← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التصرف فيه وأراد به الزينة والتجمل، لم تكن عليه الزَّكاة؛ لأنَّهُ قد نقله عن الأصل الذي وجبت الزَّكاة فيه من أجله. ألا ترى: أنَّ العبد والفرس لا زكاة في عينهما، فمتى اشتراهما للتّجارة، وجبت عليه الزَّكاة، وكذلك سائر العروض، فعليه الزَّكاة في ثمنها إذا باعها، أو في قيمتها على وجهٍ ما. فلمَّا كانت العين التي لا زكاة فيها إذا قصد فيها النماء والتجارة وجبت فيها الزَّكاة، كانت العين التي فيها الزَّكاة إذا عُدِلَ بها عن التّجارة وطلب النماء إلى الزينة والتجمل لم تكن عليه الزَّكاة. فإن قيل: فلم لا أوجبتم الزَّكاة في الحلي وإن كان يراد به الزينة والتجمُّل، كما أوجبتم في الإبل العوامل الزَّكاة، وإن كان فيها الزينة والجمال (١). قيل له: ليس يشبه الحلي إذا أريد به اللبس والجمال الإبل العاملة؛ من قِبَلِ أنَّ الإبل العاملة، النماءُ فيها موجودٌ لا ينقطع بالعمل، وهو الدَّر والنسل، وإنَّما ينضاف بالعمل إلى ذلك أجرةٌ، والحلي فإذا لُبِسَ وتُزين به، لم يمكن التقلب فيه وطلب النماء في الشراء والبيع، فلم يمكن اجتماعهما لهذه العلَّة. فأمَّا إذا كان الحلي للكراء، فإنَّ مالكاً قال: «لا زكاة عليه»؛ لأنَّ عينه قد نُقِلت عن التّجارة والتصرف فيه بالشراء والبيع.

стр. 37

فإن كان يُنتفع بأجرته فلا تجب عليه الزَّكاة؛ لأنَّهُ لا يُطلب فضله بالتصرف فيه بالبيع والشراء. وأحسب أنَّ محمد بن مسلمة المخزومي (١)، قال: «عليه الزَّكاة» (٢)؛ من قِبَلِ أنَّهُ لم يَتخذه للُّبس والزينة، وإنَّما اتخذه لطلب الفضل، والصحيح ما قاله مالكٌ لِمَا ذكرناه. فأمَّا إذا كان الحلي لغير اللُّبس والزينة، وإنَّما هو للتّجارة أو لذخيرةٍ، فإنَّ عليه فيه الزَّكاة؛ لأنَّهُ لم يتخذه للُّبس والزينة اللذين تسقط معهما الزَّكاة، فعليه فيه الزَّكاة؛ لأنَّ أصل الذَّهَب والفضة أنَّ فيهما الزَّكاة، وإنَّما تسقط إذا عُدل بهما إلى الزينة والتجمُّل. وقد روي عن جماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يزكُّون الحلي، منهم: ابن عمر، وعائشة، وأسماء (٣)، وغيرهم. فروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ» (٤).

стр. 38

وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر مثله (١)، وهو قول جماعةٍ من التابعين. فإن قيل: قد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ امْرَأَةٍ سِوَارَيْنِ، فَقَالَ لَهَا: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟، قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَأَدِّي زَكَاتَهُ»، رواه حسين بن ذكوان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه (٢)، قالوا: ففي هذا دلالةٌ على أنَّ في الحلي زكاةٌ وإن أريد به اللّبس (٣). قيل له: جد عمرو بن شعيبٍ، إن كان عبد الله بن عمرو، فهو متصل الإسناد، وهو سماعٌ من النبي صلى الله عليه؛ لأنَّ عبد الله بن عمرو صاحب رسول الله ﷺ . وإن كان جده الأصغر، فهو محمد، والحديث مرسلٌ وفي إسناده لينٌ. فإن كان صحيحاً، فيجوز أن يكون حليّاً لا يجوز استعماله مما فيه سرفٌ

стр. 39

وبذخٌ وأشباه هذا المعنى، ويتفق هذا التأويل مع ما ذكرناه من الأدلة وقول الصحابة، والله أعلم. ••• [٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا زَكَاةَ فِي لُؤْلُؤٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَنْبَرٍ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ، وإنَّمَا هُوَ عَرَضٌ مِنَ العُرُوضِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ للتِّجَارَةِ فَيُفْعَلُ فِيهَ كَمَا يُفْعَلُ فِي العُرُوضِ (١). • قد ذكر مالكٌ العلَّة في أنْ لا زكاة فيها، وهو قوله: «إنها عَرَضٌ من العُروض»، فلا زكاة في العروض إلَّا أن تُشترى للتّجارة، فتزكى زكاة التّجارة على ما قد فسرناه. وأما إذا كانت لغير تجارةٍ، فلا زكاة فيها؛ لأنَّ الزَّكاة تجب في العين والحرث والماشية دون سائر العروض. وقوله: «لا خُمُس فيه»؛ فلأنَّ الخمس إنَّما يجب في القسمة أو في الركاز؛ لأنَّهُ مال كافِرٍ وجَدَه مُسلمٌ، وليس كذلك هذه الأشياء، وإنَّما هي عُرُوضٌ حكمها حكم العُروض. •••

стр. 40

باب زكاة المعادن والركاز (١) [٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي المَعَادِنِ خُمُسٌ، وَلَيْسَتْ بِرِكَازٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا الزَّكَاةُ. وَإِنَّمَا هُوَ كَهَيْئَةِ الزَّرْعِ، لَا يُسْتَأْنَى بِهِ حَوْلٌ، إِذَا بَلَغَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِشْرِينَ مِثْقَالاً أَوْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ مَا دَامَ نَيْلُهُ، فَإنِ انْقَطَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ نَيْلٍ، فَهُوَ مِثْلُ الأَوَّلِ تُبْتَدَأُ فِيهِ الزَّكَاةُ (٢). • إنما قال: «إنَّ في المعادن الزَّكاة دون الخمس»؛ لِمَا رواه مالكٌ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣)، عن غير واحدٍ من علمائهم: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ المَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ التي مِنْ نَاحِيَةِ الفُرُعِ، فَتِلْكَ المَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى اليَوْمِ» (٤). ومما يدلُّ أيضاً أنَّ في المعدن الزَّكاة وأنه ليس بركازٍ، ما رواه مالكٌ وغيره،

стр. 41

عن الزهري (١)، عن سعيدٍ (٢) وأبي سلمة (٣)، عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «العُجْمَى جُرْحُها جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (٤)، فلو كان المعدن هو الرِّكاز، لما فَرَّقَ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بين اسميهما، فسمَّى أحدهما معدناً والآخر رِكازاً، ولما أعاد ذِكْرَ الركاز من غير فائدةٍ، حيث قال: «وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ»، ولقال: «وفيه الخمس»؛ لأنَّ الركاز هو المعدن عند مخالفنا (٥)، فلا معنى لإعادة ذكره وإفراده. فثبت بما ذكرناه من هذين الخبرين، أنَّ المَعْدِنَ غيرُ الركاز (٦). فأمَّا وجهه من طريق القياس، فإنَّ الركاز هو ما رَكَزَهُ الآدميون؛ لأنَّهُ مأخوذٌ من رُكز الشيء، والمعدن فهو عروقٌ أنبتها الله في الأرض من غير

стр. 42

وضع آدمي لها، فأشبه ذلك الزرع الذي ينبته الله ، فيجب أن يكون حكمه حكم الزرع في وجوب الزَّكاة فيه، ولم يجز أن يكون حكمه حكم الركاز الذي هو ملك الآدميين، رَكَزوه ودفنوه فأُخِذ منه على سبيل المغنم. ولهذا قال مالكٌ: «إنَّهُ يُزَكى في المال إذا كان نصاباً ولا ينتظر به حلول الحول عليه»؛ لأنَّهُ شيءٌ يخرج من الأرض ينبت فيها، كالزرع الذي يخرج من الأرض، فوجب أن يُزكَّى في الحال كما يزكى الزرع. ولم يشبه المال المستفاد الذي يستقبل به الحول، كما لم يشبه الزرع سائر الأموال المستفادة، والمعنى الجامع بينهما هو أنَّهُ شيءٌ خارجٌ من الأرض فيه الزَّكاة كالزرع أنَّه شيءٌ خارجٌ من الأرض فيه الزَّكاة، فاجتمعا في هذا المعنى في أن يزكيا في الحال. ولو زُكي بعد الحول، لما كان ذلك زكاة المعدن، ولكان ذلك كالمال المستفاد، ولا بد لقولهم زكاة المعدن من فائدةٍ غير فائدة زكاة المال المستفاد. وقوله: «ما دام نيلٌ»، يعني: باقياً لا ينقطع، فإنه يُضم بعضه إلى بعضٍ ويُزكى إذا خرج منه مقدار النصاب فأكثر؛ لأنَّ حكمه حكم الزرع واحدٌ، أنَّهُ يزكى إذا كان مقدار ما فيه الزَّكاة. فإن انقطع نيلُه وجاء نيلٌ آخر ائتنف الزَّكاة في الثاني، ولم يضم إلى الأول؛ لأنهما نيلان مختلفان، فأشبه الزرعين المختلفين في الوقت والنبات أنَّهُ لا يضم أحدهما إلى الآخر، لكنه يزكى كل واحدٍ على حِدَتِهِ. •••

стр. 43

[٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي البَحْرِ مِنَ التُّرَابِ، فَيُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِتُرَابِ المَعْدِنِ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ بمنزلة المعدن، إنَّما هي عروق ذهبٍ نابتةٍ توجد في الأرض، ولا فصل بين أن تكون باطنةً أو ظاهرةً، أو كانت في برٍ أو بحرٍ أنَّ فيها الزَّكاة. ••• [٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي البَحْرِ مِنَ التَّمَاثِيلِ، فَفِيهِ الخُمُسُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها بمنزلة الركاز؛ لأنَّ الركاز هو دفن الجاهلية يجده المسلم، ففيه الخمس وله أربعة الأخماس؛ لأنَّهُ مُشَبَّهٌ بالمغانم والتماثيل. والشيء المضروب إذا وجد فقد عُلم أنَّهُ ليس معدناً، وأنه قد تقدَّم عليه ملك آدمي، فإذا كان التماثيل وما أشبهها، كان في الأغلب أنها ملك كافرٍ وجده مسلمٌ، فكان حكمها حكم الركاز. ••• [٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا وُجِدَ فِي المَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ النَّابِتِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا كَبِيرُ مُؤْنَةٍ، فَفِيهِ الخُمُسُ (٣).

стр. 44

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ما ليس فيه مؤنةٌ مثل اللسان (١) إذا خرج من المعدن والنَّدرَةِ (٢) إذا نَدَرت، ففيها الخمس؛ لأنها خرجت بغير كلفةٍ كبيرةٍ ولا مؤنةٍ عظيمةٍ، فأشبه ذلك الركاز؛ لأنَّهُ يجده بغير كلفةٍ ولا عمل، فكان فيه الخمس، فكذلك ما وجد في المعدن بغير كلفةٍ ولا مؤنةٍ. وإنما أُخِذ منه الخمس دون غيره؛ لأنَّ الذي يؤخذ من المال، أعني الذَّهَب والفضة، أحد شيئين: إما ربع العشر، وهو الزَّكاة. أو الخمسٌ، وهو في الغنيمة وما وجد في الركاز. فلما لم يؤخذ من النَّدرَةِ الزَّكاة لِمَا ذكرناه، أُخذ منها الخمس، إذ ليس مأخوذاً من الذَّهَب والفضة غير الزَّكاة أو الخمس، والله أعلم. ••• [٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصَابَ مِنَ المَعْدِنِ شَيْئاً يَبْلُغُ عِشْرِينَ دِينَاراً أَوْ مِئَتَيْ

стр. 45

دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَا أَنْفَقَ وَلَا إِلَى دَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ، يُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَإِنْ عَظُمَتْ نَفَقَتُهُ وَكَثُرَ دَيْنُهُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَل أنَّ المُؤْنَة لا تُسقط ما يجب في الأموال من الحقوق من الزَّكاة وغيرها، غير أنها تُخَفِّفُ إذا كثرت وتُثَقِّل إذا لم تكثر، كزكاة الحرث أنها تُؤخذ وإن أُنفق عليه أكثر من قيمته أضعافاً، ولم تَسقط الزَّكاة. وكذلك زكاة المعدن لا تسقط من أجل ما أُنفق عليه، ولا تُخَفَّف أيضاً؛ لأنَّهُ ليس في زكاة الذَّهَب والورق تخفيفٌ؛ لأنَّ الذي فيها من الزَّكاة يسيرٌ وهو ربع العشر، وزكاة الحرث الذي ليس فيه مؤنةٌ العشر، والذي فيه مؤنةٌ نصف العشر، وإنَّما تُخَفَّفُ الزَّكاة إذا كانت كثيرةً، ولم تخفَّف إذا كانت قليلةً. ••• [٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَفِي رِكَازِ الجَاهِلِيَّةِ الخُمُسُ، وَالرِّكَازُ: دَفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، وَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، ذَهَبِهِ وَوَرِقِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَرَضِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ الفَيْءِ، وَكَانَ فِيهِ الخُمُسُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ. والخُمُسُ فِي كُلِّ عَرَضِهِ (٢) وَعَيْنِهِ (٣).

стр. 46

• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا رواه مالك وغيره، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «جُرْحُ العُجْمَى جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (١). وإنما جُعل فيه الخمس؛ لأنَّهُ مال كافرٍ لم يملكه مسلمٌ، فأُنزل واجده بمنزلة الغانم مال الكافرين، أُخذ منه الخمس، وكان له أربعة أخماسه (٢). ولم يجز أن تكون فيه الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين في أموالهم متى حال عليها الحول، فأمَّا ما يأخذونه من مال الكفار فلا زكاة عليهم فيه في الحال، لكنه عليهم الخمس على ما أمر الله به. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ من قليله وكثيره الخمس»؛ فلأنَّ ذلك بمنزلة الغنيمة، يؤخذ من قليلها وكثيرها الخمس، سواءٌ كان ذلك عيناً أو عرضاً، مثل الغنيمة سواءٌ، يؤخذ من عينها وعرضها الخمس. وهذا هو الصحيح من قول مالكٍ، وقد قال: «إنه لا يؤخذ من العروض إذا وجدها الخمس» (٣). ووجه هذا القول: أنَّ خمس الركاز لَمَّا كان شيئاً يؤخذ من يد مسلمٍ،

стр. 47

أخذ منه في الذَّهَب والفضة كما تؤخذ الزَّكاة منه في الذَّهَب والفضة دون سائر العروض، فهذا وجه هذا القول، وليس بالقوي. ••• زكاة الماشية [٣٦] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الإِبِلَ، مَا زَكَاتُهَا؟، وَفِي كَمْ تُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ؟ قَالَ مَالِكٌ: فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ (١) صَدَقَةٌ. فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى تِسْعٍ. فَإِذَا بَلَغَتْ عَشْراً، فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ. [فَإِ] ذَا (٢) بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ. فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ، فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً [وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ] (٣) مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ [إِلَى خَمْسٍ] (٤) وَثَلَاثِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتّاً وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتّاً وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ. فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. فَإِذَا كَانَتْ سِتّاً وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ.

стр. 48

فَإِذَا بَلَغَتْ (١) إِحْدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ. فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِـ[ـينَ] (٢) بِنْتُ لَبُونٍ. فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، قَالَ: فَالسَّاعِي [بِالخِيَارِ] (٣) فِي حِقَّتَينِ، أَوْ فِي ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ (٤). • قال ابن القاسم: «ذهب في الصدقات إلى ما قرأه من كتاب عمر بن الخطاب» (٥)، وفي الكتاب زكاة الإبل على ما ذكره مالك، وكذلك فيه زكاة الغنم والبقر على ما سنذكره إن شاء الله. وكذلك رُوي عن النبي صلى الله عليه: فروى مالكٌ وسفيانٌ (٦)، وشعبة (٧)، عن عمرو بن يحيى المازني (٨)، عن

стр. 49

أبيه (١)، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ» (٢). وكذلك رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه (٣). وروى محمد بن عبد الله الأنصاري (٤)، قال: حدثني أبي (٥)، قال: حدثني عمي ثمامة بن عبد الله بن أنس (٦)، عن أنس بن مالك: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ، وَجَّهَ أَنَساً إِلَى البَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقاً، وَكَتَبَهُ لَهُ، فَإِذَا فِيهِ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، الَّتِي أَمَرَ اللهُ تعالى بِهَا نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ

стр. 50

المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ الغَنَمُ، فِي [كُلِّ] (١) خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (٢)، ثم ذكر نحو ما ذكره مالكٌ. وروى عباد بن العوام (٣)، عن سفيان بن حسين (٤)، عن الزهري، عن سالمٍ (٥)، عن أبيه، قال: «كَتَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ كِتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ» (٦)، ثم ذكر الحديث، نحو ما ذكره مالكٌ.

стр. 51

ورواه أيضاً زهيرٌ (١)، قال: حدثنا أبو إسحاق (٢)، عن عاصم بن ضمرة (٣) والحارث الأعور (٤)، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه (٥)، فذكر حديث الصدقات. وقوله: «إنَّهُ لا شيء فيها حتى يحول عليها الحول»؛ فلِما روته عائشة وأنس، عن النبي صلى الله عليه، أنَّهُ قال: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» (٦)، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق (٧)، وابن عمر (٨)، وقد ذكرنا ذلك في زكاة العين فأغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: «إذا زادت الإبل على عشرين ومئةٍ، فالساعي بالخيار بين أن يأخذ

стр. 52

حقتين أو ثلاث بنات لبون»؛ فلأنَّ النبي صلى الله عليه، لَمَّا قال: «فَإِذَا زَادَتْ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» (١) احتمل: (أن يكون ذلك في كل الزيادة، واحدةً كانت أو أكثر. (واحتمل أن تكون الزيادة هي أقل زيادةٍ يجتمع فيها ذلك. فلما احتمل ذلك، جعل مالكٌ الساعي بالخيار، على حسب ما يؤديه اجتهاده في الأخذ، كما هو مخير في المئتين بين أن يأخذ أربع حِقَاقٍ أو خمس بنات لبونٍ. وهذه رواية ابن القاسم (٢) وابن عبد الحكم وغيرهما من أصحابه عن مالك. وحكى عبد الملك (٣)، وأشهب (٤)، عن مالك: «أنَّ الحقتين لا تُخرجان من المال حتّى يصير ثلاثين ومئةٍ، فإذا صار كذلك، أُخِذَ من خمسين حقةً، ومن ثمانين ابنتا لبونٍ» (٥).

стр. 53

ووجه هذا القول: أنَّ أول الزيادة التي يصح فيها ما قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ هي هذه لا ما هو أقل منها، فلم يخرج حكم الحقتين فيما زاد على العشرين ومئةٍ حتى يصير ثلاثين ومئةٍ. وهذا القول كأنه أصحُّ في القياس. فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فَإِذَا زَادَتِ الإِبْلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمَئةً، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ»، فوجب بظاهر هذا الحديث أنَّ حكم الزَّكاة ينتقل بزيادَةِ واحدةٍ فأكثر، وقد قيل في بعض الأخبار: «فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ» (١) (٢). قيل له: قوله: «فَإِذَا زَادَتْ»، إنَّما أراد زيادةً بوصفٍ ما، وهو ما ذكرناه، أن يجتمع فيها أخذ الحقة وبنات لبونٍ، فأمَّا زيادة واحدةٍ فليس يجتمع فيها ذلك، ولم يُرِدْهَا النبي صلى الله عليه. والدليل على ذلك أيضاً من جهة القياس: أنَّا وجدنا كل زيادةٍ تُغَير حكم الزَّكاة وتنقله من شيءٍ إلى شيءٍ تدخل في حكم الزَّكاة وتؤخذ منها الزَّكاة، وزيادة واحدةٍ على عشرين ومئةٍ من الإبل، فليس يخلو أمرها من أحد أمرين: (إما أن تدخل في حكم الزَّكاة ويؤخذ منها، كما يؤخذ من العشرين ومئة، فيجب أن يكون في أربعين وثُلثٍ ابنة لبونٍ، وهذا خلاف الخبر.

стр. 54

(أو تكون الزَّكاة في أربعين وتكون هي عفواً، وهذا خلاف الأصول في الزَّكاة. فعُلم بذلك أنَّ الزيادة التي أرادها النبي صلى الله عليه، هي ما يدخل في حكم الزَّكاة ويُغير حكمها بنقله من شيءٍ إلى شيءٍ، والله أعلم. فأمَّا الخبر الذي قيل فيه: «فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً»، فليس بالصحيح، والصحيح إنَّما هو: «فَإِذَا زَادَتْ»، من غير ذكر واحدةٍ (١)، وقد قيل في بعض الأخبار: «فَإِذَا كَثُرَتِ الإِبِلُ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» (٢)، والكثرة لا تكون بزيادةِ واحدةٍ. ••• زكاة الغنم [٣٧] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: فَكَمْ فِي زَكَاةِ الغَنَمِ، وَفِي كَمْ تُؤْخَذُ زَكَاتُهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: زَكَاتُهَا فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةٌ. وَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَفِيهَا شَاةٌ.

стр. 55

ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا إِلَّا شَاةً حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا زَادَتْ شَاةً، فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِئَتِي شَاةٍ، فَإِذَا زَادَتْ شَاةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، ثُمَّ مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ (١). • وهذا القول الذي قاله مالك في زكاة الغنم أيضاً، فإنَّما قاله لما قرأه في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ في الصدقة. قال مالكٌ: «قرأت كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة، فوجدت فيه» (٢)، فذكر في صدقة الغنم مثل ما تقدَّم. وكذلك كتب أبو بكر ﵁، لأنس بن مالك (٣). وكذلك رواه علي ﵁، عن النبي صلى الله عليه (٤)، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ••• زكاة البقر [٣٨] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ البَقَرِ؟

стр. 56

قَالَ مَالِكٌ: لَا زَكَاةَ فِي البَقَرِ إِلَّا فِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً. وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ، فَفِيهَا تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، ثُمَّ مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ (١). • وإنَّمَا قال مالكٌ في زكاة البقر أيضاً؛ لما قرأه من كتاب عمر بن الخطاب. وروى مالكٌ، عن حميد بن قيسٍ المكي (٢)، عن طاوس اليماني (٣): «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعاً، وَأَخَذَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَأُتِيَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئاً حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلَهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذُ» (٤).

стр. 57

وروى الأعمش (١) وعاصمٌ (٢) جميعاً، عن أبي وائلٍ (٣)، عن مسروقٍ (٤)، عن معاذٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، فأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعاً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» (٥). وقد روى سليمان بن داود (٦)، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٧)، عن أبيه (٨)، عن جده (٩): «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله

стр. 58

عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ كِتَاباً فِيهِ الفَرَائِضُ» فذكر: «وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَاقُورَةً تَبِيعٌ: جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَاقُورَةً بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ» (١)، وذَكَر زكاة الإبل والغنم على ما تقدَّم ذكره. ••• [٣٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ فِي الأَوْقَاصِ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ شَيْءٌ. وَالأَوْقَاصُ: مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ مِنَ العَدَدِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ معاذاً امتنع من أخذ الصدقة فيما بين السنين، وقال: «لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئاً حَتَّى أَسْأَلَهُ». ولمَّا قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: من كذا إلى كذا، لم يجز أن يُنتقل من زكاةٍ إلى زكاةٍ إلَّا باستكمال العدد المشترط. ••• [٤٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي المَالِ سِنَّانِ: • فَإنْ كَانَ السِّنَّانُ فِي المَالِ، فَالسَّاعِي بِالخِيَارِ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ.

стр. 59

• وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ السِّنَّانُ فِي المَالِ، فَالسَّاعِي بِالخِيَارِ، أَيَّ ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ (١) المَالِ أَخَذَهُ. • وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي المَالِ إِلَّا سِنٌّ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ لِلسَّاعِي إِلَّا ذَلِكَ السِّنُّ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا كان في المال السِّنان جميعاً، أخذ المُصَدِّقُ (٣) أيهما شاء، إذا كان في أخذهما نَظَرٌ للمسلمين، إذ هو القيِّم لهم. ولأنَّ كلا السِّنين مما قد جُعِل له أخذه في الموضع الذي يجوز له أخذ ذلك، فالخيار إليه دون ربّ المال. فأمَّا إذا لم يكن في المال إلَّا سنٌ واحدٌ، أخذه ولم يُكَلِّف ربّ المال غيره؛ لأنَّ السن الموجود مما يجوز له أخذه في الصدقة، فمتى كلَّفه أن يأتي بغيره، أضر ذلك به وشقَّ عليه، وذلك منهيٌّ عنه، إلَّا أن يتطوع ربّ المال بأن يعطيه أعلى من السن الموجود فيه، فيكون ذلك له. ••• باب زكاة الخلطاء [٤١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَالخُلَطَاءُ فِي الإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الخُلَطَاءِ فِي الغَنَمِ،

стр. 60

لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوْ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ الخُلَطَاءُ لَهُمْ جَمِيعاً مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ أُخِذَ مِنَ المَالِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُمْ يَتَرَادُّونَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ أَمْوَالِهِمْ، بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ (١). • قوله: «لا زكاة على الخلطاء في الإبل والغنم وكذلك البقر، حتى يكون لكل واحدٍ منهم ما تجب فيه الزَّكاة، فإن كان لبعضهم ما تجب فيه الزَّكاة أُخذت منه الزَّكاة دون من لم تجب عليه» (٢)؛ فلأنَّ النّبيّ ﷺ قال فيما رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (٣)، فكان هذا نفياً عاماً في كل مالكٍ وكل ملكٍ أن تكون فيه الصدقة، حتى تكون له خمس ذَوْدٍ، سواءٌ كان منفرداً بملكه أو مخالطاً لغيره؛ لأنَّ الحاجة إلى حصول النصاب واعتباره في الخلطة، كالحاجة إلى حصوله في الانفراد؛ لأنَّ النصاب من أحد الأوصاف التي تجب الزَّكاة بوجوده، ومن أوصاف وجوبها الحرية والإسلام.

стр. 61

فلمَّا كان المسلم إذا كان مخالطاً لكافرٍ أو عبدٍ بدون النصاب إلى ما هو نصابٌ للعبد والكافر، أو ما إذا اجتمع كان نصاباً، لم تكن على المسلم الزَّكاة فيما يملكه من دون النصاب، وإن كان بالخلطة يصير نصاباً مع ما لغيره؛ لأنَّهُ لو انفرد لم يكن من أهل الزَّكاة، فكذلك إذا كان مخالطاً لغيره، فلا زكاة عليه، سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين أو عبدين؛ لأنَّ كل واحدٍ لو انفرد لم يكن من أهل الزَّكاة، الذي لا يملك النصاب، أو الكافر، أو المكاتب. فلمَّا لم يصر الكافر والمكاتب بالخلطة من أهل الزَّكاة؛ - لأنه لو انفرد لم يكن من أهلها -، فكذلك المسلم الذي لا يملك النصاب إذا خالط غيره، لم يصر بملكِ غيره من أهل الزَّكاة؛ لأنَّهُ لو انفرد بملكه لم يكن من أهل الزَّكاة. فإن قيل: قد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» (١)، فهذا على عمومه؛ لأنَّ الخلطة قد تكون بالنصاب ودونه، وكذلك قوله: «يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا»، وإن كان لكل واحدٍ منهما أقل من النصاب، وإجراء هذا الحديث على عمومه، أولى من قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (٢). قيل له: قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ»، نفيٌ مُتيقنٌ، وهو على عمومه في المالك الواحد والجماعة المختلطين، لا يُنتقل عن هذا الأصل المتيقن بشيءٍ مجملٍ.

стр. 62

وقوله: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ»، يعني بذلك: إذا كان هناك نصابٌ لكل واحدٍ. ويكون هذا أشبه بالأصول وأولى بالدليل الذي ذكرناه، مِنْ قِبَل أنَّا لو جعلنا على الخلطاء الزَّكاة إذا كان لكل واحدٍ منهما أقل من النصاب، لوجبت الزَّكاة على من ملك جزءاً من أجزاءٍ من شاةٍ، فنكون قد أخذنا الزَّكاة من الفقير الذي يجب علينا أن نعطيه. فإن قيل: فأنت تعطي مَنْ له نصابٌ إذا كان غير غنيٍّ به وتأخذ منه الصدقة، فكذلك لا تُنكر أن نأخذ الصدقة من الخليط، وإن كان يملك جُزْءاً من شاةٍ (١). قيل له: نحن إنَّما نأخذ الصدقة من الغني بالنصاب ونعطي الفقير من جهة الكفاية؛ لأنَّ الغنى على ضربين: غنى بالكفاية، وهو الذي لا يجوز معه أخذ الزَّكاة، ويجوز أخذ الزَّكاة مع عدمه. وضربٌ آخر، وهو بالنصاب. والزَّكاة تجب على من كان غنياً بالنصاب، والذي له جزءٌ من أجزاءٍ من شاةٍ، فليس بغني بالنصاب ولا الكفاية، فلا يجوز أخذ الزَّكاة منه. فإن قيل: فأنت توجب بالخلطة الزَّكاة، وهو أنك تنتقل من زكاةٍ إلى زكاةٍ، فتُخفِّف وتُثَقِّلُ من أجل الخلطة (٢).

стр. 63

قيل له: لسنا ننكر أن تغير الخلطة حكم الزَّكاة من تخفيفٍ إلى تثقيلٍ، ومن تثقيلٍ إلى تخفيفٍ، وإنَّما ننكر أن تُبتدأ بها زكاةٌ لم تجب في الانفراد، ولو جاز أن توجِبَ الخلطة زكاةً لم تجب مبتدأةً، لجاز أن تُسقط زكاةً واجبةً كلها، فلمَّا فسد أن تسقط الخلطة زكاةً واجبةً كلها في الانفراد، فكذلك فسد أن توجب زكاةً لم تجب في الانفراد، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ» (١). فأمَّا من قال: إنَّ الخلطة لا تُخَفِّفُ الزَّكاة ولا تثقل، لكنها تجب معها الزَّكاة كما تجب مع الانفراد (٢)، فقد خالف ظاهر الحديث عن النبي صلى الله عليه، وهو قوله: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْن، ِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ»، ومعلومٌ أنَّ قوله: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، إنَّما هو أن يُسقط بالخلطة صدقةً كانت واجبةً في الانفراد، فتؤخذ صدقة الخلطة، أو يُسقط بالافتراق صدقةً كانت واجبةً بالاختلاط، فنُهي عن ذلك، وإلا فلا معنى للحديث. وقد فسر مالكٌ وجه افتراقهم واجتماعهم، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله (٣). •••

стр. 64

[٤٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّاعِي وَاحِداً وَالفَحْلُ (١) وَاحِداً وَالمُرَاحُ وَاحِداً، فَهُمْ خُلَطَاءُ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي المَبِيتِ وَالحِلَابِ، فَهُمْ خُلَطَاءُ. وَكَذَلِكَ القَوْمُ تَكُونُ لَهُمُ الأَغْنَامُ يَجْمَعُهَا رَاعٍ وَاحِدٌ، يَدْفَعُ هَذَا غَنَمَهُ وَهَذَا غَنَمَهُ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ انْقَلَبَتْ، فَيَدْفَعُ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ غَنَمَهُ فَبَاتَتْ عِنْدَهُ، فَهُمْ خُلَطَاءُ، وَإِنْ تَفَرَّقَ المَبِيتُ وَالحِلَابُ وَمَعْرِفَةُ الغَنَمِ (٢). • قال أبو بكر: ليس يستقرُّ عندي وصف الخلطة من قول مالكٍ حتى يكونوا خلطاء باجتماع الراعي أو الفحل أو الدلو أو المبيت، غير أنَّها تكون باجتماع شيئين من الراعي أو الدلو، أو المبيت أو المراح، وليس يكون بواحدٍ منها على الانفراد خليطاً دون أن يكونا شيئين (٣). هذا الذي تبيَّنتُهُ من قول مالكٍ فيما درسته، ولم يضبط شيوخنا قوله الضبط الذي أعمل عليه. وقد قال بعض أصحابنا: «إنَّ الاعتبار في ذلك أن يكون الراعي واحداً»، وشبَّه ذلك بالمأمومين مع الإمام، فقال: «ألا ترى أنَّ الجماعة بغير حكم الانفراد

стр. 65

من أجل الإمام في القراءة والسهو وغير ذلك، فسبيل الراعي في الغنم كسبيل الإمام مع المأمومين» (١). وهذا ليس بصحيحٍ على قول مالكٍ؛ لأنَّ مالكاً قد قال: «إنهم يكونون خلطاء وإن اختلفت الرعاة»، وقول مالكٍ ما ذكرناه، والله أعلم. ••• [٤٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً خَلِيطاً لِرَجُلٍ بِمِثْلِهَا، وَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَرْبَعُونَ، قَالَ: يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَتَرَادَّانِ الزَّكَاةَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ (٢). • يعني: أنَّ مِلْكَ الرجل الواحد يُضَم بعضه إلى بعض ما يخلطه من الماشية، فيزكى زكاةً واحدةً، يُضم ما هو غير مخالَطٌ به إلى ما هو مخالَطٌ به؛ من قِبَل أنَّ ملكه قد جمع ذلك كلّه ووجبت الزَّكاة عليه فيه، فوجب أن يضم ملكه كلّه بعضه إلى بعضٍ؛ من قِبَل أنَّ الخلطة لَمَّا جعلت حكم المالكين كأنه واحدٌ في الزَّكاة، كان الملك واحداً في أن يكون حكم زكاته حكم مالكٍ واحدٍ أولى. •••

стр. 66

[٤٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الخُلَطَاءُ لَهُمْ مِنَ الغَنَمِ مَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ فُرِّقَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ (١). • قد ذكرنا الحجة في هذه المسألة، فيما تقدَّم في زكاة الإبل والبقر (٢)، وذكرنا أنَّهُ لا زكاة على من لا يملك النصاب، سواءٌ كان مخالطاً لغيره أو منفرداً؛ لأنَّ الحاجة في وجوب الزَّكاة إلى النصاب كالحاجة إلى الإسلام والحرية، وليس يختلف ذلك في الاجتماع والانفراد. ••• [٤٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِئَةُ شَاةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ السَّاعِي شَاةً، قَالَ: يَتَرَادُّونَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. فَإنْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَأَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا شَاةً، قَالَ: هِيَ مَظْلَمَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَالشَّاةُ مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَلَا يَتَرَادُّونَهَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقُولُ: فِي ثَلَاثِينَ زَكَاةٌ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: فِي الأَرْبَعِينَ، فَإنْ كَانَتْ لِأَرْبَعَةٍ إِذَا كَانُوا خُلَطَاءَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، فَمِنْ ثَمَّ يَتَرَادُّونَ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يَتَرَادُّونَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ (٣). • قد ذكر مالكٌ الفرق بين المسألتين، وهو أنَّ النصاب فما فوقه إذا كان

стр. 67

بين جماعةٍ (١) فأخذ منهم الساعي الصدقة، تراجعوها بينهم على قدر أملاكهم؛ من قِبَل أنَّ مِنْ أهل العلم من يرى أنَّ فيها الصدقة (٢). فأَخْذُ الساعي منها الصدقة حكمٌ قد حكم به، ولا يجوز نقضه ولا ردُّه؛ لأنَّهُ ليس بخطأٍ مُجمعٍ عليه، كالحاكم إذا حكم بحكمٍ فيه خلافٌ بين أهل العلم، فلا يجوز لأحدٍ نقضُه ولا ردُّه. فإن أخذ الساعي من دون النصاب لم يترادُّوا؛ من قِبَل أنَّ أخذَهُ ظُلمٌ وجَورٌ، ظَلَمَ من أَخَذَ منه، وليس هو حكماً فيلزم من أُخِذَ منه وغيره من الخلطاء. وأشبه ذلك الحاكم إذا حكم بخطأٍ بيِّنٍ عند النَّاس أو جورٍ، أنَّ حكمه غير ماضٍ ولا لازمٍ، والله أعلم. ••• [٤٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَمَعَ غَنَمَهُ أَوْ إِبِلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَخَالَطَهُ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، أَوْ قَبْلَ الحَوْلِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَهُوَ بِذَلِكَ كُلُّهُ خَلِيطٌ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّ الساعي إنَّما عليه أن يأخذ الصدقة من الماشية على ما يجدها، إذا كان أربابها من أهل الزَّكاة، منفرداً كان أو مختلطاً. فإن وجدهم مختلطين أخذ، وسواءٌ اختلطوا حولاً أو أقل منه؛ لأنَّهُ يشق

стр. 68

عليه أن يميز الغنم بعضها من بعضٍ، ويُفرد ملك كل واحدٍ في الزَّكاة، ويضر فعله ذلك أيضاً بأرباب الماشية. فجُعِلَ له أن يزكيها كما يجدها مجتمعةً زكاة الخلطاء؛ لأنَّ الخلطة مرةً تُخَفِّفُ ومرة تُثَقِّلُ. ولأنَّ الساعي إنَّما يجيء أيضاً مرةً في الحول ولا يتكرر مجيئه، فجُعل له أن يزكيها على ما يجدها، والله أعلم. ••• زكاة العوامل [٤٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَالزَّكَاةُ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ (١): بَقَرِ السَّوَانِي (٢) وَبَقَرِ الحَرْثِ، وَالإِبِلِ العَوَامِلِ، عَامِلَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ كَأَهْمَالِهَا (٣) (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ

стр. 69

خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (١)، أوجب في خمس ذودٍ الصدقة بعموم هذا القول، فلم يفرِّق بين عاملةٍ ولا غيرها، بل وجب أن تؤخذ الصدقة منها؛ لوقوع اسم الذود عليها. فإن قيل: قد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي خَمْسٍ مِنْهَا شَاةٌ» (٢)، فأوجب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الصدقة فيها إذا كانت سائمةً؛ لأنَّ ما عدا الموصوف فحكمه بخلاف حكم الموصوف، وإلَّا فلا معنى لذكر السوم (٣). قيل له: ذِكرُ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الإبل التي أوجب فيها الصدقة بذكر السوم لا يمنع من وجوب الصدقة في غيرها بدليلٍ يقوم على ذلك، كما لم يمنع وصف الله تعالى قتل الصّيد عمداً إذا قتله المُحْرِمُ أنَّ فيه الجزاء، من أنْ يكون على قاتل الخطأ الجزاء أيضاً؛ لاجتماعه والعامد في الإتلاف والذي هو علة وجوب الجزاء من أن يكون على القاتل للصّيد في الإحرام. والدليل على ذلك: ما ذكرناه من عموم قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ»، وأنَّ إجراءَه على العموم أولى من الحديث الآخر الخاص، من قِبَل أنَّا متى قدِرْنَا على استعمال العموم من الآية والخبر استعملناه، إذا لم يمنع من استعماله دليلٌ.

стр. 70

ويحتمل أن يكون قول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِي الإِبِلِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، إنَّما خرج على الأغلب من حال الإبل أنها سائمةٌ: - كما كان قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، خرج على الأغلب من القتل، وكان الخطأ مثله في وجوب الجزاء. - وكذلك قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، خرج تحريم الربيبة على الأغلب؛ لأنها في الأغلب في حجر المتزوِّج بأمها، ولم يمنع ذلك من تحريم التي ليست في الحجر. ويحتمل أن يكون قول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِي الإِبِلِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، إنَّما هو جوابٌ لمن سأله: هل في السائمة زكاة؟، وليس يمنع هذا أن تكون في غيرها الزَّكاة، كما كان قوله: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ، وَلَا الرَّضْعَتَانِ» (١)، لا يمنع أن تكون الثلاث غير مُحَرِّمَةٍ عند بعض مخالفينا في هذه المسألة لدليلٍ ما، فكذلك قد قامت لنا الدلالة على وجوب الصدقة في الإبل العاملة والسائمة لِمَا ذكرناه. فأمَّا من جهة القياس: فإنَّ العاملة، النماء فيها موجودٌ، من الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالوَبَرِ، وتزداد مع هذه الأشياء أجرةً، فلم يجب أن تسقط عنا (٢) الزَّكاة.

стр. 71

فإن قيل: إنَّ العاملة على صاحبها مؤنةٌ، وليس كذلك السائمة، فلم تجب الزَّكاة في العاملة لمخالفتها للسائمة (١). قيل له: المؤنة التي تلزم صاحب العاملة، بإزائها العمل الذي يُعمل له أو الأجرة التي يأخذ منها؛ لأنَّ النَّاس لا يَكْرُونَ كراءً لا يقوم بمؤنة الإبل، وإنَّما يكرون بما يقوم بمؤنتها وفضلٍ، وكذلك يستعملونها فيما هو أنفع لهم من المؤنة عليها، هذا هو عرف النَّاس وعاداتهم، لا يذهب عن ذلك عاقلٌ، على أنَّ المؤنة لا تُسقط الزَّكاة، وإنَّما تخفف. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو أنفق على زرعٍ له أضعاف قيمته، لوجبت عليه الزَّكاة ولم تسقط للمؤنة، فكذلك لا تَسقُط زكاة العاملة لمؤنتها. وإذا بطل التخفيف لزكاتها (٢) ولم يجز إسقاطها للدليل الذي ذكرناه، وجب أن تؤخذ الزَّكاة منها لِمَا ذكرناه من الخبر والقياس. فإن قيل: فأنت لا توجب الزَّكاة في الحلي إذا اتُّخِذ للزينة واللبس وإن كانت عينه مزكاةً، فكذلك يجب أن لا تأخذ الصدقة من الإبل والبقر العاملة إذا أراد بها الزينة والعمل، وإن كان في عينها الزَّكاة (٣). قيل له: ليس تشبه الإبل العاملة الحلي؛ من قِبَل أنَّ الحلي ليس يَقدر أن يَطلب فيه النماء بالتقلب في البيع والشراء متى اتخذه للبس والزينة، والزَّكاة

стр. 72

إنَّما تجب في الأموال النامية أو المُتأتية للنماء، فلم تجب في الحلي زكاةٌ لهذه العلَّة؛ لعدم تَأَتِّي النماء فيه مع استعماله ولبسه، والإبل العوامل والبقر النماء فيها موجودٌ، من الدر والنسل وغير ذلك، مع الاستعمال، فوجب أن تؤخذ منها الزَّكاة. وقد روى ابن وهبٍ، عن الليث، عن يحيى بن سعيد قال: «لَمْ تَزَلْ إِبِلُ الكِرَاءِ تُزَكَّى بِالمَدِينَةِ» (١). ••• [٤٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ عِشْرُونَ وَمِئَةُ شَاةٍ، لِكُلِّ واحَدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ، فَإِذَا أَظَلَّهُمُ المُصَدِّقُ جَمَعُوهَا؛ لِئَلَّا تَكُونَ عَلَيْهِمْ إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ تَرَكُوهَا، غَرِمُوا شَاةً شَاةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. وَمَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا أَظَلَّهُمَا المُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ (٢) مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ (٣).

стр. 73

• قد ذكر مالكٌ وجه الافتراق والاجتماع خشية الصدقة، وإنَّما نُهِي عنه إذا قصد الإنسان به الفِرَار من الصدقة، فأمَّا إذا لم يقصد الفرار فلا بأس به. ••• [٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، ضُمَّتْ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّها مُلكٌ واحِدٌ لمالكٍ واحدٍ، فوجب جمعها عليه في ملكه، وأخذُ الصدقة منها. ولا خلاف في ذلك نعلمه بين فقهاء الأمصار، والله أعلم. ••• [٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْسِمِ السَّاعِي الصَّدَقَةَ أَثْلَاثاً، وَتُؤْخَذُ مِنْ وَسَطِ المَالِ، فَإِذَا أُعْطِيَ وَفَاءً مِنْ حَقِّهِ قَبِلَهُ. وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الضَّأْنُ وَالمَعْزُ فَكَانَ فِيهِمَا جَمِيعاً مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتِ المَعْزُ أَكْثَرَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّهَا إِلَّا شَاةٌ، أَخَذَ مِنَ المَعْزِ، وَإِنْ كَانَتِ الضَّأْنُ أَكْثَرَ أَخَذَ مِنْهَا، فَإنِ اسْتَوَوْا فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الإِبِلُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا، وَالبَقَرُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا (٢).

стр. 74

• قوله: «لا يقسم الساعي الصدقة أثلاثاً»، يعني: المال الذي يأخذ الصدقة منه، لا يقسمه أثلاثاً؛ لأنَّ مِنَ العلماء مَنْ يقول: «إنَّ الساعي يَقْسِم المال أثلاثاً، العالي، والوسط، والأدنى، ثم يُخيِّر صاحب المال من أيها شاء أخذ» (١). ورُوي في ذلك خبرٌ ليس بصحيحٍ، أنَّ بعض مُصَدِّقِي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ كان يفعل ذلك (٢). ولكن يأخذ المصدِّق السنَّ الذي قد جُعِل له، وهو الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وذلك وسطٌ من المال، ليس بالعَالي ولا الدُّون، فهو عدلٌ بين ربّ المال والفقراء. وقد رَوى مالكٌ، عن ثور بن يزيد الديلي (٣)، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي (٤)، عن جده سفيان بن عبد الله (٥): «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقاً، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ، فَقَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا نَأْخُذُهَا، وَلَا نَأْخُذُ الأَكُولَةَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الغَنَمِ،

стр. 75

وَنَأْخُذُ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ» (١)، فوجب بهذا الخبر أن تُؤخذ الجذعة والثنية؛ لأنها وسطٌ من المال، ليس فيها حملٌ على ربّ المال ولا الفقراء. ولم يجز أن يؤخذ أعلى المال؛ لأنَّ في ذلك حملاً على أرباب المال، ولا الأدنى؛ لأنَّ في ذلك حملاً على الفقراء، لكن يؤخذ الوسط، فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥]. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ من الأكثر الذي عند الإنسان من الضأن والمعز»؛ فلأنَّ القليل تابعٌ للكثير، والحكم هو للأكثر، فوجب أن يأخذ الصدقة من أكثر ما عنده، ضأناً كان أو ماعزاً. فإن استووا أخذ من أيهما شاء؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يتبع صاحبه، أعني: القليل للكثير. ••• [٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَنَمٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، فَتَوَالَدَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حكمَ السخال المتولدة عن الأمهات حكمُ
следующие страницы →