← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن قيل: إنَّ العاملة على صاحبها مؤنةٌ، وليس كذلك السائمة، فلم تجب الزَّكاة في العاملة لمخالفتها للسائمة (١). قيل له: المؤنة التي تلزم صاحب العاملة، بإزائها العمل الذي يُعمل له أو الأجرة التي يأخذ منها؛ لأنَّ النَّاس لا يَكْرُونَ كراءً لا يقوم بمؤنة الإبل، وإنَّما يكرون بما يقوم بمؤنتها وفضلٍ، وكذلك يستعملونها فيما هو أنفع لهم من المؤنة عليها، هذا هو عرف النَّاس وعاداتهم، لا يذهب عن ذلك عاقلٌ، على أنَّ المؤنة لا تُسقط الزَّكاة، وإنَّما تخفف. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو أنفق على زرعٍ له أضعاف قيمته، لوجبت عليه الزَّكاة ولم تسقط للمؤنة، فكذلك لا تَسقُط زكاة العاملة لمؤنتها. وإذا بطل التخفيف لزكاتها (٢) ولم يجز إسقاطها للدليل الذي ذكرناه، وجب أن تؤخذ الزَّكاة منها لِمَا ذكرناه من الخبر والقياس. فإن قيل: فأنت لا توجب الزَّكاة في الحلي إذا اتُّخِذ للزينة واللبس وإن كانت عينه مزكاةً، فكذلك يجب أن لا تأخذ الصدقة من الإبل والبقر العاملة إذا أراد بها الزينة والعمل، وإن كان في عينها الزَّكاة (٣). قيل له: ليس تشبه الإبل العاملة الحلي؛ من قِبَل أنَّ الحلي ليس يَقدر أن يَطلب فيه النماء بالتقلب في البيع والشراء متى اتخذه للبس والزينة، والزَّكاة

стр. 72

إنَّما تجب في الأموال النامية أو المُتأتية للنماء، فلم تجب في الحلي زكاةٌ لهذه العلَّة؛ لعدم تَأَتِّي النماء فيه مع استعماله ولبسه، والإبل العوامل والبقر النماء فيها موجودٌ، من الدر والنسل وغير ذلك، مع الاستعمال، فوجب أن تؤخذ منها الزَّكاة. وقد روى ابن وهبٍ، عن الليث، عن يحيى بن سعيد قال: «لَمْ تَزَلْ إِبِلُ الكِرَاءِ تُزَكَّى بِالمَدِينَةِ» (١). ••• [٤٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ عِشْرُونَ وَمِئَةُ شَاةٍ، لِكُلِّ واحَدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ، فَإِذَا أَظَلَّهُمُ المُصَدِّقُ جَمَعُوهَا؛ لِئَلَّا تَكُونَ عَلَيْهِمْ إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ تَرَكُوهَا، غَرِمُوا شَاةً شَاةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. وَمَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا أَظَلَّهُمَا المُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ (٢) مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ (٣).

стр. 73

• قد ذكر مالكٌ وجه الافتراق والاجتماع خشية الصدقة، وإنَّما نُهِي عنه إذا قصد الإنسان به الفِرَار من الصدقة، فأمَّا إذا لم يقصد الفرار فلا بأس به. ••• [٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، ضُمَّتْ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّها مُلكٌ واحِدٌ لمالكٍ واحدٍ، فوجب جمعها عليه في ملكه، وأخذُ الصدقة منها. ولا خلاف في ذلك نعلمه بين فقهاء الأمصار، والله أعلم. ••• [٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْسِمِ السَّاعِي الصَّدَقَةَ أَثْلَاثاً، وَتُؤْخَذُ مِنْ وَسَطِ المَالِ، فَإِذَا أُعْطِيَ وَفَاءً مِنْ حَقِّهِ قَبِلَهُ. وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الضَّأْنُ وَالمَعْزُ فَكَانَ فِيهِمَا جَمِيعاً مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَتِ المَعْزُ أَكْثَرَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّهَا إِلَّا شَاةٌ، أَخَذَ مِنَ المَعْزِ، وَإِنْ كَانَتِ الضَّأْنُ أَكْثَرَ أَخَذَ مِنْهَا، فَإنِ اسْتَوَوْا فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الإِبِلُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا، وَالبَقَرُ كُلُّهَا وَأَصْنَافُهَا (٢).

стр. 74

• قوله: «لا يقسم الساعي الصدقة أثلاثاً»، يعني: المال الذي يأخذ الصدقة منه، لا يقسمه أثلاثاً؛ لأنَّ مِنَ العلماء مَنْ يقول: «إنَّ الساعي يَقْسِم المال أثلاثاً، العالي، والوسط، والأدنى، ثم يُخيِّر صاحب المال من أيها شاء أخذ» (١). ورُوي في ذلك خبرٌ ليس بصحيحٍ، أنَّ بعض مُصَدِّقِي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ كان يفعل ذلك (٢). ولكن يأخذ المصدِّق السنَّ الذي قد جُعِل له، وهو الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وذلك وسطٌ من المال، ليس بالعَالي ولا الدُّون، فهو عدلٌ بين ربّ المال والفقراء. وقد رَوى مالكٌ، عن ثور بن يزيد الديلي (٣)، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي (٤)، عن جده سفيان بن عبد الله (٥): «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ بَعَثَهُ مُصَدِّقاً، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ، فَقَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا نَأْخُذُهَا، وَلَا نَأْخُذُ الأَكُولَةَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الغَنَمِ،

стр. 75

وَنَأْخُذُ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ» (١)، فوجب بهذا الخبر أن تُؤخذ الجذعة والثنية؛ لأنها وسطٌ من المال، ليس فيها حملٌ على ربّ المال ولا الفقراء. ولم يجز أن يؤخذ أعلى المال؛ لأنَّ في ذلك حملاً على أرباب المال، ولا الأدنى؛ لأنَّ في ذلك حملاً على الفقراء، لكن يؤخذ الوسط، فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥]. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ من الأكثر الذي عند الإنسان من الضأن والمعز»؛ فلأنَّ القليل تابعٌ للكثير، والحكم هو للأكثر، فوجب أن يأخذ الصدقة من أكثر ما عنده، ضأناً كان أو ماعزاً. فإن استووا أخذ من أيهما شاء؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يتبع صاحبه، أعني: القليل للكثير. ••• [٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَنَمٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، فَتَوَالَدَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حكمَ السخال المتولدة عن الأمهات حكمُ

стр. 76

الأمهات، فمتى حال الحول على الأمهات، فهو حولٌ للسخال، وإن كان الحول لم يحل على السخال. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو كان عنده ثمانون من الغنم أقامت حولاً، ثم توالدت فصارت إحدى وعشرين ومئة قبل الحول بيومٍ، ثم حال عليها الحول، لكان عليه شاتان، ولولا السخال، لكانت في الأمهات شاةٌ، فلما كان حلول الحول على الأمهات كحلوله على السخال في جواز أخذ شاتين، لا خلاف في هذا الموضع نعلمه، فكذلك حلول الحول على الأمهات إذا كانت دون النصاب، ثُم تَمَّ النصاب بولادها، كان حول الأمهات حولاً للسخال، فوجب أخذ الزَّكاة منها. ولا فصل بين أن تتولد السخال عن أصلٍ هو نصابٌ أو غيرُ نصابٍ: لأنَّ ذلك هو ظاهر حديث عمر الذي أمر به مُصَدِّقَه أن يَعُدَّ السخلة عليهم (١)، ولم يشترط أن تكون متولدةً عن نصابٍ أو غير نصابٍ. ولأنَّ ما قلناه أيضاً أولى من طريق القياس، وهو أنَّ السخال لَمَّا كانت متولدةً عن الأمهات، كان حكمها حكم الأمهات في الحول، سواءٌ كانت نصاباً أو غير نصابٍ - أعني: الأمهات -، وهذا المعنى أولى؛ من قِبَل أنَّهُ أعم؛ لأنَّهُ يجري حكمه في النصاب وغيره، والحكم بالمعنى الأعم واجبٌ إذا لم يَرُدّه

стр. 77

أصلٌ، كما أنَّ الحكم بالاسم العام أولى إذا لم يَخُصه شيءٌ؛ من قِبَل أنَّ الحكم بهما واجبٌ. ••• [٥٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفَادَ إِبِلاً أَوْ بَقَراً أَوْ غَنَماً، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنَ المَاشِيَةِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّهَا إِلَيْهِ وَيُزَكِّيهَا إِذَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى الأَوَّلِ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا اسْتَفَادَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا مَعَهَا حِينَ يُزَكِّيهَا. وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَفَادَهَا حِينَ أَفَادَهَا وَعِنْدَهُ مَا لَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ، فَلَا يُزَكِّيهِمَا جَمِيعاً حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ عَلَى الآخِرَةِ مِنْهُمَا (١). • إنما أوجب الزَّكاة في الفائدة، وإن لم تكن نصاباً إذا أفادها إلى النصاب؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ المُصَدقَ لو لم يصدق الفائدة مع النصاب، أضر ذلك بالفقراء؛ لأنَّهُ إذا انصرف عن ربّ المال، ثم حال الحول على الفائدة، لم يؤخذ منها الزَّكاة، فيضر ذلك بالفقراء؛ لأنَّ المصدق إنَّما يجيء في كل حولٍ مرةً، فإذا وجد نصاباً قد حال عليه الحول، زكّاه وما يتبع النصاب من الفائدة وإن لم يحل عليها الحول؛ لأنها تبعٌ لنصابٍ قد حال عليه الحول. فإن كانت الفائدة التي أفادها إلى غير نصابٍ، لم تجب الزَّكاة على صاحبها،

стр. 78

ولم يأخذ منها الساعي شيئاً، سواءٌ كانت الفائدة نصاباً أو غير نصابٍ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ لم يحل الحول على نصابٍ في يده فيزكيه، وتكون الفائدة تبعاً له. وأشبه زكاة هذه الفائدة مرةً وترك زكاتها أخرى زكاة الخلطة، في أنها تُخَفِّفُ وتُثَقِّلُ. وموضع التشبيه: أنَّ الفائدة إذا أفيدت إلى نصابٍ، وجب على ربها الزَّكاة فيها مع النصاب، وفي هذا الموضع رفقٌ للفقراء. والموضع الذي فيه رفقٌ لأرباب الأموال، هو أن يفيد نصاباً إلى غير نصابٍ، فلا يكون عليه في النصاب المستفاد ولا الذي كان في يده الزَّكاة، حتى يحول الحول من يوم أفاد النصاب، ولا يزكي ما في يده لحلول الحول، لكنه بعده لشهورٍ كثيرةٍ، يكون ذلك في وقتٍ أقل من سنتين، وفيه رفقٌ بأرباب الأموال دون الفقراء. والذي أحوج إلى ذلك، هو أنَّ الساعي لا يتكرَّر مجيئه في الحول، وإنَّما يجيء في وقتٍ واحدٍ، فيزكي على ما وجد، فأمَّا (١) إذا كان قد حال على أصلٍ عنده حولٌ. وليس كذلك فائدة الذَّهَب والفضة إذا أفاد نصاباً إلى نصابٍ أو دون نصابٍ في أنَّهُ يزكي هذه الفائدة لحولها دون حول النصاب الذي في يده؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ زكاة المال، هو موكولٌ إخراجه إلى ربِّه وليس بأخذه الساعي، فمتى تم الحول على ما في يده، أخرج زكاته؛ لأنَّهُ قادرٌ على حفظ الحول وإخراج الزَّكاة عنده إذا

стр. 79

حال الحول، وليس يقدر الساعي أن يجيء في الحول مراراً، وليست كذلك سُنَّةُ مجيء السُّعَاةِ، وإنَّما كانوا يجيئون في عهد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ في قُبلِ الصيف عند اجتماع الماشية على المياه؛ لأنَّ في الصيف حاجةٌ بالماشية إلى شرب الماء؛ لحرارة الصيف، فيجتمعون في مواضع المياه المعروفة، فأمَّا الشتاء فيفترقون؛ لاستغناء الماشية عن كثرة شرب الماء (١). ••• [٥٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَزَلَ بِهِ السَّاعِي فَبَاتَ عِنْدَهُ فَزَادَتْ غَنَمُهُ مِنْ لَيْلَتِهَا، تَوَالَدَتْ أَوْ نَقَصَتْ، وَأَخْبَرَهُ بِعَدَدِهَا وَبِالَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ضَارٍّ وَلَا نَافِعٍ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا عَلَى عَدَدِهَا حِينَ يَعُدُّهَا وَيَصْدُقُهَا، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةَ غَنَمِهِ، ثُمَّ تَوَالَدَتْ فَزَادَتْ بَعْدَ أَخْذِهِ بِيَسِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَلَا يُثَنِّي عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ (٢). وَلَوْ مَرَّ السَّاعِي بِرَجُلٍ لَهُ دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَهَابِهِ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَوَجَدَهَا قَدْ زَادَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً (٣). • إنَّمَا قال ذلك كله، من قِبَلِ أنَّ صدقة المواشي إنَّما تجب عنده

стр. 80

بأوصافٍ، منها: مجيء الساعي وعدٍّ (١)، وليست تجب قبل ذلك لحلول الحول، لكنها تجب بأوصافٍ، منها: حلول الحول، والنصاب، وأن يكون المالك مسلماً مستقر الملك، - أعني: أن يكون حرّاً -، ومجيء الساعي، فمتى عُدِم واحدٌ من هذه الأوصاف، لم تجب الصدقة. وإذا كان كذلك، لم ينظر الساعي إلى ما كان قبل مجيئه من العدد، ولا ينظر إلى بعد انصرافه، لكنه ينظر إلى وقت العدد، ما كان عدداً تجب فيه الصدقة، أخذ منه الصدقة، وإن لم تجب، لم يأخذ؛ لأنَّ ذلك هو وقت الحكم، فالاعتبار به، لا ما قبل ذلك ولا ما بعده. والدليل على أنَّ مجيء الساعي من أحد شروط الزَّكاة: أنَّ ربّ المال لا يجوز له أن يفرقها هو ويخرجها، ولا يدفعها إلى غيره إلَّا إلى الإمام إذا كان عدلاً (٢)، أو من يرسله الإمام وهو الساعي ويأمره بذلك، وكذلك كان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ يفعل فيما كان يأخذ من الصدقات، يرسل مصدِّقيه فيأخذونها منهم (٣).

стр. 81

ولو جاز لأرباب الماشية أن يخرجوها دونهم، لما كان للتوجيه إليهم معنى؛ لأنَّهُ يتكلّف في ذلك مؤنةً. فثبت بهذا ما قلنا أنَّ دفع الصدقة إلى الساعي هو من أحد شروط استقرار حكم الزَّكاة، لا ما قبل ذلك، والله أعلم. ••• [٥٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلُ صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقَ بِرِسْلِهَا وَنَسْلِهَا، فَإِنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ أصلها على ملكه، ولم يتصدَّق بأصلها، وإنَّما تصدَّق بالرِّسْلِ والنسل، وهو اللَّبن والأولاد، وإن كان الأصل على ملكه وجب عليه أن يزكيها إذا حال الحول عليها. وكذلك عند مالكٍ إذا تصدَّق على رجلٍ بحائطٍ له أو حَبَسَه عليه، فخرج منه خمسة أوسقٍ، وجب عليه أن يزكي؛ لأنها على ملكه حتى يقبضها المُتَصدَّقُ عليه، والزَّكاة تجب فيها قبل أن يقبض المُتَصَدَّقُ عليه، أعني: في الثمرة؛ لأنها تجب ببدو الصلاح، وإنَّما حبَّس الأصل على ملكه وسَبَّل الثمرة وتصدَّق بها، وكذلك قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لعمر: «حَبِّسِ الأَصْلَ، وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» (٢). •••

стр. 82

[٥٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا مَاشِيَةٌ، أُخِذَ مِنْهُ الصَّدَقَةُ (١). • قد ذكرنا حجَّة هذه المسألة فيما تقدَّم، أن الدَّيْنَ لا يمنع من أخذ الزَّكاة في الماشية والحرث وإن كان يحيط بقيمتهما؛ لوجود النماء فيهما، وإن وقع الحَجْرُ عَلَى صاحبه فيهما، وليس كذلك العين؛ لأنَّهُ متى حُجِر، امتنع من وجود النماء فيها؛ لأنها إنَّما تُنَمَّى بالتصرف فيها. ومعنى آخر، وهو أنَّ زكاة الحرث والماشية أخذُهَا إلى الإمام، فليس يجوز لربها إخراجها دونه، وليس يجوز له أن يقبل قوله: «إنَّ عليه ديناً»، ولو قَبِل ذلك، لادَّعى كل أحدٍ ذلك، وكان يؤدِّي إلى إسقاط الزَّكاة، وزكاة المال موكولٌ إخراجها إلى ربه، فكان ردُّ الدَّيْنِ الذي قد أخذ عوضه أولى من الزَّكاة التي لم يأخذ عوضها. ••• [٥٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ خَمْسُ ذَوْدٍ أَشْهُراً، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً، فَأَقَامَ أَشْهُراً، ثُمَّ ابْتَاعَ مِثْلَ مَا بَاعَ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يحل الحول على خمس ذَوْدٍ في مُلكه، لأنَّهُ قد

стр. 83

باع منها في بعض الحول، ثم اشترى عوضها، فكان عليه أن يستأنف الحول من يوم تمّت الخمسة في يده. ••• [٥٧] مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي مَاشِيَتِهِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المملوك ليس مستقرَّ الملك، والزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين الأحرار المستقرِّي الملك، وليس كذلك العبد، وإنَّما هو كالمكاتب أنَّهُ لا زكاة عليه عند من يخالفنا في زكاة العبد (٢)، فيقول: «إنَّ ماله هو للسيد، فيزكيه مع ماله». يقال له: فيجب أن تضيف ملك المكاتب إلى ملك سيده فيزكيه؛ لأنَّ المكاتب ليس بحرٍّ، بل حكمه حكم العبد، فكذلك قوله في العبد: لا زكاة عليه فيما يملكه؛ لنقصان ملكه عن الحرِّ. ولا تجب على سيده فيه زكاةٌ؛ لأنَّهُ ليس ملكاً لسيده، والله أعلم. ••• [٥٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ فِي الصَّدَقَةِ (٣).

стр. 84

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنهم مؤتمنون على ما في أيديهم؛ لأنَّ الزَّكاة والطهارة والصلاة أماناتٌ فيما بين العبد وبين الله ، ليس لها طالبٌ يطالب بها ولا خصمٌ يُخاصم فيها، كالدُّيون وحقوق العباد أنَّ لها مطالباً، فكان مؤتمناً على الزَّكاة، فلم يُستحلف لهذه العلَّة. وقد يجوز إنِ اتَّهم الإمام إنساناً في الصدقة أن يستحلفه، والله أعلم. ••• [٥٩] مَسْأَلَةٌ: قُلْتُ: مَا الَّذِي يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الغَنَمِ؟ قَالَ: الجَذَعَةُ وَالثَّنِيَّةُ، وَلَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضُ، وَلَا الأَكُولَةُ، وَلَا فَحْلُ الغَنَمِ. والرُّبَّى: الَّتِي قَدْ وَضَعَتْ، والمَاخِضُ: الحَامِلُ الَّتِي قَدْ دَنَا وِلَادُهَا، وَالأَكُولَةُ: شَاةُ اللَّحْمِ، وَفَحْلُ الغَنَمِ: التَّيْسُ الَّذِي لِضِرَابِهَا. وَتُعَدُّ عَلَيْهِمُ السَّخْلَةُ وَلَا تُؤْخَذُ، وَلَا تُؤْخَذُ ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ أَنْ يَأْخُذَ عَوَاراً أَوْ تَيْساً أَوْ هَرِمَةً، وَمَشِيئَتُهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ إِلَى مَا يَهْوَى، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنْ كَانَ أَخْذُهَا خَيْراً أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي أَخْذِهَا عَلَيْهِ ضَرَرٌ تَرَكَهَا (١).

стр. 85

• قوله: «يأخذ الجذعة والثنية»؛ فلأنَّ ذلك هو الوسط من المال، وليس هو بأعلاه ولا أدناه، وهو نَظَرٌ بين الفقراء وأرباب الأموال. وليس يأخذ أيضاً معيباً ناقصاً؛ لأنَّ في ذلك ضرراً بالفقراء، ولا يجوز له أن يَضُرَّ بهم، كما لا يجوز له أن يأخذ أعلى المال فيضر بأرباب المال وإن كان ينفع الفقراء، بل عليه أن يقوم بالقسط بينهم، كما قال الله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥]. فإن رأى أنَّ في أخذه ذات العوار حظّاً للمساكين أخذها، بأن تكون سمينةً كبيرة اللحم أو الثَّمن إذا باعوها متى دفعها إليهم، فعل ذلك المُصَدِّقُ؛ لأنَّ في ذلك حظّاً للفقراء ولربِّ المال، وعليه أن يفعل ما هو نظرٌ للفريقين جميعاً. وقد روى مالكٌ، عن ثور بن زيد (١) الدِّيلِيِّ، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي، عن جده سفيان: «أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقاً، فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ، قَالُوا: تَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعَم، تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذُهَا، وَلَا تَأْخُذُ الأَكُولَةَ، وَلَا الرُّبَّى، وَلَا المَاخِضَ، وَلَا فَحْلَ الغَنَمِ، وَخُذِ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ» (٢). •••

стр. 86

[٦٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى غَنَماً لِلتِّجَارَةِ فَمَرَّ بِهِ الحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يُزَكِّيهَا (١)، فَلِيُخْرِجْ زَكَاتَهَا، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ العُرُوضِ يَحُولُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ الحَوْلُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الغَنَمِ فِي رِقَابِهَا، وَزَكَاةُ العُرُوضِ فِي أَثْمَانِهَا (٢). • قد ذَكَر مالكٌ معنى وجوب الزَّكاة في الماشية إذا حال عليها الحول وإن لم يبعها، وهو قوله: «لأنَّ زكاة الغنم في رقابها، وزكاة العروض في أثمانها»، يعني: أنَّ زكاة الغنم هي في رقابها لا في قيمتها، فسواءٌ كانت للتّجارة أو غير تجارةٍ. وعليه فيها الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة في أعيانها لا في أثمانها، فعليه أن يخرجها إذا حال الحول عليها وكانت نصاباً، إذا جاءَه الساعي دفعها إليه. وأما العُرُوض فالزَّكاة في أثمانها إذا باعها، ليست في أعيانها، فلا تجب الزَّكاة عليه لحلول الحول عليها حتى يبيعها. والدليل على أنَّ زكاة الماشية في رقبتها لا في أثمانها: أنَّ زكاة الأثمان هي طارئةٌ على الأشياء وليست بأصلٍ، وإذا كانت كذلك، كانت زكاة الرقاب أقوى، فوجب أن تكون فيها الزَّكاة. ولأنَّ المواشي أغراضُ النَّاس في أعيانها؛ لحالهم فيها من المنافع: من

стр. 87

الدرِّ والنسل، فوجب أن تكون فيها الزَّكاة في أعيانها لا في أثمانها وإن أرادها للتجارة. وكذلك الحرث إذا زرعه للتّجارة، فيه زكاة العين كالماشية؛ لأنَّ المُتَبَغَّى (١) منه في الأغلب منفعة العين في الأكل وغيره (٢). ••• (٣) [٦١] قَالَ: وَمَنْ زَرَعَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فِي السَّنَةِ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ الزَّكَاةُ (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زرع كل مرةٍ قائمٌ بنفسه دون غيره؛ لأنَّ زكاة الزرع لا تجب بحلول الحول. فإذا كان زرعين مختلفي الوقت والحصاد، زكَّى كل واحدٍ منهما على حدةٍ،

стр. 88

وإذا كان زرعاً واحداً أو زرعين متقاربي الحصاد والنبت والجنس، ضُمَّا جميعاً في الزَّكاة؛ لأنَّ حكمهما واحدٌ. ••• [٦٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الفَوَاكِهِ كُلِّهَا: الرُّمَّانِ، وَالخَوْخِ، وَالتِّينِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ البُقُولِ كُلِّهَا، وَلَا فِي الفَاكِهَةِ اليَابِسَةِ كُلِّهَا: اللَّوْزِ، وَالجَوْزِ، وَالجِلَّوْزِ (١)، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ، وَلَا فِي القُطْنِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في الأصول الثلاثة، من: العين، والماشية، والحرث الذي هو قوتٌ أو ما ينوب مناب القوت، ولم تجب في غير هذه الأشياء من الفواكه والبقول؛ لأنها لا تنوب مناب الأقوات؛ لأنَّ القوت يقيم البدن ويعيش به الإنسان دون الفواكه والبقول، فلم يجب على أربابه أن يواسي الفقراء منه، كما يجب عليهم أن يواسوهم من الأقوات؛ لأنَّ الأقوات بهم ضرورةٌ إليها، وليس كذلك الفواكه والبقول. ألا ترى: أنَّهُ لم يكن حكم الأشياء الموزونة في وجوب الزَّكاة فيها كحكم الذَّهَب والفضة؛ لنقصان منافعهما عن منفعة الذَّهَب والفضة؛ لأنَّ الذَّهَب والفضة أصلٌ لكل ما به يقع الشراء والبيع وقيمة المتلف، فلم يكن غيرها من الموزونات

стр. 89

مثلها في الزَّكاة، فكذلك الفواكه والبقول وكل الخضر، ليست كالأقوات في وجوب الزَّكاة. ومما يدلُّ على أن لا زكاة في الفواكه والبقول، ما رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدري، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (١). وروى الثوري، عن إسماعيل بن أمية (٢)، عن محمد بن يحيى (٣)، عن يحيى بن عمارة (٤)، عن أبي سعيدٍ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» (٥).

стр. 90

فإن قيل: فقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» (١)، وهذا على عمومه في الفواكه والبقول أنَّ فيها العشر أو نصف العشر (٢). قيل له: معنى ذلك إذا كانت مما يُوسَق، فأمَّا إذا كان ذلك مما لا يوسق فلا زكاة فيه؛ للحديث الذي ذكرناه من إيجاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الصدقة في الموسق من التمر والحبِّ. ولم يجز أن يؤخذ بظاهر قوله: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» دون ضم الحديث الآخر إليه من إيجابه الزَّكاة في الموسَّق، كما لم يجب أن يؤخذ بعموم قوله: «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» (٣) دون أن يضم إليه الحديث الآخر: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (٤). ومما يدلُّ على أن لا زكاة في الفواكه والبقول، أنَّا وجدنا الأصول التي فيها الزَّكاة المتفق عليها قد عُفي عن قليلها، أعني: الذَّهَب والفضة والماشية، وجعل لها نُصُبٌ أُخِذت منه الزَّكاة دون ما هو أقل منه، فلو كان في الفاكهة والبقول الزَّكاة، لكان لها نُصبٌ تؤخذ الزَّكاة منه، كما كان ذلك في الذَّهَب والفضة والمواشي. ومما يدلُّ على أن لا زكاة في البقول والفواكه، أنَّهُ لم ينقل عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ أخذ الزَّكاة منها، ولو كان فيها الزَّكاة، لأخذ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ الزَّكاة منها، ولو أخذ منها، لنُقل إلينا، ومعلومٌ أنَّهُ قد كان في وقته بقولٌ وفاكهةٌ.

стр. 91

وهذا هو مما يحتج به مالك من عمل أهل المدينة؛ من قِبَل أنَّهُ لم يَنْقُل أحدٌ منهم عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ أخذ الزَّكاة منها، وجرى عملهم من وقته صَلَّى الله عَلَيْهِ بتركِ أخذِ الزَّكاة منها، ويستحيل أن يجمعوا كلهم على ترك أصلٍ من أصول الدِّينِ أو ينسوه، ولو جاز ذلك عليهم، لجاز على غيرهم من أهل التواتر، ومن أجاز ذلك أدَّى قوله إلى نقض شرائع الإسلام المنقولة بالتواتر، وخرج عن حدِّ أهل العلم. وقد روى المعلى بن منصور (١)، قال: حدثنا عبد الوارث (٢)، قال: حدثنا عطاء بن السائب (٣)، عن موسى بن طلحة (٤) قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ فِي الخُضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ» (٥).

стр. 92

وروى الوليد (١)، قال: حدثنا الأوزاعي (٢)، قال: «مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الخُضَرِ وَالفَوَاكِهِ، أَنْ لا عُشْرَ فِيهَا» (٣). وروى محمد بن بكر (٤)، عن ابن جريج (٥)، قال: قال لي عطاء (٦): «لَيْسَ فِي البُقُولِ وَالفَوَاكِهِ وَالرُّمَّانِ صَدَقَةٌ» (٧). وروى وكيع (٨)، عن طلحة بن يحيى (٩)،

стр. 93

عن أبي بردة (١)، عن أبي موسى: «أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إِلَّا مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ» (٢). وروى ابن أبي ليلى (٣)، عن عبد الكريم (٤)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «العُشْرُ فِي التَّمْرِ، وَالرُّطَبِ، وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ» (٥). وقال مالك: «السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الفَوَاكِهِ وَالبُقُولِ» (٦). وروى وكيع، عن قيس (٧)، عن أبي إسحاق (٨)، عن عاصم (٩)، عن

стр. 94

علي ﵁ قال: «لَيْسَ فِي الخُضَرِ زَكَاةٌ» (١). ••• [٦٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُخْرَجُ زَكَاةُ الزَّيْتُونِ مِنْ زَيْتِهِ، وَزَكَاةُ الجُلْجُلَانِ (٢) مِنْ زَيْتِهِ، وَزَكَاةُ حَبِّ الفُجْلِ مِنْ زَيْتِهِ. وَمَا لَمْ يُعْصَرْ مِنْ ذَلِكَ وَبِيعَ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ وَاسِعاً لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ ثَمَنِهِ (٣). • إنَّمَا قال: «إنَّ الزَّكاة تُخَرُج من زيت هذه الأشياء»؛ مِنْ قِبَل أنَّ غرض النَّاس في الأغلب منها الزيت الذي يخرج منها، وكان منزلته بمنزلة التمرة التي غرض النَّاس منها في الأغلب التمر؛ لأنهم يدَّخرونه ويقتاتونه، فكانت زكاتها تُخرج من التمر، فكذلك تُخرج من الحبوب التي تراد للزيت. فإن تعذَّر عليهم إخراج الزيت أو شقَّ عليهم، أخرجوا من الثّمر إذا كانت مكيلةً (٤) ....

стр. 95

.. (١) إن كان رطباً لا يكون تمراً، فإنه يُخْرِجُ زكاته على أنَّهُ لو كان تمراً كان فيه خمسة أوسقٍ. فيخرج مما باعه إذا كان خمسة أوسقٍ العشر من ثمن ما باعه، أو نصف العشر، سقي بمؤنةٍ أو غير مؤنةٍ. وسواءٌ كان ما باع به من التمر ما تجب فيه الزَّكاة أو لا، في أنَّه يخرج عُشْر ذلك إن كان سقي بغير مؤنةٍ، ونصف عشره إن كان سقي بمؤونةٍ، إذا كان مقدار ما باعه يكون خمسة أوسقٍ، على أنَّهُ إذا يبس كانت مكيلته كذلك. فإن كان الموضع الذي فيه التمرة موضعاً لا يوجد فيه خارصٌ ولا من يحسن يخرص حزرَ ذلك، فإنَّ ربَّه يُحصي ما أخذ من ذلك أولاً فأولاً، فإذا حصَّل خمسة أوسقٍ بالكيل، أخرج زكاتها، إن (٢) لم يتهيَّأ له إحصاء ذلك ولا ضبطه، أخرج من ثمنه إذا باعه على ما ذكرناه. ••• [٦٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى حَائِطاً لِتجَارَةٍ، ثُمَّ أَثْمَرَ، أَخْرَجَ مِنْهُ الزَّكَاةَ (٣).

стр. 96

• يعني: يخرج زكاة الثمرة منها، العشر أو نصف العشر على ما يجب، ولا يخرج منها بالقيمة. وإنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه في زكاة الماشية إذا اشتراها للتجارة: وهو أنَّ زكاة الماشية والثمرة هي زكاة العين والرقبة، كانت لتجارةٍ أو غير تجارةٍ، فهو أقوى من زكاة التّجارة التي تجب بالنيّة لا لوجود العين، فوجب تقدمة زكاة الماشية والثمرة، أعني: زكاة العين، على زكاة القيمة؛ لقوة سببها؛ ولأنها تجب أيضاً إذا كانت لتجارةٍ أو غيرها، وقد ذكرنا حجَّة هذه المسألة في زكاة الماشية إذا اشتراها للتجارة (١). فأمَّا أصول النّخل فإنها تُزكى لحولها من يوم اشتراها بنيّة التّجارة، ولا يزكيها مع الثمرة، بل يزكي الثمرة عند الجذاذ، ثم إذا باعها استقبل بثمنها حولاً من يوم زكى الثمرة، وكذلك أصل النّخل يزكيها لأحوالها. [٦٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَكَارَى أَرْضاً لِلتِّجَارَةِ فَزَرَعَهَا لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ حَبِّهَا، ثُمَّ إِذَا بَاعَهُ أَخْرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ الزَّكَاةَ إِذَا كَانَ قَدْ حَالَ الحَوْلُ عَلَى المَالِ مِنْ يَوْمِ أَدَّى مِنْهُ العُشْرَ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ اكْتِرَاءَهُ للأرض وزرعه للتّجارة بمنزلة شراء الماشية للتّجارة أو الثمرة للتّجارة، فعليه أن يزكي الحبَّ إذا بلغ خمسة أوسقٍ زكاة العين دون القيمة؛ لِمَا ذكرناه قبل ذلك، ثم لا شيء عليه حتى يبيعه، فإذا باعه

стр. 97

بعد حلول الحول من يوم زَكَّى الحَبَّ، أو تم الحول عليه بعد البيع من يوم زكى الحب، فعليه أن يزكي الثَّمن. وذلك بمنزلة سلعةٍ يشتريها للتّجارة فيزكيها ثم يبيعها، فعليه أن يزكي ثمنها إذا حال الحول عليها من يوم قوَّمَ السلعة وزكَّاها. ••• [٦٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَرَعَ طَعَاماً بِمَنْزِلِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَبَاعَهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهَا حَوْلاً مِنْ يَوْمِ نَضَّ فِي يَدِهِ، إِذَا كَانَ تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الطعام بمنزلة العروض والسلع، ولا زكاة فيها إلَّا أن يشتريها للتّجارة، فإذا باعها وهي لغير تجارةٍ، استقبل بثمنها حولاً، ثم زكى. كذلك هكذا الطعام الذي لم يزرعه لتجارةٍ، إذا باعه استقبل به حولاً؛ لأنَّ أصله لغير تجارةٍ. ••• [٦٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَوَائِطُ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ أَرْضٌ مُفْتَرِقَةٌ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ذلك كلّه في ملك رجلٍ واحدٍ، فعليه أن يجمع كلَّ

стр. 98

ما في ملكه فيزكيه زكاةً واحدةً إذا جمع ذلك الجنس والحول والثمرة والزرع، إذا كانت لمالكٍ واحدٍ وكانت صنفاً واحداً وجب عليه جمعها في الزَّكاة، كالأموال التي تكون له من العين والماشية في بلدانٍ مختلفةٍ، فوجب عليه جمعها وزكاتها، والله أعلم. ••• [٦٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالشُّرَكَاءُ فِي الحَوَائِطِ وَالزَّرْعِ، إِذَا كَانَ مَا أَخْرَجَا جَمِيعاً مِنْ حَوَائِطِهِمَا أَوْ أَرْضِهِمَا مَا تَكُونُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِداً، فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَمَنْ نَقَصَتْ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَالزَّكَاةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (١). • أمَّا قوله فيمن بلغت حصته ما تجب فيه الزَّكاة: «إنَّ عليه الزَّكاة»؛ فلاجتماع الأوصاف الموجبة للزكاة من النصاب وغير ذلك، وإذا كان كذلك، فلا فصل بين أن يكون مجتمعاً ومفترقاً في وجوب الزَّكاة عليه، ولا خلاف في ذلك. فأمَّا من لم تبلغ حصته ما فيه الزَّكاة فلا زكاة عليه؛ لعدم وجود الأوصاف الموجبة للزكاة؛ لأنَّ النصاب تجب مراعاته في الاجتماع والانفراد، كوجوب مراعاة الإسلام والحرية، فلما لم تجب على من له دون النصاب إذا كان مخالطاً لمن له نصابٌ إذا كان عبداً أو كافراً؛ لأنَّهُ لو انفرد عنه لم تجب عليه الزَّكاة،

стр. 99

فكذلك من معه دون النصاب لا تجب عليه الزَّكاة؛ لاجتماعه مع غيره؛ لأنَّهُ لو انفرد لم تجب عليه الزَّكاة؛ إذ النصاب في الانفراد لا بد من مراعاته، فكذلك في الاجتماع، وقد ذكرت هذه المسألة في زكاة الخليطين في الماشية (١)، فأغنى عن إعادتها، والله أعلم. ••• [٦٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَرْضِ الخَرَاجِ وَغَيْرِهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الزَّكاة هي حقٌّ لله أوجبه للفقراء والمساكين، قال الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، والخراج فهو كراء الأرض، فلا يُسقط أحدهما الآخر. ألا ترى: أنَّ الرجل إذا اكترى أرضاً من غيره بمالٍ معلومٍ، ثم زرعها فخرج منها ما يجب فيه العشر أو نصف العشر، أنَّ عليه أن يُزَكي ما خرج منها، وعليه الكراء لصاحبها، ولا يُسقط وجوب الكراء الذي وجب لصاحبها العشر أو نصف العشر الذي أوجبه الله للفقراء والمساكين، فكذلك الخراج الذي على الأرض، لا يسقط العشر أو نصف العشر الذي هو حقٌّ للمساكين؛ لأنَّ الخراج إنَّما هو كراء الأرض التي هي في يدي من هي في يده من المسلمين وهي أرض العنوة؛ لأنها بمنزلة الوقف عندنا، والإمام يكريها ويأخذ كراءها فيصرفه في مصالح المسلمين، فليس ينوب هذا الكراء عن العشر أو نصف العشر الذي

стр. 100

هو فرضٌ للفقراء والمساكين، كما لم تنب أجرة الأرض التي اكتراها من زيدٍ عن حق المساكين من العشر أو نصف العشر، لكن عليه أن يؤدِّي الكراء، ويخرج العشر أو نصف العشر. وهذا القول عليه جملةُ أهل العلم من الفقهاء من أهل الحجاز والشام، وكثيرٍ من أهل الكوفة، وهو قول مالكٍ، والشافعي (١)، والثوري (٢)، وهو قول كثيرٍ من التابعين، أذكره في غير هذا الموضع (٣)، ولم يخالفهم في ذلك غير أبي حنيفة وأصحابه (٤). ••• [٧٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ زَرْعاً قَدْ يَبِسَ، فَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ أَخْضَرُ، فَالزَّكَاةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (٥). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا يبس الزرع، فقد تناهى صلاحه، وقد استقر حكم الزَّكاة فيه، فإذا مات، أُخرجت الزَّكاة التي قد وجبت عليه إذا كان خمسة أوسقٍ.

стр. 101

فإن مات قبل أن ييبس وهو أخضرُ، فالزَّكاة على ورثته إذا بلغت حصة كل واحدٍ منهم ما تجب فيه الزَّكاة، على ما قد بيَّناه قبل ذلك، ولم تجب على الميت؛ لأنَّ ملكه قد زال قبل وجوبها عليه. ••• [] مسألة (١) ..... ...... ما باعوها خمسة أوسقٍ فأكثر، أخرجوا العشر أو نصف العشر من الثَّمن، قليلاً كان الثَّمن أو كثيراً، وقد فسرناه فيما تقدَّم. زكاة الفطر (٢) [٧١] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ الفِطْرِ؟ قَالَ: زَكَاةُ الفِطْرِ تُخْرَجُ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: فَإِنْ طَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَلَا يَفْعَلْ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى صَاعٍ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ، وَيَتَطَوَّعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ.

стр. 102

وَوَقْتُهُ الَّذِي نَسْتَحِبُّ إِخْرَاجَهَا لَهُ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الفِطْرِ، وَإِنْ أَخْرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ (١). • أمَّا قوله: «زكاة الفطر تُخرج عن كل إنسانٍ»، فلأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ فرض زكاة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين. روى ذلك مالكٌ، وعبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النبي صلى الله عليه (٢). فوجب بهذا الخبر أن يخرجها عن كل مسلمٍ، حرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، يخرجها عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته من المسلمين. وليس عليه أن يُخرج عن عبده الكافر لهذا الحديث؛ لأنَّهُ لَمَّا قيل: «مِنَ المُسْلِمِينَ»، لم تجب على الكافرين. ولا تُخرج أيضاً عنهم؛ لأنَّ زكاة الفطر إنَّما هي على أهل الصّيام، والكافر ليس من أهل الصّيام ولا أهل الطهارة، فلم تجب عليه زكاة الفطر ولا على سيده فيه. فإن قيل: إنَّ سبيلها سبيل المؤنة، فلمَّا كان عليه أن ينفق على عبده الكافر، فكذلك عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر (٣).

стр. 103

قيل له: لو كان سبيلها سبيل المؤنة، لكان عليه أن يخرج عن زوجته النصرانية واليهودية، كما أنَّ عليه أنْ ينفق عليها، وليس كذلك قولكم، ولا قول أحدٍ من أهل العلم. وأما قوله: «إنها صاعٌ بصاع النبي صلى الله عليه»؛ فذلك لِمَا رواه مالك، عن زيد بن أسلم (١)، عن عياض بن عبد الله بن سعدٍ (٢)، أنَّهُ سمع أبا سعيد الخدري يقول: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ» (٣). قال مالكٌ: وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ (٤). وروى حماد بن زيد (٥)، عن النّعمان بن راشد (٦)، عن الزهري، عن ثعلبة بن

стр. 104

صغير (١)، عن أبيه (٢)، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ في صدقة الفطر: «أَدُّوا صَاعاً مِنْ قَمْحٍ أَوْ تَمْرٍ، عَنْ كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثَى، أَوْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، أَوْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، أَوْ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ» (٣). وروى ابن عجلان (٤)، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيدٍ فقال: «صَاعاً مِنْ بُرٍّ» (٥)، فبهذه الأحاديث وجب أن يُخرج صاعاً من الحنطة وغيرها. ولم يجز أن يخرج أيضاً قيمة الصاع؛ من قِبَل أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا ذكر أشياء مختلفات القيم، عُلِم أنَّهُ لا تراعى القيمة؛ من قِبَل أنَّهُ يستحيل أن تتفق قيمة هذه الأشياء في وقتٍ واحدٍ، في بلدٍ واحدٍ، وإذا كان كذلك، ثبت بهذا أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يراع تساوي القيم، ولم يرد أن يُخرَجَ غير ما ذكره أو كان في معناه، أعني: أن يكون حَبّاً مقتاتاً عند أهل البلد الذي تُخرج الزَّكاة فيه.

стр. 105

ولو جاز تعدّي ذلك إلى غيره من سائر العروض والعقار، لجاز تعدي نُصُبِ الزكوات إلى غيرها من الأموال من العروض والعقار، وهذا فاسدٌ، وقد ذكرنا معنى هذه المسألة في زكاة الأموال (١). وقوله: «لا يزيد على صاعٍ بصاع النّبيّ ﷺ »؛ فلأنَّ ذلك تعدِّي ما قد حدَّه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ إلى غيره، ولا يجوز تعدِّي ما حدَّه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ بزيادةٍ أو نقصانٍ، ولو جاز في هذا، لجاز في سائر العروض والحدود. وقوله: «إنها تُخرج إذا طلع الفجر من يوم الفطر» (٢)؛ فلأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ روي عنه أنَّهُ كان يفعل ذلك ويأمر به. فروى إبراهيم بن حمزة (٣)، قال: حدثنا عبد العزيز (٤)، عن موسى بن عقبة (٥)، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ

стр. 106

تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المُصَلَّى، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بالِيَوْم وَاليَوْمَيْنِ» (١). وروى ابن وهبٍ، عن حفص بن ميسرة (٢)، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ : «أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى المُصَلَّى» (٣). وروى أبو معشرٍ، قال: حدثنا نافعٌ، عن ابن عمر، قال: «أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، وَكَانَ يَأْتُونَ بِالزَّبِيبِ فَيَقْبَلُونَهُ، وَكُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، نَقُولُ: أَغْنُوهُم عَنِ طَوْفِ هَذَا اليَوْمِ» (٤). وقوله: «إنّها إن أُخْرِجَت قبل الفطر بيومٍ أو يومين أجزأه»، فهذا على وجه الاستحسان؛ لقرب وقت وجوبها، ولأنَّ جواز إخراجها في هذا الوقت وقبله مُختلفٌ فيه، فمن العلماء من أجاز ذلك، فأجازه مالكٌ إذا قَرُبَ وقت وجوبها استحساناً لا قياساً.

стр. 107

ومن أصحابنا من قال: إنَّ معنى ذلك: أن يخرجها عن ملكه إلى صاحب الصدقة فيفرقها في يوم الفطر، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمدينة قديماً؛ لأن يسقط عنهم الاشتغال بها يوم الفطر، وبخاصة بعد طلوع الفجر؛ لأنَّ ذلك وقتٌ لعلّه يتعذر فيه وجود المساكين، ولأنَّ النَّاس يشتغلون في هذا الوقت بالغسل والتزين والطيب والغدو إلى المصلى. ••• [٧٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَزَكَاةُ الفِطْرِ عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ وَأَهْلِ القُرَى (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لعموم إيجاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صدقة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، وذلك يجمع كل مسلمٍ من قرويّ وبدويّ، كما تجمعهم زكاة الأموال، فاستوى البدوي والقروي فيها لاستوائهم في الإسلام؛ إذ لا فرق بين البدوي والحضري في الفرائض التي تلزم المسلمين. وروى الليث بن سعد (٢)، عليٌّ (٣)، عن ابن جريج، عن عمرو بن

стр. 108

شعيب، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا إِنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ بَدَوِيّ أَوْ حَاضِرٍ، حُرٍّ أوَ عَبْدٍ» (١). ••• [٧٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَقِّيَهُ إِذَا أَخْرَجَهُ، إِذَا كَانَ طَعَاماً لَيْسَ بِغَلَثٍ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الذي علينا (٤) أن نخرج من الطعام على حسب ما هو عليه، ليس عليه تنقيته حتى لا يخالطه شيءٌ البتة؛ لأنَّ ذلك شيءٌ يشق على النَّاس ويصعب عليهم، وليس يستعملون ذلك في بيعه وشرائه وتعاطيه بينهم، فكذلك ليس عليه في إخراجه إلى الفقراء، إلَّا أنْ يكون مختلطاً بغيره من تِبْنٍ أو ترابٍ كثيرٍ، أو شيءٍ إذا مُيِّزَ ونُقِّي نقص من الكيل كثيرٌ، فعليه حينئذ تمييزه؛ لأنَّ في إخراجه كذلك نقصاناً كثيراً من الصاع الذي أمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بإخراجه. •••

стр. 109

[٧٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي المُسَافِرُ عَنْ نَفْسِهِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ يستحبُّ للإنسان أن يخرج زكاته في البلد الذي هو فيه، زكاة ماله وفطره، فإن أمر أهله بإخراجه عنه جاز ذلك. ••• [٧٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا - يَعْنِي: فِي زَكَاةِ الفِطْرِ - فَلْيُخْرِجْهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زكاة الفطر فرضٌ إخراجها على من أمكنه ذلك كزكاة المال، فإذا أَخَّرَ إخراجها، كانت ديناً عليه وعليه إخراجها، كما أنَّ عليه أداء الدَّيْنِ الذي هو في ذمَّته. ••• [٧٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَدْفَعُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ ثَمَناً (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ أمر بإخراج التمر والشعير والزبيب وغير ذلك من الأقوات، فكان عليه إخراج ذلك أو ما كان في معناه من الأقوات. ولا يجوز أن يخرج ثمن ذلك، كما لا يجوز أن يخرج مقدار الزَّكاة غيره من العروض (٤)؛ لأنَّ في ذلك شراء الصدقة التي قد أخرجها لله تعالى، وذلك

стр. 110

مكروهٌ، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لعمر بن الخطاب ﵁، حيث أراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله : «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَو بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ» (١)، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم (٢). ••• [٧٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَالأُرْزَ وَالذُّرَةَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ إِذَا كَانَ هُوَ طَعَامُهِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يطعم الفقراء مما يتقوَّته إذا كان ذلك غالب قوت أهل البلد. فإن كان هو ممن يَخُصُّ نفسه بقوتٍ ليس الأغلب من قوت البلد، بل هو أجود، فإنا نستحب له أن يخرج منه، فإن لم يفعل كان عليه أن يخرج الغالب من قوت أهل البلد (٤). فإن كان يأكل دون قوت أهل البلد في الجودة، كان عليه أن يخرج الأغلب من قوت أهل البلد إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل والله أعلم، مِن
следующие страницы →