض الَّتِي هم فيها؛ لئلا يجري حكمهم عليه ولا يذلُّونه.
هذا إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه لضعفٍ أو عِلَّةٍ، كان في سَعَةٍ من ذلك إذا أقام في الأرض الَّتِي هم فيها ولم يخالطهم، ولم يُعِنهم على أمرهم وأنكر
стр. 2773
ما يأتونه بقلبه إن لم يمكنه إنكاره بيده أو لسانه، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]، يعني: أَنَّهُ لا ضيق عليهم في التخلّف عن رسول الله ﷺ إذا لم تكن لهم قوَّةٌ على الخروج معه، وقال : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة:٩٣]، فدلَّ على أنَّ الضَّعيف في بدنه وماله معذورٌ في التَّخَلُّفِ عن الخروج مع النَّبيِّ ﷺ ، فكذلك هو معذورٌ بتركه الخروج عن الأرض الَّتِي يُعمَلُ فيها بالمعاصي.
•••
[٣٢٩٩] قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن امرأةٍ من أهل الكتاب، أقبلت تريد الإسلام بمكّة؟
قال: تُسْلِمُ بالمدينة؛ فإنَّها دار الهجرة، ولعلها أن تموت كافرةً قبل أن تبلغ مكّة (١).
•••
[٣٣٠٠] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يقوم للرَّجُلِ الَّذِي له الفقه والفضل، فيُجْلِسُهُ؟
стр. 2774
قال: إنَّ ذلك مِمَّا يُكْرَه، ولكن لا بأس أن يُوَسِّعَ له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ إذا كان قيامه له تعظيماً له في نفسه، فأمَّا إذا كان قيامه له لدينه أو علمه أو شَرَفِهِ، أو لمعنى متعلِّقٍ بأمر الله تعالى، كان ذلك جائزاً؛ لأنَّ في ذلك تعظيماً لأمر الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال النَّبيُّ ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٢)، حين أقبل سعدٌ.
•••
[٣٣٠١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يقول للرَّجُلِ: «أَمْتَعَ الله بِكَ»؟
فقال: لا بأس بذلك، بمنزلة ما يقول: «عافاك الله وأصلحك» (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا القول دعاءٌ له، فلا بأس أن يدعو المرء لأخيه، وبخاصَّةٍ إذا كان المدعو له مِمَّنْ ينتفع به المسلمون.
•••
стр. 2775
[٣٣٠٢] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكاً يقول: إذا كُنْتَ في أمرين أَبَدَاً، أنت من أحدهما في شكٍّ، فخذ بالّذي هو أوثق (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رواه الزُّهريُّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمَاً، فَإِذَا كَانَ مَأْثَمَاً، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» (٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٣)، وقال: «مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ» (٤)، فلهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأوثق في أمر دينه، وبالأيسر في أمر دنياه.
•••
[٣٣٠٣] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: إنَّ الأشياء إِنَّمَا فسدت وقَبُحَتْ، حين تُعُدِّيَ بها منازلها (٥).
•••
стр. 2776
[٣٣٠٤] وقال مالكٌ: لا ينبغي لأحدٍ أن يُفَاحِشَ المرأَةَ، ولا يُرَادّها، ولا يُكْثِرُ مُرَاجَعَتَهَا (١).
•••
[٣٣٠٥] قال ابن وهبٍ: سُئِل مالكٌ عن الأكل في المسجد؟
فقال: أمَّا الشَّيء الخفيف، مثل: السَّوِيق، والطَّعام اليسير، فأرجو أن يكون خفيفاً، وأمّا الطّعام الكثير، مثل: ألوان اللّحم، وغير ذلك، فلا يعجبني، والخفيف أيسر، ومن النّاس من يشتدّ عليه الصِّيام، وليس كلّ النّاس في الصِّيام سواءٌ، الرّجل الضَّعيف وما أشبهه، فذلك لا بأس به في الخفيف من الطّعام.
فقيل له: فالرِّحاب من المسجد؟
قال: ولا الرِّحَاب من المسجد، أكره ذلك في الطَّعام الكثير.
قال مالكٌ: أرَأَيْتَ هذا الَّذِي يأكل اللّحم في المسجد، أليس يريد أن يغسل يده؟
فقيل له: بلى.
قال: أليس يخرج؟
قالوا: بلى.
стр. 2777
قال: فليخرج إذا أراد أن يأكل مثل هذا.
قال مالكٌ: وقد بلغني أنَّ مساجد أهل مصر يُصْبِحُون وبقيَّةُ ذلك في مساجدهم، فلا يعجبني هذا ولا أحبّه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، فأخبر أنَّ المساجد بُنِيَت للصَّلاة والذِّكر اللَّذَينِ هما أمر الآخرة لا أمر الدنيا، فيجب أن يجتنب الأكل والشُّرب والبيع والشَّراء فيها، وكلّ ما كان من أمر الدُّنيا.
وكذلك قال عطاء الخراساني للَّذي رآه يبيع في المسجد: «عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ هذَا سُوقُ الآخِرَةِ» (٢)، فلهذا المعنى يُكْرَه الأكل والشُّرب إذا كثر في المسجد، فأمَّا إذا خفَّ فلا بأس به.
•••
[٣٣٠٦] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يبني في داره مسجداً، ويتَّخِذُ فوقه منزلاً يسكنه، فيفتحونه لِلْقَبِيلِ يصلُّونَ فيه؟
قال: لا خير في أن يَتَّخِذَ فوقه منزلاً لنفسه، وكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شديدة، قال: وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إمَامَ هُدَىً، وكان قد اتّخذ طريقاً إلى ظَهْرِ المسجد، فربما
стр. 2778
تَصَفَّ (١) فيه، فلم يكن تقربه فيه امرأةٌ ولا جاريةٌ، وهذا يريد أن يجعله منزلاً فوقه، فلا يعجبني ذلك (٢).
• إنَّما كره ذلك؛ لأنَّهُ قد يجوز أن يجامع في البيت الَّذِي هو فوق المسجد ويبول فيه وأشباه ذلك، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّه يفعل ذلك فوق المسجد، وفي ترك ذلك تعظيمٌ لأمر الله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
•••
[٣٣٠٧] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن تقليم الأظفار وقصّ الشّارب في المسجد، يَجْعَلُ ذلك في ثوبه؟
قال: لا يفعل ذلك، ولكن ليخرج إذا أراد أن يفعل.
فقيل له: يدفن الشَّعر والأظفار؟
فأنكر ذلك وقال لي: لا تفعله (٣).
стр. 2779
• إِنَّمَا كره ذلك في المسجد؛ تعظيماً له، ولجواز أن يسقط شيءٌ منه في المسجد، وذلك مكروهٌ.
•••
[٣٣٠٨] قال مالكٌ: ولا أحبّ لأحدٍ أن يتسوَّكَ في المسجد؛ من أجل ما يخرج من السِّواك فيلقيه في المسجد، ولا أحبُّ لأحدٍ أن يتمضمض في المسجد (١).
•••
[٣٣٠٩] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سمعنا مالكاً يُسْأَل عن المصاحف، يُكْتَبُ فيها «خواتم السُّور، من كلّ سورةٍ ما فيها من آيةٍ»؟
فقال: إني لأكره ذلك في أمَّهَات المصاحف أن يُكْتَبَ فيها شيءٌ أو تُشْكَلَ، فَأَمَّا ما يتعلَّم فيه الغلمان من المصاحف الصّغار، فلا أرى بذلك بأساً (٢).
[٣٣١٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: أرأيت من اسْتُكْتِبَ مصحفاً اليوم، أترى أن يَكْتُبَ على ما أَحْكَمَ النّاس من الهجاء اليوم؟
قال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكِتْبَةِ الأولى، وممّا يُبَيِّن ذلك عندي أنَّه هكذا؛ لأنَّ «براءة» لَمَّا لم يوجد أوّلها، لم يُكْتَب فيها: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»؛
стр. 2780
لئَلَّا يوضع شيءٌ في غير موضعه، والنَّاس كلَّما كتبوا في الألواح من القرآن من أوّل السُّورة وآخرها، كتبوا فيه: «بسم الله الرحَّمن الرَّحيم»، ولم يفعلوا ذلك في المصاحف حين لم يجدوا أوَّل «براءة».
فقيل له: أرَأَيْتَ تأليف القرآن كلّه، كيف جاء هكذا وقد بُدِئ بالسّور الكبار، الأُوَلَ فالأُوَلِ، وبعضهم نزل قبل بعضٍ؟
فقال: أجل، قد نَزَلَ بمكَّة، وأُنْزِلَ عليه بالمدينة، ولكن أرى أنَّهم ألَّفُوا على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ (١).
• إِنَّمَا كره إثبات عدد آي السّور في أولّ كلّ سورةٍ في المصاحف الأمّهات؛ لأنَّ ذلك محدثٌ، ولم يكن في القديم، فكره ذلك، وكذلك شَكْلُ المصحف ونَقْطُهُ، لم يكن ذلك في عصر أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنّما حدث بَعْدُ، فكره مالكٌ ذلك في أمّهات المصاحف.
فأمَّا ما كان لتعليم الصّبيان وغيرهم، فإنَّ ذلك خفيفٌ؛ للحاجة إلى ذلك.
•••
[٣٣١١] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الحلية للمصاحف (٢)؟
стр. 2781
فقال: لا بأس به، وإنَّه لحسنٌ، إنَّ عندي لمُصْحَفَاً لجدّي، كتبه إذ كتب عثمانُ المصاحف، عليه حليةٌ كثيرةٌ من فضَّةٍ، كذلك كان، ما زِدْتُ أنا فيه شيئاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في فعل ذلك زينةً للمصحف وجمالاً له، وذلك مباحٌ؛ لأنَّ حلية السّيف والمصحف ولبس الخاتم إذا كان ذلك كلّه من فضَّةٍ جائزٌ للرجال، لا يجوز لهم اتِّخاذ حليٍّ غير هذا.
•••
[٣٣١٢] وسُئِلَ مالكٌ عن الحرف يكون في القرآن، مثل: الواو، والألف، أترى أن يُغَيَّر من المصحف إذا وُجِدَ فيه كذلك؟
قال: لا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز تغيير المصحف عمّا نُقِل عليه، مِمَّا نقله الخلف عن السّلف، ولو جاز تغيير الحرف منه، لجاز تغيير الكلمة، وهذا غير جائزٍ؛ لأنَّهُ يؤدّي إلى تغيير القرآن وتبديله.
•••
[٣٣١٣] قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً يكره أن يُكْتَبَ القرآن في الصُّحُفِ، قال: بلغني أنَّ رجلاً قال له: «أكْتُبُ في الصُّحُفِ، أتخفَّفُ بها»؟
стр. 2782
فكره ذلك أن يُفَرَّقَ في كتابه، فيُحمَلَ أسداساً وأسباعاً، وعاب ذلك على من فعله (١).
• إِنَّمَا كره ذلك؛ لئلا يُفَرَّق القرآنُ؛ وليكون في موضعٍ واحدٍ.
وليُتْرَك على ما جعله السّلف؛ لأنَّهُ ينبغي لنا أن نقتدي بفعلهم ونتَّبِع آثارهم، وقد مدح جلَّ وعزَّ التابعين للسَّلف فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وذمَّ مخالفة طريقهم فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥].
•••
[٣٣١٤] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن صبيٍّ - ابن سبع سنين - ختم القرآن؟
قال: ما أرى هذا ينبغي (٢).
• إنّما كره ذلك؛ لأنَّهُ إذا تعلّمه على هذه السُّرعة، لم يُحْكِم أَخْذَهُ ويعرف حدوده، وسَبِيلُ مَنْ تعلّمَ القرآن أن يتعلَّمه ويتبيّن أحكامه وحدوده حسب طاقته، والصّبي لا يمكنه هذا في الأغلب، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يبقون في السُّورة المدّة الطَّويلة، يتعلَّمونها ويتبيّنون ما فيها من الأحكام.
•••
стр. 2783
[٣٣١٥] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سألنا مالكاً عن الإيمان، يزيد؟
قال: قد ذكر الله تعالى زيادته في غير آيٍ مِنَ القُرْآنِ.
فقلت له: أبعضه أفضل من بعضٍ؟
فقال: نعم.
قال مالكٌ: الإيمان: القول والعمل (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ الإيمان يزيد»؛ لأنَّ الله تعالى قد ذكر زيادته في غير موضعٍ، فقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١].
فأمَّا نقصانه، فقد كره مالكٌ الكلام فيه؛ لأنَّهُ لم ير له ذكر نقصانٍ في كتاب الله ، ولا سنَّة رسوله ﷺ .
والدّليل على أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، قول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، فدلَّ على أنَّ الكلم الطيِّب يرتفع بالعمل الصَّالح.
وكذلك رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» (٢)،
стр. 2784
فجعل أعمال الإسلام من الإسلام، بمنزلة قول لا إله إلَّا الله، أنَّ الإسلام إلَّا يتمُّ إلّا بها، فكذلك شرائعه، لا يتمّ الإسلام إلَّا بإتيانها.
•••
[٣٣١٦] وسُئِلَ مالكٌ عمَّن يتحدث الحديث الَّذِي قالوا: «إِنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (١)، والَّذِي جاء: «أَنَّ الله يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي جَهَنَّمَ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ أَرَادَ» (٢)؟
فأنكر ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يَتَحَدَّثَ بها أحدٌ (٣).
فقيل له: إنَّ ناساً من أهل العلم يتحدّثون بها؟
فقال: من هم؟
فقلنا له: ابن عجلان، عن أبي الزِّناد.
فقال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالماً (٤).
• إنّما كَرِهَ أن يُتَحَدَّثَ بهذِهِ الأشياء؛ مِنْ قِبَلِ أنَّها ليست صحيحة الإسناد
стр. 2785
عنده (١)، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ويُتَحَدَّث عنه بما ليس بصحيح الرّواية عنه.
ولأنَّ في ذلك ضرباً من التّشبيه، والله يتعالى عن التّشبيه بخلقه، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] (٢).
ولأنَّ هذه الأحاديث إذا صحَّت، لم توجب علم الحقيقة، وإنّما توجب علم الظَّاهر، ولا يجوز ترك ما يوجب العلم الحقيقيَّ الَّذِي أوجبه العقل بخبر غير صحيحٍ، ولو صحَّ أيضاً، لَمَا أوجب العلم الحقيقيَّ كما يوجبه العقل والقياس (٣).
•••
стр. 2786
[٣٣١٧] وقد سُئِلَ مالكٌ عمَّا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (١)؟
فقال: تُرْسَلُ هذه الأحاد [يث] كما جاءت - يعني: إذا صحَّت - (٢).
وسُئِلَ عن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟
فقال: الاستواء معلومٌ، والكيفيّة غير معلومةٍ، والسُّؤال عن هذا بدعةٌ (٣).
стр. 2787
وكان مالكٌ يكره الخوض في الكلام والجِدَالَ في الدِّين، وقال: الجدال في الدِّين يُقَسِّي القلب (١).
•••
[٣٣١٨] قال أشهب: وقال مالكٌ: وقد أُمِرَ النَّاس أن يُصَلُّوا نحو بيت المقدس ستَّة عشر شهراً، ثمَّ أمِرُوا بالبيت، فقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، في صلاتهم إلى بيت المقدس.
قال مالكٌ: وإنّي لأكره قراءة (٢) هذه الآية، ما قالت المرجئة: «إنّ الصَّلاة ليست من الإيمان»، وقد سمّاها الله من الإيمان (٣).
•••
[٣٣١٩] قال: وسمعت مالكاً وسُئِلَ عمَّن قَدِرَ على كلام الزَّنادقة والقدرية والإباضيَّة وأصحاب الأهواء، يُكَلِّمُهُم؟
قال مالكٌ: لا يُكَلِّمُهُم، وإنَّ الَّذِينَ كانوا يَخْرُجُونَ، إِنَّمَا عابوا المعاصي لله ، وإنَّ هؤلاء تكلّموا في أمر الله جَلَّ وَعَزَّ (٤).
стр. 2788
[٣٣٢٠] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول: كان ذلك الرَّجُلُ (١)، إذا جاءه بعض هؤلاء، قال: «أمَّا أنا فعلى بيِّنةٍ من رَبِّي، وأمّا أنت فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه».
وقال ذلك الرّجل: «يُلَبِّسُونَ على أنفسهم، ثمَّ يطلبون من يُلَبِّسون عليهم» (٢).
[٣٣٢١] قال أشهب: سألت مالكاً عن مجالسة القدرية وكلامهم؟
فقال: لا تجالسهم ولا تكلّمهم، إلَّا أن تجلس إليهم تُغَلِّظُ عليهم.
قلت: إنَّ لنا جيراناً أجالسهم، ولا أكلّمهم ولا أخاصمهم.
قال: لا تجالسهم، عَادِهِم في الله، فإن الله جَلَّ وَعَزَّ يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا تُوَادُّوهم ولا تزوروهم.
وقال: ما أَبْيَنَ هذا في الردِّ على القدرية: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً
стр. 2789
فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١١٠]، وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (١)، فهذا لا يكون أبداً يرجع ولا يزال (٢).
[٣٣٢٢] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن عيادة أهل القدر؟
فقال: لا تعودوهم، ولا تُحَدِّث عنهم.
قال: وكان لقمان الحكيم يقول لابنه: «يا بني: لا تجالس الفُجّار ولا تماشهم، لا ينزل عليهم عذابٌ فيصيبك معهم، يا بني: جالس الفقهاء ومَاشِهم، عسى أن تنزل عليهم رحمةٌ فتصيبك معهم» (٣).
[٣٣٢٣] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن أهل الأهواء، أَيُسَلَّم عليهم؟
قال مالكٌ: أهل الأهواء بئس القوم، لا يُسَلَّم عليهم، واعتزالهم أحبّ إليّ (٤).
[٣٣٢٤] قال: وسمعت مالكاً وسُئِلَ عن الرّجل يُتَّهَمُ بهذه الأهواء: الإباضيَّة والقدرية وغير ذلك، أتَرَى بهجرته بأساً؟
فقال: من كان هكذا، فلا خير فيه (٥).
стр. 2790
• إنَّما قال: «إنَّه لا يُكَلَّم أهل الأهواء والبدع على وجه الجدال والنَّظر»؛ لأنَّهُ يُكره له أن يزيلوه عن الحقِّ الَّذِي يعتقده ويقدحوا له شكّاً فيما هو عليه من الصّواب والسّلامة واتِّباع الحق، لا سيما إذا كان المُكِلِّمُ لهم غير عالمٍ بالكلام، ومعرفة الدَّليل العقلي والسّمعي، والعلم بأصول ذلك، فاستحب له مالكٌ ترك كلامهم على وجه الجدال.
فأمَّا على وجه النَّصيحة لهم والغلظة، فَإِنَّهُ يجوز ذلك؛ لجواز أن يتركوا ما هم عليه.
فأمَّا كراهته لكلامهم في غير الجدال أيضاً، والسَّلامِ عليهم، وعيادتهم إذا مَرِضُوا، وتزويجهم والتّزويج إليهم، فإنّهم لَمَّا كانوا على غير حقٍّ في دينهم، وجب مباينتهم، كما وجب مباينة أهل المعاصي والظُّلم، وقد قال الله : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فوجب لِمَا ذكرنا مجانبة أهل المعاصي والبدع والزّيغ؛ لفعلهم ما لا يجوز، واعتقادهم غير الحقِّ.
ويكره لمخالفة أهل الحق لهم أن يُنْسَبُوا إليهم، وقد قال الأعمش: «اجتمع رأي التّابعين، أن لا يسألوا عن المرء بعد أن ينظروا من يخادن» (١)، وقد رُوِيَ عن
стр. 2791
النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَال» (١)، فيكره بما ذكرنا كلامُ أهل البدع كلّهم على وجه الجدال وغيره، وتجب مجانبتهم وترك الأُنْسِ بهم، وقد رُوِيَ عن عبد الله بن مسعودٍ أَنَّهُ قال: «إِذَا رَأَيْتَ الفَاجِرَ، فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍ» (٢)، فلهذا قال مالكٌ: إنَّه لا يُسَلَّم عليهم، ولا يَزَوَّج أحدٌ من أهل الأهواء والبدع، من: القدرية، والإباضيَّة، والخوارج، ومن أشبههم.
وقال عبد الرزاق: سألت مالكاً عن القدريّ؟
فقال: هو الَّذِي يقول: «إنَّ الله لا يعلم الشَّيء حَتَّى يكون».
وعلى هذا يدلُّ كلام مالكٍ واحتجاجه على القدرية، أنَّهم هم عنده الَّذِينَ يقولون هذا القول.
وهذا القول مِمَّنْ قاله مخالفٌ للقرآن؛ لأنَّ الله جَلَّ وَعَزَّ قد أخبر عمَّا لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، (٣) فمن قال: «إنَّ علم الله جَلَّ وَعَزَّ محدثٌ»، فقد خالف كتاب الله، وضلَّ بقوله، وخالف ما مضى عليه سلف هذه الأمَّةِ.
وقال مالكٌ، عن عمّه أبي سهيلٍ: سألني عمر بن عبد العزيز عن القدريَّة؟
فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلّا عرضتهم على السّيف.
стр. 2792
قال عمر: ذلك رأيي.
قال مالكٌ: وذلك رأيي (١).
وقال ابن القاسم: سألت مالكاً عن الإباضيَّة؟
فقال: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قُتِلوا (٢).
قلت: فهذا رأي مالكٍ في الإباضيَّة وحدهم؟
قال: هذا رأي مالكٍ في الإباضيَّة، وفي سائر أهل البدع.
وقال ابن وهبٍ، وأشهب، وابن عبد الحكم عن مالكٍ في الإباضيَّة: إنَّهم يستتابون، وكذلك أهل البدع كلّهم يستتابون، فإن تابوا، وإلا قتلوا (٣).
وقالوا جميعاً: لا يُعَادُ أهل البدع، مِنَ: القدرية، والإباضيَّة، وأشباههم من أهل الأهواء (٤).
قال مالكٌ هذا في كتبه الأحكام، مثل: الحدود، والجهاد، لا في حِكَايَةٍ شاذَّةٍ عنه.
стр. 2793
وقال ابن القاسم: قال مالكٌ: إذا خرج قومٌ على إمام عدلٍ، فأظهروا الهوى والعصبيَّة كما فعله أهل الشّام، فأرى أن يُجَاهَدُوا حَتَّى يرجعوا إلى الحقِّ (١).
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى خلف أهل البدع، ولا تُقْبَل شهادتهم (٢).
فهذا مذهب مالكٍ في أهل البدع والأهواء، مثل: القدريَّة، والإباضيَّة، والخوارج، ومن أشبههم.
ورأيت في كتاب رجلٍ ليس من أهل الفقه، قد نسب مالكاً إلى رأي الإباضيَّة، والشافعيّ إلى رأي الرّافضة، وأبا حنيفة إلى الإرجاء، ولم يَحِلَّ لهذا الرّجل أن يَنْسِبَ هؤلاء القوم إلى دينٍ لا يُعرَفون به.
فأمَّا مالكٌ: فقد ذكرنا قوله في الإباضيَّة، وما يراه من الرّأي فيهم، أنَّهم يُستَتابون، فإن تابوا وإلَّا قُتِلوا.
والإباضيَّة ضربٌ من الخوارج، يتولَّون أبا بكرٍ وعمر، ويتبرَّؤون من عثمان وعليٍّ وكثيرٍ من الصَّحابة ﵃.
فهذا ما عرفناه من مذهب مالكٍ، فأمَّا ما في القلب، فلا يعلمه إلّا خالق القلب، ولا يحلّ لأحدٍ أن يَنْسِبَ أحداً إلى دينٍ لا يعلمه، لا سيّما مثل مالك بن أنسٍ في دينه وفضله وإمامته؛ إذ كان من أهل القرآن والحديث والفقه
стр. 2794
والورع، وهو إمام دار الهجرة، وشيخ الحجاز الَّذِي حفظ علم الحجاز وعرفه، وقال الشافعيُّ: «لولا مالكٌ وابن عيينة، لذهب علم الحجاز» (١).
وابن عيينة، فإنَّما نُقِلَ عنه الحديث ولم ينقل عنه الفقه، ومالكٌ فنُقِلَ عنه الأمران جميعاً.
وقد أفتى مالكٌ نحواً من سبعين سنةً، وحدَّث مثلها، وحُدِّثَ عنه عشرون ومئة سنةٍ، منها خمسون سنةً وهو حيٌّ، وحدَّث عنه جماعةٌ من التَّابعين، مثل: الزّهريّ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وحدَّث عنه الأئمة، مثل: الأوزاعيّ، والثّوريّ، وأبي حنيفة، وحملوا عنه، فكيف يحلُّ لأحدٍ أن يُضِيف مثل هذا الرّجل الجليل إلى بدعةٍ، هذا ما لا يسع مسلماً فعله.
وقد كان مالكٌ - لشدّته على أهل الأهواء والزَّيغ - ينحرفون عنه، فأمَّا أن يُتَعَّلق عنه ببدعةٍ أو حادثةٍ، فنعوذ بالله من ذلك، وقد كان أشدَّ النَّاس اتّباعاً لسلفه وشيوخه مِمَّنْ أدركهم، وإنّما أدرك التَّابعين [في الأكثر] وجالسهم وأخذ عنهم، وقد كان مع ذلك مُعَظِّمَاً للدِّين وأهله، مُجِلّاً للعلم، حَتَّى لا يحدِّثُ إلَّا على طهارةٍ، ولا يفتي إلَّا كذلك، هذا مشهورٌ عنه.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت رجلاً أعقل من مالكٍ، ولا رأيتُ أحداً، لله أهيب في قلبه من مالكٍ» (٢).
وكُتُبُ مالكٍ مملوءةٌ بالرِّواية عن أهل البيت، مثل: عليّ بن أبي طالب،
стр. 2795
وولده من بعده، وقد جالس جعفر بن محمد سنين وحَمَلَ عنه، وإنَّه ليقول في الموطَّأ: «بلغني عن عليّ بن أبي طالبٍ»، فيبنى عليه الباب ويقول به، ويكون عنده خبرٌ متَّصلٌ عن عمر وابنه فيدعه، وكذلك عن غيره، لِمَا يرى أنَّ الحقَّ في غيره، وكذلك يقول: «بلغني عن ابن مسعودٍ، فيبنى عليه ويقول به».
وقد رُوِيَ عن معنٍ أنَّه قال: سمعت مالكاً يقول: من سبَّ واحداً من السَّلفِ، فلا حظ له في الفيء (١).
وقال ابن وهبٍ: قيل لمالكٍ: لم لا تخضب؟
فقال: كان عليُّ بن أبي طالبٍ لا يخضب.
وروى غيره: أنَّ رجلاً من ولاة المدينة قال لمالكٍ: يا أبا عبد الله، لم لا تخضب؟
فقال: لم يبق من عدلك إلّا أن أخضب أنا، كان عليّ بن أبي طالبٍ لا يخضب (٢).
وقال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول: تُوُفِّي رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكرٍ سنتين، وعُمَرُ عشر سنين، وعثمان اثنتي عشرة سنةً، ثمَّ سار عليٌّ مَسِيرَهُ، فخرجت عليه الخوارج.
فهذا مذهب مالكٍ واعتقاده فيمن خالف عليّاً وقاتله؛ لأنَّه يرى أنَّ الحق معه والصّواب ما هو عليه، ومن خالفه مخطئٌ، لكنّه غير كافرٍ ولا فاسقٍ ولا ضالٍّ
стр. 2796
بالخطأ؛ لأنَّ المجتهد في الدِّينِ - إذا كان في غير التّوحيد والعدل - إذا أخطأ معذورٌ، لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق.
ألا ترى: أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد خالف بعضُهم بعضاً في الأحكام، وخطَّأَ بعضهم بعضاً، ثمَّ لم يُكَفِّر أحدهم من خالفه ولا ضَلَّله؛ لأنَّ طريق ما قالـ[ـوا فيه] الاجتهاد لا النّصّ، وكذلك ما فعلوه في الإمامة، طريقه الاجتهاد لا النَّصّ، فلم يُكَفِّروا ولم يُفَسِّقُوا ولم يُضِلّوا، وإن أخطأ بعضهم في الاعتقاد والفعل، وقد قال رسول الله ﷺ : «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (١).
فهذا مذهب أهل العلم والفقهاء في اجتهاد أصحاب رسول الله ﷺ في الأحكام كلّها، من الإمامة وغيرها، أنَّ المصيب منهم مأجورٌ، والمخطئ معذورٌ بخطئه، غير كافرٍ ولا فاسقٍ ولا ضالٍّ، ومن خرج عن هذا الاعتقاد فيهم، خرج ولم يحلّ له ذلك، لا أنَّه (٢) ينسب بعضهم إلى كفرٍ أو فسقٍ أو ضلالٍ، ونعوذ بالله من ذلك.
وسأذكر مسألة الإباضية وسائر أهل البدع وأذكر قول مالكٍ فيهم. وما رواه في الموطأ عن عليٍّ من المسند والمقطوع، وما رواه عن ولده، منهم: جعفر بن محمَّدٍ وغيره، وما رواه عن ابن مسعودٍ.
стр. 2797
فقد حُكِيَ عمَّن قطع الله لسانه وجدَّدَ عذابه عليه، أنَّه حكى عن مالكٍ أنّه قال: «عليٌّ وابن مسعودٍ مِمَّنْ نفته المدينة».
ولقد كذب من قال هذا عنه، وكيف يقول ذلك وهو يروي عنهم ويأخذ بقولهم ويتَّبع آثارهم.
وإنَّما روى مالكٌ وغيره من العلماء، - منهم الثَّوريُّ -، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ: «أَنَّ أَعْرَابِيّاً قَدِمَ المَدِينَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، ثمَّ إِنَّ الأَعْرَابِيَ وَعِكَ، فَجَاءَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مِنَ الغَدِ، فَأَبَى، فَهَرَبَ الأَعْرَابِيُّ وَخَرَجَ عَنِ المَدِينَةِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : المَدِينَةُ كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا» (١)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ المَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَهَا الله تَعَالَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ» (٢)، وقال: «لا يَصْبِر أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدَاً أَوْ شَفِيعَاً يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣).
ومعلومٌ أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ لم يخرجوا عن المدينة رغبةً عنها، وعن الكون بقرب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وجواره، رغبةً عنه من أجل دنيا، وإنّما خرجوا لحاجتهم إلى الخروج، ولطلب الطاعة، مثل: الجهاد، والرِّباط، والحجّ، والعمرة، والأعمال الَّتِي بالنّاس ضرورةٌ إلى من يعملها: كالإمرة، والعمالة، والحكم، وأخذ الصّدقة، وأشباه ذلك، فمتى خرج الإنسان عن المدينة لهذه الوجوه، أو لطلب فضل الله، أو حاجةٍ، ولم يكن خروجه رغبةً عنها، فليس
стр. 2798
مِمَّنْ نفته المدينة، ومتى خرج رغبةً عنها وكراهية الإقامة فيها، لا من أجل شدَّةٍ تلحقه، فهو مِمَّنْ نفته المدينة.
(وقد سمعت من يذكر أنَّ لمالك بن أنسٍ كتاب سِرٍّ، وكان مالكٌ أتقى لله وأعظم شأناً أن يتَّقِي في دينه أحداً أو يراعيه، وكان مشهوراً بهذه الحال، وأنَّه لا يتَّقى أحداً من سلطانٍ ولا غيره.
وقد نظرت في غير نسخةٍ من كتاب السرِّ تنقض بعضها بعضاً، ولو سمع مالكٌ إنساناً يتكلّم ببعض ما فيه، لأوجعه ضرباً.
وقد حدَّثني موسى بن إسماعيل القاضي، قال: سمعت عبد الله بن أحمد الطيالسيِّ يقول: سألت إسماعيل بن إسحاق عن كتاب السِّرِّ لمالكٍ؟
فقال: سألت أبا ثابتٍ، محمد بن عبيد الله المدنيِّ - صاحب ابن القاسم -: هل لمالكٍ كتابُ سِرٍّ؟
فقال: سألت ابن القاسم عن ذلك، فقال: ما يُعْرَفُ لمالكٍ كتاب سرٍّ (١).
فأمّا كراهيته للصّلاة خلف أهل البدع؛ فلأنَّهم على غير حقٍّ، فوجب أن لا يكونوا أئمةً يُقْتَدى بهم ويُؤْتمُّ بأفعالهم.
ألا ترى: أنَّ الفاسق يُكْرَهُ أن يُصَلَّى خلفه ويُقْتَدى بفعله، فكذلك المبتدع مثله.
стр. 2799
ولأنَّ الإمامة، لَمَّا كان الأولى بها من كان من أهل الدِّين والقرآن والعلم؛ لفضله على غيره، كان أن لا يكون المبتدع إماماً أولى؛ لنقصه عن أهل الحقِّ والصَّواب؛ لاعتقاده البدعة.
وكذلك لا يجوز قبول شهادتهم؛ لِأَنَّهُم غير عُدُولٍ باعتقادهم الخطأ؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يجز قبول شهادتهم مع فعلهم الخطأ وإتيانهم له - أعني: ركوبهم الكبائر -؛ لخروجهم بهذا عن الحقّ، فكذلك لا يجوز قبول شهادتهم؛ لخروجهم عن الحقّ باعتقادهم البدعة.
ولَمَّا لم يجز قبول شهادة الكافر على المسلم؛ لمخالفته له في الاعتقاد وخطأ الكافر في اعتقاده، وجب أن لا تقبل شهادة أهل البدع؛ لخطئهم في اعتقادهم على أهل الحقِّ.
ولأنّهم غير مأمونين أيضاً في النّقول على أهل الحقِّ؛ لمخالفتهم لهم في الاعتقاد وعداوتهم لهم في ذلك، وشهادة العدوّ على العدوّ غير مقبولةٍ إذا كانت العداوة في الدِّينِ، لا تقبل شهادة المُبْطِل على المحقِّ، وتقبل شهادة المحقّ على المبطل؛ بدلالة: قبول شهادة المسلم على الكافر، وترك قبول شها [دة] الكافر على المسلم.
ولَمَّا كانت العداوة في أمر الدنيا بين النّاس لا يجوز معها قبول شهادة بعضهم على بعضٍ؛ لِمَا يُتَّهَمُ العدو في الشّهادة على عدوه، كانت العداوة في أمر الدِّين أولى أن لا يجوز قبول الشّهادة معها، وأن لا تقبل شهادة المبطل في الدّين على المحقّ.
وكما وجب قتال أهل العدل لأهل البغي وردِّهم حَتَّى يرجعوا إلى
стр. 2800
الحقِّ؛ لمخالفتهم لأهل الحقِّ، كذلك وجب أن لا يُقْبَل قولهم على أهل الحقِّ؛ لمخالفتهم إيَّاهم في الحقِّ.
فأمَّا وجوب قتل أهل البدع والأهواء إذا لم يَتْرُكُوا ما هم عليه ويرجعوا إلى الحقّ؛ فلأنّ الله سبحانه لَمَّا أمر بقتال أهل البغي حَتَّى يرجعوا إلى الحقّ ويتركوا ما هم عليه من الباطل، وجب أيضاً أن يؤمر أهل البدع بترك البِدَعِ والرّجوع إلى الحقّ، فإن فعلوا وإلّا جاز قتلهم.
وكما جاز قتل الزَّاني المحصن، والقاتل العمد، وإن تابا؛ لفعله ما قد نهاه الله عنه من الفساد، كذلك جاز قتل أهل البدع؛ لفعلهم واعتقادهم ما قد نهاهم الله عنه من الباطل.
ولَمَّا جاز قتل اللُّصوص إذا خرجوا لطلب المال، وجاز قتلهم إذا قُدِر عليهم من غير توبةٍ؛ لأنَّ فعلهم يؤدِّي إلى إ [فـ]ـساد المال، ويُدْخِلُ على النّاس الضَّرر في معاشهم وسبلهم الَّتِي لا بدّ لهم من [سـ]ـلوكها، جاز قتل أهل البدع إذا لم يتوبوا؛ للضّرر الَّذِي يلحق النّاس في دينهـ[ـم]؛ لأنَّهم يَدْعُون النّاس إلى دينهم، ويُعَلِّمُونهم ويقتدي النّاس بهم - وإن لم يعلمّو [هم -، فَإِنَّهُ يـ]ـدخل عليهم من الضَّرر في دينهم أكثر من الضّرر الَّذِي يدخل عليهم في دنـ[ـيا] هم مِمَّا يفعله اللّصوص وقطاّع الطريق الَّذِينَ قد أباح الله قتلهم [إن لم يتوبوا، فجاز] للضّرر الَّذِي يلحق النّاس في دينهم قتل أهل البدع إن لم يتوبوا ويَتْرُكُوا [ما] هم عليه.
стр. 2801
فلهذا قال مالكٌ ومن تقدَّمه من أهل العلم: «إنَّ أهل البدع والأهواء يُسْتَتَابون، فإن تابوا وإلا قُتِلُوا» (١).
تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين كثيراً، وصلَّى الله على [نبينا محمدٍ]، وعلى آله وسلم تسليماً.