Полный текст (1 328 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ ظَنُّ السَّوءِ بِاللهِ بِهَذِهِ المَثَابَةِ وَالخُطُورَةِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يُوسُف: ١١٠]!
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةث: ٢١٤]!
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأَحْزَابُ: ١٠]؟!
الجَوَابُ:
إِنَّ خَيرَ مَنْ أَفَادَنَا بِبَيَانِهِ هُوَ الإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ (القَوَاعِدُ الحِسَانُ لِتَفْسِيرِ القُرْآنِ)، وَأَنْقُلُ هُنَا هَذِهِ القاَعِدَةَ الجَلِيلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ﵀ وَفِي ضِمْنِهَا جَوَابُ السُّؤَالِ.
قَالَ ﵀:
"القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الأُمُورُ العَارِضَةُ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ المُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ قَدْ تَرِدُ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى الأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنِ القُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ
стр. 1017
يُحْكِمْهَا حَصَلَ لَهُ مِنِ الغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الآيَاتِ مَا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ، وَمِنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُرُودِهَا عَلَى الحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا أَو لِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ وَالحَقِّ الصَّرِيحِ، وَتَقَابَلَ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَوَقَعَتِ الخُصُومَةُ بَينَهُمَا، فَغَلَبَ الحَقُّ البَاطِلَ، وَدَمَغَهُ فَزَهَقَ البَاطِلُ وَثَبَتَ الحَقُّ؛ حَصَلَتِ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ، وَأَيَادٍ سَابِغَةٌ.
وَلْنُمَثَّلْ لِهَذَا بِأَمْثِلَةٍ، فَمِنْهَا:
أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ أَكْمَلَ الخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ -وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الأُمَمِ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِي الرُّسُلِ مِنْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا الذُّرْوَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ- وَلَكِنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُمْ بَعْضُ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ المُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا: مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الكُمَّلِ أَنَّ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]! وَقَدْ يَخْطُرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلَى القُلُوبِ شَيءٌ مِنْ عَوَارِضِ اليَأْسِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي القُلُوبِ ثُمَّ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الحَالُ وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ وَيَأْتِي النَّصْرُ مِنْ قَرِيبٍ ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]، فَعِنْدئِذٍ يَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوعُودِهِ مِنِ الوَقْعِ وَالبِشَارَةِ وَالآثَارِ العَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يُوسُف: ١١٠] فَلِهَذَا الوَارِدِ الَّذِي لَا قَرَارَ لَهُ، وَعِنْدَمَا حَقَّتِ الحَقَائِقُ اِضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى، لَا يُنْكَرُ وَيُطْلَبُ لِلْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا! " إِلَى أَنْ قَالَ ﵀:
стр. 1018
"فَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَا رَيبَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي العِصْمَةَ! فَقَدَ غَلَطَ أَكْبَرَ غَلَطٍ، وَلَو فَهِمَ أَنَّ الأُمُورَ العَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الأُمُورِ الثَّابِتَةِ لَمْ يَقِلِ قَولاً يُخَالِفُ فِيهِ الوَاقِعُ وَيُخَالِفُ بَعْضَ الآيَاتِ وَيَطْلُبُ التَّأْوِيلَاتِ المُسْتَبْعَدَاتِ!
وَمِنْ هَذَا -عَلَى أَحَدِ قَولِي المُفَسِّرِينَ- قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُونُسَ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأَنْبِيَاءُ: ٨٧]، وَأَنَّهُ ظَنٌّ عَرَضَ فِي الحَالِ ثُمَّ زَالَ، نَظِيرُ الوَسَاوِسِ العَارِضَةِ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ الَّتِي يَكْرَهُهَا العَبْدُ حِينَ تَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلَكِنَّ إِيمَانَهُ وَيَقِينَهُ يُزِيلُهَا وَيُذْهِبُهَا، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ عِنْدَمَا شَكَا إِلَيهِ أَصْحَابُهُ هَذِهِ الحَالَ الَّتِي أَقْلَقَتْهُمْ مُبَشِّرًا لَهُمْ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيدَهُ إِلَى الوَسْوَسَةِ)) (١)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا صَرِيحُ الإِيمَانِ.
وَيُشْبِهَ هَذَا: العَوَارِضُ الَّتِي تَعْرِضُ فِي إِرَادَاتِ الإِيمَانِ لِقُوَّةِ وَارِدٍ مِنْ شَهْوَةٍ أَو غَضَبٍ، وَأَنَّ المُؤَمَّنَ الكَامِلَ الإِيمَانِ قَدْ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ هَمٌّ وَإِرَادَةٌ لِفِعْلِ بَعْضِ المَعَاصِي الَّتِي تُنَافِي الوَاجِبَ ثُمَّ يَأْتِي بُرْهَانُ الإِيمَانِ، وَقُوَّةُ مَا مَعَ العَبْدِ مِنِ الإِنَابَةِ التَّامَّةِ فَيَدْفَعُ هَذَا العَارِضَ.
وَمِنْ هَذَا: قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يُوسُف: ٢٤]، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَا مَعَهُ مِنِ الإِيمَانِ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَخَوفِهِ وَخَشْيَتِهِ وَرَجَائِهِ دَفَعَ عَنْهُ هَذَا الهَمَّ وَمُوجِبَهُ وَاضْمَحَلَّ، وَصَارَتْ إِرَادَتُهُ التَّامَّةُ فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ، وَلِهَذَا فَازَ بِمَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ لِقُوَّةِ إِخْلَاصِهِ وَإِيمَانِهِ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَانْتَصَرَ стр. 1019
بَعْدَ المُعَالَجَةِ الشَّدِيدَةِ مِنِ النِّسْوَةِ الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيهَا إِلَّا سَادَاتُ الخَلْقِ حَتَّى دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ مُوَاطِنِ الفِتَنِ فَقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يُوسُف: ٣٣]! وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِهِ وَيَقِفُ أَحَدَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمِ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوم لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، ((وَرَجُلٌ دَعَتْهُ اِمْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافَ اللَّهَ)) (١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَافُ: ٢٠١] يَشْمَلُ الطَّائِفَ الَّذِي يَعْرِضُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ وَالَّذِي يَعْرِضُ فِي إِرَادَتِهِ، فَإِذَا مَسَّهُمْ تَذَكَّرُوا مَا يَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ وَوَاجِبَاتِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَسُنَنِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فَأَبْصَرُوا؛ فَانْدَفَعَتِ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَرَجَعَ الشَّيطَانُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ" (٢). стр. 1020
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: زَعَمَتِ المُعَطِّلَةُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالحِكْمَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَغْرَاضِ! وَقَالُوا: إِنَّ فِعْلَهُ لِغَرَضٍ مَا يَدُلُّ عَلَى حَاجَتِهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَيهِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الحَاجَةُ وَالافْتِقَارُ! فَالحِكْمَةُ هِيَ وَضْعُ الشَّيءِ فِي مَوضِعِهِ المُنَاسِبِ لِلْغَايَةِ المَحْمُودَةِ، فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الحِكْمَةَ فِي غَيرِ مَوضِعٍ، وَأَثْبَتَ كَمَالَ غِنَاهُ وَعِزَّتَهُ؛ فَنُثْبِتُ الحِكْمَةَ وَنَنْفِي عَنْهُ النَّقْصَ وَالحَاجَةَ وَالافْتِقَارَ.
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ بِأَفْعَالِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ! وَإِنَّمَا مَنْفَعَةَ عبِادِهِ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ حِكْمَتُهُ مَعَ رَحْمَتِهِ عَنْ تَعْطِيلِ الجَاهِلِينَ-.
وَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨)، وَقَولَهُ أَيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥].
стр. 1021
بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِرِي القَدَرِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ؛ لَو كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). стр. 1022
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ؛ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا فَلَيسَ مِنِّي)) (١).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ)) (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ)) (٣).
وَفِي المُسْنَدِ والسُّنَنِ عَنِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي شَيءٌ مِنَ القَدَرِ؛ فَحَدِّثْنِي بِشَيءٍ لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: (لَو أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). قَالَ: فَأَتَيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيفَةَ بْنَ اليَمَانِ وَزَيدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ (٤). стр. 1023
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: بَيَانُ فَرْضِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.
الثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيفَيَّةِ الإِيمَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: الإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.
الخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالمَقَادِيرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
السَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ العُلَمَاءَ أَجَابُوهُ بِمَا يُزِيلُ شُبْهَتَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الكَلَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَطْ.
стр. 1024
الشَّرْحُ
- قَولُهُ: (مُنْكِرِي): أَصْلُهُ مُنْكِرِينَ، وَلَكِنْ حُذِفَتِ النُّونُ لِلإِضَافَةِ.
- قَولُهُ: (القَدَر) (١): هُوَ تَقْدِيرُ اللهِ لِلكَائِنَاتِ، وَهُوَ سِرُّ مَكْتُومٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ أَو مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مِنْ خَلْقِهِ (٢).
وَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَينِ (٣):
١ - التَّقْدِيرِ؛ أَي: إِرَادَةُ اللهِ الشَّيءَ.
٢ - المُقَدَّرِ؛ أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ أَنْ يَكُونَ.
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ الإِيمَانَ بِالقَدَرِ مُتَعَلِّقٌ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبِتَوحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ أَصْلًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ هُوَ إِيمَانٌ بِكَمَالِ صِفَاتِ اللهَ تَعَالَى.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "القَدَرُ قُدْرةُ اللهِ عَلَى العِبَادِ" (٤). стр. 1025
- حُكْمُ مُنْكِرِ القَدَرِ: قَالَ الإِمَامُ اللَّالكَائِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ): "رُوِيَ عِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَعُبَيدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ (١): يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ: القَدَرِيَّةُ يَهُودٌ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: القَدَرِيَّةُ نَصَارَى.
وَعَنْ نَافِعٍ مَولَى ابْنِ عُمَرَ: القَدَرِيَّةُ يُقْتَلُونَ.
وَحَكَى المُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَفَّرَهُم.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ (٢): القَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ.
وَعَنْ أَحْمِد بْنِ حَنْبَلٍ مِثَلُ قَولِ مَالِكٍ" (٣).
- النَّاسُ فِي القَدَرِ ثَلَاثُ طَوَائِفَ:
١ - الجَبْرِيَّةُ الجَهْمِيَّةُ: أَثْبَتُوا قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَغَلَوا فِي إِثْبَاتِهِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ اخْتِيَارَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَقَالُوا: لَيسَ لِلعَبْدِ اخْتِيَارٌ وَلَا قُدْرَةٌ فِي مَا يَفْعَلُهُ أَو يَتْرُكَهُ!
٢ - القَدَرِيَّةُ المُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فِي عَمَلِهِ وَغَلَوا فِي ذَلِكَ حَتَّى نَفَوا أَنْ تَكُونَ للهِ تَعَالَى فِي عَمَلِ العَبْدِ مَشِيئَةٌ أَو خَلْقٌ! وَنَفَى غُلَاتُهُم عِلْمَ اللهِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. стр. 1026
٣ - أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: وَهُمُ الطَّائِفَةُ الوَسَطُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ الأَدِلَّةِ وَسَلَكُوا فِي طَرِيقِهِم خَيرَ مِلَّةٍ؛ فَآمَنُوا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَبِأَنَّ لِلعَبْدِ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً وَمَشِيئَةً؛ لَكِنَّ مَشِيئَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].
- إِنَّ حُكْمَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مُنْكِرِي القَدَرِ بِأَنَّ نَفَقَاتِهِم غُيرُ مَقْبُولَةٍ يَسْتَوجِبُ تَكْفِيرَهُم عِنْدَهُ؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التَّوبَة: ٥٤]، وَإِيرَادُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُؤْمِنَ العَبْدُ بِالقَدَرِ (١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: (جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي القَدَرِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَر: ٤٨ - ٤٩]) (٢).
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القَمَر: ٤٧] فِي أَهْلِ القَدَرِ" (٣). стр. 1027
- وَمِمَّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا أَنَّ "العَرَبَ كَانَتْ فِي جَاهِلِيَّتِهَا تُقِرُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ وَغَيرُهُ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا مُقِرَّةً بِالْقَدَرِ. وَقَدْ قَالَ عَنْتَرَةُ: يَا عَبْلُ؛ أَينَ مِنَ المَنِيَّةِ مَهْرَبٌ … إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا" (١).
- قَولُهُ: ((تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ)) الخَيرُ وَالشَّرَّ هُنَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَجِدُهُ الإِنْسَانُ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَاللهُ تَعَالَى أَفْعَالُهُ كُلُّهَا خَيرٌ، لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحِكْمَتِهِ، وَفي الحَدِيثِ: ((والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ)) (٢)، وَمِن مِثَالِهِ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرُّوم: ٤١].
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١١].
وَكَذَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥].
وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ بَابِ (مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ) حَدِيثُ أَنَسٍ؛ وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ : ((أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ)) مَعَ قَولِهِ أَيضًا ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: ((والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ))؛ وَأَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الشَّرَّ لَيسَ مَقْصُودًا ابْتِدَاءً! بَلْ هُوَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَآلِهِ؛ فَيَظْهُرُ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى عَلَى стр. 1028
الصَّابِرِ، وَعَدْلُهُ مَعَ الكَافِرِ، قَالَ العُلَمَاءُ: أَفْعَالُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حِكْمَةٌ؛ تَدُورُ بينَ العَدْلِ وَالفَضْلِ.
وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ مُوسَى ﵊ مَعَ الخَضِرِ وَمَا فِيهَا مِنَ الحِكَمِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ قَولَ الخَضِرِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكَهْف: ٨٢].
- قَولُهُ: ((خَيرِهِ وَشَرِّهِ)) مَفَادُهُ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ كِلَاهُمَا مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُهُ: ((حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ)) أَي: أَنَّ مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ مَهْمَا عَمِلْتَ مِنْ أَسْبَابٍ؛ فَإِنَّ قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
- قَولُهُ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم)) القَلَمُ بِالرَّفْعِ (١)، وَرُويَ بِالنَّصْبِ (٢).
وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ المَعْنَى: أَنَّ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ هُوَ القَلَمُ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ القَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِهِ لَهُ.
وَقَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ): ظَاهِرُهُ المَيلُ إِلَى أَنَّ القَلَمَ هُوَ أَوُّلُ مَخْلُوقَاتِ اللهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بَحْثٌ يَسِيرٌ فِي ذَلِكَ.
- قَولُهُ: ((إلى يَومِ القِيَامَةِ)) هُوَ يَومُ البَعْثِ، وَسُمِّيَ يَومَ القِيَامَةِ؛ لِقِيَامِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ فِيهِ:
١ - قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ. стр. 1029
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٥ - ٦].
٢ - قِيَامِ الأَشْهَادِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ وَعَلَى الأُمَمِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِر: ٥١].
٣ - قِيَامِ العَدْلِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٤٧].
- (ابْنُ الدَّيلَمِيِّ): هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيرُوز الدَّيلَمِيُّ؛ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُوهُ فَيرُوزُ هُوَ قَاتِلُ الأَسْوَدِ العَنَسِيِّ الكَذَّابِ.
- قَولُهُ: (وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا؛ لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ): جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى غَيرِ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالكَافِرُ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أهْلُهَا المُخَلَّدُونَ فِيهَا.
وَلَكِنْ هَلْ هَذَا الدَّوَاءُ يُفِيدُ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيهِ أَمْرُ القَدَرِ؟
الجَوَابُ: نَعَمْ يُفِيدُ، وَالإِفَادَةُ هِي مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُنْتَهَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ -عَلَى نَحْوِ مَا وُصِفَ- هُوَ هَذَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَدِعَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَإِذَا نُسِبَ الأَمْرُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ زَالَتِ الشُّبْهَةُ تَمَامًا، لَكِنْ تَزُولُ عَنِ المُؤْمِنِ، أَمَّا غَيرُ المَؤْمِنِ فَلَا تَنْفَعُهُ؛ فَاللهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُس: ١٠١] (١). стр. 1030
٢ - أَنَّ أَمْرَ القَدَرِ هُوَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَاللهُ تَعَالَى لَا نَعْلَمُ عَنْهُ إِلَّا وُفْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ؛ وَعَلَيهِ فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ اسْتِشْكَالٍ عَلَى شَيءٍ فِيهِ؛ فَالإِيمَانُ هُنَا هُوَ تَعَلُّمٌ وَلَيسَ فَهْمٌ!
- فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ بَيَانُ جَوَازِ سُؤَالِ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِلتَّثَبُّتِ، أَمَّا سُؤَالُ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ! فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ وَأَخَذَ بِالرُّخَصِ مِنْ أَقَاوِيلِهِم تَزَنْدَقَ، أَو كَادَ" (١).
- قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فِي حَدِيثِ ابْنِ الدَّيلَمِيِّ-وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ-: (لَو أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ؛ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَو رَحِمَهُمْ؛ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ) (٢)، وَالمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُومُوا بِحُقُوقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا الوَاجِبَةِ لَهُ؛ فَلَو عَذَّبَهُم لَعَذَّبَهُم عَلَى تَرْكِ الحَقِّ، وَلَو رَحِمَهُم لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِم لَهَا، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًا لَهُم؛ وَلَكِنَّهُ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيسَ حَقَ مُقَابَلَةٍ (٣).
- قَولُ المُصِنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (بَيَانُ كَيفِيَّةِ الإِيمَانِ): أَي: بِالقَدَرِ، وَهُوَ أَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. стр. 1031
- مَرَاتِبُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:
١ - العِلْمُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ (١).
٢ - الكِتَابَةُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ عِنْدَهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ مُنْذُ خَلَقَ القَلَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (٢).
وَدَلِيلُ المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأَنْعَام: ٥٩]، стр. 1032
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠] (١).
٣ - المَشِيئَةُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ أَبَدًا! سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ أَو مَا يِفْعَلُهُ المَخْلُوقُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يَس: ٨٢]،
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٢]،
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣].
٤ - الخَلْقُ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا هُوَ خَالِقُهُ وَمَالِكُهُ وَمُدَبِّرُهُ وَذُو سُلْطَانِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزُّمَر: ٦٢] (٢). стр. 1033
- اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا العُمُومُ لَا مُخَصِّصَ لَهُ، حَتَّى فِعْلَ المَخْلُوقِ مَخْلُوقٌ للهِ تَعَالَى، لِأَنّ فِعْلَ المَخْلُوقِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَهُو وَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَانِ، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ نَاتِجٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي الإِنْسَانِ الإِرَادَةَ الجَازِمَةَ وَالقُدْرَةَ التَّامَّةَ.
فَفِعْلُ العَبْدِ مُرْتَبِطٌ بِشَيئَينِ:
١ - خَلْقٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى.
٢ - مُبَاشَرَةٍ: وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ وَيُنْسَبُ إِلَيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢]، وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ وَجْهٌ وَلَا فَائِدَةٌ! وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ.
- أَنْوَاعُ التَّقْدِيرَاتِ (الكِتَابَةِ):
١ - التَّقْدِيرُ العَامُّ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ)) (١) (٢). стр. 1034
٢ - التَّقْدِيرُ العُمُرِيُّ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ. فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)) (١).
٣ - التَّقْدِيرُ الحَولِيُّ.
وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي لَيلَةِ القَدْرِ؛ فَيُكْتَبُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخَان: ٤].
٤ - التَّقْدِيرُ اليَومِيُّ.
كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٩] (٢). стр. 1035
- مِنْ فَوَائِدِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ:
١ - أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.
٢ - يُوجِبُ صِدْقَ الاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ ، لِأَنَّك إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ صَدَقَ اعْتِمَادُكَ عَلَى اللهِ.
٣ - أَنَّهُ يُوجِبُ لِلقَلْبِ الطُّمَأْنِينَةَ، حَيثُ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ.
٤ - مَنْعُ إِعْجَابِ المَرْءِ بِعَمَلِهِ إَذَا عَمِلَ عَمَلًا يُشْكَرُ عَلَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيهِ وَقَدَّرَهُ لَهُ.
٥ - عَدَمُ حُزْنِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ، لِأَنَّه مِنْ رَبِّهِ؛ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ وَرَحْمَةٍ وَحِكْمَةٍ (١).
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحَدِيد: ٢٢ - ٢٣] (٢). стр. 1036
- أَنْوَاعُ القَدَرِيَّةِ -مِمَّنْ نُصَّ عَلَيهِم-:
"القَدَرِيَّةُ المَذْمُومُونَ فِي السُّنَّةِ وَعَلَى لِسَانِ السَّلَفِ هُمْ هَؤُلَاءِ الفِرَقُ الثَّلَاثُ:
١ - نُفَاتُهُ: وُهُمُ القَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ.
٢ - وَالمُعَارِضُونَ بِهِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨] وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الشِّرْكِيَّةُ.
٣ - وَالمُخَاصِمُونَ بِهِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهُمْ أَعْدَاءُ اللهِ وَخُصُومُهُ، وَهُمُ القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ، وَشَيخُهُم إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ احْتَجَّ عَلَى اللهِ بِالقَدَرِ فَقَالَ: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] " (١) (٢).
- فَائِدَة ١: لَا يَجُوزُ الخَوضُ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ إِلَّا بِقَدْرِ ذِكْرِ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الشَّرْعِ وَلَو حَسُنَتْ نِيَّةُ الخَائِضِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّوَسُّعِ والتَّعَمُّقِ فِيهِ (٣)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا)) (٤).
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: ((لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُوَاتِيًا -أَو مُقَارِبًا- مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدَانِ وَالقَدَرِ)) (٥). стр. 1037
- فَائِدَة ٢: قُلْتُ: القَدَرُ أَصْلًا الكَلَامُ فِيهِ بِغَيرِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ هُوَ مَوضُعِ امْتِحَانٍ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: ((إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا))، وَلِحَدِيثِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَلِحَدِيثِ: ((القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ)) (١)، وَلِحَدِيثِ اسْتِشْكَالِ الأَعْرَابِيِّ بِقَولِهِ: (فَفِيمَ العَمَلُ؟!) (٢).
فَكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ القَدَرَ أَصْلُ عَرْضِهِ مُشْكِلٌ لِلبَشَرِ فِي عُقُولِهِم، لِذَلِكَ كَانَ المَطْلُوبُ هُوَ التَّسْلِيمُ بِهِ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ.
- فَائِدَة ٣: لَقَدْ جَاءَ الإِرْشَادُ النَّبَوُيُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالقَدَرِ عَلَى عِدَّةِ جَوَانِبَ مَأْمُورٍ بِهَا، وَهِيَ وَاجِبُنَا فِي مَسَائِلِ القَدَرِ:
١ - الأَمْرُ بِإِثْبَاتِ القَدَرِ؛ خَيرِهِ وَشَرِّهِ.
٢ - عَدَمُ التَّعَمُّقِ فِيهِ، وَتَرْكُ الخَوضَ فِيمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ (٣). стр. 1038
٣ - الأَمْرُ بِالعَمَلِ وَعَدَمِ الاتِّكَالِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي القَدَرِ.
٤ - جَعْلُ دُخُولِ الجَنَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى العَمَلِ.
٥ - جَعْلُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ مِنْ قَولِ الكُفَّارِ.
٦ - جَوَازُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَصَائِبِ، كَمَا فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ وَسُورَةِ الحَدِيدِ (١)، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: ((وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ)) (٢).
- فَائِدَة ٤: فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ((كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ؛ حَتَّى العَجْزِ وَالكَيسِ)) (٣)، وَعَلَيهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ العَاجِزُ؛ وَإِنَّمَا المُقَصِّرُ.
وَالمَعْنَى أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِهُ طَاقَتُهُ وَقُدْرَتُهُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ؛ فَمَنْ رَامَ تَكْلِيفَهُ مَا لَا يُطِيقُ -وَإِنْ كَانَ غَيرُهُ يُطِيقُهُ- فَعَجَزَ عَنْهُ وَقَصُرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ! وَإِنَّمَا يُلَامُ الَّذِي كَلَّفَهُ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ، وَمَفَادُ ذَلِكَ أَنَّ العَجْزَ وَالضَّعْفَ كَمَا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الخَلْقِ وَالقُوَّةِ وَالطُّولِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهُوَ أَيضًا يَكُونُ فِي الفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالحِفْظِ وَالاجْتِهَادِ؛ فَكُلُّهُ مُقَدَّرٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّنَا القَائِلُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
- فَائِدَة ٥: الأَجَلُ وَالرِّزْقُ بِقَدَرٍ؛ مَقَادِيرُهُا وَأَسْبَابُهَا -حَلَالًا كَانَتْ أَوْ حَرَامًا-.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: "وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مَاتَ بِأَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ стр. 1039
مَنْ قُتِلَ قُتِلَ بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ الأَرْزَاقَ مِنْ قِبَلِ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ يَرْزُقُهَا عِبَادَهُ -حَلَالًا كَانَتْ أَمْ حَرَامًا" (١).
- فَائِدَة ٦: مُنَاقَشَةٌ حَولَ أَوَّلِ خَلْقِ اللهِ؛ بَينَ القَلَمِ وَالعَرْشِ
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، وَأَنَّ القَلَمَ لَيسَ أَوَّلَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ! لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ)) (٢) وَهَذَا وَاضِحٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ أَنَّ خَلْقَ القَلَمِ بَعْدَ خَلْقِ العَرْشِ" (٣).
وَفِي المَنْظُومَةِ النُّونِيَّةِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀:
"وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي القَلَمِ الَّذِي … كُتِبَ القَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ
هلْ كَانَ قَبْلَ العَرْشِ أَو هُوَ بَعْدَهُ … قَولَانِ عِنْدَ أَبِي العَلَا الهَمَذَانِي
وَالحَقُّ أنَ العرْشَ قَبْلُ لأَنَّهُ … قَبْلَ الكِتَابَةِ كَانَ ذَا أرْكَانِ".
قُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّوجِيهِ صَحِيحٌ أَنَّ العَرْشَ يَكُونُ سَابِقًا لِلقَلَمِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْنِي أَنَّهُ سَبْقٌ مُطْلَقٌ؛ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مُطْلَقًا!
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ ((إِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى القَلَمُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ شَيءٍ يَكُونُ)): "فِي الحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ стр. 1040
مَا يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ -حَتَّى صَارَ ذَلِكَ عَقِيدَةً رَاسِخَةً فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْهُم- وَهُوَ أَنَّ النُّورَ المُحَمَّدِيَّ هُوَ أَولُ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎! وَلَيسَ لِذَلِكَ أَسَاسٌ مِنَ الصِّحَّةِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ غَيرُ مَعْرُوفٍ إِسْنَادُهُ، وَلَعَلَّنَا نُفْرِدُهُ بِالكَلَامِ في الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَفِيهِ رَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ العَرْشَ هُوَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ! وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَإِنَّمَا يَقُولُ بِهِ مَنْ قَالَهُ كَابْنِ تَيمِيَّةَ وَغَيرِهِ اسْتِنْبَاطًا وَاجْتِهَادًا، فَالأَخْذُ بِهَذَا الحَدِيثِ -وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى- أَولَى لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي المَسْأَلَةِ، وَلَا اجْتِهَادَ فِي مَورِدِ النَّصِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَتَأْويلُهُ بِأَنَّ القَلَمَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ العَرْشِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا التَّأْويلِ لَو كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ العَرْشَ أَوَّلُ المَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا -وَمِنْهَا القَلَمُ-، أَمَا وَمِثْلُ هَذَا النَّصِّ مَفْقُودٌ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّأْوِيلُ" (١).
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا الكَلَامِ الأَخِيرِ تَكُونُ جُمْلَةُ ((وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ)) اسْتِئْنَافِيَّةً، فِيهَا عَطْفُ إِخْبَارٍ وَلَيسَ عَطْفُ زَمَانٍ.
وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٧ - ٩]، فَهُنَا أَخَّرَ ذِكْرَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ أَنَّهُ بَينَهُمَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَتَنَاسَبَ ذِكْرُ الأَطْوَارِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِنْسَانُ فِي تَكْوِينِهِ، وَهِيَ الطَّينُ ثُمَّ المَاءُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. стр. 1041
- فَائِدَة ٧: فِي بَيَانِ وَجْهِ كَونِ القَدَرِيَّةِ مَجُوسًا!
قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀: "إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ! وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا، وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا. هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀" (١).
قُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقِينَ كُثُرَ بِعَدَدِ الفَاعِلِينَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ! стр. 1042
المُلْحَقُ التَّاسِعُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مَسَائِلُ فِي الإِيمَانِ بِالقَدَرِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ مِنْ مَعْنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ تَرْكُ العَمَلِ وَالاتِّكَالُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟
الجَوَابُ: لَا، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:
١ - دَلِيلٌ أَثَرِيٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ وَفِي نَفْسِ الحَدِيثِ.
وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَولَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ (١)، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً))، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: ((أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآيَةَ [اللَّيل: ٥ - ٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢).
فَالحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الأَمْرِ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ، وَلَكِنْ يَكُونُ العَمَلُ стр. 1043
نَفْسُهُ سَبَبًا لِلجَنَّةِ أَو لِلنَّارِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٢].
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ؛ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ)) (١).
٢ - دَلِيلٌ نَظَرِيٌّ: أَنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ العَاصِي: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ أَنَّ اللهَ كَتَبَكَ مُسِيئًا؟ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ الإِسَاءَةَ؟ فَجَوَابُهُ حَتْمًا هُوَ النَّفْيُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ اخْتَارَ ذَلِكَ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨ - ١٤٩] стр. 1044
حَيثُ جَعَلَ تَعَالَى عَدَمَ عِلْمِهِم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ حُجَّةً بِالِغَةً عَلَيهِم.
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] (١). стр. 1045
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ أَدِلَّةِ الفِرْقَتَينِ الضَّالَّتَينِ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ؟
حَيثُ كَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الأُولَى (الجَبْرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٩٦] (١).
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأَنْفَال: ١٧]، فَنَفَى اللهُ الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ حِينَ رَمَى وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ!
وَكَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ (المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَت: ٤٦] وَنَحْوِهَا مِنَ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لِلعَبْدِ إِرَادَةً وَمَشِيئَةً خَاصَّةً بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ العَامِلُ الكَاسِبُ الرَّاكِعُ السَّاجِدُ وَنَحْو ذَلِكَ.
وَقَالُوا أَيضًا: إِنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةَ الفَحْشَاءِ -بِزَعْمِهِم- إِلَى اللهِ تَعَالَى! فَمَعْصِيَةُ العَبْدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى!
الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الأُولَى:
١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هُوَ حُجَّةُ عَلَيهِم، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ العَمَلَ إِلَيهِم، وَأَمَّا كَونُ اللهِ تَعَالَى خَالِقُهُ؛ فَلِأَنَّ عَمَلَ العَبْدِ حَاصِلٌ بِإِرَادَتِهِ الجَازِمَةِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَالإِرَادَةُ وَالقُدْرَةُ مَخْلُوقَتَانِ للهِ ؛ فَكَانَ بِهِمَا الفِعْلُ مَخْلُوقًا أَيضًا للهِ تَعَالَى. стр. 1046
٢ - وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيهِم أَيضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ الرَّمْيَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، لَكِنَّ الرَّمْيَ فِي الآيَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أ- رَمْيُ الشَّيءِ المَرْمِيِّ؛ وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَضَافَهُ اللهُ إِلَيهِ.
ب- إِيصَالُ المَرْمِيِّ إِلَى أَعْيُنِ الكُفَّارِ الَّذِينَ رَمَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتُّرَابِ يَومُ بَدْرٍ فَأَصَابَ عَينَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم، وَهَذَا مِنْ فَعْلِ اللهِ، إِذْ لَيسَ بِمَقْدُورِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُوصِلَ التُّرَابَ إِلَى عَينِ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم (١) (٢). стр. 1047
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حُجَّةَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِالقَدَرِ عَلَى مَعَاصِيهِم وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَاءَ ذَلِكَ، بِمَعْنَى أَنَّهُم لَيسَ لَهُم اخْتِيَارٌ يُلَامُونَ عَلَيهِ! فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨].
٤ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ لِلعَبْدِ مَشِيئَةً مُسْتَقِلَّةً -مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِهِ-، وَلَكِنَّهَا خَاضِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩] (١).
٥ - أَنَّ القَولَ بِسَلْبِ مَشِيئَةِ وَاخْتِيَارِ العَبْدِ يُبْطِلُ الثَّوَابَ وَالعِقَابَ! وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ، وَهَذَا قَادِحٌ فِي الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ، وَقَادِحٌ فِي عَدْلِهِ تَعَالَى.
بَلْ إِنَّهُ "إِذَا كَانَ الْعُقَلَاءُ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؛ فَكَيفَ يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّ الْخَالِقِ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؟! وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا" (٢). стр. 1048
وَفي الحَدِيثِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ -بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: ((أَلَا تُصَلُّونَ؟)) فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ؛ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ شَيئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ -وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ- وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾ [الكَهْف: ٥٤] (١).
"فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِالقَدَرِ، فَإِنَّ قَولَهُ: (إِنَّمَا نُفُوسُنَا بِيَدِ اللهِ) إِلَى آخِرِهِ، اسْتِنَادٌ إِلَى القَدَرِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَمْرِ، وَهَذَا القَولُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ الأَمْرِ، بَلْ مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِهَذَا مِنْ بَابِ الجَدَلِ المَذْمُومِ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَلِهَذَا انْصَرَفَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَارِهًا لِمَقَالَتِهِ، وَتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَضَرْبُهُ فَخِذَهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ أَيضًا، وَتَعَجُّبِهِ مِنْ عَلِيٍّ كَيفَ يُعَارِضُ قَولَهُ لَهُ: ((أَلَا تُصَلُّونَ؟)) بِتِلْكَ المَقَالَةِ؟! وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ، فَلَو أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِأَمْرٍ قَالَ: إِذَا شَاءَ اللهُ فَعَلْتُهُ وَإِذَا شَاءَ لَمْ أَفْعَلْهُ! لَتَعَطَّلَتِ الأَوَامِرُ كُلُّهَا، وَسَادَ هَوَى النُّفُوسِ" (٢).
وَأَمَّا الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ:
١ - أَنَّ إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ العَبْدِ لَا يَعْنِي اسْتِقْلَالَهَا -مِنْ جِهَةِ الوُقُوعِ-! وَلَكِنَّهَا تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].
٢ - أَنَّ إِثْبَاتَ وُجُودِ شَيءٍ فِي الكَونِ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ هُوَ نَوعُ إِشْرَاكٍ بِهِ مِنْ جِهَةِ стр. 1049
تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القَدَرِيَّةَ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ (١).
٣ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ وَبِمَا سَيَكُونُ فِي المُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ أَرَادَهُ كَونًا؛ وَهَذِهِ هِيَ المَشِيئَةُ.
٤ - أَنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِنْ طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ يُنْسَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، وَهُوَ أَيضًا يُنْسَبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً، وَمَفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيءٌ عَنْ مُلْكِهِ وَإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ دَلِيلُ عَظَمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَكَمَالِ سُلْطَانِهِ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] (٢) (٣). стр. 1050
وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا مَعْرِفَةُ أَنَّ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى نَوعَانِ؛ شَرْعِيَّةٌ وَكَونِيَّةٌ؛ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
أ- مِنْ حَيثُ المَحَبَّةِ؛ الشَّرْعيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَمَّا الكَونِيَّةُ فَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا.
ب- مِنْ حَيثُ الوُقُوعِ؛ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، بِخِلَافِ الكَونِيَّةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكِلَا النَّوعَينِ مَقُرُونٌ بِالحِكْمَةِ.
وَمِثَالُ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٦)، وَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ هِيَ نَفْسُهَا المَشِيئَةُ؛ فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ.
وَمِثَالُ الشَّرْعِيَّةِ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٧]
стр. 1051
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) (١) مَعَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا كِتَابَةُ أَجَلِ الإِنْسَانِ عَ لَيهِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعُ فِي الصَّحِيحَينِ (٢) وَالَّذِي فِيهِ: ((إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ)) وَذَلِكَ فِي كَونِ الأَجَلِ مَكْتُوبًا، وَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ بَيَّنَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ؟ (٣)
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يُونُس: ٤٩]؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ كِلَا الأَمْرَينِ، فَنَقُولُ: العُمْرُ مَكْتُوبٌ؛ وَأَيضًا هُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ أَصْلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ حُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي الأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (٤). стр. 1052
٣ - أَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ لَا تُنَافِي وُجُودَ الزِّيَادَةِ أَصْلًا فِي الأَعْمَارِ تَبَعًا لِهَذَهِ الأَسْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ الخَاتِمَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَصْلًا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً ضِمْنَ هَذِهِ الكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (١). стр. 1053
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩] (١).
٤ - أَنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَوِ اللَّوحِ المَحْفُوظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ.
كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ -وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ وَيَبْكِي-: (اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَو ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً) (٢).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالجَوَابُ المُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ المَكْتُوبِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ المَكْتُوبِ.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيصٌ؛ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا стр. 1054
رَبِّ؟ فَقَالَ: (ابْنُكَ دَاوُد). قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً). قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي؟ قَالَ: (أَلْفُ سَنَةٍ). قَالَ: فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَكَتَبَ عَلَيهِ كِتَابًا وَشَهِدَتْ عَلَيهِ المَلَائِكَةُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً! قَالُوا: وَهَبْتَهَا لِابْنِك دَاوُد. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا الكِتَابَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ)). وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ وَلِدَاوُدَ عُمُرَهُ. فَهَذَا دَاوُدُ كَانَ عُمُرُهُ المَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّينَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ). وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يَكُونُ، فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ كَونِهَا وَبَعْدَ كَونِهَا؛ فَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: إنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ، وَأَمَّا اللَّوحُ المَحْفُوظُ فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَولَينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (١).
وَقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنَ الأَقْدَارِ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَهَذَا المَحْو وَالتَّغْيِيرُ فِي غَيرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَتَبَهُ قَلَمُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ تَبْدِيلٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَقَعَ فِي عِلْمِهِ نَقْصٌ أَو خَلَلٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَي اللَّوحُ المَحْفُوظُ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ؛ فَهُوَ стр. 1055
أَصْلُهَا وَهِيَ فُرُوعٌ لَهُ وَشُعَبٌ.
فَالتَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِي الفُرُوعِ وَالشُّعَبِ كَأَعْمَالِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ الَّتِي تَكتُبُهَا المَلَائِكَةُ (١)، وَيَجْعَلُ اللهُ لِثُبُوتِهَا أَسْبَابًا وَلِمَحْوِهَا أَسْبَابًا، لَا تَتَعَدَّى تِلْكَ الأَسْبَابُ مَا رُسِمَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ، كَمَا جَعَلَ اللهُ البِرَّ وَالصِّلَةَ وَالإِحْسَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَمَا جَعَلَ المَعَاصِي سَبَبًا لِمَحقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالعُمُرِ، وَكَمَا جَعَلَ أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنَ المَهَالِكِ وَالمَعَاطِبِ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَجَعَلَ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلعَطَبِ، فَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأُمُورَ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَا يُدَبِّرُهُ مِنْهَا لَا يُخَالِفُ مَا قَدْ عَلِمَهُ وَكَتَبَهُ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ" (٢) (٣). следующие страницы →