← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ: الجَهْمِيَّةُ ١ - تَعْرِيفُهَا: "هُمْ نُفَاةُ صِفَاتِ اللهِ؛ المُتَّبِعُونَ لِلصَّابِئَةِ الضَّالَّةِ" (١). ٢ - نَشْأَتُهَا: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ المَقَالَةَ فِي الإِسْلَامِ -أَعْنِي أَنَّ اللهَ لَيسَ عَلَى العَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى: اسْتَولَى وَنَحْوَ ذَلِكَ- هُوَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ (٢)،

стр. 1087

وَأَخَذَهَا عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَظْهَرَهَا؛ فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الجَهْمِيَّةِ إلَيهِ" (١). وَانْشَقَّ عَنْهَا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وَمَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ وَمَذْهَبُ المَاتُرِيدِيَّةِ. وَ"المُعْتَزِلَةُ: مِنَ القَدَرِيَّةِ، زَعَمُوا أَنَّهُم اعْتَزَلوا فِئَتَيِ الضَّلَالَةِ عِنْدَهُم: أَهْلَ السُّنَّةِ، وَالخَوَارِجَ. أَو سَمَّاهُم بِهِ الحَسَنُ (البَصْرِيُّ) لَمَّا اعْتَزَلَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ مِنْ أُسْطُوَانَاتِ المَسْجِدِ، وَشَرَعَ يُقَرِّرُ القَولَ بِالمَنْزِلَةِ بَينَ المَنْزِلَتَينِ، وَأَنَّ صَاحِبَ الكَبِيرَةِ لَا مُؤْمِنٌ مُطْلَقٌ وَلَا كَافِرٌ مُطْلَقٌ؛ بَلْ بَينَ المَنْزِلَتَينِ" (٢).

стр. 1088

وَهُمْ يُثْبِتُونَ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى مُجَرَّدَةً عَنِ الصِّفَاتِ وَالمَعَانِي، فَيَجْعَلُونَهَا أَعْلَامًا مَحْضَةً. ٣ - أَبْرَزُ بِدَعِ الجَهْمِيَّةِ: أ- نَفيُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ اللهِ تَعَالَى (١). ب- أَنَّ العَبْدَ لَيسَ لَهُ مَشِيئَةٌ، وَلَيسَ لَهُ اخْتِيَارٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى أَفْعَالِهِ! جـ- أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ. د- أَنَّ العَمَلَ لَيسَ مِنَ الإِيمَانِ؛ فَهُمْ مُرْجِئَةٌ (٢). ٤ - أُصُولُ المُعْتَزِلَةِ خَمْسَةٌ؛ هِيَ: أ- التَّوحِيدُ. وَهُوَ عِنْدَهُم نَفْيُ المُمَاثَلَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَتُنْفى الصِّفَاتُ عَنِ اللهِ تَعَالَى!! فَالصِّفَاتُ الإِلَهِيَّةُ المَقْصُودُ بِهَا عِنْدَهُم نَفْسُ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الذَّاتِ عِنْدَهُم!!

стр. 1089

ب- العَدْلُ. يَقُولُونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الفَسَادَ -وَهُوَ صَحِيحٌ بِهَذَا القَدْرِ-؛ لَكِنَّهُم يَبْنُونَ عَلَيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ عِبَادِهِ! بَلْ جَعَلَ لَهُم قُدْرَةً يَخْلِقُونَ بِهَا أَفْعَالَهُم. ج- إِنْفَاذُ الوَعِيدِ. بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوعَدَ المُرْتَكِبَ لِلكَبِيرَةِ بِالنَّارِ؛ فَسَيَخْلُدُ فِيهَا حَتْمًا وَلَا يَجْعَلُونَ عِقَابَهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ! فَلَا يُغْفَرُ لَهُ عِنْدَهُم إِلَّا إِنْ تَابَ مِنْهَا (١). د- المَنْزِلَةُ بَينَ المَنْزِلَتَينِ. وَتَعْنِي أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ فِي مَنْزِلَةٍ بَينَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ؛ فَلَيسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ. هـ- الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ. فَيَقُولُونَ بِوُجُوبِ الخُرُوجِ عَلَى الحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ وَانْحَرَفَ عَنِ الحَقِّ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَأَمَّا الخُرُوجُ عَلَيهِم وَقِتَالُهُم [أَي وُلَاةُ الأُمُورِ] فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ -وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ-! وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالفِسْقِ" (٢). ٥ - وَأَمَّا الأَشَاعِرَةُ (٣): فَيُنْسَبُونَ إِلَى أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ ﵀، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا

стр. 1090

ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِم وَصَارَ إِلَى مَذْهَبِ الكُلاَّبِيَّةِ -أَتْبَاعِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كُلاَّب، وَالَّذِي كَانَ يُثبِتُ سَبْعَ صِفَاتٍ وَيَنْفِي مَا عَدَاهَا (١) -، ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَتَرَكَ مَذْهَبَ الكُلاَّبِيَّةِ وَرَجَعَ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَقَولِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل ﵀. قَالَ الحَافٍظُ الذَّهَبِيُّ ﵀: "عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ: العَلاَّمَةُ؛ إِمَامُ المُتَكَلِّمِين؛ .. وَلَمَّا بَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ الاعْتِزَالِ كَرِهَهُ وَتبرَّأَ مِنْهُ، وَصَعِدَ لِلنَّاسِ فتَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ، ثُمَّ أَخَذَ يَرُدُّ عَلَى المُعْتَزِلَة، وَيَهْتِكُ عِوَارَهُم. قَالَ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيرَفِيُّ: كَانَتِ المُعْتَزِلَةُ قَدْ رَفَعُوا رُؤُوسَهُم؛ حَتَّى نَشَأَ الأَشْعَرِيُّ فَحَجَرَهُم فِي أَقمَاع السِّمْسِمِ. وَعَنِ ابْنِ البَاقلَانِيِّ قَالَ: أَفْضَلُ أَحْوَالِي أَنْ أَفهَمَ كَلَامَ الأَشْعَرِيِّ. قُلْتُ: رَأَيتُ لأَبِي الحَسَنَ أَرْبَعَةَ توَالِيفَ فِي الأُصُولِ؛ يَذْكُرُ فِيهَا قوَاعِدَ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الصِّفَاتِ، وَقَالَ فِيهَا: (تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ). ثُمَّ قَالَ: (وَبِذَلِكَ أَقُولُ، وَبِهِ أَدِينُ، وَلَا تُؤوَّلُ) " (٢). قُلْتُ: وَلِكنَّ مُدَّعِي اتِّبَاعِهِ بَقَوا عَلَى مَذْهَبِ الكُلَّابيَّةِ! فَغَالِبُهُم لَا يَزَالُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ الثَّانِي، وَلِذَلِكَ يُسَمَّونَ بِالأَشْعَرِيَّةِ؛ نِسْبَةً إِلَى الأَشْعَرِيِّ فِي مَذْهَبِهِ الثَّانِي -قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ-، بَلْ غَالِبُهُم اليَومَ يُنْكِرُونَ أَنَّهُ تَرَكَ مَذْهَبَ الكَلَّابِيَّةِ أَصْلًا!

стр. 1091

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: "ذَكَرُوا لِلشَّيخِ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: أَوَّلِهَا: حَالُ الاعْتِزَالِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا لَا مَحَالَةَ. وَالحَالِ الثَّانِي: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ العَقْلِيَّةِ السَّبْعَةِ، وَهِيَ: الحَيَاةُ وَالعِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ [وَهُوَ النَّفْسِيُّ]، وَتَأْوِيلُ الخَبَرِيَّةِ كَالوَجْهِ وَاليَدِينِ وَالقَدَمِ وَالسَّاقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالحَالُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ غَيرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، جَرْيًا عَلَى مِنْوَالِ السَّلَفِ، وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الإِبَانَةِ الَّتِي صَنَّفَهَا آخِرًا؛ وَشَرَحَهَا القَاضِي البَاقِلَّانِيُّ، وَنَقَلَهَا الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ بْنُ عَسَاكِر، وَهِيَ الَّتِي مَالَ إِلَيهَا البَاقِلَّانِيُّ وَإِمَامُ الحَرَمَينِ وَغَيرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ المُتَقَدِّمِينَ فِي أَوَاخِرِ قَولِهِم. وَاللهُ أَعْلَمُ" (١).

стр. 1092

بَابُ مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)). أَخْرَجَاهُ (١). وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ)) (٢). وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ؛ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) (٣). وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا؛ كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ)) (٤). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (٥).

стр. 1093

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: التَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ فِي المُصَوِّرِينَ. الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ، وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)). الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَجْزِهِمْ؛ لِقَولِهِ: ((فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَو شَعِيرَةً)). الرَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا. الخَامِسَةُ: أَنَّ اللهَ يَخْلُقُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا المُصَوِّرُ فِي جَهَنَّمَ. السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ. السَّابِعَةُ: الأَمْرُ بِطَمْسِهَا إِذَا وُجِدَتْ.

стр. 1094

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - أَنَّ التَّصْوِيرَ فِيهِ تَرْكٌ لِلأَدَبِ مَعَ اللهِ تَعَالَى. حَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ مُضَاهِيًا للهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الخَلْقِ، كَمَا فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ؛ وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) ". قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأَحْزَاب: ٥٨]: نَزَلَتْ فِي المُصَوِّرِينَ" (١). ٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) (٢). - قَولُهُ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) (مَنْ): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ؛ وَالمُرَادُ بِهِ النَّفْيُ؛ أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْي المَحْضِ. - قَولُهُ: ((يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) الخَلْقُ: يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ مَعْنَيَينِ: التَّقْدِيرُ، وَالفِعْلُ.

стр. 1095

وَالأَخِيرُ هُوَ المَقْصُودُ هُنَا. - قَولُهُ: ((فَلْيَخْلُقُوا)) اللَّامُ لِلأَمْرِ، وَلَكِنَّ المُرَادَ بِهِ التَّحَدِّي وَالتَّعْجِيزُ. - قَولُهُ: ((فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً)) الذَّرَّةُ: وَاحِدَةُ الذَّرِّ، وَهِيَ النَّمْلُ الصِّغَارُ. - قَولُهُ: ((أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً)) (أَو) لِلتَّنْوِيعِ، حَيثُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحَدِّي بِخَلْقِ الحَيَوَانِ ذِي الرُّوحِ إِلَى خَلْقِ الحَبَّةِ الَّتِي لَيسَ لَهَا رَوحٌ. - قَولُهُ: ((الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ)) (يُضَاهِئُونَ) أَي: يُشَابِهُونَ اللهَ فِي خَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، يَعْنِي: أَنَّهُم يُصَوِّرُونَ الصُّوَرَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ جَلَّ وَعَلَا -وَلَيسَ للهِ مَثِيلٌ فِي الخَلْقِ، وَلَيسَ لَهُ نَظِيرٌ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ-، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُم أَسَاءُوا الأَدَبَ مِعَ اللهِ تَعَالَى، وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُم بِمَنْزِلَةِ المُشَارِكِ للهِ جَلَّ وَعَلَا فِي صِفَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ -تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ-. - قَولُهُ: ((يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) أَي أَنَّ عَذَابَهُ يَتَضَاعَفُ بِعَدَدِ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرَهَا. - قَولُهُ: ((كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ)) أي أنه يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي كُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا حَتَّى تَكُونَ حَيَّةً، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَتَكْلِيفُهُ لَا يَنْقَطِعُ؛ فَيَسْتَمِرُّ عَذَابُهُ. - فِي قَولِهِ: ((يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) جَوَازُ إِطْلَاقِ صِفَةِ الخَلْقِ عَلَى غَيرِ اللهِ، وَلَكِنَّ الخَلْقَ مِنَ العَبْدِ هُوَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَلَيسَ بَمَعْنَى الإِيجَادِ مِنَ العَدَمِ! هَذَا مَعَ الفَارِقِ بَينَ أَنَّ خَلْقَ اللهِ تَامٌّ؛ وَخَلْقَ العَبْدِ وَتَصْوِيرَهُ نَاقِصٌ، فَهُوَ خَالٍ مِنَ الحَيَاةِ؛ سَوَاءً كَانَ المُصَوَّرُ ذَا رَوحٌ أَو لَا، وَقَد جَعَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَادِرِينَ عَلَى هَذَا التَّصْيِيرِ (١).

стр. 1096

- قَولُهُ: ((أَلَّا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا)) الصُورَةُ هُنَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ -وَهُوَ الصَّوَابُ- عَلَى أَنَّ المُحَرَّمَ هُوَ صُوَرُ الحَيَوَانِ فَقَط دُونَ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، لِمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: ((فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ)) (١). - هَذَا الطَّمْسُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الصُورَةِ، فَمَا كَانَ بِالتَّلْوِينِ وَالرَّسْمِ وَلَيسَ لَهُ ظِلٌّ؛ فَطَمْسُهُ يَكُونُ بِوَضْعِ لَونٍ آخَرَ عَلَيهِ، وَمَا كَانَ مَنْحُوتًا بِالنَّقْشِ فَيَكُونُ بِالنَّحْتِ فَوقَهُ، وَمَا كَانَ مُجَسَّمًا لَهُ ظِلٌّ؛ فَإِنَّهُ يُكْسَرُ رَأْسُهُ. وَمِمَّا يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ إِلَيهِ أَنَّهُ "لَيسَ مَعْنَى طَمْسِ الصُورَةِ -كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَوِ المُتَحَيِّلِينَ- أَنَّهُ يَجْعَلُ خَطًّا فِي عُنُقِ الصُورَةِ فَيُصْبِحَ كَالطَّوقِ! لِأَنَّ الطَّمْسَ أَنْ تُزِيلَ الرَّأْسَ إِمَّا بِقَطْعِهِ، وَإِمَّا بِتَلْطِيخِهِ وَإِخْفَائِهِ تَمَامًا" (٢). - لَمْ يُفَرِّقِ الحَدِيثُ بَينَ مَا كَانَ يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا وَبَينَ غِيرِهِ، وَلَا يَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْي إِلَّا

стр. 1097

وُفْقَ مَا اسْتَثْنَاهُ الحَدِيثُ (١). - قَولُهُ: ((وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ)) أَي: سَوَّيتَهُ بِمَا حَولَهُ مِنَ القُبُورِ، أَو جَعَلْتَهُ حَسَنًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وَلَيسَ المَعْنَى أَنْ تُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ! لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ (٢). - مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ القَبْرِ المُشْرِفِ مَعَ الصُّوَرِ أَنَّ كِلَيهِمَا قدْ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إِلَى الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي قَومِ نُوحٍ أَنَّهُم صَوَّرُوا صُوَرَ رِجَالٍ صَالِحِينَ؛ فَلَمَّا طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ عَبَدُوهَا! وَكَذَلِكَ القُبُورُ المُشْرِفَةُ قَدْ يَزْدَادُ فِيهَا الغُلُوُّ حَتَّى تُجْعَلَ أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ! - أَبُو الهَيَّاجِ: هُوَ حَيَّانُ بْنُ حُصَينٍ؛ الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، (ت ٨٠ هـ). - حُكْمُ التَصْوِير هُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ، فَهُمَا حَالَتَانِ

стр. 1098

ذَكَرَهُمَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ ﵀: "قَولُهُ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا)) قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُورَةَ لِتُعْبَدَ، وَهُوَ صَانِعُ الأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا؛ فَهَذَا كَافِرٌ، وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المَعْنَى الَّذِي فِي الحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كَافِرٌ، لَهُ مِنْ أَشَدّ العَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا العِبَادَةَ وَلَا المُضَاهَاةَ؛ فَهُوَ فَاسِقٌ صَاحِبُ ذَنْبٍ كَبِيرٍ، وَلَا يَكْفُرُ كَسَائِرِ المَعَاصِي" (١). قَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ) مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: "بَابٌ فِي شِرْطِ الشَّاهِدِ: أَمَّا ذُو حِرْفَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَمُنَجِّمٍ وَمُصَوِّرٍ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُطْلَقًا" (٢). - عُقُوبَةُ المُصَوِّرِ: ١ - أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا. ٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ فِي كُلِّ صُورَة نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. ٣ - أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ؛ وَلَيسَ بِنَافِخٍ! ٤ - أَنَّهُ فِي النَّارِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ؛ لَهُ عَينَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ

стр. 1099

إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ)) (١). ٥ - أَنَّهُ مَلْعُونٌ. كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الكَلْبِ وَكَسْبِ البَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوشِمَةَ وَالمُصَوِّرَ) (٢). جُمْلَةٌ مِنَ الفَوَائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَابِ - فَائِدَة ١: فِي الحَدِيثِ: ((الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ)) (٣). وَمِمَّا "يَشْهَدُ لَهُ قَولُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ … )) الحَدِيثُ، وَفِيهِ: ((فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ … )) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَطْعَ رَأْسِ الصُّورَةِ -أَي: التِّمْثَالَ المُجَسَّمَ- يَجْعَلُهُ كَـ لَا صُورَةٍ)) " (٤). وَعَلَيهِ فَلَو صُوِّرَ شَيءٌ مِنَ الجَسَدِ بِلَا رَأْسٍ جَازَ، بِخِلَافِ تَصْوِيرِ الرَّأْسِ وَحْدَهُ دُونَ جَسَدٍ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَنْهِيًّا عَنْهُ لِدِلَالَةِ الحَدِيثِ. وَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀: "التَّصْوِيرُ النِّصْفِيُّ لَا إِشْكَالَ عِنْدِي فِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ نَزْرٌ قَلِيلٌ إِلَى القَولِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ أَخَفَّ مِنَ الكَامِلِ لِأَجْلِ هَذَا القَولِ، وَأَمَّا أَنَا؛ فَلَا إِشْكَالَ

стр. 1100

عِنْدِي فِيهِ، لِأَنَّ الوَجْهَ هُوَ المَقْصُودُ" (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّ الصُورَةَ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا ارْتَفَعَ المَانِعُ" (٢). عِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ)) (٣). - فَائِدَة ٢: قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِيمَنْ "يَقْتَنِي الصُّوَرَ لَا لِرَغْبَةٍ فِيهَا إِطْلَاقًا؛ وَلَكِنَّهَا تَأْتِي تَبَعًا لِغَيرِهَا كَالتِي تَكُونُ فِي المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ وَلَا يَقْصِدُهَا المُقْتَنِي، وَإِنَّمَا يَقْصُدُ مَا فِي هَذِهِ المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ مِنَ الأَخْبَارِ وَالبُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الصُّوَرَ فِيهَا غَيرُ مَقْصُودَةٍ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ طَمْسُهَا بِلَا حَرَجٍ وَلَا مَشَقَّةٍ؛ فَهُوَ أَولَى" (٤). - فَائِدَة ٣: يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِالبِسَاطِ أَوِ الثَّوبِ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بِشَرْطِ طَمْسِ الوَجْهِ فِيهَا، أَو تَقْطِيعِهِ بِمَا تَذْهَبُ بِهِ مَعَالِمُ الصُورَةِ -لَاسِيَّمَا الرَّأْسَ-، وَلَا يَكْفِي كَونُهُ مُمْتَهَنًا! وَدَلَّ لِذَلِكَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: ((ادْخُلْ))، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا

стр. 1101

رُؤُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ) (١). - فَائِدَة ٤: نَفْسُ التَّصْوِيرِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ اقْتِنَاءِ الصُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ (٢). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا. وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ. وَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا

стр. 1102

أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (١) " (٢). - فَائِدَة ٥: بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ التَصْوِيرِ أَو حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ؛ فَإِنَّ مَا عَمَّ اليَومَ مِنْ دُخُولِ جِهَازِ التِّلْفَازِ وَ "الدِّشِّ" هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الأَخْطَارِ الَّتِي تُهَدِّدُ سَلَامَةَ البُيُوتِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الفِتَنِ -رُغْمَ مَا فِيهَا مِنَ الحَسَنَاتِ بِدَرَجَةٍ أَقَلَّ-، وَذَلِكَ لِتَنَوُّعِ وَسَائِلِ الإِغْرَاءِ فِيهِ لِلرَّجُلِ وَلِلمَرْأَةِ وَلِلطِّفْلِ مِنْ مَشَاهِدَ وَمَعَازِفَ، وَمَا فِيهَا مِنْ أَفْكَارٍ قَبِيحَةٍ مُسْتَورَدَةٍ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ، وَأَيضًا لِسُرْعَةِ الافْتِتَانِ بِهِ لِسُهْولَةِ تَولِيفِهِ لِلصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (٣)، لِذَلِكَ فَالأَولَى التَّخَلُّصُ مِنْهُ وَعَدَمُ احْتِوَاءِهِ أَصْلًا (٤). قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "كَمَا أَنَّنِي -بِالمُنَاسَبَةِ- أُحَذِّرُ صَاحِبَ كُلِّ بَيتٍ مِنْ أَنْ يَضَعَ فِي بَيتِهِ مِثْلَ هَذَا "الدِّشِّ" لِأَنَّهُ سَوفَ يَخْلُفُهُ بَعْدَ مَوتِهِ، فَيَكُونُ وَبَالًا عَلَيهِ

стр. 1103

فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِنِّي أَسْأَلُ وَاضِعَ "الدِّشِّ" فِي بَيتِهِ وَهُوَ يَرَى هَذِهِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي تُبَثُّ مِنْهُ؛ هَلْ هُوَ بِهَذَا نَاصِحٌ لِأَهْلِ بَيتِهِ أَو غَاشٌّ لَهُمْ؟ وَالجَوَابُ وَلَا بُدَّ: إِنَّهُ غَاشُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَلَا يَحِسُّ! لَكِنْ سَيَقُولُ: إَنَّهُ غَاشٌّ، فَأَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ قَولَ الرَّسُولِ ﷺ : ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً؛ يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ)) (١). فَأَنْتَ الآنَ إِذَا مِتَّ وَقَدْ وَضَعْتَ لِأَهْلِكَ هَذَا "الدِّشَّ" الَّذِي لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ غِشٌّ فِي البَيتِ، لِأَنَّ البَيتَ فِيهِ نِسَاءٌ، وَفِيهِ سُفَهَاءٌ صِغَارٌ؛ لَا يَتَحَاشَونَ الشَّيءَ المُحَرَّمِ! فَأَنْتَ بِهَذَا: مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ غَاٌّش لِرَعِيَّتِهِ! فَتَكُونُ أَهْلًا لِلوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ؛ وَإِلَّا فَكَيفَ يَلِيقُ بِالإِنْسَانِ أَنْ يُدَمِّرَ أَخْلَاقَهُ وَأَخْلَاقَ أَهْلِهِ؟! " (٢). - فَائِدَة ٦: اشْتُهِرَ فِي هَذَا الزَّمَنِ مَا يُسَمَّى بِالرَّسْمِ الهَزَلِيِّ "الكَارِيكَاتُورِيِّ"، وَهَذَا النَّوعُ أَشَدُّ قُبْحًا وَتَحْرِيمًا مِنْ غَيرِهِ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ بِكَونِهِ يَتَضَمَّنُ السِّخْرِيَةَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى بِتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ لِيَكُونَ مُضْحِكًا! وَفِي الحَدِيثِ: ((وَيلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَومَ، وَيلٌ لَهُ، وَيلٌ لَهُ)) (٣). - فَائِدَة ٧: تَحْرِيمُ بَيعِ الصُّوَرِ فَرْعٌ عَنْ تَحْرِيمِ نَفْسِ التَّصْوِيرِ. فَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا

стр. 1104

مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا)) فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (١). فَفِيهِ دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى تَحْرِيمِ بَيعِ صُوَرِ ذَوَاتِ الرُّوحِ عُمُومًا. قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ -فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ السَّابِقِ-: "بَابُ بَيعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا رُوحٌ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ" (٢). - فَائِدَة ٨: تَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ رَسُولَنَا الكَرِيمَ ﷺ لَا تَجِدُ لَهُ صُورَةً وَاحِدَةً لَا مَرْسُومَةً عَلى وَرَقٍ! وَلَا مَنْقُوشَةً عَلَى حَائِطٍ! وَلَا مَنْحُوتَةً مِنْ حَجَرٍ! بَلْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃! بَلْ وَلَا عَنِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ! وَلَكِنَّكَ تَجِدُ رُسُومًا وَنُقُوشًا لِلفَرَاعِنَةِ وَغَيرِهِم وَهُمْ قَبْلَهُم بِآلَافِ السَّنَوَاتِ! إِلَّا أَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ بِسَبَبِ الإِسْلَامِ وَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ حُكْمِ الإِسْلَامِ فِي التَّصْوِيرِ، وَمَعْرِفَةِ مَا كَانَتْ عَلَيهِ الأُمَمُ المَاضِيَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِسَبَبِ التَّصْوِيرِ. - فَائِدَة ٩: فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ)) (٣)، وَلَكِنَّ المَلَائِكَةَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ إِنَّمَا هِيَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَلَيسَتِ

стр. 1105

المَلَائِكَةَ الحَفَظَةَ! وَأَيضًا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَحْرُمُ مِنَ الاقْتِنَاءِ لَا لِمَا اسْتُثْنِيَ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَأَمَّا هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ؛ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَمَّا الحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيتٍ، وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتهَا. قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الكِلَابِ وَالصُّوَرِ، فَأَمَّا مَا لَيسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيدِ وَالزَّرْعِ وَالمَاشِيَةِ وَالصُورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي البِسَاطِ وَالوِسَادَةِ وَغَيرِهِمَا؛ فَلَا يَمْتَنِع دُخُولُ المَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ (١). وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الخَطَّابِيُّ، وَالأَظْهَر أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ، وَكُلِّ صُورَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الجِرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ ﷺ مِنْ دُخُولِ البَيتِ وَعَلَّلَ بِالجِرْوِ! فَلَو كَانَ العُذْرُ فِي وُجُودِ الصُورَةِ وَالكَلْبِ لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيلُ. وَالله أَعْلَمُ" (٢). قُلْتُ: وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ؛ فَإِذَا وَجَدُوا قَومًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)) (٣).

стр. 1106

وَأَيضًا -تَعْلِيقًا عَلَى تَوجِيهِ النَّوَوِيِّ ﵀ الأَخِيرِ-: وَلَكِنْ فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا -إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيدٍ أَو كَلْبَ مَاشِيَةٍ-؛ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ)) (١). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "السَّادِسُ: تَحْرِيمُ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِأَنَّهُ أَيضًا سَبَبٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ، وَهَلْ يَمْنَعُ لَو كَانَ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَو صَيدٍ؟ الظَّاهِرُ: لَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَا تَمْنَعُ أَيضًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقْتَنِي لُعَبَ البَنَاتِ، وَتَلْعَبُ بِهَا هِيَ وَرَفِيقَاتُهَا عَلَى مَرْآةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ، فَلَو كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ لَمَا أَقَرَّهَا ﷺ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (٢). قُلْتُ: وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَّجِهًا وَصَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ لِكَلْبِ الصَّيدِ وَالمَاشِيَةِ فِي البَيتِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُبِيحُوا وُفْقَ وَجْهِ اسْتِعْمَالِهِم، بِمَعْنَى أَنَّ كَلْبَ المَاشِيَةِ لَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِنَائِهِ إِدْخَالُهُ البَيتَ! وَكَذَا كَلْبُ الزَّرْعِ؛ فَكُلٌّ مَكَانُهُ فِي المَزْرَعَةِ أَو فِي البَرِّ حَيثُ الصِّيدِ لَا فِي البَيتِ! وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 1107

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) وَبَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البَقَرَة: ١١٤]، وَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأَنْعَام: ٢١] وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلًا مَا هُوَ الأَظْلَمُ؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّهَا جَمِيعَهَا مَرَدُّهَا إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى (١). ٢ - أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي الأَظْلَمِيَّةِ، أَي أَنَّهَا فِي مُسْتَوًى وَاحِدٍ فِي كَونِهَا فِي قِمَّةِ الظُّلْمِ. ٣ - أَنَّ الأَظْلَمِيَّةَ فِي النُّصُوصِ نِسْبِيَّةٌ. أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذَا بِالنِّسْبَةِ لِنَوعِ هَذَا العَمَلِ لَا فِي كُلِّ شَيءٍ. فَيُقَالُ مَثَلًا: وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مُشَابَهَةِ أَحَدٍ فِي صُنْعِهِ- مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللهِ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مَنْعِ حَقٍّ- مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي افْتِرَاءِ كَذِبٍ- مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا؟ (٢)

стр. 1108

المُلْحَقُ الحَادِي عَشَرَ: مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَصْوِيرِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا أَوجُهُ النَّهْي عَنِ التَصْوِيرِ؟ الجَوَابُ: ١ - مُضَاهَاةُ خَلْقِ اللهِ. حَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ نِدًّا للهِ تَعَالَى فِي الخَلْقِ وَالتَصْوِيرِ، وَاللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ المُصَوِّرُ، وَفي الحَدِيثِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) (١). وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الكَعْبَةِ وَرَأَى صُوَرًا، قَالَ: فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَيَقُولُ: ((قَاتَلَ اللَّهُ قَومًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ)) (٢). ٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (٣).

стр. 1109

وَتَأَمَّلْ أَكْثَرَ شِرْكِ الأُمَمِ تَجِدُهُ كَانَ بِتَصْوِيرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى. فَقَومُ نُوحٍ ﵊ نَصَبُوا أَنْصَابًا ثُمَّ عَبَدُوهَا. كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نُوح: ٢٣ - ٢٤]، قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا؛ أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِم أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (١). وَقَومُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ عَبَدُوا مَا نَحَتُوا. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦]. وَقَومُ مُوسَى ﵊ أَخْرَجَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٤٨]. وَقَومُ عِيسَى ﵊ صَوَّرُوا الصَّالِحِينَ فِي مَسَاجِدِهِم. كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ؛ فَقَالَ: ((أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ

стр. 1110

شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) (١) (٢). وَمُشْرِكُو قُرَيشٍ جَعَلُوا أَصْنَامَهُم كَذَلِكَ. كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٨]: إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصُورَة كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ-، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصُورَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ" (٣). ٣ - تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ. كَمَا فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذِكْرِ تَصْوِيرِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِصُوَرِ الصَّالِحِينَ فِي كَنَائِسِهِم، وَقَدْ سَبَقَ (٤). "قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: إِنَّمَا لَمْ تَدْخُلِ المَلَائِكَةُ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ لِأَنَّ مُتَّخِذَهَا قَدْ تَشَبَّهَ بِالكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الصُّوَرَ فِي بُيُوتِهِمْ وَيُعَظِّمُونَهَا؛ فَكَرِهَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ فَلَمْ تَدْخُلْ بَيتَهُ هَجْرًا لَهُ لِذَلِكَ" (٥). وَيَظْهَرُ مِنَ النَّهْي فِي الحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا فِي الأُمَمِ المَاضِيَةِ أَيضًا.

стр. 1111

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ((كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (١). ٤ - أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ. كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ)) (٢).

стр. 1112

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي فِيهِ: ((فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)) أَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ (١)؟ الجَوَابُ: ظَاهِرُهُ يَدُلُّ، وَلَكِنَّهُ حَقِيقَةً لَيسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ وَالحَبَّةِ وَالشَّعِيرَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحَدِّي وَذَلِكَ بِعَجْزِ المُصَوِّرِينَ عَنِ الخَلْقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ حَتَّى لِأَحْقَرِ الأَشْيَاءِ، فَخَلْقُهُم هُوَ مُجَرَّدُ تَغْيِيرٍ مِنْ شَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، فَمَهْمَا صَوَّرُوا فَتَصْوِيرُهُم نَاقِصٌ قَاصِرٌ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالحَقُّ: أَنَّهُ خِطَابُ تَعْجِيزٍ لَا تَكْلِيفٍ" (٢). ٢ - دِلَالَةُ أَحَادِيثِ النَّهْي الأُخْرَى عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ صَوَّرَ ذَاتَ الرُّوحِ مِثْلَ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسِ بِنَافِخٍ))، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) (٣). ٣ - حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: ((فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ)) (٤) مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا صَارَ التِّمْثَالُ عَلَى هَيئَةِ شَجَرَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ (٥).

стр. 1113

٤ - فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي تَجْوِيزِ مَا لَيسَ لَهُ رَوحٌ، وَهُوَ رَاوِي أَحَادِيثِ النَّهِي، وَالرَّاوِي أَدْرَى بِمَرْوِيِّهِ- كَمَا عُلِمَ فِي الأُصُولِ-. فَفِي الأَثَرِ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا)) فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (١). ٥ - أَنَّ الصُورَةَ المَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ الصُورَةُ ذَاتُ الرَّأْسِ؛ لِحَدِيثِ: ((الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ)) (٢). عِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ)) (٣).

стр. 1114

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يُلْحَقُ بِالتَّصْوِيرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ التَّصْوِيرُ الشَّمْسِيُّ (الفُوتُوغَرَافِيُّ)؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِ عَنِ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ بِأُمُورٍ هِيَ: ١ - أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ، وَلَيسَ تَصْوِيرًا! ٢ - أَنَّ أَصْلَ الصُورَةِ هَذِهِ هِيَ تَصْوِيرُ اللهِ تَعَالَى، وَالعَبْدُ إِنَّمَا هُوَ نَاسِخٌ فَقَطْ! ٣ - أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)! بِخِلَافِ الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ فَهُوَ الَّذِي يَقُومُ صَاحِبُهُ بِبَذْلِ جُهْدِهِ فِيهِ وَتَقَصُّدِ المُضَاهَاةِ. ٤ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَة المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمَ هَذَا المَقِيسِ عَلَيهِ! وَلَا قَائِلَ بِهِ. الجَوَابُ: نَعَمْ؛ يُلْحَقُ بِهِ، بَلْ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَولَى مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَا سَبَقَ هُوَ أَيضًا مِنْ أَوجُهٍ: ١ - عُمُومُ النَّهْي فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً))، فَقَولُهُ: ((صُورَةً)) نَكِرَةٌ تَعُمُّ كُلَّ الصُّوَرِ؛ فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ. ٢ - أَنَّ النَّهْيَ لَيسَ سَبَبَهُ المُضَاهَاةُ فَقَط! وَلَكِنَّهُ أَيضًا ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ (١)، وَأَيضًا لِكَونِهِ مَانِعًا لِدُخُولِ المَلَائِكَةِ إِلَى البُيُوتِ (٢)، وَأَيضًا تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَوجُهِ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ (٣).

стр. 1115

وَعَلَيهِ إِذَا انْتَفَتْ عِلَّةُ المُضَاهَاةِ -جَدَلًا- فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عِلَلٌ أُخْرَى لِلنَّهْي بَاقِيَةٌ. ٣ - دَعْوَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ! فُيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ المَعْنَى، فَإِذَا كَانَ حَبْسُ الظِّلِّ تَنْتُجُ عَنْهُ الصُورَةُ؛ فَهُوَ إِذًا تَصْوِيرٌ، وَهُوَ كَقَولِنَا عَنِ الرَّسْمِ اليَدِوِيِّ أَنَّهُ مُجَرَّدُ نَقْلٌ مِنَ الوَاقِعِ -أَوِ الخَيَالِ- إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ شَفٍّ لِلصُورَةِ المَخْلُوقَةِ إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ تَحْرِيكٍ لِلفُرْشَاةِ عَلَى اللَّوحَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا مَفَادُهُ تَغْيِيرُ الأَلْفَاظِ لِلخُرُوجِ مِنَ الأَحْكَامِ! ٤ - أَنَّ كَونَ أَصْلِ الصُورَةِ المُصَوِّرَةِ هِيَ خَلْقُ اللهِ تَعَالَى أَو صُنْعُهُ المُبَاشَرُ؛ لَا يُخْرِجُ الفَاعِلَ عَنْ كَونِهِ قَدْ أَخْرِجَ صُورَةً! فَإِنْ سُمِّيَ نَاسِخًا أَو مُصَوِّرًا فَلَا فَرْقَ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ عُمُومًا فِي الأَحَادِيثِ -كَحَدِيثِ ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي)) - وَقَدْ عُلِمَ أَصْلًا أَنَّ المُصَوِّرَ إِنَّمَا يُقَلِّدُ الصُّورَةَ المَخْلُوقَةَ للهِ تَعَالَى؟! فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِيَدِهِ رَسْمًا أَوْ بِالآلَةِ؛ فَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ عَنْ أَصْلٍ مَخْلُوقٍ مَوجُودٍ. وَعَلى كُلِّ حَالٍ؛ فَالصُورَةُ هِيَ فِعْلُ المُصَوِّرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا، أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَالصُورَةُ فِعْلُ المُصَوِّرِ (١)، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَقَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ

стр. 1116

أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ))، وَأَمَّا عُرْفًا فَصَاحِبُ دُكَّانِ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ يُسَمَّى مُصَوِّرًا. ٥ - "التَّفْرِيقُ بَينَ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ وَالتَّصْوِيرِ الفُوتُوغِرَافِيِّ؛ فَيَحْرُمُ الأَوَّلُ دَونَ الثَّانِي! ظَاهِرِيَّةٌ عَصْرِيَّةٌ وَجُمُودٌ لَا يُحْمَدُ" (١). وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاٌة لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)!! فَهُوَ عَجَبٌ مِنَ الكَلَامِ وَاللهِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ: أ- أَنَّ كَبْسَةَ الزِّرِّ هَذِهِ هِيَ عَمَلٌ لَا رَيبَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ وَسَعْيٍ، فَكَمَا أَنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الهَوِيِّ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا مِنَ العَمَلِ وَالقَصْدِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (٢). ب- أَنَّ هَذِهِ الكَبْسَةَ لَيسَتْ مُجَرَّدَةً! فَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِأَعْمَالٍ ضِمْنَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ مِنَ السَّعْي وَالجُهْدِ فِي طَرِيقِ الوُصُولِ إِلَى مَا هِيَ عَلَيهِ الآنَ، وَمُخْتَتَمَةٌ أَيضًا بِأَعْمَالِ إِخْرَاجٍ -مِنْ تَحْمِيضٍ وَطِبَاعَةٍ وَتَلْوِينٍ- فَهِيَ لَيسَتْ مُجَرَّدَ كَبْسَةِ زِرٍّ! ج- أَنَّ هَذَا المُصَوِّرَ مِنْهُ المُحْتَرِفُ وَمِنْهُ المُبْتَدِئُ، وَلَكِنْ كِلَاهُمَا -مَهْمَا قِيلَ فِي يُسْرِ عَمَلِهِ- فَهُوَ بِلَا شَكٍّ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ فِي أَفْضَلِ حَالٍ مِنَ المُضَاهَاةِ حَتْمًا، لِذَلْكَ تَرَاهُ يَتَمَايَلُ يَمِينًا وَشِمَالًا، إِلَى أَعْلَى وَأَسْفَل، مُشَدِّدًا الإِضَاءَةَ وَمُضَعِّفَهَا، مُنْتَقِيًا لِأَحْسَنِ الآلَاتِ المُصَوِّرَةِ -بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ-، فَهَلْ مِثْلُ هَذَا يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَقْصِدُ المُضَاهَاةِ؟!

стр. 1117

د- إِذَا كَانَتِ المُضَاهَاةُ هِيَ عِلَّةَ النَّهْي فِي الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ -وَهِيَ أَحَدُ أَوجُهِ النَّهْي- فَلَا رَيبَ أَنَّ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ أَعْلَى مُضَاهَاةً مِنْ جِهَةِ النَّتِيجَةِ؛ وَعَلَيهِ فَالعِلَّةُ فِيهِ هِيَ مِنْ بَابِ أَولَى (١). ٦ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَةِ المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ: أ- أَنَّ القَائِمَ قُبَالَةَ المِرْآةِ أَو وَجْهِ المَاءِ لَا يُسَمَّى مُصَوِّرًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا شَرْعًا. ب- أَنَّ الصُورَةَ فِي المِرْآةِ وَعَلَى وَجْهِ المَاءِ لَيسَتْ مُسْتَقِرَّةً؛ فَلَا يَكُونُ صَاحِبُهَا قَدْ خَرَجَ بِصُورَة! بَلْ هَذِهِ الصُورَة تَزُولُ بِزَوَالِ المُقَابِلِ لَهَا (٢). ج- أَنَّ الصُورَةَ القَائِمَةَ فِي المِرْآةِ أَو عَلَى وَجْهِ المَاءِ تَحْصُلُ بِدُونِ أَيِّ سَعْيٍ أَو عَمَلٍ مِنَ المَرْءِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ (كَبْسَةِ الزِّرِّ) (٣)!

стр. 1118

٧ - لِيَكُنْ إلْحَاقُ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ "الفُوتُوغَرَافِيِّ" بَعِيدًا عَنْ كَونِهِ تَصْوِيرًا مُحَرَّمًا؛ فَهُنَا تَرِدُ مُلَاحَظَاتٌ: أ- مَا هُوَ وَاجِبُ المُسْلِمِ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ الحُكْمُ مِنْ جِهَةِ الحِلِّ أَوِ التَّحْرِيمِ؟ الجَوَابُ: هُوَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: ((إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ)) (١). ب- مَا هُوَ الحَاصِلُ مِنْ إِبَاحَةِ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَصْوِيرِ؟ هَلْ هُوَ لِتَصْوِيرِ مَا يَلْزَمُ مِنَ الأَورَاقِ الرَّسْمِيَّةِ الحُكُومِيَّةِ لِلأَشْخَاصِ؟ أَمْ لِتَصْوِيرِ صُوَرِ الذِّكْرَيَاتِ وَتَنَاقُلِهَا وَتَعْلِيقِهَا بِمَا لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ضَبْطُهُ! عِلْمًا أَنَّ حُكْمَ التَّصْوِيرِ نَفْسَهُ مُفَارِقٌ عَنْ حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ وَتَعْلِيقِهَا؛ فَهَذِهِ الأَخِيرَةُ مَشْمُولَةٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى مِنْ مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ وَغَيرِهَا؛ فَتَنَبَّهْ. ج- هَلْ فَتْحُ هَذَا البَابِ أَسْلَمُ لِحَيَاةِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ أَمْ إِغْلَاقُهُ؟ وَالوَاقِعُ يَشْهَدُ بِأَوْلَوِيَّةِ الإِغْلَاقِ.

стр. 1119

قَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀: "أَمَّا إِنْ كَانَ لَا ظِلَّ لَهُ كَالتَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ فِي القِرْطَاسِ وَنَحْوِهِ؛ هَذَا أَيضًا مُحَرَّمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَاطَى شَيئًا مِن ذَلِكَ، وَلَيسَ مَعَ مَنْ أَجَازَ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ حُجَّةٌ، بَلْ هُوَ قَولٌ بَاطِلٌ لَا وَجْهَ لَهُ، فَالتَّصْوِيرُ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ؛ فِي القِرْطَاسِ أَوْ فِي الأَلْوَاحِ أَوْ فِي المَلَابِسِ أَوْ فِي الجُدْرَانِ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ. وَالوَاجِبُ طَمْسُ الصُّوَرِ إِذَا وُجِدَتْ بِقَطْعِ رُؤُوسِهَا أَوْ مَحْوِهَا بِالكُلِّيَّةِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَلِيٍّ ﵁: ((لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا))، وَلِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الكَعْبَةَ عَامَ الفَتْحِ مَحَا جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي فِي الكَعْبَةِ، وَكَسَرَ الأَصْنَامَ، وَأَخَذَ مَاءً وَثَوبًا فَمَسَحَ بِهِ مَا بِجُدْرَانِ الكَعْبَةِ مِنَ الصُّوَرِ. لَكِنْ إِذَا أُكْرِهَ الإِنْسَانُ عَلَى الصُّورَةِ لِأَخْذِ التَّابِعِيَّةِ -الحَفِيظَةِ- مَثَلًا أَوْ لِأَسْبَابٍ أُخْرَى لَيسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ كَالتَّابِعِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ العِلْمِيَّةِ وَقِيَادَةِ السَّيَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْزَمُ بِهِ وَلَيسَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا أَخَذَ ذَلِكَ مِن أَجْلِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَى ذَلِكَ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ إِلَى هَذَا الشَّيءِ. وَاللهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ" (١). تَنْبِيهٌ: وَأَمَّا مَا نُسِبَ إِلَى الشَّيخِ الفَاضِلِ ابْنِ عُثَيمِينَ ﵀ مِنْ إِبَاحَةِ التَّصْوِيرِ الفُوتُوغَرَافِيِّ مُطْلَقًا! فَهُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ مِنْ جُمْلَةِ

стр. 1120

التَّصْوِير المُحَرَّمِ، وَلَكِنَّهُ أَجَازَهُ فَقَط لِمِثْلِ مَا أَجَزْنَاهُ مِنَ التَّصْوِير لِلحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، أَمَّا التَّصْوِيرُ لِلذِّكْرَى وَالحَنِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ ﵀. قَالَ ﵀: "وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ يَحِلُّ هَذَا الفِعْلُ أَو لَا؟ وَالجَوَابُ: إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُحَرَّمٍ صَارَ حَرَامًا، وَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ صَارَ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ، وَعَلَى هَذَا؛ فَلَو أَنَّ شَخْصًا صَوَّرَ إِنْسَانًا لِمَا يُسَمُّونَهُ بِالذِّكْرَى -سَوَاءً كَانَتْ هَذِهِ الذِّكْرَى لِلتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَيهِ أَوِ التَّلَذُّذِ بِهِ أَو مِنْ أَجْلِ الحَنَانِ وَالشَّوقِ إِلَيهِ-؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَلَا يَجُوزُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ صُورَةً وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ كَمَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ وَالجَوَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهَذَا يَكُونُ مُبَاحًا، فَإِذَا ذَهَبَ الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى رُخْصَةٍ إِلَى هَذَا المُصَوِّرِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الصُورَةُ فَورِيَّةً بِدُونِ عَمَلٍ -لَا تَحْمِيضٍ وَلَا غَيرِهِ- وَقَالَ: صَوِّرْنِي، فَصَوَّرَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا المُصَوِّرَ لَا نَقُولُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الحَدِيثِ -أَي: حَدِيثِ الوَعِيدِ عَلَى التَصْوِيرِ-، أَمَّا إِذَا قَالَ: صَوِّرْنِي لِغَرَضٍ آخَرَ غَيرِ مُبَاحٍ؛ صَارَ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ" (١).

стр. 1121

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ هُوَ عَنِ التَّمَاثِيلِ المُجَسَّمَةِ (ذَاتِ الظِّلِّ) أَمْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ؟ الجَوَابُ: بَلْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ: أَنَّ الصُورَةَ تُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ. قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: "التِّمْثَالُ: الصُورَةُ" (١). وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَو قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ)) (٢). ٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ عَلَى السَّتَائِرِ وَغِيرِهَا؛ وَهِيَ بِلَا شَكٍّ لَيسَتْ مُجَسَّمَةً! كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (٣) لِي بِقِرَامٍ (٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (٥)، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ:

стр. 1122

فَقَطَعْنَاهُ؛ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَو وِسَادَتَينِ (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَلَا فَرْق فِي هَذَا كُلِّهِ بَينِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّورِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيرِهِمْ، وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ: إِنَّمَا يُنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُورَةَ فِيهِ؛ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ، وَلَيسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ! مَعَ بَاقِي الأَحَادِيثِ المُطْلَقَةِ فِي كُلّ صُورَة. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُورَةِ عَلَى العُمُومِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا هِيَ فِيهِ، وَدُخُولُ البَيتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ سَوَاءً كَانَتْ رَقْمًا فِي ثَوبٍ أَو غَيرَ رَقْمٍ، وَسَوَاء ًكَانَتْ فِي حَائِطٍ أَو ثَوبٍ أَو بِسَاط ٍمُمْتَهَنٍ أَو غَيرِ مُمْتَهَنٍ؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، لَا سِيَّمَا حَدِيثِ (النُّمْرُقَةِ) الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ" (٢).

стр. 1123

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي صُوَرُ مَا لَهُ رَأْسٌ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً فِي الخَارِجِ؛ كَالصُّوَرِ الخَيَالِيَّةِ وَالصُّوَرِ النِّصْفِيَّةِ؟ الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، بَلْ يَبْقى مَا سَلَفَ مَشْمُولًا بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ الأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الصُورَةِ بَقَاءُ الرَّأْسِ، فَحَتَّى لَو كَانَتِ الصُورَةُ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً أَو صُورَةً نِصْفِيَّةً -كَأَعْلَى البَدَنِ، أَوِ الوَجْهِ- فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ: ((الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ)) (١). ٢ - أَنَّهُ قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا (٢) فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ؛ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) (٣)، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيسَ فِي الطَّبِيعَةِ المَحْسُوسَةِ عِنْدَنَا خَيلٌ بِجَنَاحَينِ (٤)!

стр. 1124

- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي الصُورُ المُمْتَهَنَةُ كَالفُرُشِ وَالبُسُطِ وَالوَسَائِدِ؟ كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَمْرُ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَنْ تُجْعَلَ الصُورَةُ وِسَادَتَينِ تُوطَئَانِ (١)، وَكَحَدِيثِ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ)) (٢)، وَكَحَدِيثِ الاتِّكَاءِ عَلَى مِرْفَقَةٍ فِيهَا صُورَةٌ (٣). الجَوَابُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الامْتِهَانَ -وَإِنْ كَانَ أَهْوَنَ مِنْ عَدَمِهِ-؛ فَهُوَ لَا يُخْرِجُ الصُورَةَ مِنْ حُكْمِ المَنْعِ.

стр. 1125

وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ نَفْسَ الحَدِيثِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوسِ مِنَ الصُورَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: ((ادْخُلْ))، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ (١). فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوطُوءَةِ إِذًا؟! فَالجَوَابُ عَلَيهِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَغْيِيرُهُ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
следующие страницы →