Полный текст (1 328 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
بَابُ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ
عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا غَايَةُ المَطَالِبِ.
الثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ صِفَةِ الوَجْهِ. стр. 982
الشَّرْحُ
- إِنَّ التَّوَسُّلَ بِالأَمْرِ العَظِيمِ فِي الشَّيءِ الحَقِيرِ هُوَ تَقْلِيلٌ لِشَأْنِهِ! فَلَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ تَعْظِيمًا لَهُ إِلَّا أَعْلَى المَطَالِبِ ألَا وَهِيَ الجَنَّةُ، فَفِي هَذَا البَابِ مُمَاثَلَةٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَبْوَابِ فِي الآدَابِ اللَّفْظِيَّةِ فِي تَعْظِيمِ جَنَابِ اللهِ تَعَالَى.
- إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عُمُومًا دَلَّتْ عَلَى:
١ - وُجُوبِ إِجَابَةِ مَنْ سُئِلَ بِاللهِ -وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي بَيَانُهُ-.
٢ - جَوَازُ أَنْ يَسْأَلَ العَبْدُ العَبْدَ بِاللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١]، وَحَدِيثِ المَلَكِ وَالثَّلَاثَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي سَبَقَ.
٣ - تَحْرِيمُ سُؤَالِ العَبْدِ لِلعَبْدِ بِوَجْهِ اللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي الحَدِيثِ.
٤ - مَنْعُ سُؤَالِ اللهِ بَوَجْهِهِ إِلَّا الجَنَّةَ، كَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ وَغَيرِهِ، وَسَيَأْتِي عَنْ عَطَاءَ ﵀ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
- البَابُ المَاضِي كَانَ الحُكْمُ فِيهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى المَسْئُولِ، وُهُنَا الحُكْمُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى السَّائِلِ.
- قَولُهُ: ((لَا يُسْأَلُ)) هَذَا نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ هُنَا مُتَضَمِّنٌ للنَّهْي.
- الحَدِيثُ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ، وَلَكِنَّ النَّهيَ عَنِ السُؤَالِ بِوَجْهِ اللهِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا صَحِيحٌ، لحَدِيثِ: ((مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ الله ثُمَّ مَنَعَ
стр. 983
سَائِلَهُ؛ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا)) (١) (٢).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "فَائِدَةٌ: فِي الحَدِيثِ (٣) تَحْرِيمُ سُؤَالِ شَيءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيمِ عَدَمِ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِهِ تَعَالَى.
قَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى النَّسَائِيِّ: (الذِي يَسْأَلُ بِاللهِ) عَلَى بِنَاءِ الفَاعِلِ، أَي: الَّذِي يَجْمَعُ بَينَ القُبْحَتَينِ، أَحَدِهِمَا: السُّؤَالُ بِاللهِ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الإِعْطَاءِ لِمَنْ يُسْأَلُ بِهِ تَعَالَى، فَمَا يُرَاعِي حُرْمَةَ اسْمِهِ تَعَالَى فِي الوَقْتَينِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا جَعْلُهُ مَبْنِيًّا لِلمَفْعُولِ فَبَعِيدٌ؛ إِذْ لَا صُنْعَ للعَبْدِ فِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُ بِاللهِ، فَلَا وَجْهَ لِلجَمْعِ بَينَهُ وَبَينَ تَرْكِ الإِعْطَاءِ فِي هَذَا المَحَلِّ.
قُلْتُ [الأَلْبَانِيُّ]: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ عَدَمِ الإِعْطَاءِ لِمَنْ يَسْأَلُ بِهِ تَعَالَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ المُتَقَدِّمَين: ((وَمَنْ سَأَلَكُم بِاللهِ فَأَعْطُوهُ))، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ السُّؤَالِ بِهِ تَعَالَى حَدِيثُ: ((لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهَ إِلَّا الجَنَّةَ)) وَلَكِنَّهُ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ كَمَا بَيَّنَهُ المُنْذِرِيُّ وَغَيرُهُ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ يَشْهَدُ لَهُ (٤)، فَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ стр. 984
وُجُوبُ الإِعْطَاءِ لِمَنْ سَأَلَ بِهِ تَعَالَى -كَمَا تَقَدَّمَ- فَسُؤَالُ السَّائِلِ بِهِ؛ قَدْ يُعَرِّضُ المَسْؤُولَ لِلوُقُوعِ فِي المُخَالَفَةِ وَهِيَ عَدَمُ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ مَا سَأَلَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ فَتَأَمَّلْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ أَو بِالقُرْآنِ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوُجُوبُ الإِعْطَاءِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ المَسْؤُولُ قَادِرًا عَلَى الإِعْطَاءِ وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهِ أَو بِأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (١).
- قُلْتُ: يَشْهَدُ لِعُمُومِ المَنْعِ مِنَ سُؤَالِ المَخْلُوقِ بِوَجْهِ اللهِ حَدِيثُ: ((مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ؛ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا)) -وَقَدْ سَبَقَ-.
وَيَشْهَدُ لِاسْتِثْنَاءِ سُؤَالِ الخَالِقِ بِوَجْهِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ -وَمَا يُؤَدِّي إِلَيهِ مِنَ أَمْرِ الدُّنْيَا- حَدِيثُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأَنْعَام: ٦٥] قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ))، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ))، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((هَذَا أَهْوَنُ؛ أَو هَذَا أَيسَرُ)) (٢).
فَحَدِيثُ البَابِ صَحِيحُ المَعْنَى؛ إِلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ قَيدًا وَهُوَ: أَنْ لَا يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةَ، وَهَذَا الحَصْرُ يُوَافِقُ مَا سَبَقَ مِنْ لَفْظِ الحَدِيثِ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)) فِي دَفْعِ العَذَابِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ طَلَبَ ضِدِّهِ وَهُوَ طَلَبُ النَّجَاةِ إِلَى الجَنَّةِ بِسَلَامٍ. стр. 985
- فَائِدَة ١: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ أَو بِالقُرْآنِ شَيءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا (١).
- فَائِدَة ٢: للهِ تَعَالَى صِفَةُ الوَجْهِ -كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ-، وَلَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِيهِ.
قَالَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀: "فَنَحْنُ -وَجَمِيعُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَاليَمَنِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ- مَذْهَبُنَا: أَنَّا نُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، نُقِرُّ بِذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا، وَنُصَدِّقُ ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا؛ مِنْ غَيرِ أَنْ نُشَبِّهَ وَجْهَ خَالِقِنَا بِوَجْهِ أَحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، عَزَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ يُشَبَّهَ بِالمَخْلُوقِينَ! وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ مَقَالَةِ المُعَطِّلِينَ! وَعَزَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا كَمَا قَالَهُ المُبْطِلُونَ! لأَنَّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ عَدَمٌ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الجَهْمِيُّونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ صِفَاتِ خَالِقِنَا الَّذِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢). стр. 986
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَالَ بَعْضُهُم: وَجْهُ اللهِ؛ المُرَادُ بِهِ القِبْلَةُ (١) أَوِ الجِهَةُ أَوِ الثَّوَابُ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ (٢)، وَلَيسَ للهِ تَعَالَى وَجْهٌ حَقِيقِيٌّ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
الصَّوَابُ أنَّهُ وَجْهٌ للهِ حَقِيقِيٌّ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَن: ٢٧)، فَإِذَا كَانَ الوَجْهُ مَوصُوفًا بِالجَلَالِ وَالإِكْرَامِ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّوَابُ أَوِ الجِهَةُ!
قُلْتُ: إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَعْني أَنَّهُ قَد لَا يَأْتِي بِمَعْنَى الثَّوَابِ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ!
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ رَدِّهِ فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ: "فَأَحْضَرَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ كِتَابَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلبَيهَقِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَقَالَ: هَذَا فِيهِ تَأْوِيلُ الوَجْهِ عَنِ السَّلَفِ، فَقُلْتُ: لَعَلَّك تَعْنِي قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥) فَقَالَ: نَعَمْ. قَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ -يَعْنِي قِبْلَةَ اللهِ-! стр. 987
فَقُلْتُ: نَعَمْ: هَذَا صَحِيحٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيرِهِمَا، وَهَذَا حَقٌّ، وَلَيسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ! وَمَنْ عَدَّهَا فِي الصِّفَاتِ فَقَدْ غَلِطَ كَمَا فَعَلَ طَائِفَةٌ؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى المُرَادِ حَيثُ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وَالمَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ الجِهَاتُ، وَالوَجْهُ هُوَ الجِهَةُ، يُقَالُ: أَيُّ وَجْهٍ تُرِيدُهُ؟ أَي: أَيُّ جِهَةٍ، وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الوَجْهَ؛ أَي: هَذِهِ الجِهَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البَقَرَة: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أَي: تَسْتَقْبِلُوا وَتَتَوَجَّهُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ" (١). стр. 988
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ إِجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَط وَلَيسَ لِلتَّحْرِيمِ! اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)) (١)، فَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجِبْ طَلَبَهُ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ الحَدِيثَ السَّابِقَ لَيسَ فِيهِ السُّؤَالُ بِاللهِ أَصْلًا! وَإِنَّمَا فِيهِ القَسَمُ بِاللهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ جِهَةِ إِظْهَارِ التَّعْظِيمِ بِإِبْرَارِهِ وَلَكِنْ فَرْقٌ بَينَهُمَا (٢). стр. 989
٢ - أَنَّ امْتِنَاعَ النَّبِيِّ ﷺ قَد يَكُونُ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ أَو فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي تَفْسِيرُهُ وَذِكْرُهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي فَوَائِدِ الحَدِيثِ: "وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَارُ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ" (١).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا تُعَبَّرُ، وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ رِجْلَهُ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَضَعُهَا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا نَاصِحًا أَو عَالِمًا)) (٢).
٣ - قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ -الأَقْرَعِ وَالأَبْرَصِ وَالأَعْمَى- بَيَانُ أَنَّ السَّخَطَ وَقَعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُجِبْ سُؤَالَ المَلَكِ بِاللهِ، وَالَّذِي فِيهِ: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي)) فَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيسَ فَقَط لِلكَرَاهَةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (٣).
٤ - أَنَّ أَلْفَاظَ أَحَادِيثِ النَّهْي هُنَا لَا تَقْبَلُ الحَمْلَ عَلَى الكَرَاهَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ)) (٤)، وَكَمَا فِي مَنْ مَنَعَ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللهَ؛ فَقَالَ فِي حَقِّهِ ﵊: ((مَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ))، وَقَدْ سَبَقَ. стр. 990
بَابُ مَا جَاءَ فِي الـ (لَو)
وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].
وَقَولِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٨].
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا؛ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا! وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ "لَو" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ)) (١). стр. 991
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَينِ فِي آلِ عِمْرَانَ.
الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنْ قَولٍ: (لَو) إِذَا أَصَابَكَ شَيءٌ.
الثَّالِثَةُ: تَعْلِيلُ المَسْأَلَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ.
الرَّابِعَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الكَلَامِ الحَسَنِ.
الخَامِسَةُ: الأَمْرُ بِالحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُ مَعَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ.
السَّادِسَةُ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ؛ وَهُوَ العَجْزُ.
стр. 992
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ وُجُوبُ الاسْتِسْلَامِ لِلقَضَاءِ وَالقَدَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ.
- لَمْ يَجْزِمِ المُصَنِّفُ بِحُكْمِ قَولِ: (لَو) لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الحَامِلِ عَلَيهَا.
- قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٦ - ١٦٨].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أَي: لَو كَانَ لَنَا فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ رَأْيٌ وَمَشُورَةٌ ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ وَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُم وَتَكْذِيبٌ بِقَدَرِ اللهِ! وَتَسْفِيهٌ مِنْهُم لِرَأْي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَأْي أَصْحَابِهِ! وَتَزْكِيَةٌ مِنْهُم لِأَنْفُسِهِم! فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الَّتِي هِيَ أبَعْدُ شَيءٍ عَنْ مَظَانِّ القَتْلِ ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ
стр. 993
كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.
- قَولُهُ: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ قِيلَ: فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: فِي الدِّينِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ المُنَافِقِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِالإِسْلَامِ، وَلَو قِيلَ: إِنَّهُ شَامِلٌ لِلأَمْرَينِ؛ لَكَانَ صَحِيحًا.
- حَدِيثُ البَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ قَولِ: (لَو) أَو (لَيتَ) وَمَا شَابَهَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ وَالنِّقْمَةِ عَلَى القَدَرِ، وَأَمَّا اسْتِخْدَامُهَا فِي عُمُومِ الإِخْبَارِ وَالتَّمَنِّي أَوِ الحَدِيثِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى القَدَرِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "فَاسْتِعْمَالُ (لَو) يَكُونُ بِحَسْبِ الحَالِ الحَامِلِ عَلَيهَا، فَإِنْ حَمَلَ عَلَيهَا الضَّجَرُ وَالحُزْنُ وَضَعْفُ الإِيمَانِ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ أَو تَمَنِّي الشَّرِّ كَانَ مَذْمُومًا، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيهَا الرَّغْبَةُ فِي الخَيرِ وَالإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ كَانَ مَحْمُودًا، وَلِهَذَا جَعَلَ المُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ مُحْتَمِلَةً لِلأَمْرَينِ" (١).
- الوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِ إِذَا أَصَابَهُ شَيءٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيرٌ -وَلَيسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ-: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ؛ فَكَانَ خَيرًا لَهُ)) (٢).
- حَدِيثُ البَابِ أَوَّلُهُ هُوَ: ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ))، وَالقَوِيُّ هُنَا: أَي: فِي إِيمَانِهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ إِيمَانُهُ (٣): مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَالجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَالحَزْمِ فِي العِبَادَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. стр. 994
- قَولُهُ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) فِيهِ إِرْشَادٌ كَرِيمٌ إِلَى الاهْتِمَامِ بِمَا يَنْفَعُ، وَمِثْلُهُ قَولُهُ ﵊: ((فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ)) (١)، وَكَقَولِهِ: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)) (٢)، وَكُلَّمَا كَانَ النَّفْعُ أَكْبَرَ كَانَ الحِرْصُ أَكْثَرَ.
- قَولُهُ: ((وَلَا تَعْجَزَنْ)) العَجْزُ هُنَا مَعْنَاهُ التَّعَاجُرُ وَالكَسَلُ وَالإِهْمَالُ، وَلَيسَ العَجْزَ الجِسْمِيَّ! فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا عَجَزَ عَجْزًا جِسْمِيًّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَفي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ (٣).
- قَولُهُ: ((وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ)) فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عِنْدَ المَصَائِبِ (٤) الَّتِي لَا سَعْيَ لِلعَبْدِ فِيهَا.
كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٢]،
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: ١١].
خِلَافًا لِلْمَعَائِبِ وَالمَعَاصِي (٥). стр. 995
- قَولُهُ: ((فَإِنَّ "لَو" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ)) عَمَلُ الشَّيطَانِ هُنَا هُوَ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ مِنَ الحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ وَالحُزْنِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠]، وَحَتَّى فِي المَنَامِ يُرِيهِ أَحْلَامًا مُخِيفَةً لِيُحْزِنَهُ وَيُخَوِّفَهُ!
وَأَسْوَأُ مِنْهُ مَا يُلْقِيهِ فِي نَفْسِ العَبْدِ مِنْ مُدَافَعَةٍ للقَدَرِ بِالظُّنُونِ وَالأَوهَامِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ مَا تَمَّ هُوَ بِقَدَرٍ سَابِقٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْكَارِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِهِ!
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَرْبَعِ خُطُوَاتٍ عِنْدَ السَّعْي لِلحُصُولِ عَلَى المَطْلُوبِ؛ وَهِيَ:
١ - الحِرْصُ عَلَى مَا يَنْفَعُ.
٢ - الاسْتِعَانَةُ بِاللهِ.
٣ - المُضِيُّ فِي الأَمْرِ، وَالاسْتِمَرَارُ فِيهِ، وَعَدَمُ التَّعَاجُزِ، وَهُوَ التَّهَاوُنُ وَالكَسَلُ.
وَهَذِهِ المَرَاتِبُ السَّابِقَةُ كُلُّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنَ العَبْدِ مِنْ جِهَةِ سَعْيِهِ.
٤ - وَإِذَا حَصَلَ خِلَافُ المَقْصُودِ؛ فَهَذِهِ لَيسَتْ إِلَيكَ، وَإِنَّمَا تَعْزُوهَا إِلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: ((وَإِنْ أَصَابَكَ)) فَفَوَّضَ الأَمْرَ إلِى اللهِ تَعَالَى، وَأَمَرَهُ بِقَولِ: ((قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ)).
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٧] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خَصْلَةُ كُفْرٍ وَخَصْلَةُ إِيمَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ إِلَى أَحَدِهِمَا
стр. 996
أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الأُخْرَى؛ وَلَا يَكُونُ بَعْدُ كَافِرًا خَارِجًا مِنَ الإِسْلَامِ!
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀: "اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ تَتَقَلَّبُ بِهِ الْأَحْوَالُ فَيَكُونُ فِي حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ، وَفِي حَالٍ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ" (١).
- ذِكْرُ أَوجُهٍ في اسْتِعْمَالِ (لَو) -مِنْ حَيثُ عُمُومِ الاسْتِعْمَالِ- (٢):
١ - فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّرْعِ!
وَهَذَا مُحَرَّمٌ، حَيثُ اعْتَرَضَ المُنَافِقُونَ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٨].
٢ - فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى القَدَرِ!
وَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤]، أَي: قَالُوا: لَو أَنَّهُم لَمْ يَخْرُجُوا لَمَا تَعَرَّضُوا لِلقَتْلِ! فَهُم يَعْتَرِضُونَ عَلَى قَدَرِ اللهِ.
٣ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ للنَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ.
وَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، وَيَدُلُّ عَلَيهِ الحَدِيثُ فِي البَابِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَفْتَحُ النَّدَمَ عَلَيكَ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌ عَنْهُ، لِأَنَّ النَّدَمَ يُكْسِبُ النَّفْسَ حُزْنًا وَانْقِبَاضًا، وَاللهُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ فِي انْشِرَاحٍ وَانْبِسَاطٍ وَاسْتِبْشَارٍ، كَمَا سَبَقَ فِي الكَلَامِ عَلَى الفَأْلِ الحَسَنِ فِي بَابِ: مَا جَاءَ فِي الطِّيَرَةِ.
٤ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ! стр. 997
وَهَذَا مُحَرَّمٌ أَيضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النَّحْل: ٣٥] (١).
٥ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي التَّمَنِّي.
وَحُكْمُهُ بِحَسْبِ مَا تَمَنَّى؛ فَإِنْ كَانَ خَيرًا فَخَيرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ.
وَفي الحَدِيثِ فِي قِصَّةِ النَّفَرِ الأَرْبَعَةِ؛ قَالَ أَحَدُهُم: ((لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ)) أَي مِنَ الخَيرِ ((فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ)) فَهَذَا تَمَنَّى خَيرًا، وَقَالَ الثَّانِي: ((لَو أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ)) أَي مِنَ الشَّرِّ ((فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ)) (٢) (٣). стр. 998
٦ - أَنْ تُسْتَعْمَلَ عَلَى سَبِيلِ الإِخْبَارِ فَقَط.
وَهَذَا جَائِزٌ، مِثْلُ: لَو حَضَرْتَ الدَّرْسَ لَاسْتَفَدْتَ عِلْمًا، وَمِنْهُ قَولُهُ ﷺ : ((لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيتُ، وَلَولَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ)) (١).
قُلْتُ: وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ عُمُومِ اللُّغَةِ فَلَهَا أَوْجُهٌ عِدَّةٌ (٢).
- تَنْبِيهٌ: (لَو): لَيسَتْ اسْمًا؛ وَإِنَّمَا هِيَ حَرْفٌ، وَأُضِيفَتْ إِلَيهَا (الـ) التَّعْرِيفِ الخَاصَّةِ بِالأَسْمَاءِ -فِي عُنْوَانِ البَابِ- مِنْ أَجْلِ مُعَامَلَتِهَا أَثْنَاءَ الكَلَامِ كَالأَسْمَاءِ. стр. 999
بَابُ النَّهْي عَنْ سَبِّ الرِّيحِ
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيتُمْ مَا تَكْرَهُونَ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيرِ مَا فِيهَا وَخَيرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ)). صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). стр. 1000
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ.
الثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى الكَلَامِ النَّافِعِ إِذَا رَأَى الإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُ.
الثَّالِثَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا قَدْ تُؤْمَرُ بِخَيرٍ وَقَدْ تُؤْمَرُ بِشَرٍّ.
стр. 1001
الشَّرْحُ
- سَبَبُ النَّهْي عَنْ سَبِّ الرِّيحِ هُوَ أَنَّ مَسَبَّتَهَا مَسَبَّةٌ لِلآمِرِ لَهَا؛ وَهُوَ اللهُ ! حَيثُ إنَّهَا مَأْمُورَةٌ مِنْ قِبَلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّهْي عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، وهَذَا قَدْحٌ فِي التَّوحِيدِ، وَفِي الحَدِيثِ: إِنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا تَلْعَنْهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ)) (١).
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيحَ؛ فَإِنَّهَا خَلْقٌ للهِ مُطِيعٌ وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنَقْمَةً إِذَا شَاءَ" (٢).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٣].
وَأَيضًا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٢ - ٣٣].
- إِنَّ الرِّيحَ لَا تُسَبُّ وَلَا تُمْدَحُ، فَهِيَ لَا تُسَبُّ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَأَيضًا لَا تُمْدَحُ - أَي: مِنْ جِهَةِ نِسْبَةِ النِّعْمَةِ إِلَيهَا، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الإِخْبَارِ وَالوَصْفِ- لِأَنَّ فِي هَذَا تَنَقُّصًا لِلهِ ؛ وِإِسْنَادًا لِلأُمُورِ إِلَى غَيرِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: стр. 1002
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٧] ذِكْرُ قَولِ بَعْضِ السَّلَفِ: "هُوَ كَقَولِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا".
قُلْتُ: وَلَيسَ مِنْ هَذَا وَصْفُ الرِّيحِ بِمَا فِيهَا مِنْ صِفَاتٍ -أَي: مِنْ جِهَةِ الشِّدَّةِ وَاللُّطْفِ وَالتَّدْمِيرِ مَثَلًا-، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يُونُس: ٢٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحَاقَّة: ٦]، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي بَابِ: مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ (١).
- قَولُهُ: ((مِنْ خَيرِ هَذِهِ الرِّيحِ)) الرِّيحُ نَفْسُهَا فِيهَا خَيرٌ وَفِيهَا شَرٌّ، فَقَدْ تَكُونُ عَاصِفَةً تَقْلَعُ الأَشْجَارَ، وَتَهْدِمُ الدِّيَارَ، وَتُفِيضُ البِحَارَ وَالأَنْهَارِ، وَقَدْ تَكُونُ هَادِئَةً تُبْرِدُ الجَوَّ وَتُكْسِبُ النَّشَاطَ.
- قَولُهُ: ((وَخِيرِ مَا فِيهَا)) أَي: مَا تَحْمِلُهُ، لِأَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ خَيرًا؛ كَتَلْقِيحِ النَّبَاتِ، وَقَدْ تَحْمِلُ رَائِحَةً طَيِّبَةَ الشَّمِّ، وَقَدْ تَحْمِلُ شَرًّا، كَإِزَالَةِ لِقَاحِ النَّبَاتِ، وَأَمْرَاضٍ تَضُرُّ الإِنْسَانَ وَالبَهَائِمَ.
- قَولُهُ: ((وَخَيرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ)) أَي: مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ لَهَا.
قُلْتُ: فِي تَوجِيهِ الفَرْقِ بَينَ الجُمْلَةِ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ: أَنَّ الخَيرَ فِي الجُمْلَةِ الأُولَى هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقُومُ بِهِ الرِّيحُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ الخَيرِ فِيهَا مَآلًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. стр. 1003
- الرِّيحُ مَأْمُورَةٌ؛ قَدْ تُؤْمَرُ بِخَيرٍ وَقَدْ تُؤْمَرُ بِشَرٍ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ رَوحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَالعَذَابِ، وَلَكِنْ سَلُوا اللهَ مِنْ خَيرِهَا وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا)) (١):
١ - فَالخَيرُ هَوَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٧].
وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحِجْر: ٢٢].
٢ - وَالشَّرُّ هُوَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهَا: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذَّارِيَات: ٤١ - ٤٢] (٢).
وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القَمَر: ١٩ - ٢٠] (٣).
وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى стр. 1004
أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ (١)! إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيمًا أَو رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الغَيمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ! فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَومٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَومٌ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأَحْقَاف: ٢٤])) (٢) (٣).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ المَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوتِ مُنَافِقٍ))، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ؛ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ المُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ (٤). стр. 1005
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ الذِّكْرِ المَشْرُوعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الرِّيحِ، وَأَيضًا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: كَانَ إِذَا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَاقِحًا؛ لَا عَقِيمًا)) (١) (٢).
وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَبْصَرْنَا شَيئًا فِي السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّحَابَ- تَرَكَ عَمَلَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ))، فَإِنْ كَشَفَهُ اللهُ حَمِدَ اللهَ، وَإِنْ مَطَرَتْ؛ قَالَ: ((اللَّهُمَّ سَقْيًا نَافِعًا)) (٣).
- فَائِدَةٌ: "فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ قَدْ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَقَدْ تَأْتِي بِالعَذَابِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَهُمَا إِلَّا بِالرَّحْمَةِ وَالعَذَابِ، وَأَنَّهَا رِيحٌ وَاحِدَةٌ لَا رِيَاحٌ، فَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا)) (٤) فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ" (٥).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٨]: "هَذِهِ الآيةُ فِيهَا عِدَّةُ قِرَاءَاتٍ: أَوَّلًا: (الرِّيَاحُ) فِيهَا قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ المُفَسِّرَ ﵀ (٦) إِذَا قَالَ: (وَفِي قِرَاءَةٍ) فَهِيَ سَبْعِيَّةٌ، وَإِذَا قَالَ: (وَقُرِئَ) فَهِيَ شَاذَّةٌ، فَفِيهَا قِرَاءَتَانِ: (الرِّيَاحُ) стр. 1006
وَ (الرِّيحُ)، وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّ مَا اشْتُهِرَ مِن قَوْلِهِم: إِنَّ (الرِّيحَ) لَا تَكُونُ إِلَّا فِي العَذَابِ؛ وَ (الرِّيَاحُ) تَكُونُ فِي الرَّحْمَةِ! لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُؤْتَى بِالرِّيحِ مُفْرَدًا فِي رِيحِ الرَّحْمَةِ؛ لَكِنَّهُ لَهُ قَرِينَةٌ، فَهُنَا لَمَّا قَالَ: ﴿بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾ عَرَفْنَا أَنَّهَا رِيحُ رَحْمَةٍ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ [يونس: ٢٢] مَاذَا بَعْدَهَا؟ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ هَذِهِ رِيحُ رَحْمَةٍ؛ لَكِنَّهَا وُصِفَتْ، فَأَمَّا عِنْدَ الإِطْلَاقِ؛ فَالغَالِبُ أَنَّ الرِّيحَ لِلْعَذَابِ" (١). стр. 1007
بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤].
وَقَولِهِ: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفَتْحِ: ٦].
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي الآيَةِ الأُولَى: "فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ! وَفُسِّرَ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ!
فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ القَدَرِ وَإِنْكَارٍ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ وَأَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ فِي سُورَةِ الفَتْحِ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوء؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ غَيرِ مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ.
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدِيلُ البَاطِلَ عَلَى الحَقِّ إِدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا الحَقُّ! أَو أَنْكَرَ أَنَّ مَا جَرَى بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ! أَو أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَرُهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيهَا الحَمْدَ؛ بَلْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ! فَـ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيرِهِمْ! وَلَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَمُوجَبَ (١) حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ. стр. 1008
فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ، وَلْيَسْتَغْفِرْهُ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوءِ.
وَلَو فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَّ لَرَأَيتَ عِنْدَهُ تَعَنُّتًا عَلَى القَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ! وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا! فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ؟
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ .... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ (١) نَاجِيًا". стр. 1009
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِبَابِ (النَّهْيُ عَنْ ظَنِّ السُّوءِ بِاللهِ تَعَالَى).
- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ: أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ هُوَ مِنْ وَاجِبَاتِ التَّوحِيدِ، وَسُوءَ الظَّنِّ بِاللهِ يُنَافِي التَّوحِيدَ (١)، وَفي الحَدِيثِ: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ) (٢).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ كَمَا فِي سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفَتْح: ١٢]، وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ المُشْرِكِينَ لَمَّا ظَهَرُوا تِلْكَ السَّاعَةِ ظَنُّوا أَنَّهَا الفَيصَلَةُ، وَأَنَّ الإِسْلَامَ قَدْ بَادَ وَأَهْلَهُ.
- إِنَّ ظَنَّ السَّوءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنَافِقُونَ هُوَ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ:
١ - أَنَّ اللهَ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَإِنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ!
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ إِرْسَالَ الرَّسُولِ ﵊ عَبَثٌ وَسَفَهٌ! فَمَا الفَائِدَةُ مِنْ أَنْ يُرْسَلَ رَسُولٌ وَيُؤْمَرَ بِالقِتَالِ وَإِتْلَافِ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ؛ ثُمَّ تَكُونَ النَّتِيجَةُ أَنْ يَضْمَحِلَ أَمْرُهُ وَيُنْسَى؟! فَهَذَا ظَنُّ سَوءٍ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَا سِيَّمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الَّذِي هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ شَرِيعَتَهُ سَوفَ تَبْقَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. стр. 1010
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصَّف: ٩]، وَهَذَا الظَّنُّ أَيضًا تَكْذِيبٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غَافِر: ٥١]، وَلَا رَيبَ أَنَّ التَّكْذِيبَ لِوَعْدِ اللهِ كُفْرٌ.
٢ - أَنَّ مَا أَصَابَهُم لَمْ يَكُنْ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ! فَهُوَ إِنْكَارٌ لِلقَدَرِ، وَهَذَا رَدٌّ لِرُكْنِ الإِيمَانِ السَّادِسِ.
٣ - إِنْكَارُهُم لِلحِكْمَةِ! وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ وَضَلَالٌ، فَمَنْ أَنْكَرَهَا كَفَرَ بِاسْمِ اللهِ الحَكِيمِ، وَمَنْ أَوَّلَهَا فَقَدْ ضَلَّ.
- لَا يَسْلَمُ مِنْ ظَنِّ السَّوءِ بِاللهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ؛ تَأَمُّلُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى: ((يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَأَمَّا الدِّينَ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيهِ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ)) (١)، فَلَيسَ حُصُولُ الخَيرَاتِ أَوِ المَصَائِبِ دَلِيلًا عَلَى المَحَبَّةِ أَو عَلَى البُغْضِ وَالكَرَاهَةِ! وَإنَّمَا هُوَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ، فَقَدْ يَبْتَلِي اللهُ مَنْ يُحِبُّهُ بما يَسُوءُهُ، وَقَدْ يُنْعِمُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٨].
وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفَجْر: ١٥ - ١٧]. стр. 1011
وَكَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ -وعَادَ مَرِيضًا فِي كِنْدَةَ-، فلمَّا دَخلَ عَليهِ قَال: (أَبشِر فِإنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يَجَعَلُهُ اللهُ لَه كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا، وإِنَّ مَرَضَ الفَاجِرِ كَالبَعِيرِ! عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُم أَرْسَلُوهُ؛ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ؟) (١).
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (٢):
"فَلَا تَجْزَعْ وَإِنْ أَعْسَرْتَ يَومًا … فَقَدْ أَيسَرْتَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ
وَلَا تَيأَسْ؛ فَإِنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ … لَعَلَّ اللهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلِ
وَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوءٍ … فَإِنَّ اللهَ أَولَى بِالجَمِيلِ" (٣).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٤): يَعْنِي: أَنَّ دَائِرَةَ العَذَابِ تَدُورُ عَلَيهِم، وَأَنَّ السُّوءَ مُحِيطٌ بِهِم جَمِيعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا تُحِيطُ الدَّائِرَةُ بِمَا فِي جَوفِهَا.
- اسْمُ اللهِ تَعَالَى (الحَكِيمُ) مُشْتَمِلٌ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى:
١ - حَكِيمٌ بِمَعْنَى حَاكِمٌ.
٢ - حَكيمٌ بِمَعْنَى مُحْكِمٌ لِلأُمُورِ. стр. 1012
٣ - حَكِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ذُو الحِكْمَةِ البَالِغَةِ، وَكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى فَهُوَ لِحِكْمَةٍ، وَنَحْنُ قَدْ نَعْلَمُهَا وَقَدْ لَا نَعْلَمُهَا.
- الأَصْلُ فِي الظَّنِّ: أَنَّهُ الاحْتِمَالُ الرَّاجِحُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى اليَقِينِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ [البَقَرَة: ٤٦] أَي: يَتَيَقَّنُونَ، وَضِدُّ الرَّاجِحِ: المَرْجُوحُ، وَيُسَمَّى وَهْمًا (١).
وَظَنُّ المَنَافِقِينَ هُوَ ظَنُّ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ قَدْرَ اللهِ وَعَظَمَتَهُ، فَهُوَ ظَنٌّ بَاطِلٌ مبْنِيٌّ عَلَى الجَهْلِ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٤]: الكِتَابَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى نَوعَانِ: شَرْعِيَّةٌ وَكَونِيَّةٌ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا أَنَّ الكَونِيَّةَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا -وَعَلَيهَا تُحْمَلُ الكِتَابَةُ هُنَا-.
أَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَقَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، وَهِيَ مَحْبُوبَةٌ دَومًا مِنَ اللهِ تَعَالَى (٢).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أَي: يَخْتَبِرَ مَا فِي صُدُورِكُم стр. 1013
مِنَ الإِيمَانِ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَالإِيمَانِ بِحِكْمَتِهِ، فَيَخْتَبِرَ مَا فِي قَلْبِ العَبْدِ بِمَا يُقَدِّرُهُ عَلَيهِ مِنَ الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَنْ اسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَي: إِذَا حَصَلَ الابْتِلَاءُ فَقُوبِلَ بِالصَّبْرِ صَارَ فِي ذَلِكَ تَمْحِيصٌ لِمَا فِي القَلْبِ، أَي: تَطْهِيرٌ لَهُ وَإِزَالَةٌ لِمَا يَكُونُ قَدْ عَلقَ بِهِ مِنْ بَعْضِ الأُمُورِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي.
وَقَدْ حَصَلَ الابْتِلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا نَدَبَهُم الرَّسُولُ ﷺ لِلخُرُوجِ حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٢] خَرَجُوا إِلَى (حَمْرَاءَ الأَسَدِ) وَلَمْ يَجِدُوا غَزْوًا فَرَجَعُوا، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٤].
- (ابْنُ القَيِّمِ): هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سَعْدٍ الزَّرْعِيُّ؛ الدِّمَشْقِيُّ؛ أَبْو عَبْدِ اللهِ؛ شَمْسُ الدِّينِ؛ مِنْ أَرْكَانِ الإِصْلَاحِ الإِسْلَامِيِّ؛ وَأَحَدُ كِبَارِ العُلَمَاءِ، تَتَلْمَذَ عَلَى شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّةَ حَتَّى كَانَ لَا يَخْرُجُ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ، بَلْ يَنْتَصِرُ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ، وَسُجِنَ مَعَهُ فِي قَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَأُهِينَ وَعُذِّبَ بِسَبَبِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ مَحْبُوبًا عِنْدَ النَّاسِ، (ت ٧٥١) (١).
- قَولُهُ: "فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ" البَيتُ مَنْسُوبٌ لِلْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ التَّمِيمِيِّ؛ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). стр. 1014
- فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ: "عَلَى قَدْرِ حُسْنِ ظَنِّكَ بِرَبِّكَ وَرَجَائِكَ لَهُ؛ يَكُونُ تَوَكُّلُكَ عَلَيهِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَكُّلَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ يَدْعُوهُ إِلَى التَّوَكُّلِ عَلَيهِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ، وَلَا التَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ لَا تَرْجُوهُ! " (١).
- وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَنْقُلُ تَتِمَّةَ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀، فَقَالَ: "وَمَنْ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ؛ وَتَرْكَ الحَقَّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ؛ وَإِنَّمَا رَمَزَ إلَيهِ رُمُوزًا بَعِيدَةً؛ وَأَشَارَ إلَيهِ إِشَارَاتٍ مُلْغزَةً لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَصَرَّحَ دَائِمًا بِالتّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَالبَاطِلِ؛ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُتْعِبُوا أَذْهَانَهُمْ وَقُوَاهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى غَيرِ تَأْوِيلِهِ؛ وَيَتَطّلَبُوا لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِمَالَاتِ المُسْتَكْرَهَةِ وَالتَّأْوِيلَاتِ -الَّتِي هِيَ بِالأَلْغَازِ وَالأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهَا بِالكَشْفِ وَالبَيَانِ- وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ لَا عَلَى كِتَابِهِ؛ بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ خِطَابِهِمْ وَلُغَتِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُصَرِّحَ لَهُمْ بِالحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي التّصْرِيحُ بِهِ وَيُرِيحَهُمْ مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي تُوقِعُهُمْ فِي اعْتِقَادِ البَاطِلِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ! بَلْ سَلَكَ بِهِمْ خِلَافَ طَرِيقِ الهُدَى وَالبَيَانِ! فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السّوءِ.
فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: إنّهُ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ الحَقِّ بِاللّفْظِ الصَّرِيحَ -الَّذِي عَبّرَ بِهِ هُوَ وَسَلَفُهُ-! فَقَدْ ظَنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْزَ،
وَإِنْ قَالَ: إنَّهُ قَادِرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ؛ وَعَدَلَ عَنِ البَيَانِ وَعَنِ التَّصْرِيحِ بِالحَقِّ إلَى مَا يُوهِمُ بَلْ يُوقِعُ فِي البَاطِلِ المُحَالِ وَالِاعْتِقَادِ الفَاسِدِ! فَقَدْ ظَنَّ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ظَنَّ стр. 1015
السَّوءِ، وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبَّرُوا عَنِ الحَقِّ بِصَرِيحِهِ دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَأَنَّ الهُدَى وَالحَقَّ فِي كَلَامِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ؛ وَأَمّا كَلَامُ اللهِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِهِ التّشْبِيهُ وَالتّمْثِيلُ وَالضَّلَالُ وَظَاهِرُ كَلَامِ المُتَهَوِّكِينَ! ظَنَّ السَّوءِ، وَمِنَ الظَّانِّينَ بِهِ غَيرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ" (١). стр. 1016
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ ظَنُّ السَّوءِ بِاللهِ بِهَذِهِ المَثَابَةِ وَالخُطُورَةِ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يُوسُف: ١١٠]!
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةث: ٢١٤]!
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأَحْزَابُ: ١٠]؟!
الجَوَابُ:
إِنَّ خَيرَ مَنْ أَفَادَنَا بِبَيَانِهِ هُوَ الإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ (القَوَاعِدُ الحِسَانُ لِتَفْسِيرِ القُرْآنِ)، وَأَنْقُلُ هُنَا هَذِهِ القاَعِدَةَ الجَلِيلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ﵀ وَفِي ضِمْنِهَا جَوَابُ السُّؤَالِ.
قَالَ ﵀:
"القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ: الأُمُورُ العَارِضَةُ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ المُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ قَدْ تَرِدُ عَلَى الحَقِّ وَعَلَى الأُمُورِ اليَقِينِيَّةِ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ.
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنِ القُرْآنِ، فَمَنْ لَمْ
стр. 1017
يُحْكِمْهَا حَصَلَ لَهُ مِنِ الغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الآيَاتِ مَا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ، وَمِنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُرُودِهَا عَلَى الحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا أَو لِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ وَالحَقِّ الصَّرِيحِ، وَتَقَابَلَ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَوَقَعَتِ الخُصُومَةُ بَينَهُمَا، فَغَلَبَ الحَقُّ البَاطِلَ، وَدَمَغَهُ فَزَهَقَ البَاطِلُ وَثَبَتَ الحَقُّ؛ حَصَلَتِ العَاقِبَةُ الحَسَنَةُ، وَزِيَادَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ، وَأَيَادٍ سَابِغَةٌ.
وَلْنُمَثَّلْ لِهَذَا بِأَمْثِلَةٍ، فَمِنْهَا:
أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِمْ أَكْمَلَ الخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ -وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الأُمَمِ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِي الرُّسُلِ مِنْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا الذُّرْوَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ- وَلَكِنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُمْ بَعْضُ الأُمُورِ المُزْعِجَةِ المُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا: مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الكُمَّلِ أَنَّ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُونَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]! وَقَدْ يَخْطُرُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلَى القُلُوبِ شَيءٌ مِنْ عَوَارِضِ اليَأْسِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي القُلُوبِ ثُمَّ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الحَالُ وَتَنْفَرِجُ الأَزْمَةُ وَيَأْتِي النَّصْرُ مِنْ قَرِيبٍ ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٤]، فَعِنْدئِذٍ يَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوعُودِهِ مِنِ الوَقْعِ وَالبِشَارَةِ وَالآثَارِ العَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يُوسُف: ١١٠] فَلِهَذَا الوَارِدِ الَّذِي لَا قَرَارَ لَهُ، وَعِنْدَمَا حَقَّتِ الحَقَائِقُ اِضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى، لَا يُنْكَرُ وَيُطْلَبُ لِلْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا! " إِلَى أَنْ قَالَ ﵀:
стр. 1018
"فَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَا رَيبَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي العِصْمَةَ! فَقَدَ غَلَطَ أَكْبَرَ غَلَطٍ، وَلَو فَهِمَ أَنَّ الأُمُورَ العَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الأُمُورِ الثَّابِتَةِ لَمْ يَقِلِ قَولاً يُخَالِفُ فِيهِ الوَاقِعُ وَيُخَالِفُ بَعْضَ الآيَاتِ وَيَطْلُبُ التَّأْوِيلَاتِ المُسْتَبْعَدَاتِ!
وَمِنْ هَذَا -عَلَى أَحَدِ قَولِي المُفَسِّرِينَ- قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُونُسَ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأَنْبِيَاءُ: ٨٧]، وَأَنَّهُ ظَنٌّ عَرَضَ فِي الحَالِ ثُمَّ زَالَ، نَظِيرُ الوَسَاوِسِ العَارِضَةِ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ الَّتِي يَكْرَهُهَا العَبْدُ حِينَ تَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ، وَلَكِنَّ إِيمَانَهُ وَيَقِينَهُ يُزِيلُهَا وَيُذْهِبُهَا، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ عِنْدَمَا شَكَا إِلَيهِ أَصْحَابُهُ هَذِهِ الحَالَ الَّتِي أَقْلَقَتْهُمْ مُبَشِّرًا لَهُمْ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيدَهُ إِلَى الوَسْوَسَةِ)) (١)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا صَرِيحُ الإِيمَانِ.
وَيُشْبِهَ هَذَا: العَوَارِضُ الَّتِي تَعْرِضُ فِي إِرَادَاتِ الإِيمَانِ لِقُوَّةِ وَارِدٍ مِنْ شَهْوَةٍ أَو غَضَبٍ، وَأَنَّ المُؤَمَّنَ الكَامِلَ الإِيمَانِ قَدْ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ هَمٌّ وَإِرَادَةٌ لِفِعْلِ بَعْضِ المَعَاصِي الَّتِي تُنَافِي الوَاجِبَ ثُمَّ يَأْتِي بُرْهَانُ الإِيمَانِ، وَقُوَّةُ مَا مَعَ العَبْدِ مِنِ الإِنَابَةِ التَّامَّةِ فَيَدْفَعُ هَذَا العَارِضَ.
وَمِنْ هَذَا: قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يُوسُف: ٢٤]، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَا مَعَهُ مِنِ الإِيمَانِ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَخَوفِهِ وَخَشْيَتِهِ وَرَجَائِهِ دَفَعَ عَنْهُ هَذَا الهَمَّ وَمُوجِبَهُ وَاضْمَحَلَّ، وَصَارَتْ إِرَادَتُهُ التَّامَّةُ فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ، وَلِهَذَا فَازَ بِمَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ لِقُوَّةِ إِخْلَاصِهِ وَإِيمَانِهِ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَانْتَصَرَ стр. 1019
بَعْدَ المُعَالَجَةِ الشَّدِيدَةِ مِنِ النِّسْوَةِ الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيهَا إِلَّا سَادَاتُ الخَلْقِ حَتَّى دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ مُوَاطِنِ الفِتَنِ فَقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يُوسُف: ٣٣]! وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِهِ وَيَقِفُ أَحَدَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمِ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوم لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، ((وَرَجُلٌ دَعَتْهُ اِمْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافَ اللَّهَ)) (١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَافُ: ٢٠١] يَشْمَلُ الطَّائِفَ الَّذِي يَعْرِضُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ وَالَّذِي يَعْرِضُ فِي إِرَادَتِهِ، فَإِذَا مَسَّهُمْ تَذَكَّرُوا مَا يَدْعُو إِلَى الإِيمَانِ وَوَاجِبَاتِهِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَسُنَنِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فَأَبْصَرُوا؛ فَانْدَفَعَتِ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَرَجَعَ الشَّيطَانُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ" (٢). стр. 1020
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: زَعَمَتِ المُعَطِّلَةُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالحِكْمَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأَغْرَاضِ! وَقَالُوا: إِنَّ فِعْلَهُ لِغَرَضٍ مَا يَدُلُّ عَلَى حَاجَتِهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَيهِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الحَاجَةُ وَالافْتِقَارُ! فَالحِكْمَةُ هِيَ وَضْعُ الشَّيءِ فِي مَوضِعِهِ المُنَاسِبِ لِلْغَايَةِ المَحْمُودَةِ، فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الحِكْمَةَ فِي غَيرِ مَوضِعٍ، وَأَثْبَتَ كَمَالَ غِنَاهُ وَعِزَّتَهُ؛ فَنُثْبِتُ الحِكْمَةَ وَنَنْفِي عَنْهُ النَّقْصَ وَالحَاجَةَ وَالافْتِقَارَ.
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ بِأَفْعَالِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ! وَإِنَّمَا مَنْفَعَةَ عبِادِهِ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ حِكْمَتُهُ مَعَ رَحْمَتِهِ عَنْ تَعْطِيلِ الجَاهِلِينَ-.
وَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨)، وَقَولَهُ أَيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥].
следующие страницы →