← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

فأمَّا إذا كان رَقْمَاً يُوطَأ فلا بأس به، وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص في ذلك (١). ••• [٣٢٥١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عمَّن ألبَسَ ابنه - صغيراً - ثوباً من حريرٍ، أو حُلِيّاً من ذهبٍ؟ فكره ذلك للغلمان. وسمعت مالكاً يكره من الثِّياب ما كان سُـ[ـدَاؤُهُ] حَرِيرَاً (٢) (٣). • إِنَّمَا كره لُبْس الحرير وحليِّ الذَّهب للغلمان؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قـ[ـال في الذّ] هب والحرير: «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا» (٤)، فيكره ذلك للغلمان أيضاً؛ لأنّهم ذكورٌ.

стр. 2732

ويكره لُبْس كلّ ثوبٍ فيه حريرٌ، سواءٌ كان ذلك سُدَاهُ، أو لُحْمَتُهُ (١)، أو كان مُصْمَتَاً (٢)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن لُبْسِ الحرير. فأمَّا لبس الخزّ (٣)، فلا يستحبُّه مالكٌ؛ من طريق السَّرف، فإن لَبِسَهُ جاز؛ لأنَّهُ ليس بحريرٍ. ••• [٣٢٥٢] قال ابن وهبٍ: سألت مالكاً عن الرّكوب على جلود السّباع والنُّمور؟ فقال: ما علمت بأساً (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الانتفاع بكل جلدٍ جائزٌ - سبعاً كان أو نمراً أو غيره - إذا كان مذكىً، أو مدبوغاً إن كان ميتَةً فدُبِغَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذن في الاستنفاع بالإهاب إذا دُبِغَ وكان ميتةً، فأيُّ إهابٍ دُبِغَ جاز الانتفاع به إذا كان مِمَّا تقع الذّكاة فيه إذا كان حيّاً.

стр. 2733

فأمَّا ما لا تكون الذّكاة فيه، فَإِنَّهُ لا يجوز الانتفاع به - وإن ذُكِّيَ أو دُبِغَ - إنْ مات، وذلك بمنزلة ابن آدم والخنزير؛ لأنَّ الذَّكاة لا تصحُّ فيهما. فأمَّا السِّباع ففيها الذّكاة؛ بدلالة: أنَّه لَمَّا جاز الانتفاع بها في حال حياتها بالبيع وغيره، جاز أن تُذَكَّى ليُنتَفَع بجلدها من غير دباغٍ؛ لأنَّ الذَّكاة أقوى من الدِّباغ؛ إذ كانت الذَّكاة تبيح الأكل وتُطَهِّر له، أعني: فيما يجوز أكله، وليس كذلك الدِّباغ لأنَّهُ لا يبيح الأكل بوجهٍ. فلمَّا كانت الدّباغة تجوِّزُ الانتفاع بجلود السّباع عند مخالفنا - وهي أضعف من الذّكاة -، كانت الذّكاة أولى أن تبيح ذلك؛ لأنّها أقوى من الدّباغ. فأمَّا الخنزير: فلمَّا لم يجز أن يُدْبَغ جلده، لم يجز أن يُذَكَّى؛ لأنَّ ما جاز أن يُدْبَغُ جلده، جاز أن يُذَكَّى، وما جاز أن يُذَكَّى، جاز أن يُدبَغ جلده، والله أعلم. ••• [٣٢٥٣] قال مالكٌ في المَلاحِفِ المُعَصْفَرَةِ (١) للرِّجال في البيوت والأقبية: لا أعلم من ذلك شيئاً حراماً، وغير ذلك من اللّباس أحبّ إليّ (٢).

стр. 2734

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لبس كلّ ثوبٍ مباحٌ، معصفراً كان أو غيره، إلَّا ما نُهِي عنه، فكان لبسه مباحاً. قال مالكٌ: أدركت أهل العلم يلبسون ذلك، منهم ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن. وقوله: «وغير ذلك من اللّباس أحبّ إلي»، يعني: أنّ لُبس البياض أحبّ إليه للرّجال؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ البَيَاضُ، فَلْيَلْبِسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (١). ••• [٣٢٥٤] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الخُرْصِ (٢) من الذّهب، يُجْعَلُ فيه اللّؤلؤ، ثمَّ يُجْعَل في أذن الصّبيّ؟ فقال: إنّي لأكره الذّهب للغلمان. فقيل له: أفترجو أن يكون خفيفاً إذا كان قليلاً؟ قال: أرجو ذلك (٣).

стр. 2735

• إِنَّمَا كره ذلك للغلمان؛ لِمَا ذكرنا من نهي رسول الله ﷺ عن لبس الذَّهب والحرير للذُّكور من أمّته. ••• [٣٢٥٥] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن المِيثَرَةِ (١)، أترى أن يُرْكَبَ عليها؟ فقال: ما أعلم حراماً، ثمَّ قرأ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢] (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الانتفاع بكل ثوبٍ والرّكوب به مباحٌ، إلَّا أن يمنع من ذلك دليلٌ. وقد رُوِيَ في ركوب الميثرة نهيٌ، وليس بصحيحٍ (٣). ••• [٣٢٥٦] قال ابن وهبٍ: سُئِل مالكٌ عن لُبْسِ الخَزِّ؟ فقال: أمَّا أنا فما يعجبني، وما أحرِّمُه (٤).

стр. 2736

• إنَّما كره ذلك، لِمَا فيه من القزّ (١)، وكرهه؛ من أجل السَّرف. ولم يحرّم لُبْسَه؛ لأنَّهُ قد لبسه جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ (٢)، وكره لبسه جماعةٌ، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله (٣). ••• [٣٢٥٧] وسُئِلَ مالكٌ عن قميص الحرير، يَلْبَسُهُ الصَّبِيُّ؟ قال: أمَّا الغلمان فلا أحبّ ذلك، وأمّا الجواري فنعم (٤). • إنَّما كره ذلك للغلمان؛ لنهي رسول الله ﷺ عن لُبس الذُّكور ذلك، وإبَاحِ الإناث لبسه، وقد ذكرناه فيما تقدَّم (٥). ••• [٣٢٥٨] قال أَشْهَبُ: سُئِل مالكٌ عن القراءَةِ في الحمَّام؟ فقال: القراءة في كلّ مكانِ حَسَنَةٌ، وليس الحمَّام بموضع قراءةٍ. وَقِيلَ مَالِكٌ (٦) عن قِرَاءَةِ القرآن في الطَّريق؟

стр. 2737

فقال: أَمَّا الشَّيء اليسير فنعم، وأمّا الَّذِي يديم ذلك فلا، وإنَّ ذلك يختلف، يكون الغلام يتعلّم القرآن. فأمَّا الرّجل الَّذِي يطوف بالكعبة يقرأ القرآن، فليس هذا من الشَّأن الَّذِي مضى عليه أمر النَّاس (١). • إنَّما كره القراءة في الحمَّام؛ تعظيماً للقرآن وتشريفاً له، لئلا يُقْرَأ في كلّ موضعٍ مكروهٍ. ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز أن يقرأ الإنسان في حال الجنابة، وفي حال ما يبول، وفي حال ما يجامع؛ لأنَّ في ترك القراءة في هذه المواضع تعظيماً لأمر الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ولهذا المعنى، قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا يَحْمِلُ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (٢)؛ تعظيماً له، فكَرِهَ القراءة في الحمَّام وفي الطَّريق لهذه العلَّة. ولأنَّ القراءة يُحتَاج معها إلى تدبّرٍ وتَفَكُّرٍ وتَفَهُّمٍ، وليس يمكن هذا في الحمَّام والطَّريق وأشباه ذلك.

стр. 2738

وأمَّا القراءة في الطّواف، فلا يُستحب ذلك؛ لأنَّهُ يُستَحَبُّ فيه الذِّكر والتَّكبير والتَّسبيح؛ لأنَّ ذلك موضعه. ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ نهى عن القراءة في الرّكوع (١)؛ لأنّ الرّكوع موضعه التّعظيم، وإن كان قراءة القرآن أفضل من ذكر التّعظيم، فكذلك يجب أن يكون في كلّ موضع وموطن ذكرٍ ما جُعِلَ فيه، وإن كان غيره أعظم وأشرف منه. فأمَّا تلقين القرآن في الطَّريق للمتعلّم، فلا بأس به للضّرورة إلى ذلك. ألا ترى أنَّه يجوز للصِّبيان إمساك المصحف واللّوح للتَّعليم؛ لضرورتهم إلى ذلك، وإن كان لا يجوز حمله لغير متوضِّئٍ، ثمَّ جاز ذلك للصّبيان؛ للحاجة إلى ذلك، من أجل تعليمهم. ••• [٣٢٥٩] قال أشهب: سئِلَ مالكٌ عن اليهود والنّصارى والمجوس إذا قَدِمُوا المدينة، أيُضرب لهم أجلٌ؟ قال: نعم، يضرب لهم أجلٌ ثلاث ليالٍ، يتَسَوَّقون وينظرون في حوائجهم، قد ضَرَبَ ذلك لهم عمر، وقال له رئيس اليهود - حين أجلاهم -: «تُجْلِينَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُرَانِي نَسِيتُ قَوْلَهُ: «كَيْفَ بِكَ لَوْ قَدْ رَقَصَتْ بِكَ

стр. 2739

قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ»، قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَذَبْتَ» (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ» (٣)، قال هذا القول عند موته وقبل ذلك. ولهذا القول أجلاهم عمر بن الخطّاب، فلم يجز أَنَّهُ يُقيموا بالحجاز مقام استقرارٍ، وإنّما يجوز لهم أن يقيموا مقام سفرٍ، ومقدار ذلك ثلاثة أيَّامٍ. ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ منع المهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثٍ (٤)؛ لأنَّهُ لا تجوز له الإقامة في أرضٍ قد تركها لله تعالى وهاجر منها، فكذلك لا يجوز ترك الكفار في جزيرة العرب أكثر من ثلاثٍ؛ لأنَّهُ يُصَيِّرُ ذلك استقراراً وإقامةً، والثلاث قدر ما يجوز (٥)؛ لأنها ليست استقراراً وإقامةً، وقد أخَّرَ الله سبحانه العذاب عمَّن استحقَّه ثلاثاً فقال: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:٦٥]، وكذلك المرتدّ يؤخَّر قَتْلُهُ ثلاثاً ويُستتاب. ••• [٣٢٦٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: هل يُكره إدامة النّظر إلى المجذوم؟

стр. 2740

فقال: أمَّا في الفقه، فلم أسمع بكراهيةٍ، ولا أرى ما جاء من النّهي عن ذلك (١) إلَّا مخافة أن يفزع أو يقع في نفسه من ذلك شيءٌ يخيفه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّظر إلى المجذوم وغيره من أصحاب البلاء مباحٌ؛ لأنَّهُ إذا نظر إليهم ورأى بلاءهم، شكر الله على عافيته مِمَّا أبلاهم به. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَا رَأَى أَحَدٌ مُبْتَلَىً فَقَالَ: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا أَبْلَاهُ بِهِ، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ» (٣)، هذا معنى الخبر. فأمَّا ما جاء من النّهي عن النّظر إلى المجذوم وغيره وإدامة ذلك، فيشبه أن يكون ذلك كما قال مالكٌ، وهو أن يفزع المبتلى؛ لأنَّه يقع له أَنَّهُ ينظر إليه لشدّة علَّته وبلائه، فيغتمُّ لذلك، فيُكْرَهُ إدامة النّظر إليه لهذه العلَّة. ••• [٣٢٦١] سُئِلَ مالكٌ عن الحجامة يوم الأربعاء والسّبت؟ فقال: لا أرى بأساً بالحجامة يوم الأربعاء والسَّبت، والأيَّامُ كُلُّهَا لله عَزَّ

стр. 2741

وَجَلَّ، وإني لأكره أن يترك أحدٌ الحجامة على هذا، قالوا: «لا يحتجم يوم كذا وكذا، ولا يسافر يوم كذا وكذا»، والأيَّام كلُّها لله تعالى (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحجامة وغيرها من التّداوي مباحٌ في كلّ وقتٍ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : «إِذَا تَبَيَّغَ (٢) بِأَحَدِكُمُ الدَّمُ فَلْيَحْتَجِمْ» (٣)، وليس وقتٌ من الأوقات أولى إذا احتيج إليه من الآخر. ولم يرد نهيٌ في يومٍ ولا وقتٍ علمناه، وكان يقال: «لا تعادِ الأيام فتعادِيك». ويكره ترك ذلك أيضاً من جهة النّجوم؛ لأنَّهُ لا يحَبُّ الأخذ بالنُّجوم وأحكامها، وقد نهى النّبيُّ ﷺ عن النّظر في النُّجوم (٤). ••• [٣٢٦٢] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن حمل الصِّبيان الصِّغار على الخيل؛ يُجْرُونَهَا للرِّهَان، فربَّما سقط أحدهم فمات؟ قال: إنّي لأكره أن يُحْمَل الصّبيان على الخيل.

стр. 2742

قلت له: أفترى أن يُشْهَدَ إجراؤُهَا (١)؟ قال: لا أدري، أمَّا أنا فلا أرى حملهم، ولا أراه ينبغي (٢) (٣). • إنَّما كره ذلك؛ لأنَّ في ذلك تعريضاً لإتلافهم وعَطَبِهِم؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا يضبط الفرس ولا يمكنه التحرّز منه كما يمكن الرّجل ذلك، فكره حمل الصّبيان عليها للإِجْرَاءِ (٤) لهذه العلّة. ••• [٣٢٦٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن اكتحال الرّجل بِالإِثْمِدِ؟ فقال: ما يعجبني، وما كان من عمل النَّاس، وما سمعت فيه شيئاً (٥). • إنّما كره الاكتحال بِالإِثْمِدِ؛ لأنَّ فيه ضرباً من الزّينة الَّتِي تُشْبِهُ زينة النِّساء، ويُكره للرِّجال التَّشبّه بالنِّساء.

стр. 2743

وهذا إذا كان بالنّهار، فَأَمَّا باللّيل فَإِنَّهُ يجوز إن شاء الله، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَشُدُّ العَيْنَ وَيَجْلُو البَصَرَ» (١). ••• [٣٢٦٤] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الصلاة (٢) على اللُّعَّابِ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ؟ فقال: أَمَا هُمْ مِنْ أهل الإسلام (٣)؟، إذا بُولِغَ في هَذا ذُهِبَ كُلُّ مَذْهَبٍ. يَسْتَحِقُّون (٤)، يقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، ويقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهم أهل الإسلام، وإنّما أمر الله تعالى بإجازة من يُرْضَى.

стр. 2744

فقيل: أَفَتَرَى شهادتهم جائزة؟ فقال: أَمَّا من أدمنها، فلا أرى شهادته طائلةً، يقول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]، فهذا كلُّه من الضَّلال. قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكاً يكره كلّ ما يُلْعَبُ بِهِ من الطَّبل والأربعة عَشَرَ (١). فقيل لمالكٍ: والشِّطْرَنْجُ؟ قال: هي شرٌّ من الطّبل، وهي عندنا أَلْهَى من غيرها. وسمعت مالكاً، وسُئِلَ عن اللّعب بالشِّطرنج، أتكرهه؟ فقال: نعم (٢). • إِنَّمَا كره اللّعب بالشِّطرنج والنّرد والطَّبل وغير ذلك من اللّهو؛ لأنَّهُ يُلْهِي عن ذكر الله ويصدّ عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ

стр. 2745

بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:٩١]، فكلُّ ما صَدَّ عن ذكر الله والصّلاة فهو مكروهٌ (١). فأمَّا السَّلام عليهم فجائزٌ؛ لأنَّ السَّلام هو من حقِّ المسلم على المسلم، وهم من المسلمين. فأمَّا قبول شهادتهم، فهي جائزةٌ إذا لم يُدمنوا؛ لأنَّهم إذا أدمنوا، صَدَّهم ذلك عن ذكر الله وعن الصَّلاة، فخرجوا من العدالة، فلم يجز قبول شهادتهم، وإذا لم يُدْمِنُوا، كان ذلك ذنباً صغيراً، ويجوز قبول شهادة أهل الذُّنوب ما لم يرتكبوا الكبائر؛ لأنَّ بني آدم لا يخلون من الذّنوب الصّغار، ومنهم من يرتكب الكبائر. ••• [٣٢٦٥] سُئِلَ مالكٌ عن النَّظر إلى شَعْرِ النَّصَارى، وهُنَّ ظؤورنا، ولا نجد مِنْهُنَّ بُدّاً؟ فقال: ما يعجبني. قلت له: إنهم من مصر، وإنَّ مصر فتحت عنوةً؟ قال: ما سمعت ذلك (٢).

стр. 2746

• إنَّما كَرِه ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز لأحدٍ أن ينظر إلى شعر امرأةٍ حُرَّةٍ لا يحلّ له فرجها أو يكون مَحْرَمَاً لها. ولأنَّه لا يأمن أيضاً الفتنة على نفسه بالنَّظر إليها. ••• [٣٢٦٦] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن القراءة بالألحان؟ فقال: ما يعجبني، إنَّ ذلك يُشْبِهُ بِالغِنَاءِ، ويُضْحِكُ بِالقُرْآنِ، ويُسْتَهْزَأُ به، و [يقال]: «فلانٌ أحسن قراءةً من فلانٍ»، ولقد بلغني أنَّ الجواري قد عُلِّمْنَ ذلك كما يُعَلَّمْنَ الغناء، فلا أحبّ ذلك على حالٍ من الأحوال، في رمضان ولا غيره، أين القراءة الَّتِي يقرأ هؤلاء من القراءة الَّتِي كان رسول الله ﷺ يقرأ؟. وإنّي لأكره التّطريب في الأذان، ولقد هممت أن أكلّم أمير المؤمنين في ذلك؛ لأنِّي كنت أسمعهم يؤذِّنون (١). • إِنَّمَا كره التّطريب في القراءة والتّلحين فيها؛ لأنَّ ذلك يشبه الغناء والقصا [ئد]، ويَخْرُجُ عن المعروف من قراءة رسول الله ﷺ وأصحابه وما مضى عليه السَّلف، وذلك مكروهٌ، فأمّا تحقيق القراءة وترتيبها، فذلك مستحبٌ. وكذلك [التّـ]ـطريب في الأذان مكروهٌ؛ لأنَّهُ يشبه ذلك أيضاً الغناء، والغناءُ يجري مجرى اللّهو والفرح، والقرآن ذكر الله جَلَّ وَعَزَّ، فيَرْتَفِعُ عن ذلك، ويجب أن يُنزَّه عنه.

стр. 2747

فأمَّا ما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» (١) فمعناه [فيما] قاله أهل العلم: يستغني بالقرآن. وكذلك قوله: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (٢)، معناه: قراءته بالتّحقيق والتَّرتيل، لا التّطريب والتَّلحين. ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يكن يطرب ولا يلحن، بل كان يرتِّل قراءته، وقد قال الله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، قيل في التّفسير: بيّنه تبييناً. ••• باب ما جاء في خروج النِّساء في الجنائز وغيرها، وجلوسهنَّ عند الصُّنَّاعِ (٣) [٣٢٦٧] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: إنّي لأكره للشَّابَّة من النِّساء أن تخرج على الجنائز أو إلى المسجد (٤). فَأَمَّا الشَّابة (٥)، فلا بأس أن تخرج على زوجها وعلى أخيها إلى جنا [زته]،

стр. 2748

ولا بأس بمثل هذا مِمَّا يُعرف، والأمر المعروف أن تخرج على جنازته (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الاختيار للنّساء الإقامة في بيوتهنَّ وترك الخروج إلّا فيما لا بدَّ لهنَّ منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وقد قالت عائشة ﵂: «لَوْ رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّساء، لَمَنَعَهُنَّ المَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (٢)، فلهذا استحبَّ مالكٌ أن لا تخرج المرأة من بيتها لجنازةٍ وغيرها، إلّا فيما لا بُدَّ لها منه، مثل جنازة أهلها، مثل: أمها، وأبيها، وأخيها، وزوجها، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ في منعها من ذلك ضرراً عليها وحرقةً لها. ولأنَّ عُرْفَ النّاس قد جرى بخروجها في مثل هذا، وإن كانت شابَّةً. وأمّا المُتَجَالَّةُ (٣) والعجوز، فلا بأس أن تخرج؛ لأنَّه قد أُمِن منها الفتنة بالنَّظر إليها، ولم يؤمن ذلك في الشَّابَّة. ••• [٣٢٦٨] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: أرى للأئمَّة أن يتقدَّموا إلى الصُّنَّاع في قعود النِّساء إليهم، وأرى أن لا تُتْرَك المرأة الشَّابَّة أن تجلس إلى الصُّنَّاع، وأمّا المرأة المُتَجَالَّةُ والخادِم الدُّون الَّتِي لا تُتَّهَمُ على القعود، ولا يُتَّهم من تقعد عنده، فإني لا أرى بذلك بأساً (٤).

стр. 2749

• إنَّما كره ذلك؛ خيفة الفتنة والرّيبة مِمَّنْ يُقْصد إليه من الصُّنَّاع؛ لأنَّهم غير مأمونين إلَّا اليسير منهم، فيكره قعود المرأة الشّابة إليهم. فأمَّا العجوز والخادم، فلا بأس بذلك؛ لأنَّهُ لا بُدَّ للنّاس من القعود عندهم ومعاملتهم؛ لحاجتهم إلى ذلك. ••• باب ما جاء في مبيت النِّساء والرِّجال في ثوبٍ واحدٍ (١) [٣٢٦٩] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الخَدَمِ، يَبِيتُونَ عراةً في لحافٍ واحدٍ في الشِّتَاء؟ فكره ذلك، وأنكر أن تبيت النِّساء عراةً ليس عليهنَّ ثيابٌ يلبسونها في لحافٍ واحدٍ يتعرَّون (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فِعْلَ هذا من دناءة الأخلاق، وفي ذلك إشرافٌ على العورة، وذلك غير جائزٍ من غير ضرورةٍ. ••• باب ما جاء في علاج المجانين (٣) [٣٢٧٠] قال (٤): وسمعت مالكاً يقول:

стр. 2750

والَّذين (١) يعالجون المجانين ويزعمون أنَّهم يعالجون بالقرآن كَذَبُوا، ولو كان ذلك لَعَلِمَهُ الأنبياءُ، ولقد سُحِرَ رسول الله ﷺ ، فما عَلِمَ حَتَّى أُخْبِرَ به، فأرى أن يُزْجَرَ عن ذلك، وكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شديدةً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من يَذْكُرُ أنَّه يعلم هذا في القرآن، قد ادَّعى ما لم يعلمه الأنبياء وأصحابهم، ومحالٌ أن يعلم أحدٌ من القرآن ما لم يعلمه الأنبياء. ••• باب ما جاء في قراءة القرآن (٣) [٣٢٧١] وسُئِلَ مالكٌ عن الهَمْزِ والنّبر في قراءة القرآن؟ فقال: ما يعجبني (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في الهمز الشّديد صعوبةً في القراءة، وخروجاً عن السُّهولة، وذلك مكروهٌ، وقد كانت قراءة رسول الله ﷺ وأصحابه (٥) سهلةً مُرَتَّلَةً (٦). •••

стр. 2751

ما جاء في شرب الماء الذي يوضع في المسجد (١) [٣٢٧٢] وسمعت مالكاً يُسأل عن الماء (٢) الَّذِي يُسْقَى في المسجد، أترى أن يُشْرَبَ منه؟ قال: نعم، إِنَّمَا جُعِلَ للعطشان، ولم يُرَدْ به أهل المسكنة، فلا أرى أن يُتْرَكَ شُرْبُهُ، ولم يزل هذا من أمر النّاس بهذا المكان وغيره، وقد سقى سعد بن عبادة. فقيل له: في المسجد؟ فقال: لا، ولكن في منزله الَّذِي كان فيه. فقيل لمالكٍ: فالأَقْنَاءُ (٣) تكون في المسجد، وأشباه ذلك؟ فقال: لا بأس بذلك (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الماء إِنَّمَا يُسْقَى ليشربه العطشان، فقيراً كان أو غنيّاً، وليس يراد به الفقراء، فجاز شرب ذلك للأغنياء، هذا معروفٌ من عرف النَّاس أنَّهم لا يريدون الفقراء بشربه، وقد قال رسول الله ﷺ : «فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى (٥) أَجْرٌ» (٦).

стр. 2752

ولأنَّ الماء أيضاً يراد بِشُربِه كلُّ النّاس، الفقير والغنيِّ، كما يكون ذلك في المساجد، يُصَلِّي فيها الفقير والغنيُّ ويقيم فيها (١)، وكذلك القناطر والجسور والمقابر وأشباه ذلك إذا سُبِّلَت، يستوي فيها الفقير والغنيُّ. وكذلك الأَقْنَاءُ - وهي الثّمار -، إذا جعلت في المسجد، فإنَّما يراد بها أن يأكلها النّاس، فقيراً كان آكلها أم غنيّاً. ••• باب ما جاء في الرَّجُلِ وما يجب عليه من حيازته عبدَه ووَلَدَه (٢) [٣٢٧٣] قال ابن القاسم: سُئِل مالكٌ عن الرّجل يشتري الخادم، أترى عليه أن يَخْفِضَهَا (٣)؟ قال مالكٌ: • إن كان يريد حبسها، فإنّي أرى ذلك له. • وإن كانت للبيع، فلا أرى ذلك عليه (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أرادها للقنية والخدمة، فيجب أن يخفضها؛ لأنَّ ذلك من سنن الإسلام، وقد قيل: إنَّ ذلك فرضٌ، فوجب أن يفعل ذلك بها، ولا يترك سنَّةً مؤكَّدَةً.

стр. 2753

وإن أراد بيعها، لم يكن عليه ذلك؛ لأنَّه يفعل ذلك بها غيره مِمَّنْ يريد حبسها للقنية. ••• باب ما جاء في الأكل والشُّرب (١) [٣٢٧٤] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يأكل وهو واضعٌ يده اليسرى على الأرض؟ فقال: إنّي لأتّقيه، وما سمعت فيه بنهيٍ (٢). • إنّما كره ذلك؛ لأنَّهُ يشبه الأكل متّكئاً، وذلك من فعل العجم وأهل التّكبّر والتّجبّر. وقد روى الثوريُّ وغيره، عن عليِّ بن الأقمر (٣)، عن أبي جحيفة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئَاً» (٤)، وفي خبرٍ آخر: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ أَكْلَ العَبِيدِ» (٥). •••

стр. 2754

[٣٢٧٥] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: لا بأس بالشُّرب قائماً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الشُّرب قائماً مباحٌ، فلا بأس به. وقد روى حفص بن غياثٍ، عن عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: «كُنَّا نَأْكُلُ وَنَحْنُ نَسْعَى وَنَشْرَبُ قِيَامَاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ » (٢). وروى الزُّهريُّ، عن سهل بن سعدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» (٣). ••• [٣٢٧٦] قال ابن وهبٍ: وسمعته يكره النَّفخ في الشَّراب والطَّعام. وسمعته يقول: لَعْقُ الأصابع من الطَّعامِ: ما أفعل ذلك، ولقد سمعت من يقوله (٤). • إِنَّمَا كره النّفخ في الطَّعام والشَّراب؛ لجواز أن يخرج من ريِقِ الَّذِي ينفخ فيه فيَقَع فيه، وذلك مِمَّا يتقذَّره النّاس، وبخاصّةٍ إذا كان معه من يأكل أو يشرب، وليس ذلك من حسن الأدب.

стр. 2755

وقد روى مالكٌ، عن أيُّوب بن حبيبٍ (١)، عن أبي المثنى الجُهَنِيِّ (٢)، عن أبي سعيدٍ الخدريّ: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ» (٣). فأمَّا لعق الأصابع فمباحٌ، وتركه مباحٌ، وقد رُوِيَ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ» (٤). ••• [٣٢٧٧] قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن المرأة يغيب زوجها (٥)، فيمرض أخوها، فتريد أن تأتيهم تعودهم، ولم يأذن لها زوجها حين خرج؟ قال: لا بأس أن تأتيهم وإن لم يأذن لها حين يخرج (٦). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ترك عيادة أخيها أو أبيها أو من [أ] شبه ذلك ضرراً عليها، وحرقةً لها، فليس عليها أن تفعل ما هو ضررٌ عليها.

стр. 2756

ولأنَّ زوجها لو كان حاضراً، لم يجز له منعها من ذلك؛ لأنَّ في ذلك قطع الرَّحِم، وقد أمر الله تعالى ورسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ بصلة الرَّحِمِ. ••• باب ما جاء في ترك الكلام (١) [٣٢٧٨] وسُئِل مالكٌ عن القنوت يوماً - يعني: السُّكوت -؟ فكرهه، وقال: بلغني أنَّه نُهِيَ أن يقنت أحدٌ يوماً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بدعةٌ وحدثٌ، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّهُ شيءٌ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه، وقد قال رسول الله ﷺ لأبي ذرٍّ: «وَإِمْلَاءُ الخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ» (٣)، وقال معاذٌ: «أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ الله » (٤)، فالكلام بخيرٍ خيرٌ من السّكوت. ••• [٣٢٧٩] وسُئِلَ مالك عن الأَرْكِبَةِ (٥)، يُجْعَلُ فيها الأجراس، والحَمِيرِ والإِبِلِ الَّتِي يحمل عليها القُرْطُ وغيرُهُ؟

стр. 2757

فقال: ما جاء في هذا إلَّا الحديث الواحد (١)، وتركه أحبّ إليّ من غيره. وعن الَّذِي يكون في أرجل النِّساء؟ قال: مَا في هَذَا الَّذِي جَاء فِيهِ الحَدِيث، وتركُهُ أحبّ إليَّ من غير تحريمٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأجراسَ يؤذي النَّاس صوتُهَا، وتتأذى الدَّوابّ بذلك، فيُكرَهُ تعليقُهَا. ويُكره ذلك أيضاً للنّساء؛ لأنَّ صوت ذلك ينبِّهُ على موضعها، وقد قال الله : ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» (٣). ••• [٣٢٨٠] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُدْعَى إلى الوليمة، أترى أن يجيب إذا كان فيها شرابٌ؟ قال: لِيَتْرُكه، فَإِنَّهُ أَظْهَرَ المنكر. فقيل له: فالنّصرانيُّ يصنع الصَّنيع، فيدعو المسلم إلى صنيعه؟

стр. 2758

فقال: ما أحبّ ذلك، وما أعلمه حراماً. قال مالكٌ: وزعموا أنَّ عمر بن الخطاب دعاه بعض النَّصارى، فلم يُجِبْهُ. سُئِلَ مالكٌ عن الدَّعوة في الختان؟ فقال: ليس ذلك من الدّعوات، فإن أجاب فلا بأس بذلك، وإنّما الإجابة في وليمة العرس. سُئِلَ مالكٌ عن اللَّهو يكون فيه البوق؟ فقال: إذا كان كثيراً مشتهراً فإنّي أكرهه، وإن كان شيئاً خفيفاً فلا بأس به إن شاء الله. قال مالكٌ: وذلك يختلف في كثرة اللَّهو والعود والجواري (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ» (٢)، وذلك وليمة العرس؛ لأنَّها تختصّ بهذا الاسم دون سائر الدَّعوات. وإِنَّمَا استحبّ حضورها؛ لأن يَظْهَر أمر النّكاح وينتشر، فتثبت حقوقه وحرمه، ولا يخفى ذلك على النّاس، ولهذا المعنى أجيز فيه ضرب الدفّ

стр. 2759

وبعض اللّهو إذا لم يكن سَرَفَاً، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالغِرْبَالِ» (١) يعني: الدّفّ، أراد النَّبيُّ ﷺ أن يَظْهَر ذلك. فأمّا غيره من الدّعوات، فليس على أحدٍ إجابته، فإن أجاب جاز، بل يُستحب ذلك له، إلّا أن يكون في الدَّعوة لعبٌ ولهوٌ، فَإِنَّهُ لا ينبغي أن يجيبه إلى ذلك، وبخاصّةٍ إذا كان المدعو من أهل الفضل والدّين؛ لأن في ذلك بِذْلَةً (٢) له وضِعَةً (٣). وكذلك لا يحبّ أن يجيب غير المسلمين؛ لأنّ في ذلك ضِعَةً له، وقد قال مالكٌ: «لا أحبّ لأهل الفضل والدِّين أن يجيبوا الدّعوات»، أراد لهذا المعنى؛ لأنّ في ذلك بِذْلَةً ومخالطةً لمن لا يشاكله؛ لأنَّ الدَّعوة يكون فيها اختلاط النَّاس، إلَّا أن يكون قومٌ يشاكلونه، وقد قال رسول الله ﷺ : «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَإِيَّايَ (٤) وَهَوشَاتِ (٥) الأَسْوَاقِ» (٦).

стр. 2760

فكذلك يُستحبُّ لأهل الفضل أن يخالطوا أمثالهم، ويجتنبوا من لا يُعرَف موضعهم وفضلُهم؛ لأنَّ في ذلك تعظيم أمر الله تعالى وتعظيم الدّين، وذلك مِمَّا يؤمر به ويُسْتَحَبُّ، قال الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. ••• [٣٢٨١] قال أشهب: سألت مالكاً عن قول رسول الله ﷺ : «قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (١)؟ قال: أمَّا «قِيلَ وَقَالَ»: فهو الإكثار في رأيي، وهذا الإرجاف (٢): أُعْطِيَ فلانٌ كذا، ومُنِعَ فُلانٌ؛ يقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فهؤلاء يخوضون. وأمَّا كثرة السُّؤال، فلا أدري. أمَّا ما أنتم فيه مِمَّا أنهاكم عنه، فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها،

стр. 2761

قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، فلا أدري أهو هذا، أم هو السُّؤال من مسألة الاستعطاء (١). [٣٢٨٢] وسألت مالكاً عن حديث أبي هريرة: «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ» (٢)؟ قال: أمَّا «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: فلبس الرّقاق، وأمّا «مَائِلَاتٌ»: فمائلاتٌ عن الحقِّ، «مُمِيلَاتٌ» لمن أطاعهنَّ من أزواجهنَّ وغيرهم (٣). [٣٢٨٣] وسُئِلَ مالكٌ عن حديث النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»؟ قال: ذلك فيما يُرَى، أن يقول الرّجل تَفَضُّلَاً على النَّاس: «ولم يبق غيري»، فأمَّا الَّذِي يقول ذلك متحزِّناً على النَّاس، فيقول: «هلك أهل هذه القرية وبادوا» و «ذهب خيار النَّاس» على وجه التَّحَزُّنِ، فإنَّ ذلك من كلام النّاس، وهو حسنٌ (٤).

стр. 2762

[٣٢٨٤] وسمعت مالكاً وسُئِلَ عن تفسير حديث النَّبيِّ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى» (١)؟ قال: تفتح القرى (٢). • قد فَسَّر مالكٌ ما تَقَدَّم مِمَّا ذكرناه، فأغنى عن التّفسير، وفيما ذكره في هذا كفايةٌ. ••• [٣٢٨٥] قال: وسمعت مالكاً يقول: من لم يَعُدّ كلامه من عمَلِه، كَثُرَ كلامه (٣). ••• [٣٢٨٦] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُعْطَى الشَّيء فيأبى ذلك، أترى ذلك خيراً له أن يرُدَّه؟

стр. 2763

قال مالكٌ: نعم، إلّا أن يخاف على نفسه الجوع (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الاستعفاف أفضل من أخذ الشَّيء، إلَّا أن تأتي ضرورةٌ، وقد قال رسول الله ﷺ : «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ» (٢)، فكان ترك ما يُعطَاه الإنسان خيراً من أخذه، إلَّا يجوع، فيُحَبُّ أن يأخذه ولا يعذِّب نفسه؛ لأنَّ في جوعه ضعفاً منه عن أداء الفرائض والحقوق الَّتِي لله عليه، وذلك يكره للإنسان أن يختار حالةً تؤدّيه إلى ذلك، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «مَا أَتَاكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَخُذْهُ» (٣). ••• [٣٢٨٧] وسُئِلَ مالكٌ عن المحتجم: أتَرَى أن يضع (٤) حجامته (٥)؟ قال: لا بأس حيث طرحه، وقد بلغني أنَّ خالد بن الوليد، قد كان في قَلَنْسُوَتُهُ شَعْرٌ من شَعْرِ رسول الله ﷺ (٦)، وفي هذا بيانٌ أنَّه لا يُدْفَنُ الشَّعْرُ (٧).

стр. 2764

• وفي هذا دلالةٌ أنَّ شعر الإنسان والحيوان كلّه طاهرٌ، وكذلك صوف الحيوان؛ لأنَّه مِمَّا لا يجري فيه الرُّوح فيموت بموته. ألا ترى: أنَّه يجوز قطعه في حال حياته والانتفاع به، فكذلك بعد موته. ••• [٣٢٨٨] وسُئِلَ مالكٌ عن المولود: أيُؤَذَّنُ في أُذُنَيْهِ حين يولد؟ فأنكر ذلك إنكاراً شديداً، وقال: من يقول هذا النّصارى (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بدعةٌ، إذ لم يُنْقَل بِخَبَرٍ صحيحٍ عن رسول الله ﷺ وأصحابّه أنَّهم فعلوا ذلك، ولا عن السّلَفِ بعدهم، وكلُّ محدثةٍ بدعةٌ كما قال ابن مسعودٍ. ••• [٣٢٨٩] سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يقوم من المجلس، فقيل له: إنَّ بعض النّاس يقول: «إذا رجع فهو أحقُّ به»؟ قال: ما سمعت فيه بشيءٍ، وإنَّه لحَسَنٌ إذا كانت أَوْبَتُهُ قريباً، وإن بَعُدَ ذلك حَتَّى يَبْعُدَ أو نحو ذلك، فلا أرى ذلك له، وإنَّ هذا من محاسن الأخلاق (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكان الَّذِي لا يملكه أحدٌ مباحٌ للنّاس القعود فيه،

стр. 2765

فهو أولى به ما دام فيه، فإذا قام عنه، زال ما كان له فيه من الحقِّ، فصار هو وغيره بمنزلةٍ واحدةٍ. فإن أراد الرّجوع إليه فكانه (١) كان أولى به من طريق الاستحسان لا الوجوب، وذلك كما يقوم لحاجةٍ يقضيها أو أشباه ذلك، وقد روى عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «إِذَا قَامَ الرّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٢)، قال محمد بن مسلمة: «معنى ذلك: إذا قام لحاجةٍ، أو أن يكون قد جلس إلى عالمٍ أو من يتعلّم منه خيراً، فإنّه أولى به، فَأَمَّا إذا كان لغير ذلك، أو قام تاركاً له، فليس هو أولى به من غيره». ••• [٣٢٩٠] سُئِلَ مالكٌ عمَّا يُنْثَرُ على الصِّبيان عند خروج أسنانهم وفي العرائس، فتكون منه النّهبَةُ؟ قال: لا أحبُّ أن يُؤكل منه شيءٌ إذا كان يُنْتَهب (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يَأْخُذُ منه من لا يحبُّ صاحب الشَّيءِ أَخْذَه له، ويُحِبُّ أخذ غيره؛ فلهذه العلّة كره أخذه وأكله، وقد قال مالكٌ هذا في غير هذا الموضع. •••

стр. 2766

[٣٢٩١] قال ابن القاسم: قال مالكٌ: إنَّ من عَيْبِ القاضي، أنَّه إذا عُزِلَ، لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يَتَعَلَّمُ فيه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كأنَّه قد دخله ضَرْبٌ من الكِبْرِ والتِّيه (٢) لتقليده القضاء متى لم يرجع إلى مجلسه الَّذِي كان يتعلّم فيه أو يُعَلِّم، وذلك عيبٌ فيه. ••• [٣٢٩٢] قال مالكٌ: سمعت أنَّه يُستَحبُّ للرَّجُلِ إذا دخل منزله أن يقول: «ما شاء الله، لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله» (٣). • لأنَّ الله تعالى يقول في كتابه، في الرَّجُلَينِ أو أحدهما: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، فهو يَسْتَحِبُّ ذلك عند دخول الرّجل حجرته وبيته. ••• [٣٢٩٣] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ: أَتَرَاهُ صالحاً أن يأكل الرّجل من طعامٍ لا يأكله عيالُهُ ورقِيقُهُ، ويلبس ثياباً لا يكسوهم مثلها؟ فقال: إي والله، إنّي لأراه من ذلك في سَعَةٍ، ولكن يُحْسِن إليهم ويطعمهم.

стр. 2767

فقيل لمالكٍ: أرأيت ما جاء من حديث أبي الدّرداء (١)؟ فقال: كان النّاس يومئذٍ، ليس لهم هذا القوت (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإنسان مباحٌ له أن يأكل ويلبس مِمَّا قد رزقه الله تعالى من المال، ما يحبُّه ويشتهيه، ويتجمَّلُ به عند النَّاس، ما لم يكن فِعْلُهُ سَرَفَاً، فجاز له في ذات نفسه أن يفعل ذلك ويختصَّ به دون عياله، بعد أن يُوَفِّي عياله حقوقهم. وقد كان للنّبي ﷺ ثيابٌ يتجمَّل بها للجمعة والأعياد والوفود إذا قدموا عليه (٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ، سِوَى

стр. 2768

ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (١)، فدلَّ هذا أنَّ التَّجَمُّلَ في النَّاس مستحبٌّ. ••• [٣٢٩٤] وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يشتري العَبْدَ، فيَسْأَلُهُ بالله لا يشتريْهِ؟ قال: أحَبُّ إليَّ أن لا يشتريه، فأمَّا أن يُحْكُمَ عليه بذلك فلا (٢). • إنَّما استَحَبَّ له أن لا يشتريه؛ لِمَا قد أَقْسَمَ عليه العبد من ترك شرائه. فأمَّا أن يكون ذلك واجباً عليه فلا؛ لأنَّ شراءه له مباحٌ، ولا يلزمه ترك شرائه من أجل قسم غيره عليه. ••• [٣٢٩٥] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن النِّسبة الَّتِي ينتسب إليها النَّاس، حَتَّى يبلغوا آدم ﵇، أتكره ذلك؟ قال: نعم، إنّي أكره ذلك. فقلت له: أيَنْتَسِبُ حَتَّى يبلُغَ إبراهيم وإسماعيل ﵉؟ فقال: لا أحبّ ذلك. قال: وأكره أن يُرْفَع في أنساب الأنبياء كغيرهم، يقول» «إبراهيم بن فلانٍ بن فلانٍ»، ما يُدْرِيه ما هذا؟، ومن يخبره بهذا؟ (٣).

стр. 2769

• إنَّما كره النِّسبة إلى آدم وإبراهيم وأشباههما؛ لأنَّ معرفة ذلك لا تُعلَم من طريق العقل، وإنّما تُعْلم من جهة الخبر، وليس في هذا خبرٌ صحيحٌ يُعتَمَد عليه، وقد رُوِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]، فَقَالَ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ» (١)، فيُكْرَه أن يُنْسَبَ الإنسانُ إلى غير أبيه، ولا سيّما الأنبياء ﵈؛ لوجوب حقهّم، وثبوت حرمتهم على النّاس. ••• [٣٢٩٦] قال أشهب: قال مالكٌ: الفَظَّةُ مكروهةٌ، يقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله سبحانه قال حاكياً عن لقمان الحكيم: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، وقال : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» (٣)، وقال أبو الدَّرداء، سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَا وُضِعَ فِي

стр. 2770

المِيزَانِ شَيْءٌ أَثْقَل مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» (١)، وقال الزُّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٢)، وقال الزهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ» (٣)، ورُوِيَ في الخبر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (٤)، وقال الأصبغ بن نباته (٥)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇: «مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ، وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ» (٦)، فيُسْتَحَبُّ للإنسان أن يكون في كلامه لَيِّنٌ، وفي أموره متواضعٌ؛ لأنَّ ذلك من أخلاق المؤمنين، ولايكون فظّاً غليظاً جافياً؛ لأنّ ذلك من أخلاق الجبابرة، وقد روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَلَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَّا رَفَعَهُ الله ، وَلَا عَفَا عَنْ مَظْلَمَةٍ، إِلَّا زَادَهُ الله بِهَا عِزّاً» (٧). •••
следующие страницы →