Полный текст (493 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
تُحفَةُ المَجدِ الصَّريِح
في
شَرح كِتابِ الفَصِيح
"السفر الأول"
تأليف
أبي جَعفر أحمَد بن يوسُف الفِهري اللَّبلِيَ
(٦١٣ - ٦٩١ هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور/ عبد الملك بن عيضة بن رداد الثبيتي
الأستاذ المساعد في كلية المعلمين بمكة المكرمة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
/ صلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وسلم.
قال الشيخ الحافظ اللغوي الأديب النحوي أبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفِهْريّ اللَّبلْيّ، أعز الله أيامه، ومكن في السعادة دوامه بمنِّه وكرمه إنه مُنعِم كريم:
الحمد لله المنفرد بالوجود الواجب، المنزه عن النِّدِّ المشابه والضَّدَّ المناصب، المتعالي عما اتصفت به الحوادث من الآفات والمعايب، الذي خلق آدم فأتقن خلقه من الطين اللازب، وصوره بيده في أحسن التقويم مخصوصاً بأكرم الخِيَم وأشرف المناقب، وأسجد له ملائكته تشريفاً لرتبته وتعريفاً بما خَطَّه من حُظْوَتِه في مسطور المقدور القلمُ الكاتب، وعلمه الأسماء كلها على اختلاف الألسن والمذاهب، فوضع على كل مسمى اسمه الخاص به المناسب، بعدما عجزت الملائكة عن مُضَمَّن السؤال والاستنباء في تلك المطالب، وردت ذلك إلى علم الله المحيط بالشاهد والغائب، ثم انتشرت اللغات في ذرية آدم الأعاجم منهم والأعارب، وأظهر الحق سبحانه شرف اللسان العربي بإسماعيل النبي فَتُنُوقلت اللغات في ذريته الأكارم الأطايب، إلى أن بعث الله تعالى سيدنا محمداً خاتم النبيين وإمام المرسلين ﷺ بالقرآن العربي المبين فاعتلى قدر هذا اللسان/ بأعلى المراتب، ووجب لذلك تعلم اللغات العربية إذ بها يُفْهَمُ الكتاب والسنة ويستبين في تفسير مجملاته وإيضاح مشكلاته اللسن اللاحب، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة نامية يملأ نورها ما بين السماء والأرض والمشارق والمغارب، وسلم كثيرا.
стр. 3
وبعد؛ فإن الوزير الأجل، والقائد الأعلى الأمجد، الأرفع الأحسب الأكمل، العماد الأشرف الأطول، ذا الشيم الجميلة؛ والفضائل الجزيلة، والهمة السامية إلى نيل كل منقبة وإحراز كل فضيلة، أبو بكر بن الوزير- الجليل الماجد الأرفع الأعلى الأحق كان بكل فضيلة، الأولى المبارك المعظم المقدس المرحوم- أبي الحسن وصل الله سعوده، وحفظ على المعالي والمآثر وجوده، أشار علي إشارة التصحيح بشرح كتاب الفصيح، حين استحسن ما شاهده من تفسيري لغريبه، وشرحي لمعانيه، وأستصوب تنبيهي عند الإقراء على سهو من نسب السهو لمؤلفه فيه، فأجبته إلى ما سأل، وبادرت إلى أمره الممتثل، وشرعت في عمله شروع من انشرح صدراً بما ندب إليه، وأكببت على تتبع ألفاظه وتبيين معانيه، إكباب من بذل من الاجتهاد أقصى ما لديه، فشرحت الكتاب شرح استيفاء واستيعاب، وتكلمت على شواهد أبياته بما عن في معانيها من إغراب، وفي ألفاظها من إعراب، واستدركت ما يجب/ استدراكه، مذيلاً لكلامه وقاصداً لإكمال ما تحصل الفائدة به وإتمامه، وانتصرت له حيث أمكنني الانتصار، ورددت على من تعقب عليه رداً يرتضى بحكم الإنصاف ويختار، ورتبت الكلام فيه أولاً على مدلول اللفظ ومعقوله، ومسموعه ومقوله، وإن كان فعلاً أتيت بلغاته، وأنواع مصادره واسم فاعله ومفعوله، وربما أتيت بالمرادف والمشترك، وسلكت من التعليل في بعض المواضع واضح المسلك، وأخذت ذلك من كتب أئمة اللغة المشهورين بالتبريز،
стр. 4
ونفضت فيه الدواوين ما بين المستوعب منها والوجيز، ككتاب السماء والعالم لأبي عبد الله محمد بن أبان بن سيد القرطبي، وموعب اللغة لأبي غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني، وجامع اللغة لأبي عبد الله محمد بن جعفر المعروف بابن القزاز، وواعي اللغة لأبي
стр. 5
محمد عبد الحق بن عبد الله الأزدي المحدث الإشبيلي، والمخصص والمحكم والعويص وشرح الغريب المصنف لأبي الحسن علي ابن سيدة: والصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، والمبرز لأبي عبد الله محمد بن يونس الحجاري، والجمهرة لابن دريد، والمجمل لابن فارس، ومختصر العين للزبيدي، وتهذيب أبنية الأفعال لأبي القاسم علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع، والأفعال لابن القوطية، ولابن طريف، والمنظم لكراع والمجرد والمنجد له؛ والإصلاح والألفاظ
стр. 6
والفرق/، والمثنى وفعلت وأفعلت ليعقوب بن السكيت، واليواقيت وغريب أسماء الشعراء للمطرز، والفصوص لصاعد، والغريب لأبي عبيد، والزاهر لابن الأنباري، وكتاب ليس لابن خالويه، وكتاب اطرغش وكاب أبنية الأفعال أيضاً، والأفق له أيضاً، وكتاب الوحوش لهشام الكرنبائي، وكتاب صعاليك العرب لأبي الحسن الأخفش، والمصادر للفراء،
стр. 7
وكتاب فعل وأفعل لأبي عبيدة معمر بن المُثَنَّى، وكتاب الأبدال لعبد الواحد بن علي اللغوي، وكتاب المصادر والنوادر لأم البهلول الفقعسية، والفاخر لأبي طالب المفضل بن سلمة، والألفاظ لأبي نصر البصري، والمحتسب وشرح شعر المتنبي لأبي الفتح عثمان بن جني، وفصل المقال في شرح الأمثال ومعجم ما استعجم لأبي عبيد البكري، وكتاب المعاقبات لابن الأعرابي: والألفاظ له أيضاً، وشرح الأمثال لابن أغلب المرسي، وحلى العلى لعبد الدائم القيرواني، ولحن العامة للزبيدي، ولأبي حاتم السجستاني، وإصلاح المنطق لأبي علي أحمد
стр. 8
بن جعفر الدينوري، والأضداد لأبي بكر بن الأنباري، والمقصود والممدود لابن ولاّد، ولأبي عليّ القاليّ، وخلق الإنسان لثابت، ولأبي حاتم، والأصمعي: والفرق لثابت ولأبي حاتم؛ والتذكير والتأنيث، والحشرات لأبي حاتم أيضاً: والغرائز، وحيلة ومحالة، والهمز، وفعلت وأفعلت لأبي زيد الأنصاري، /وفعلت وأفعلت أيضاً لأبي إسحاق الزجاج، ولأبي علي القاليّ؛ والمثلث، وشرح الكامل، وشرح أدب الكتاب لأبي محمد بن السيد البطليوسي؛ والمثلث أيضاً لأبي عبد الله القزاز، والصواب لابن عديس، وشرح ابن عليم، والاشتقاق لابن النحاس، والبهي للفراء، وكتاب الأزمنة لقطرب وفعلت وأفعلت؛ ونوادر القالي، وأبي عبد الله بن الأعرابي، وأبي الحسن اللحياني، ويونس، وأبي زيد، وثعلب، وأبي مسحل، وأبي موسى الحامض، وأبي محمد اليزيدي، وما وقع في
стр. 9
الأَغْرِبَة، كغريبي الهَرَوِيّ والقُتَبِيّ، وغيرهما، وما سقط إلي من شروحاته، ككتاب ابن دُرُسْتَويه، وابن خالويه، والمطرز، ومكي، والتدميري، وابن هشام السبتي، وابن طلحة الأشبيلي، وغير ذلك مما يطول إيراده، ويوجد في أثناء الكتاب نقله عن قائله وإسناده.
ولما استوفى هذا الشرح شرط صحتا وكماله، وتلخص منه الفريد الذي لم يُحْذَ على مثاله، ولا نُسِجَ على منواله، رأى الوزير الأجل العماد
стр. 10
الأطول أبو بكر- أبقاه [الله] لما له من جميل الرأي، وجليل السعي- أن يكون هذا الكتاب مشرفاً برفعه إلى أسمى المَحَالّ وأعلاها، وتطريزه، باسم من تطرزت به السيادة فراقت حُلاها، وهو نجل الشرف الذي ثبت أصله في قرارة السّناء، وسما فرعه في دوحة العلياء، ونجم الفخار الذي يطأ بأخمصه قمة السماك ومنكب الجوزاء، شخص النفاسة، وشمس الرئاسة، ذو الوزارتين/ الهمام الأسعد، السيد الأوحد الأمجد، متلقي راية المفاخر بيمينه، المتألق نور الحسب الوضاح في جبينه، قطب المكارم، أبو القاسم بن ذي الوزارتين الشريفتين، والرئاستين المُنيفتين، علم الأعلام، ومُساجل الغَمّام وجمال الدول والأيام، وحامي حمى الحق والحقيقة بالعزم والحسام، وحائز الفخر الباهر الكمال والتمام، ركن الاستناد والأوي، وكهف الشرف الباذخ القُضَاعِيّ، وكعبة السماح التي إليها إعمال المطي، وحُجَّة العز الماثل والمجد العلي - أبي علي حرس الله وجودهم الذي تبأى به المحامد، وكافأ جودهم الذي يعجز عن مكافأته الشاكر والحامد، وأبقاهم للعلم يرفعون علمه ومناره، ويجمعون منتقاه ومختاره، ويُعِزُّون من اقتفى آثاره، أو كانت عنده منه أثارة، فعملت بالرأي الأرشد في رفعه إلى محلهم العالي، وشرفته بنسبته إلى سيد تزهى به المآثر والمعالي، فصار باسمهم المُرَفْع مجموعاً، ولخزانتهم الجليلة مرفوعاً، وكأن الذخر الأنفس سيق إلى مستحقه، وملكه من يعترف الفضل بأنه مالك رقه، وتشرف بذلك المؤلف والتأليف، واعتر المجموع الغريب والتصنيف، وعندما كمل المقصد، وأن إن يُتَاحَفَ به السيد الأسعد، انتقيت له اسماً يوافق المسمى، وينطق بانتخابه للمحل الأسمى، فسميته: " تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح".
وإني لأرجو فيه أن يحل محل القبول والاستحسان، ويُرتضى منه صواب المقول في علم اللسان، إن شاء الله تعالى.
стр. 11
/ وهذا ابتداء ما جمعته، وافتتاح ما صنعته، وبالله تعالى أستعين، وبتوفيقه يتضح السبيل ويستبين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب رحمه الله تعالى:
بَابُ "فَعَلْتُ بفتح العَين "
قال أبو جعفر: يعني بالعين: المحرف الثاني من جميع الأفعال الماضية التي فيه.
قوله: "تَقُوْلُ نَمَى المَالُ"
قال أبو جعفر: أي زاد وكثر، قاله غير واحد.
وفي نمى لغة ثانية يقال: نَمُوَ، على وزن ظرف، حكاها صاحب الواعي ومن خطه. وحكاها أيضاً أبو القاسم السعدي في أفعاله. وفي مضارع نَمَى بفتح العين لغتان: يَنْمِي على وزن يَرْمِي كما ذكره ثعلب، وَيَنْمُو على وزن يدعو، قال الشاعر في يَنْمِي:
*والشَّيءُ تَحقِره وقد ينمي*
стр. 12
وقال الشاعر في يَنْمِي أيضاً:
مَا زَالَ يَنْمِي جَدُّهُ صَاعِداً ... مُنْذُ لَدُنْ فَارَقَهُ الحَالُ
وأنشد اللحياني في نوادره عن الكسائي في يَنْمُو:
يَا حُبَّ لَيْلَى لاَ تَغَيَّرْ وَازْدَدِ ... وَانْمُ كَماَ يَنْمُو الخِضاَبُ فِي الْيَدِ
وأخذ ابن هشام السبتي على ثعلب في كونه ذكر يَنْمِي فقط ولم يذكر معها يَنْمُو، قال: وهما لغتان فصيحتان، فكان حقه أن يذكرهما.
стр. 13
قال أبو جعفر: ما قاله ابن هشام من أنهما لغتان فصيحتان غلط، وإنما اللغة الفصيحة يَنْمِي فقط، وهي التي ذكرها ثعلب بدليل ما نقله الأئمة الثقات الأثبات.
قال الجوهري في كتابه الصحاح: نَمَى المال وغيره، يَنْمِي، وربما قالوا: ينمو، قال الكسائي: ولم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم، ثم سألت عنه بني سليم فلم يعرفوه بالواو.
قال أبو جعفر: وحكي هذا أيضاً أبو عبيد في المصنف/ عن الكسائي، وصاحب الواعي أيضاً عن الكسائي.
فإذا كان الكسائي على مرتبته من حفظ كلام العرب، وإمامته، لم يسمعها إلا من رجلين من العرب فهذا أدل دليل على قلتها، فكيف تكون ك"يَنْمِي".
وقال صاحب الواعي، ومن خَطِّهِ: نَمَى الشَّيءُ يَنْمِي، وَيَنْمُو، والأفصح: يَنْمِي.
وقال أبو علي القالي في مقصوره وممدوده: يقال: نَمَى المال يَنْمِي،
стр. 14
وَيَنْمُو، والأفصح يَنْمِي.
وقال ابن دَرَستويه في تصحيحه: يَنْمُو لغة لبعض العرب وليست بخطأ، ولكن يَنْمِي أعلى وأعرف.
وقال أبو حاتم في كتابه تقويم المُفْسَد يقال: نَمَى الشيء يَنْمِي، ولا يقال: يَنْمُو. وحكي أبو حاتم أاً عن الأصمعي أنه قال: العامة يقولون: يَنْمُو بالواو، ولا أعرف ذلك بثبتٍ.
وقال الزمخشري في شرحه لهذا الكتاب: يَنْمِي بالياء، اختيار نقلة أهل اللغة كالفراء، والكسائي، وأبي عبيدة، وأبي زيد وكذا قال ابن الدهان اللغوي في شرحه لهذا الكتاب: ينمي بالياء اختيار نَقَلَة أهل اللغة.
стр. 15
قال أبو جعفر: فخرج من هذا الذي نقلناه عن الأئمة أن (يَنْمِي) أفصح من (يَنْمُو) فلذلك لم يذكرها ثعلب، وأن أخذ ابن هشام، ومن كان على مذهبه ليس بشيء.
وقوله: «وغيره ينمي»
قال أبو جعفر: معناه أن ينمي بالياء ليس محصوراً على المال فقط، حتى لا يقال يَنْمِي إلا في المال، بل يُقالُ في المال وفي كل ما تتصور الزيادة فيه، وإن كان بعض اللغويين فرق بين يَنْمِي وَيَنْمُو، فقال: يَنْمِي بالياء للمال، وَيَنْمُو بالواو لغير المال.
كما فرقوا بين يزبِد بالكسر ويزبُد بالضم، فقالوا: زَبَدَ [هـ]
стр. 16
يزُبِدُ [هـ] بكسر المستقبل: إذا أعطاه، وزَبَده/ يَزْبُدُهُ بضم المستقبل: إذا أطعمه الزُّبْدَ.
قال الفراء في كتابه البهي: رأيت نحويي أهل الحجاز يقولون للخضاب وأشباهه يَنْمُو، وللمال يَنْمِي، قال الفراء: وأنشدني بعض بني قيس:
*وَانْمِ كَمَا يَنْمِي الخِضَاُب فِي الْيَدِ*
فهذا يَنْمِي بالياء في غير المال.
وقال أبو حاتم في كتابه تقويم المُفسد: كان الأصمعي يقول لكل شيءٍ يزيد: يَنْمِي، بالياء، الخضاب يَنْمِي، والمالُ يَنْمِي.
قال أبو جعفر: وَيُقاُل نَمَى الشيء [يَنْمِي] نَمَاءً، ونَمْياً، عن صاحب الواعي. وحكاها أيضاً ابن سيدة، والزُّبيديُّ في مختصره وزاد عليه ونُمِياً ..
ويُقالُ نَمَا الشيء يَنْمُو نُمُواً، ونَمَاءً عن الزُّبيديِّ، وعن صاحب
стр. 17
الواعي، وغيرهما.
ويُقال في مصدر نَمُوَ: نُمُوٌّ، عن السعدي في أفعاله، وعن غيره.
قال أبو جعفر: وحكي اللغويون اختلاف العرب في المال، فقال ابن سيدة في كتابه العويص: العرب لا توقع اسم المال مُطلقاً إلا على الإبل، وذلك لشرفها عندهم، وكثرة غنائها، قال: وربما أوقعوه على أنواع المواشي كلها من الإبل والغنم والبقر، إلا أن الأصل إنما هو الإبل.
وحكي المطرز في كتابه "اليواقيت" أن المال هو الصامت والناطق، قال: فالصامت الذهب والفضة والجوهر، والناطق الجمل والبقرة والشاة.
وحكي القالي في أماليه عن أحمد بن يحيى أنه قال: المال عند العرب أقله ما تجب فيه الزكاة، وما نقص عن ذلك فلا يقع عليه مال.
ومنهم من أوقعه على جميع ما يملكه الإنسان، وهو الظاهر لقول الله ﵎: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) فلم يخص شيئاً دون شيء، حكي هذا ابن السيد وغيره، وهو اختيار كثيرٍ/ من المتأخرين.
стр. 18
قال أبو جعفر: ومقال نَمَى المال، وعَفَا، وضَفَا، وَوَفَا، وضَنَأ، وأضْنَأ، وأَضْنَى، بهمز وغير همز، وارتعج، وأَمِر، وثَرا، كل ذلك إذا كَثُرَ عن يعقوب في ألفاظه.
قال أبو جعفر: قال ابن الأعرابي في نوادره: نَمَى الشيء، وَأَنْمَاهُ الله، ونَمَّاهُ الله. قال أبو جعفر: كذا رأيته بخط الآمِدِي نَمَّاهُ بالتشديد، ورأيت بخط أبي الفضل بن الفرات نَمَاهُ بالتخفيف.
стр. 19
وقوله: «وذَوَى العود يَذْوِي»
قال أبو جعفر: أي ذبل، حكاه كراع في منظمه، وغيره.
قال ابن هشام ومن خطه: ولا يقال جف.
قال أبو جعفر: وثبت في بعض النسخ «أي: جف».
ومعنى جف: يَبِسَ، وسيأتي تفسيره إن شاء الله تعالى.
فقال أبو العباس التُّدميري في شرحه لهذا الكتاب: ليس ذلك بشيءٍ، ولا تصح هذه الرواية عن ثعلب؛ لأن الذاوي ليس الجاف على الإطلاق، قال: وقد فسر ذلك ذو الرُّمَّةِ فقال:
وَأبْصَرْنَ أَنَّ القِنْعَ صاَرَتْ نِطَافُهُ ... فِراَشاً وَأَنَّ البَقْلَ ذَاوٍ وَيَابِسُ
قال: فانظر كيف قسم البقل هاهنا على ضربين: فجمل منه يابساً، وذاوياً، فاليابس معروف، والذاوي الذي ذبل وقلت رطوبته.
قال أبو جعفر: وهذا الذي قال الأميري وابن هشام من أنه لا يقال ذوى بمعنى يبس فاسد، بدليل ما حكاه أئمة اللغة، قال يعقوب في الإصلاح:
стр. 20
ذوى العود ذوياً، وذأى يذأى ذَأياً: يَبِس.
وقال ابن فارس في كتابه المجمل: ذوى العود يَذوِي: إذا يَبِس. وقال أبو علي القالي في كتابه المقصور والممدود: والذوى مصدر ذوى العود يَذوِي ذَوى: يبس.
وأما البيت الذي استدل به التدميري/ فليس فيه دليل لاحتمال أن يكون من عطف الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظان، قال عنترة ابن شداد:
*أقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ*
والإقواء والإقفار سواءً. وقال آخر:
стр. 21
فَقَدَّمَتِ الأدِيْم لِرَاهِشَيْهِ ... وَأَلفَى قَوْلَها كَذِباً وَمَيْنَا
والكَذِبُ وَالْمَيْنُ سواء. وقال آخر:
قَدْ رَابَنِي مِنْكِ يَا أَسمْاءُ إِعْرَاضُ ... فَدَامَ مِنْكُمْ لَنَا مَقْتُ وَإِبْغَاُض
والمقت والإبغاض واحد. وقال آخر:
أَلاَ حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُوْنِهَا النَّايُ وَالبُعْدُ
والنأي هو: البعد، إلى غير ذلك من الأبيات، وهي كثيرة جداً، فخرج من هذا أن ما ذكره ابن هشام والتدميري من أن ذوى لا تكون بمعنى يبس خطأ.
وينبغي أن تعلم أن ذبل يُقالُ بمعنيين: فأحد المعنيين هو الذي دق بعد أن كان ريان، عن الزبيدي في مختصره.
стр. 22
ويقال: بمعنى يبس، حكاه ابن التياني في مختصر الجمهرة فقال يقال: ذَبَلَ العود وغيره ذَبْلاً، وَذُبْوْلاً: يَبِسَ، فعلى هذا من فسر ذوى بذبل كما فسره كراع في المنظم وغيره فقد أساء، لأنه فسره بلفظ مشترك، فلم يبين معناه، ومن فسر ذوى بأحد المعنيين اللذين ذكرناهما فقد أصاب. وقد فسره الأصمعي على ما حكاه عنه أبو حاتم في لحنه بتفسير لا شيء أجلى منه، فقال يقال: ذوى العود: إذا ذبل ولم يبلغ الجفوف وفيه ندىً باقٍ، فهذا التفسير في نهاية من الوضوح والبيان.
قال ابن هشام: ذَأَى يَذْأَى/ لغة فصيحة كذوى ولم يُخبر بها ثعلب.
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله ابن هشام- من أن ذَأَى فصيحة كذَوَى المفتوحة العين- خطأ، والذي يدل على فساد ما قاله أن أئمة اللغة حكوا بخلاف قوله، قال يونس في نوادره يقول ناس من العرب: قد ذَأَى العشب يَذْأَى، فيهمزون، وبعضهم ذَوَى يَذوِي وهو الكثير.
стр. 23
وقال ابن فارس في كتابه المجمل: ذَوَى العود يذوي، وبعضهم يقول: ذَأَى يَذْأَى، والأولى أجود.
وقال القالي في المقصور والممدود: أجود اللغات ذوى بفتح العين، ثم ذَأَى، ثم ذَوِىَ بكسر العين.
وقال ابن دريد في الجمهرة: ويقول قوم من العرب: ذَأَى العودُ، وليس باللغة العالية.
وقال ابن سيدة في المخصص في باب يبس العشب: يقال ذوى البقل يَذوِي ذُوِياً، وذَأَى يَذْأَى ذَاياً، وذَوِيَ يَذْوَى، والفصحى عند الجميع هي الأولى من هذه اللغات، يعني ذَوَى بالفتح.
وقال مكي في شرحه: ذَوَى بفتح العين أفصح من ذَوِي بالكسر، ومن ذَأَى.
قال أبو جعفر: فتبين بما ذكرناه أن أخذ ابن هشام على ثعلب في كونه
стр. 24
لم يذكر ذَأى كما ذكر ذَوَى، ليس بشيءٍ؛ لأن ذَوَى بفتح العين فصيحة كما قدمناه، وذَأَى ليست فصيحة مثلها، فلذلك لم يذكرها.
قال أبو جعفر: قد قدمنا أن في الماضي ثلاث لغات: ذَوَى بالفتح، وذَأَى بالهمز، وذَوِيَ- بالكسر.
وحكي هذه اللغات ابن القطاع في أفعاله، وزاد: ذَئِيَ.
قال أبو جعفر: ويقال في المستقبل من ذَوَى بالفتح: يَذْوِي بالكسر، /وفي مستقبل ذَأَى بالهمز: يَذْأَى بالفتحِ، وفي مستقبل ذَوِيَ بالكسر: يَذْوَى بالفتح.
قال أبو جعفر: ويقال في الصفة من ذَوَى بالفتح: ذَاوٍ، ومن ذَوِيّ بالكسر: ذَوٍ، ومن ذأى بالهمز: ذَاءٍ، قال ابن سيدة في المخصص: وذَئِيُّ.
قال أبو جعفر: ويقال في المصدر من المفتوح: ذيٌّ، وذُوِيٌّ.
وفي المكسور: ذَوى عن مَكِّيِّ، وعن ابن القطاع، وفي المهموز: ذَايّ، وذَاوً عن ابن سيده في المخصص وعن ابن القطاع، وذُئِيُّ عن
стр. 25
ابن الأعرابي في نوادره.
وقوله: «وَغَوَى الرَّجْلُ يَغْوِى»
قال أبو جعفر: إذا اتهمك في الشر، عن الزبيدي في مختصره.
وقال ابن التياني عن أبي عبيد: الغواية الضلال، وأنشد:
إذا خُيِّرَ السِّيديُّ بين غَوَايةٍ ورُشْدٍ أتَى السِّيدِيُّ ما كان غَاوِيَا
وقال عن قُطْربٍ: زعم المفضل أنه سمع العرب تقول: أصبح فلان غوياً، أي: مريضاً، وقال بعض العرب: أغويت فلاناً: أهلكته.
قال أبو جعفر: ويقال أيضاً: غَوَى الرَّجُلُ: إذا فسد عليه عيشه، ومنه قوله : ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي: فسد عليه عيشه في الجنة، قاله المطرز، وابن خالويه، وغيرهما. وحكي يعقوب
стр. 26
في إصلاحه عن الأصمعي أنه يقال: غَوَى الرجل يَغْوِى، بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل كما ذكره ثعلب، وقال عنه: ولا يقال غيره. وكذا أنكره الزمخشري في شرحه، قال: ولا لغة فيها إلا الفتح، قال: والعامة تقول: غَوِي بالكسر، وهو خطأ، قال: فأما قراءة أبي الهذيل على /ما أخبرني ابن مهدوي ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال: معناه أكل وأكثر حتى بشم؛ لأن معنى غَوِي بالكسر هو أن يكثر الفصيل من لبأ أمه حتى يبشم.
قال أبو جعفر: وحكي ابن الأعرابي في نوادره، [والمطرز] في شرحه، وأبو عبيدة في فَعَل وأفْعَل، وصاحب الواعي، وغيرهم، أنه يقال: غَوِي الرجل يَغْوَى، بكسر الواو في الماضي وفتحها في المستقبل، على وزن عَلمَ يَعْلَم.
стр. 27
قال ابن الأعرابي: ومن الفصيل غَوِى بالكسر لا غير
وقال ابن التياني عن قطرب: قراءة أهل الشام (كما غوينا) بكسر الواو، والكثيرة عندنا غَوَيْنَا، وقال عن الفراء اللغة الفاشية غَوَيْنَا، وبعض العرب غَوِيْنَا.
قال أبو جعفر: والمصدر الغَيُّ والغَوَايَةُ عن يعقوب في إصلاحه، وعن غيره، وعن ابن درستويه والغية.
والصفة ممن المطرز وابن السكيت وغيرهما غاوٍ، وَغَوِيُّ.
وحكاهما أيضاً ابن التياني وأنشد:
*أَضْرَمَ فيها الغَوِيُّ السُّعُر*
стр. 28
وزاد المطرز: وغَوٍ. وفي الجمع عن كُراع في المجرد: رجال غُوَاة، وغَاوُون. وأنشد ثعلب:
«فمن يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ النَّاسُ أمرهَ ... ومن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائما»
قال أبو جعفر: هذا البيت للمُرَقِّش الأصغر واسمه عمرو بن حرملة، كذا نسب في ديوان شعره، وقيل: اسمه ربيعة بن سفيان بن قيس بن سعد بن مالك، وقيل: عمرو بن سفيان وسمى بالمرقش لأنه كان يزين شعره فيما ذكره ابن الأنباري.
وقيل: سمي بذلك ببيت قاله، وهو:
الدَّارُ وحشً والرّسُوُم كما ... رَقَّشَ في ظَهْرِ الأَدِيم قَلَمْ.
стр. 29
قال أبو جعفر: وفي كتاب أدب الشاعر أن الذي سمي المرقش بالبيت إنما هو/ المرقش الأكبر، وهو عم الأصغر، واسمه عوف بن سعد، ويقال: ربيعة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. والأكبر صاحب أسماء، والأصغر صاحب فاطمة، وكان الأصغر أشعرهما وأطولهما عمراً.
والبيت الذي أنشده ثعلب من القصيدة التي أولها:
أَلا يَا اسْلَمِي لا صُرْمَ لي اليومَ فاطماً ... ولا أبداً ما دام وصلُكِ دائما
رَمَتْكَ ابنةُ البكريِّ عن فَرْعِ ضَالَةٍ ... وهُنَّ بنا خُوصٌ يُخَلْنَ نعائما
تراءتْ لنا يوم الرَّحيل بِوَارِدٍ ... وعَذْبِ الثَّنايا لم يكن مُتَرَاكما
ثم قال بعد أبيات:
وَإلَى جَنَابٌ حَلْفَةً فأطعتَهُ ... فنسكَ لُمْ لا اللَّومَ إنْ كُنتَ لائما
ويروى: (فنفسَكَ وَلِّ اللَّوم)، ثم قال:
فمن يَلْقَ خيراً ............ ... ............. البيت
وقال القصيدة في قصة طويلة، جرت بينه وبين عمرو بن جناب ابن عوف بن مالك صاحبه، وفاطمة بنت المنذر، ذكر القصة ابن السيرافي،
стр. 30
وغيره. وموضع الشاهد من البيت الذي استشهد به ثعلب قوله: «يَغْوِى» بكسر العين في المستقبل، فدل على أن الماضي مفتوح، ولو كان الماضي على فعل بكسر الواو لكان مستقبله يَغْوَى بفتح الواو: لأن باب فَعِل يَفْعِل بالكسر فيهما قليل يُحفَظُ ولا يقاس عليه.
وقوله: «ومَنْ يَغْوِ» أي: من يفسد ويضل، أومن يفسد عليه عيشه، وبهذا المعنى الأخير/ [يقوى] معنى البيت.
وقوله: «لا يعدم» أي: لا يفقد، وأما «يَلْقَ» فقد رُوِي بضم الياء وفتحها، ومعناه: يصنع، وبه فسر قوله ﵎:
стр. 31
﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
ومعنى البيت بَيِّنٌ، أي: من يفعل خيراً يحمد، ومن يعمل شراً يذم.
قال أبو جعفر: وقيل في معنى البيت، أي: من اتبع الحق فسلم حَمَدَ الناس سعيه، وشكروه على ذلك، ومن اتبع الباطل فهلك لم يعدم لذلك لائماً، كما قال الآخر:
والنَّاسُ مَنْ يَلْقَ خيراً قائلون له ... ما يَشتَهِي وَلأُمَ المُخْطِئ الهَبَلُ
وقال قوم: الخير في هذا البيت: المال، قالوا من يُصِب مالاً ويساراً حُمِدَ أمره، واحتجوا بقوله ﵎ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ و ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ أي: ترك مالاً، والأول أصح، والدليل على ذلك قوله: «ومن يَغْوِ» والشاعر الفصيح لا يجعل الغَيَّ إلا مقابل ضده،
стр. 32
وضده الرشد وليس فيه إعراب مشكل فنتكلم عليه.
وقوله: «وفَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ»
قال أبو جعفر: الفساد ضد الصلاح [قال الزمخشري: وهو إذا تغير وصار إلى الرداءة].
قال ابن درستوريه في تصحيحه: العامة تقول: فَسُدَ، بضم الماضي وهو لحن وخطأ.
قال أبو جعفر: هذا الذي أنكره ابن درستويه قد حكاه اللغويون، قال يعقوب في الإصلاح: فَسَدَ الشيء وفَسُدَ لغة.
قال ابن قتيبة في الأدب: فَسُدَ الشيء والأجود فَسَد، وحكي اللغتين أيضاً صاحب الواعِي، والجوهري، وكراع في المجرد، وابن
стр. 33
القطاع، وغيرهم. وزاد كراع وفَسِد بكسر السين/ فتجيء فيها بهذه ثلاث لغات.
وحكي قطرب في فَعَلْت وأفعلت: فَسدَ الشيء وأفْسَدَ بالألف بمعنى. فمن قال فَسَدَ بالفتح ففي مستقبله لغتان: يفسُد بضم السين، وهو الذي حكاه الناس كلهم، ويَفسِد بكسر السين عن القزاز، وما رأيته عن أحد من اللغويين إلا عنه، وإن كان هو القياس.
وفي مصدره لغتان: الفَسَاد، والفُسُود، حكاهما يعقوب في إصلاحه، وصاحب الواعي، وغيرهما.
والصِّفَةُ: رجل فاسد وفَسِيد، عن الجوهري، والقزاز، وزاد القزاز: ومِفْسادّ، قال: وإنما قالوا فَسِيدّ لأنهم يقولون: فَسُد، كما يقولون: كَرُم.
стр. 34
وقال الجوهري: وقوم فَسّدَى، كما قالوا: سَاقِطٌ، وسَقْطَى.
قال أبو جعفر: وفي ضد فَسَد لغتان: صلح بفتح اللام، وصلح بضمها [حكاهما] صاحب الواعي، ويعقوب، وابن سيدة في المُحْكَم وغيرهم.
وقال ابن درستويه: وكذلك يقولون: صَلُحَ بضم اللام، ولو كان ذلك صواباً لجاء اسم الفاعل منه على صَلِيحٍ مثل: ظَريِف، وكَريِمٍ.
قال أبو جعفر: وهذا الذي أنكره ابن درستويه من أنه لا يقال: صَلُحَ، بضم اللام، قد حكيناه عن الأئمة، وإنكاره أيضاً أن اسم الفاعل منه لم يأت على فعيل - فيقال صَلِيحٌ- ليس بصحيح، حكي ابن الأعرابي في نوادره، ونقلته من خط الآمدي أنه يقال: فَاسِدُ وفَسيدٌ، وصَالِحُ وصَلِيحٌ.
стр. 35
وقال ابن سيدة في المحكم: والجمع صُلَحاء وصُلُوح.
قال أبو جعفر: ويقال في مستقبل صَلَحَ المفتوح اللام/ لغتان: يَصلُح بضم اللام، ويصلح بفتحها، حكي ذلك ابن عديس في كتابه الصواب، ومن خطه نقلته وابن سيدة في المحكم.
وفي مستقبل صَلُحَ المضموم اللام: يَصْلُحُ بضم اللام أيضاً ليس إلا، كظرف يظرف على القياس.
وفي المصدر عن يعقوب في إصلاحه، وعن ابن خالويه في كتاب الأبنية وعن اليزيدي في نوادره: صَلاَحٌ وصُلُوحٌ.
وقوله: «وَعَسَيْتُ أَنْ أَفعلَ ذلك»
قال أبو جعفر: عسى من أفعال المقاربة، وفيه طمع وإشفاق.
قال صاحب الواعي: عسى تكون للترجي، وتكون شكاً ويقيناً،
стр. 36
وكل عسى في القرآن فمعناها الإيجاب، كما قال الله : ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه﴾ فهو واجب أن الله يأتي بالفتح، وقد أتى به سبحانه. وهي من الآدميين معناها الترجي، وأن يكون لا يدري أيكون ذلك الأمر أم لا يكون، قالوا: فإذا قال الله سبحانه عسى الله أن يأتي بكذا وكذا فإن ذلك الأمر كائن لا محالة، وإذا قال الإنسان عسى أن يكون كذا وكذا جاز أن يكون [وأن] لا يكون.
وقال الجوهري في الصحاح: عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾، وقال عن أبي عبيدة: عسى من الله إيجاب، فجاءت على إحدى لغتي العرب، لأن عسى رجاء ويقين.
قال أبو جعفر: وفي حال إضافته إلى المضمر فيه لغتان: عَسَيْتُ بفتح السين كما حكاه ثعلب، وعَسِيتُ بكسر السين/ وهي قراءة نافع،
стр. 37
وقرأ بها أيضا شيبة، فيما حكاه ابن التياني عن قطرب.
وقال الأستاذ أبو بكر بن طلحة في شرحه: وعَسِيتُ بكسر السين أيضاً فصيحة، ولم يذكرها ثعلب.
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله ابن طلحة من أنها فصيحة فليس في ذلك درك على أبي العباس ثعلبٍ، لأنه على تقدير أنها فصيحة اختار عَسَيتُ بفتح السين عليها: لأنها أفصح منها.
قال أبو عمر المطرز قي شرحه: أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء أنه قال: كلام العرب العالي عَسَيتُ أن أفعل بفتح السين، ومنهم من يقول: عَسِيتُ، فهذا كلام الفراء، وناهيك به! يبين أن عَسَيْتُ بالفتح ليست كَعَسِيْتُ بالكسر، فلذلك اختارها أبو العباس.
وقال ابن الثياني عن الأصمعي: إنه لم يعرف عَسِيت بالكسر، قال: وقد ذكره بعض القراء، وهو خطأ.
стр. 38
وحكي أيضاً عن الفراء أنه قال: لعلها لغة نادرة.
وقال ابن درستويه في تصحيحه: العامة تقول عَسِيتُ بكسر السين، وهي لغة شاذة.
وقال صاحب الواعي: تقول عَسَيتُ أن أفعل ذلك بفتح السين، وهي أفصح اللغات، وحكي عَسِيْتُ بالكسر.
وقال ابن سيدة في المحكم: عَسَيتُ بالفتح أعلى. وقال عبد الدائم بن مرزوق القيرواني: تقول عَسَيتُ أن أفعل كذا، بفتح السين وكسرها لغتان، والفتح أكثر، ذكر هذا في كتابه حُلَى العُلَى.
وقال يعقوب في كتابه فَعَلْت وأفعلت: عَسِيتُ بالكسر لغة رديئة.
وقال أبو عبيد/ القاسم بن سلام في كتابه في القراءات: كان نافع يقرأ ﴿عَسَيْتُمْ﴾ بالكسر، والقراءة عندنا بالفتح: لأنها أعرب
стр. 39
اللغتين ولو كانت عسيتم بالكسر لقرئ ﴿عَسَى رَبُّنَا﴾ بالكسر أيضا، وهذا الحرف لا نعلمهم اختلفوا في فتحه، وكذلك سائر القرآن، وقد حُكِيَ عن أبي عمرو أنه كان يحتج بهذه الحجة.
وقال القتبي ويقولون: ما عَسِيتٌ، والأجود ما عَسَيتُ بالفتح. [وحكاهما] أيضاً ثابت في لحنه قال: وعَسَيْتُ بالفتح أجود. فتبين بما ذكرناه من كلام الأئمة أن أخذ ابن طلحة على ثعلب ليس بشيء.
هذا حكمها إذا كانت مسندة إلى مضمر، فإن كانت مسندة إلى ظاهر نحو قولك: عسى زيد أن يقوم، فلا نعلم أحدا من اللغويين حكى فيها الكسر، إلا ما رأيته للهروي أبي الحسن علي بن محمد في كتابه "الذخائر" فإنه قال: في عسى لغتان: منهم من يفتح السين، ومنهم من يكسرها، فأطلق كلامه فيها ولم يقيده.
وقوله: "ولا يُقَالُ مِنْهُ يَفْعَلُ، وَلاَ فَاعِلٌ".
قال أبو جعفر: أي لا يتصرف فيستعمل منه مستقبل، أو اسم فاعل، فلا يقال منه: يَعْسَى ولا عَاسٍ، وإنما لم يستعمل منه مستقبل ولا اسم
стр. 40
فاعل؛ لأنها على الحقيقة ليست فعلاً، وإنما هي حرف، بدليل أن معقول الفعل هو: ما دل بصيغته على الحدث والزمان المعين، كـ (ضرب) فإنه يدل على وقوع الحدث الذي هو الضرب، ويدل ببنيته على أن الضرب وقع في زمان معين، وهو المضي، وكذلك هو حكم سائر الأفعال.
وأما عسى وأخواتها من الأفعال / التي لا تتصرف فلا يفهم منها وقوع الحدث، ولا تعيين الزمان، فليست بأفعال على الحقيقة كما قدمناه، وإنما قيل فيها إنها أفعال بالمجاز: وذلك أن النحويين وجودا فيها أحكام الأفعال، من اتصال الضمائر بها كقولك: عَسَيتُ وعَسَيتُما وعَسَيتُم وعَسَينَ، كما قالوا ضربتُ وضربتُما، [وضربتم] وضربْن.
قال الزمخشري عن أبي عبيدة: من العرب من يُوَنَّثُ عسى، قال:
следующие страницы →