← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ هُوَ عَنِ التَّمَاثِيلِ المُجَسَّمَةِ (ذَاتِ الظِّلِّ) أَمْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ؟ الجَوَابُ: بَلْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ: أَنَّ الصُورَةَ تُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ. قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: "التِّمْثَالُ: الصُورَةُ" (١). وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَو قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ)) (٢). ٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ عَلَى السَّتَائِرِ وَغِيرِهَا؛ وَهِيَ بِلَا شَكٍّ لَيسَتْ مُجَسَّمَةً! كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (٣) لِي بِقِرَامٍ (٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (٥)، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ:

стр. 1122

فَقَطَعْنَاهُ؛ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَو وِسَادَتَينِ (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَلَا فَرْق فِي هَذَا كُلِّهِ بَينِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّورِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيرِهِمْ، وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ: إِنَّمَا يُنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُورَةَ فِيهِ؛ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ، وَلَيسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ! مَعَ بَاقِي الأَحَادِيثِ المُطْلَقَةِ فِي كُلّ صُورَة. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُورَةِ عَلَى العُمُومِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا هِيَ فِيهِ، وَدُخُولُ البَيتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ سَوَاءً كَانَتْ رَقْمًا فِي ثَوبٍ أَو غَيرَ رَقْمٍ، وَسَوَاء ًكَانَتْ فِي حَائِطٍ أَو ثَوبٍ أَو بِسَاط ٍمُمْتَهَنٍ أَو غَيرِ مُمْتَهَنٍ؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، لَا سِيَّمَا حَدِيثِ (النُّمْرُقَةِ) الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ" (٢).

стр. 1123

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي صُوَرُ مَا لَهُ رَأْسٌ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً فِي الخَارِجِ؛ كَالصُّوَرِ الخَيَالِيَّةِ وَالصُّوَرِ النِّصْفِيَّةِ؟ الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، بَلْ يَبْقى مَا سَلَفَ مَشْمُولًا بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ الأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الصُورَةِ بَقَاءُ الرَّأْسِ، فَحَتَّى لَو كَانَتِ الصُورَةُ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً أَو صُورَةً نِصْفِيَّةً -كَأَعْلَى البَدَنِ، أَوِ الوَجْهِ- فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ: ((الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ)) (١). ٢ - أَنَّهُ قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا (٢) فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ؛ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) (٣)، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيسَ فِي الطَّبِيعَةِ المَحْسُوسَةِ عِنْدَنَا خَيلٌ بِجَنَاحَينِ (٤)!

стр. 1124

- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي الصُورُ المُمْتَهَنَةُ كَالفُرُشِ وَالبُسُطِ وَالوَسَائِدِ؟ كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَمْرُ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَنْ تُجْعَلَ الصُورَةُ وِسَادَتَينِ تُوطَئَانِ (١)، وَكَحَدِيثِ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ)) (٢)، وَكَحَدِيثِ الاتِّكَاءِ عَلَى مِرْفَقَةٍ فِيهَا صُورَةٌ (٣). الجَوَابُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الامْتِهَانَ -وَإِنْ كَانَ أَهْوَنَ مِنْ عَدَمِهِ-؛ فَهُوَ لَا يُخْرِجُ الصُورَةَ مِنْ حُكْمِ المَنْعِ.

стр. 1125

وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ نَفْسَ الحَدِيثِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوسِ مِنَ الصُورَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: ((ادْخُلْ))، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ (١). فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوطُوءَةِ إِذًا؟! فَالجَوَابُ عَلَيهِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَغْيِيرُهُ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1126

قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: (رَخَّصَ فِيمَا كَانَ يُوطَأُ، وَكَرِهَ مَا كَانَ مَنْصُوبًا) فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا (١). ٢ - قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي فِيهَا الامْتِهَانُ وَلَمْ يُقِرَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ! كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: ((مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟)) قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ)) (٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَظَاهِرُ حَدِيثَي عَائِشَةَ -هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ- التَّعَارُضُ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اسْتَعْمَلَ السِّتْرَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بَعْدَ أَنْ قُطِعَ وَعُمِلَتْ مِنْهُ الوِسَادَةُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَصْلًا! وَقَدْ أَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى الجَمْعِ بَينَهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ اتِّخَاذِ مَا يُوطَأُ مِنَ الصُّوَرِ جَوَازُ القُعُودِ عَلَى الصُورَةِ! فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ مِنَ الوِسَادَةِ مَا لَا صُورَة فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَينَ القُعُودِ وَالِاتِّكَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ" (٤).

стр. 1127

قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الحَدِيثِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: ((فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا؛ فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ)) (١)، فَفِيهِ بَيَانُ النَّصِّ عَلَى وُفْقِ مَا وَجَّهَهُ الحَافِظُ؛ وَمَا أَشَارَ إِلَيهِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ. وَقَالَ أَيضًا ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ بَابِ نَقْضِ الصُّوَرِ (٢) -: "وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ نَقْضِ الصَّلِيبِ نَقْضَ الصُورَةِ الَّتِي تَشْتَرِكُ مَعَ الصَّلِيبِ فِي المَعْنَى وَهُوَ عِبَادَتُهُمَا مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَيَكُونُ المُرَادُ بِالصُّوَرِ فِي التَّرْجَمَةِ خُصُوصَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ بَلْ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ" (٣). ٣ - أَمَّا حَدِيثُ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ)) فَفِيهِ مَسَالِكُ: الأَوَّلُ: مَعْنَى الرَّقْمِ لَغْةً: قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ: "رَقَمَ الثَّوبَ رَقْمًا: وَشَاهُ" (٤). وَقَالَ فِي جَمْهَرَةِ اللُّغَةِ: "الرَّقْمُ: رَقْمُ الثَّوبِ، وَكُلُّ ثَوبٍ وُشِّيَ فَهُوَ مَرْقُومٌ" (٥). وَالوَشْيُ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ مِنْ خَلْطِ الأَلْوَانِ، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْلِيمِ، قَالَ فِي لِسَانِ

стр. 1128

العَرَبِ: "الوَشْيُ مَعْرُوفٌ؛ وَهُوَ يَكُونُ مِنْ كُلِّ لَونٍ" (١). وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: " (رَقَمَ): فِيهِ: أَتَى فَاطِمَةَ فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مُوشّى، فَقَالَ: ((مَا أَنَا وَالدُّنْيَا وَالرَّقْمَ؟!)) (٢)؛ يُريدُ النَّقْشَ وَالوَشْيَ، وَالأَصْلُ فِيهِ الكِتَابَةُ" (٣). قَالَ العَينِيُّ ﵀: "قَالَ الخَطَّابِيُّ ﵀: المُصَوِّرُ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَشْكَالَ الحَيَوَانِ، وَالنَّقَّاشُ الَّذِي يَنْقُشُ أَشْكَالَ الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي هَذَا الوَعِيدِ؛ وَإِنْ كَانَ جُمْلَةُ هَذَا البَابِ مَكْرُوهًا وَدَاخِلًا فِيمَا يُشْغِلُ القَلْبَ بِمَا لَا يِنْبَغِي" (٤). وَعَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّ الرَّقْمَ لَيسَ مِنْ بَابِ صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ! فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ. الثَّانِي: جَمْعُ النُّصُوصِ: الاسْتِثْنَاءُ هُنَا يَكُونُ بِحَمْلِ الرَّقْمِ عَلَى مَا يَحِلُّ كَصُوَرِ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، أَوِ الصُورَةِ المُقَطَّعَةِ وَالَّتِي لَا رَأْسَ فِيهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْي قَدْ تَنَاوَلَتْ عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الثِّيَابِ نُهِيَ عَنِ الصُّوَرِ فِيهَا كَالسِّتْرِ وَالقِرَامِ وَالوِسَادَةِ، وَهذا الجَمْعُ هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ المُتَشَابِهِ عَلَى المُحْكَمِ (٥). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٦): "هَذَا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول بِإِبَاحَةِ مَا

стр. 1129

كَانَ رَقْمًا مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ! وَجَوَابُنَا وَجَوَابُ الجُمْهُور عَنْهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَقْمٍ عَلَى صُورَةِ الشَّجَرِ وَغَيرِهِ مِمَّا لَيسَ بِحَيَوَانٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا" (١). الثَّالِثُ: يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِمَا أَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٢): "وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْي كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَسَأَذْكُرُهُ فِي البَاب الَّذِي يَلِيهِ" (٣). الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّقْمَ -هُنَا- لَو حُمِلَ عَلَى كَونِهِ صُورَةَ ذِي رُوحٍ كَامِلَةٍ -جَدَلًا- فَالظَّاهِرُ

стр. 1130

أَنَّ الجَائِزَ مِنْهَا مَا كَانَ مُمْتَهَنًا، وَدَلَّ لِذَلِكَ أَصْلُ الحَدِيثِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي ﵁ حَيثُ كَانَ الكَلَامُ عَنْ نَمَطٍ جَلَسَ عَلَيهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀ وَغَيرُهُ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا يَنْزِعُ نَمَطًا تَحْتَهُ، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ قَالَ: لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ، قَالَ سَهْلٌ: أَوَ لَمْ يَقُلْ: ((إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ))؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي" (١). ٤ - وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الاتِّكَاءُ عَلَى الصُورَةِ؛ فَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: أ- قَولُهَا: (وَفِيهَا صُورَةٌ) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا أَجْزَاءً مِنَ الصُورَةِ الَّتِي قُطِعَتْ وَلَيسَ كَامِلَ الصُورَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا ﵂ أَخْبَرَتْ عَنْ نَمَطِهَا أَنَّ فِيهِ صُورَةً -بِلَفْظِ الإِفْرَادِ- وَأَنَّهَا جَعَلَتْ مِنْهُ مِرْفَقَتَينِ اثْنَتَين (٢) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ -مَوضِعَ النَّهْيَ- قَدْ صَارَتْ شِقَّينِ وَلَمْ تَبْقَ عَلَى حَالِهَا؛ فَتَأَمَّلْ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ. ب- أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُقِرَّهَا عَلَى النُّمْرُقَةِ (الوِسَادَةِ) الَّتِي فِيهَا صُورَةٌ؛ فَلَا بُدَّ إِذًا مِنَ الحَمْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ غَيرِهِ، وَهُوَ إِمَّا أَنَّ الصُورَةَ مُقَطَّعَةٌ، أَو أَنَّهَا صُورَةُ مَا لَيسَ بِذِي رَوحٍ. وَقَدْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ بِنَحْوِ هَذَا الكَلَامِ. ج- أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْي، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ سَتْرُ الجِدَارِ أَصْلًا (٣) وَلَيسَ وجُودَ الصُورَةِ نَفْسِهَا! كَمَا هُوَ فِي لَفْظِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ -وَقَدْ سَبَقَ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا مَنْهِيًّا عَنْهَا. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.

стр. 1131

فَمِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ؛ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((حَوِّلِي هَذَا؛ فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيتُهُ؛ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا)) (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا فِيهِ صُورَةٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ وَيَرَاهُ وَلَا يُنْكِرُهُ قَبْل هَذِهِ المَرَّة الأَخِيرَةِ" (٢). نَقْلٌ عَنِ الحَافِظِ وَتَعْلِيقٌ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ المَمْنُوعَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَأَمَّا مَا لَا ظِلَّ لَهُ؛ فَلَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا (٣)! وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ بِلَا ظِلٍّ بِغَيرِ شَكٍّ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ! قُلْتُ: المَذْهَبُ المَذْكُورُ نَقَلَهُ ابن أَبِي شَيبَةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدٍ صَحِيح، وَلَفظه عَن ابن عَوْنٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى القَاسِمِ -وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي بَيتِهِ- فَرَأَيتُ فِي بَيتِهِ حَجَلَةً [مَقْصُورَةٌ] فِيهَا تَصَاوِيرُ القُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ. فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ)) فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ تَعْلِيقَ السِّتْرِ المَذْكُورِ مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنِهِ مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنِهِ سَاتِرًا لِلْجِدَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى

стр. 1132

عَائِشَةَ) فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ البَابِ لَكِنْ قَالَ: (فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، وَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ))! قَالَ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَينِ) الحَدِيثَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْرَ الجِدَارِ بِالثَّوْبِ المُصَوَّرِ؛ فَلَا يُسَاوِيهِ الثَّوْبُ المُمْتَهَنُ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي لَا يُسْتَرُ بِهِ الجِدَارُ! وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَةَ فِي مِثْلِ الحَجَلَةِ مَا اسْتَجَازَ اسْتِعْمَالَهَا! لَكِنَّ الجَمْعَ بَينَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ؛ وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِيرِ فِي البُسُطِ وَالْوَسَائِدِ الَّتِي تُوطَأُ: ذُلٌّ لَهَا، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ، وَمِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ فرقهم (١) أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْس بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى المَرَافِقِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ الطَّيرُ وَالرِّجَالُ" (٢). قُلْتُ: وَلَنَا عَلَى كَلَامِهِ ﵀ تَعْلِيقَاتٌ: ١ - أَمَّا قَولُهُ ﵀: "فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ)) فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا" لَا يُخْرِجُهُ عَن كَونِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا! لِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ ﵀ إِنَّمَا كَانَ عَن مَن فَرَّقَ فِي حُكْمِ الصُّورَةِ بَينَ مَا لَهَا ظِلٌّ وَمَا لَيسَ لَهَا ظِلٌّ دَونَ ذِكْرِ سَتْرِ الجَدَارِ مِن عَدَمِهِ!

стр. 1133

٢ - وَأَمَّا قَولُهُ عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ ﵀: "وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ" فَهَذَا يُقْبَلُ لَو أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَرْوِيَّهُ! وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الرَّاوِي لِمَرْوِيِّهِ إِنَّمَا هُوَ رِوَايَتُهُ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ وَقْعِ النِّسْيَانِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِوَجْهِ الدِّلَالَةِ فِي ذَلِكَ (١). ٣ - وَأَمَّا قَولُهُ: "وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا" فَهُوَ مَرْدُودٌ بِصَرَاحَةِ حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ؛ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ وفيه: (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؛ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) قُلْتُ: اشْتَرَيتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ أَصْحَابِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ؛ فَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ). وَقَالَ: (إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ)) (٢)، فَهُوَ حَاسِمٌ لِمَادَّةِ النِّزَاعِ أَصْلًا فِي كَونِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي النَّهْي. وَسَبَقَ أَيضًا فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: (إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ؛ فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ) فَلَمْ يَكْتَفِ جِبْرِيلُ بِكَونِهَا وَسَائِدَ مَوْطُوءَةً مَنْبُوذَةً! حَتَّى أَضَافَ لِذَلِكَ قَطْعَ الرُّؤُوسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عُمُومًا خَارِجٌ عَنْ كَونِ العِلَّةِ سَتْرَ الجُدُرِ! فَتَنَبَّهْ. ٤ - سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ الحَافِظِ ﵀ بِمَا يَشْهَدُ لِلْمَطْلُوبِ، وَهُوَ قَولُهُ: "وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي

стр. 1134

البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ" (١). ٥ - أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِن إِبَاحَةِ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا؛ فَجَوَابُهُ مِن جِهَتِين: أ- أنَّ العِبْرَةَ بِجُمْلَةِ مَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ؛ وَفِيهَا النَّهْيُ عَنِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ نُمْرُقَةً يَتَوَسَّدُهَا المُسْلِمُ! ب- أَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِكَلَامِ غَيرِهِم مِنَ السَّلَفِ مِمَّن لَمْ يُبِيحُوَها حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، وَهَاكَ بَعْضُها: عَن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّصَاوِيرَ؛ مَا نُصِبَ مِنْهَا وَمَا بُسِطَ) (٢). وَعَنْ شُعْبَةَ: (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَعُودُهُ مِنْ وَجَعٍ، وَعَلَيهِ بُرْدٌ إِسْتَبْرَقٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ مَا هَذَا الثَّوْبُ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا الإِسْتَبْرَقُ! قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِهِ! وَمَا أَظُنُّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا حِينَ نَهَى عَنْهُ إِلَّا لِلتَّجَبُّرِ وَالتَّكَبُّرِ، وَلَسْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الكَانُونِ [المَوقِد]؟ قَالَ: أَلَا تَرَى قَدْ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ؟! فَلَمَّا خَرَجَ المِسْوَرُ، قَالَ: انْزَعُوا هَذَا الثَّوْبَ عَنِّي، وَاقْطَعُوا رُؤوسَ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ لَوْ ذَهَبْتَ بِهَا إِلَى السُّوقِ كَانَ أَنْفَقَ لَهَا مَعَ الرَّأْسِ! قَالَ: لَا. فَأَمَرَ بِقَطْعِ رُءُوسِهَا) (٣). وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ فِي مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ وَسَائِدُ فِيهَا تَمَاثِيلُ عَصَافِيرَ؛ فَكَانَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: (إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَكْثَرُوا؛ فَلَوْ حَوَّلْتُمُوهَا) (٤).

стр. 1135

تَنْبِيهٌ هَامٌّ فِي التَّفْرِيقُ بَينَ صُنْعِ الصُّورَةِ وَبَينَ اقْتِنَائِهَا إِنَّ مَا سَبَقَ مِن الخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِي اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي البَيتِ، وَلَيسَ فِي حُكْمِ صِنَاعَتِهَا! فَلَا يُفْهَمُ مِن قَولِ بَعْضِ مَن جَوَّزَ الاقْتِنَاءَ فِي البَيتِ -بِحُجَّةِ الامْتِهَانِ أَوْ غَيرِهِ- أَنَّهُ يُجَوِّزُ الصُّنْعَ! قَالَ الحَافِظُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ لَيثٍ، قَالَ: رَأَيتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ حَمْرَاءَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَقُلْتُ لَهُ؛ فَقَالَ: (إِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، وَيَصْنَعُهُ) (١). وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ حَمَلَ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَلَى غَيرِ المُمْتَهَنِ -عَلَى مَذْهَبِ مَن يَرَى ذلك-، وَأَيضًا حَمَلَهُ عَلَى الصَّانِعِ لِلصُّوَرِ؛ فَلَا يُقَالُ هُنَا: "كُلُّ مَا جَازَ اقْتِنَاؤُهُ جَازَ صُنْعُهُ"!! قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا. وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛

стр. 1136

فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ. وَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (١) " (٢). وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -وَقَد سَبَقَ عَنْهُ النَّقْلُ فِي مَوضُوعِ الامْتِهَانِ-: "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ((كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٣).

стр. 1137

- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا، فَمَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ جَوَازِ صُنْعِ التَّمَاثِيلِ فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ سُلَيمَانَ ﵊: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣]؟ (١) الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ التِّمْثَالَ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ ذِي رَوحٍ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى صُورَةِ شَيءٍ مُبَاحٍ كَالشَّجَرِ وَمَا لَا رَوحَ فِيهِ. ٢ - أَنَّ التَّمَاثِيلَ لَو كَانَتْ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ كَانَتْ جَائِزَةً فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا، وَقِد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي العَمَلِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعَنَا؛ فَكَيفَ إِذَا خَالَفَ شَرْعَنَا! فَشَرْعُنَا أَتَمُّ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ جَاءَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ -وَالَّذِي هُوَ أَصْلًا سَبَبُ النَّهِي عَنِ التَصْوِيرِ- (٢). وَالحَمْدُ للهِ.

стр. 1138

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَونُ المَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ المَكَانَ الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِيرُ مَعَ قَولِهِ عِنْدَ ذِكْرِ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ وَمِنْ زُجَاجٍ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَالجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيئَتِهِمْ فِي العِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو العَالِيَةِ (١): لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهْي عَنْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّمَاثِيلَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ النُّقُوشِ لِغَيرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا؛ لَمْ يَتَعَيَّنِ الحَمْلُ عَلَى المَعْنَى المُشْكِلِ" (٢).

стр. 1139

- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ كَبَنَاتِ عَائِشَةَ (١)، وَالفَرَسِ الَّذِي لَهُ جَنَاحَانِ (٢)؟ وَكَذَا صُنْعُ الصَّحَابِةِ لِلُعَبِ العِهْنِ لِلأَولَادِ فِي رَمَضَانَ (٣)! وَعَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم! الجَوَابُ: ١ - إِنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا وُجُودُ بَعْضِ اللُّعَبِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ لُعَبٌ لِلْبَنَاتِ، وَهِيَ مِمَّا دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا؛ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنَ الأَصْلِ. وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَقُولُ: إِنَّ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ وَوجُودِ الصُّوَرِ مَشْمُولٌ بِقَاعِدَةِ (مَا

стр. 1140

حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (١)، فَلُعَبُ البَنَاتِ مَثَلًا تُسَاعِدُ عَلَى تَعْلِيمِهِم مَا يُسَمَّى اليَومَ بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ (٢).

стр. 1141

وَمِثْلُهُ الفَرَسُ ذُو الجَنَاحَينِ؛ فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ بِالعَادِيَاتِ، وَقَالَ ﷺ : ((الخَيلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَومِ القِيَامَة)) (١). وَأَيضًا صُنْعُ اللُّعَبِ مِنَ العِهْنِ لِلأَطْفَالِ فِي رَمَضَانَ؛ فَهُوَ لِتَحْقِيقِ فَائِدَةِ تَصْبِيرِهِم عَلَى الصِّيَامِ حَتَّى يَحِينَ مَوعِدُ الإِفْطَارِ. ٢ - أَمَّا عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الحَرَجِ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] (٢).

стр. 1142

- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ التَّصْوِيرِ أَو اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ خَاصٌّ بِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى فَقَط؟ الجَوَابُ: بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَامٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: ١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّ بِالنَّهِي كُلَّ المُصَوِّرِينَ؛ فَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَأَمَّا قَولُ بَعْضِهِم أَنَّ وَصْفَهُ لِلمُصَوِّرِ بِـ ((وَمَنْ أَظْلَمُ)) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ وَأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُعْبَدُ! فَصَحِيحٌ إِنْ كَانَ التَّصْوِيرُ لِهَذَا القَصْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ القَصْدِ؛ فَهُوَ مُشَابِهٌ لَهُ وَمُرْتَكِبٌ لِلكَبِيرَةِ؛ وَهِيَ ذَرِيعَةُ الشِّرْكِ (١)، وَلَا يَكُونُ كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ: ((وَمَنْ أَظْلَمُ))، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّهْيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ قَدْ جَاءَ مُرَتَّبًا عَلَى نَفْسِ التَّصْوِيرِ وَلَيسَ عَلَى الشِّرْكِ (٢). ٢ - أَنَّ النَّهْيَ فِي الأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فَقَطْ عَلَى جَانِبِ الشَّرْكِ وَذَرَائِعِهِ، وَإِنَّمَا أَيضًا عَلَى جَانِبِ المُضَاهَاةِ، وَهَذَهِ عِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي

стр. 1143

الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ)) (١). ٣ - أَنَّ النَّهْيَ لَو كَانَ خَاصًّا بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى؛ لَكَانَ الامْتِهَانُ كَافِيًا فِي جَوَاز مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الوِسَادَتَينِ اللَّتَينِ كَانَ فِيهِمَا تَصَاوِيرٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: ((مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟)) قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ)) (٣). ٤ - أَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ الصُّوَرِ أَوِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهَا؛ هَلْ يَقَعُ فِي ظَنِّ أَحَدٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِمَعْبُودَاتٍ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى! فَكَانَتْ أَوَّلًا مُبَاحَةً ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا لِمَا فيهَا مِنْ إِظْهَارِ عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى!! وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ هُوَ نَبْذُ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَطْلُوبٍ.

стр. 1144

- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَلَا يَكُونُ إِبْقَاءُ التَّمَاثِيلِ الَّتِي هِيَ عَلَى هَيئَةِ ذِي رَوحٍ جَائِزًا مِنْ بَابِ حِمَايَةِ الآثَارِ التَّارِيخِيَّةِ وَالتُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ؟! وَأَلَمْ يَتْرِكِ الصَّحَابَةُ ﵃ أَهْرَامَاتِ الفَرَاعِنَةَ وَفِيهَا تَمَاثِيلُ الأَشْخَاصِ كَـ (أَبِي الهَولِ)؟ الجَوَابُ: لَا؛ لَيسَ بِجَائِزٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - عُمُومُ قَولِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: ((لَا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَوُجُوبِ تَغْيِيرِهِ" (٢). ٢ - أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الآثَارِ؛ فَإِنَّ سَدَّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ أَولَى، لَا سِيَّمَا وَالحَالُ اليَومَ ظَاهِرٌ فِي بُعْدِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِم (٣). ٣ - وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِكَونِ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ مِنَ التُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ! فَهَذَا كَلَامٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ اللَّاتَ وَالعُزَّى وَهُبَلَ وَمَنَاةَ وَغَيرَهَا مِنَ الأَصْنَامِ كَانَتْ تُرَاثًا لِمَنْ يَعْبُدُهَا مِنَ العَرَبِ مِنْ أَهْلِ قُرَيشٍ وَالجَزِيرَةِ، وَهُوَ تُرَاثٌ، لَكِنَّهُ تُرَاثٌ مُحَرَّمٌ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَرَسُولِهِ فَالمُؤْمِنُ يُبَادِرُ إِلَى الامْتِثَالِ وَلَا يَرُدُّ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَجِ الوَاهِيَةِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَولَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَن يَقُولُوا

стр. 1145

سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النُّوُر: ٥١]. وَعَلَى هَذَا كَانَ هَدْيُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فقد قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَال -فِي زَمَانِهِ بِالعِرَاقِ- أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ" (١). ٤ - أَنَّ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ -كَأَبِي الهَولِ مَثَلًا- لَيسَ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُشَاهَدَةً مَعْلُومَةً مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ! وَقَدْ سُئِلَ المُؤَرِّخُ الزِّرِكْلِيُّ عَنِ الأَهْرَامِ وَأَبِي الهَولِ وَنَحْوِهَا: هَلْ رَآهُ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ؟ فَقَالَ: "كَانَ أَكْثَرُهَا مَغْمُورًا بِالرِّمَالِ، وَلَا سِيَّمَا أَبَا الهَولِ" (٢). ٥ - عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً مُشَاهَدَةً مِنْ قِبَلِهِم؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُونَ إِزَالَتَهَا وَهَدْمَهَا؟! فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطُّوطَة فِي رِحْلَتِهِ (٣) أَنَّ الخَلِيفَةَ المَأْمُونَ حَاوَلَ تَدْمِيرَ الأَهْرَامِ وَضَرَبَهَا بِالمنْجَنِيقِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ إِلَّا فِي إِحْدَاثِ ثُلْمٍ فِيهَا (٤).

стр. 1146

- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: مَا الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا فِي اسْتِخْدَامِ لُعَبِ الأَطْفَالِ -ذَاتِ الرُّوحِ -؟ قُلْتُ: لِيُعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الأَصْلَ فِي التَّصْوِيرِ وَاقْتِنَاءِ الصُّوَرِ التَّحْرِيمُ؛ وَأَنَّ مَا أَجَازَتْهُ الأَدِلَّةُ لَا يَعْنِي نَسْخَ التَّحْرِيمِ وَالخُرُوجَ مِنْ هَذَا الأَصْلِ مُطْلَقًا! بَلْ يَبْقَى الجَوَازُ مُقَيَّدًا وُفْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الأَدِلَّةُ، فَالتَّصْوِيرُ كَبْيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ (١) -كَمَا سَبَقَ عَنِ النَّوَوِيِّ ﵀، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الجَوَازِ بِظُرُوفِ النُّصُوصِ المُبِيحَةِ خَوفًا مِنَ التَّوَسُّعِ الغَيرِ مَحْمُودِ وَالتَّفَلُّتِ مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيمِ. ثُمَّ نَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ أَدِلَّةُ جَوَازِ لُعَبِ الأَطْفَالِ بِالقُيُودِ التَّالِيَةِ -فَهْمًا وَلَيسَتْ نَصًّا- مُرَتَّبَةً مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَدْنَى: ١ - أَنْ تُحَقِّقَ مَصْلَحَةً لِلطِّفْلِ (٢): أ- إِمَّا تَرْبَوِيَّةً وَتَعْلِيمِيَّةً. كَبَنَاتِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى أُمُورِ الأُسْرَةِ وَمَا يُسَمَّى بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ اليَومَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ

стр. 1147

لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَولَادِهِنَّ" (١). ب- أَو شَرْعِيَّةً. كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟)) قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ؛ فَقَالَ: ((مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟)) قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: ((وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ)). قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: ((فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!)). قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ (٢). فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً آنِيَّةً كَمَا فِي الفَقَرَةِ التَّالِيَةِ. ج- أَو آنِيَّةً. كَتَعْوِيدِهِم عَلَى الصَّبْرِ، حَيثُ تُلْهِي هَذِهِ اللُّعَبُ الأَطْفَالَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَا (٣). فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ؛ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛

стр. 1148

فَليَصُمْ))، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَينَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (١) (٢). ٢ - أَنْ يَكُونَ عَدَدُهَا وَتَنَوُّعُهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الحُرْمَةُ (٣). ٣ - أَنْ تَكُونَ مَسْتُورَةً مَخْفِيَّةً غَالِبًا، وَتُخْرَجَ وَقْتَ الحَاجَةِ عِنْدَ اللَّعِبِ بِهَا، لِأَنَّ الإِبَاحَةَ جَاءَتْ بِقَيدِ اللَّعِبِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَجْعَلُهَا ضِمْنَ خِزَانَةِ العَرْضِ الزُّجَاجِيَّةِ مَثَلًا! فَهِيَ -وَإِنْ كَانَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالٍ- فَمَكَانُهَا هُنَاكَ لَيسَ مَكَانَ اللَّعِبِ بِهَا! بَلْ مَكَانُهَا المَطْلُوبُ هُوَ أَمَامَ الطِّفْلِ وَبَينَ يَدِيهِ. وَتَأَمَّلْ حَدَيثَ الرُّبَيِّعِ السَّابِقَ تَجِدْهُ مِنْ هَذَا البَابِ، حَيثُ أَنَّ إِعْطَاءَ اللُّعَبِ كَانَ إِذَا بَكَى الصَبِيُّ عَلَى الطَّعَامِ، وَإِلَّا فَهِيَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ أَصْلًا (٤). ٤ - أَنْ تَكُونَ مَنْزِلِيَّةَ الصُّنْعِ؛ وَلَا تُشْتَرَى مِنْ خَارِجِ البَيتِ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:

стр. 1149

أ- أَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا: الفَائِدَةُ أَوِ التَّلْهِيَةُ وَلَيسَ المُضَاهَاةَ! كَمَا هُوَ عِنْدَ الشِّرَاءِ مِنَ خَارِجِ البَيتِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ حِرْفَةً تُقْصَدُ فِيهَا المُضَاهَاةُ، فَلَا بُدَّ إِذًا أَنْ تَكُونَ بَسِيطَةَ الهَيئَةِ وَالصُّنْعِ (١). وَالمُتَأَمِّلُ فِي النُّصُوصِ المُبِيحَةِ يَجِدُ أَنَّ هَذِهِ اللُّعَبَ لَمْ تَكُنْ وَاضِحَةَ المَعَالِمِ أَصْلًا! كَمَا يَدُلُّ عَلَيه مَثَلًا حَدِيثُ الفَرَسِ ذِي الجَنَاحَينِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الفَرَسَ كَانَ عَلَى نَحْوِ لُعَبِ صِبْيَانِ العَرَبِ -مِنَ السَّذَاجَةِ وَبَسَاطَةِ الصُّورَةِ- وَلَمْ يَكُنْ صُورَةً حَقِيقَةً، لذلك فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا رَآهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: ((مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟))، فَقَالَتْ: فَرَسٌ، فَلَو كَانَتْ صُورَةً وَاضِحَةَ المَعَالِمِ لَعَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى سُؤَالِ عَائِشَةَ

стр. 1150

عَنْهُ! وَكَذَا الجَنَاحَان اللَّذَانِ عَلَى الفَرَسِ حَيثُ قَالَ فِيهِ: ((وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ؟)) (١). بَلْ إِنَّ مِنَ الأَئِمَّةِ مَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسَبَبِ مَا فِي الصُّورَةِ مِنَ المَعَالِمِ، فَقَدْ (قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [يَعْنِي: الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ]؛ تَرَى لِلرَّجُلِ الوَصِيِّ تَسْأَلُهُ الصَّبِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا لُعْبَةً؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةً؛ فَلا، وَذَكَرَ فِيهِ شَيئًا، قُلْتُ: الصُّورَةُ إِذَا كَانَتْ يَدًا أَو رِجْلًا!! فَقَالَ: عِكْرِمَةُ يَقُولُ: كُلُّ شَيءٍ لَهُ رَأْسٌ فَهُوَ صُورَةٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَقَدْ يُصَيِّرُونَ لَهَا صَدْرًا وَعَينًا وَأَنْفًا وَأَسْنَانًا!! قُلْتُ: فَأَحَبُّ إِلَيكَ أَنْ يَجْتَنِبَ شِرَاءَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) (٢). ب- أَنَّ غَالِبَ الدُّمَى اليَومَ -مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ- تُعَبِّرُ عَنْ عَادَاتِ مُجْتَمَعَاتِهَا، وَغَالِبُهَا مُسْتَورَدٌ مِنْ مُجْتَمَعَاتِ الكُفَّارِ، كَمَا فِي الدُّمْيَةِ المَشْهُورَةِ المُسَمَّاةِ بِـ (بَارْبِي) وَالتِي إِنْ كَانَ اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ -جَدَلًا- حَلَالًا مُطْلَقًا؛ فَهِي وَحْدَهَا تُسْتَثْنَى لِتَكُونَ حَرَامًا لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْلِ هَيئَةِ الكُفَّارِ فِي لِبَاسِهِم إِلَى مُجْتَمَعِنَا المُسْلِمِ، وَضِمْنَ سِيَاقِ تَعْوِيدِ البَنَاتِ لِتَكُونَ هَذِهِ الدُّمْيَةُ قُدْوَةً لَهُنَّ فِي لِبَاسِهِنَّ وَفِسْقِهِنَّ (٣)! وَقَدْ أَفْتَى الشَّيخُ الأَلبَانِيُّ ﵀ بِجَوَازِ اللُّعَبِ المَصْنُوعَةِ مَنْزِلِيًّا؛ دُونَ الشِّرَاءِ مِنَ الخَارِجِ (٤). وَبِهَذَا تَمَّتِ هَذِهِ القُيُودُ بِحَسْبِ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَإِنْ أَصَبْتُ؛ فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ؛ فَمِنْ قُصُورِي وَضَعْفِ فَهْمِي. وَالحَمْدُ للهِ أَولًا وَآخِرًا.

стр. 1151

بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩]. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ)) أَخْرَجَاهُ (١). وَعَنْ سَلْمَانَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (٢). وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((خَيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا؟ - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَومًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)) (٣). وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ (٤).

стр. 1152

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: الوَصِيَّةُ بِحِفْظِ الأَيمَانِ. الثَّانِيَةُ: الإِخْبَارُ بِأَنَّ الحَلِفَ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ. الثَّالِثَةُ: الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ. الرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي. الخَامِسَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ. السَّادِسَةُ: ثَنَاؤُهُ ﷺ عَلَى القُرُونِ الثَّلَاثَةِ أَوِ الأَرْبَعَةِ، وَذِكْرُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ. السَّابِعَةُ: ذَمُّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ. الثَّامِنَةُ: كَونُ السَّلَفِ يَضْرِبُونَ الصِّغَارَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ.

стр. 1153

الشَّرْحُ - قَولُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ): أَي: مِنَ النَّهْي عَنْهُ وَالوَعِيدِ، وَالمَقْصُودُ كَثْرَةُ الحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى. - كَثْرَةُ الحَلِفِ هُوَ مَظِنَّةُ تَقْلِيلِ شَأْنِ المَحْلُوفِ بِهِ وَالاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَهُوَ يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ وَيُفْضِي إِلَى الحَلِفِ كَذِبًا بِهِ، فَإِنَّمَا شُرِعَتِ اليَمِينُ لِتَأْكِيدِ الأَمْرِ المَحْلُوفِ عَلَيهِ، وَتَعْظِيمًا لِلخَالِقِ. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القَلَم: ١٠] أَي: كَثِيرِ الحَلِفِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ كَذَّابٌ، وَلَا يَكَونُ كَذَّابًا إِلَّا وَهُوَ ﴿مَهِينٍ﴾ أَي: خَسِيسُ النَّفْسِ" (١). - تَمَامُ الآيَةِ الَّتِي فِي المَتْنِ هُوَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩] (٢). - فِي الحَلِفِ جَاءَتْ أَحَادِيثُ مُتَنَوِّعَةٌ، وَفِيمَا يَرْتَبِطُ بِالبَابِ نَذْكُرُ مِنْهَا: ١ - حَدِيثُ البَابِ: ((الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)). ٢ - حَدِيثُ البَابِ، وَفِيهِ: ((وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا

стр. 1154

يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ)). ٣ - حَدِيثُ: ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي البَيعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ)) (١). ٤ - حَدِيثُ: ((اليَمِينُ الكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ؛ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ)) (٢). ٥) حَدِيثُ: ((احْلِفُوا بِاللهِ وَبِرُّوا وَاصْدُقُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ)) (٣). وَعَلَيهِ يَكُونُ: ١ - الحَلِفُ وَكَثْرَةُ الحَلِفِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا؛ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَو طَاعَةٍ. ٢ - الحَلِفُ فِي البَيعِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا. ٣ - أَنَّ الحَلِفَ الكَاذِبَ فِيهِ يَزِيدُهُ حُرْمَةً. ٤ - أَنَّ الحَلِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللهِ، وَإِلَّا كَانَ مَعْصِيَةً وَشِرْكًا. قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَأَكْرَهُ الأَيمَانَ بِاللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِيمَا كَانَ للهِ طَاعَةً؛ مِثْلَ البَيعَةِ عَلَى الجِهَادِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ" (٤). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ البُخَارِيِّ؛ وَفِيهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ)) أي الأَنْصَارُ: "وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ جَوَازُ الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ قَومٌ: يُكْرَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ عَنِ الوَفَاءِ بِهَا. وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ أَو دَعَتْ إِلَيهَا

стр. 1155

حَاجَةٌ، كَتَأْكِيدِ أَمْرٍ أَو تَعْظِيمِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ أَو كَانَ فِي دَعْوَى عِنْدَ الحَاكِمِ وَكَانَ صَادِقًا" (١). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: ١ - النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الحَلِفِ. ٢ - أَنَّ مَنْ حَلَفَ؛ فَلْيُوَفِّ وَلَا يَحْنُثْ فِيهَا. ٣ - أَنَّ مَنْ حَنَثَ فِيهَا؛ فَلَا يَتْرُكْهَا دُونَ تَكْفِيرٍ. وَالمُصَنِّفُ ﵀ أَرَادَ مِنَ الآيَةِ المَعْنَى الأَوَّلَ -وَإِنْ كَانَ الجَمِيعُ مَشْمُولًا بِالآيَةِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَاصِلَ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ تَعْظِيمُ اللهِ تَعَالَى. - الأَفْضَلُ فِي مَنْ حَلَفَ عَدَمُ الحِنْثِ بِاليَمِينِ إِلَّا لِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ: كَأَنْ يَكُونَ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ أَو مَكْرُوهٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤]. أَو أَنْ يَأْتِيَ مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((وَاللَّهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا)) (٢). - قَولُهُ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُم وَلَا … )) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ. - قَولُهُ: ((لَا يُكَلِّمُهُم)) المُرَادُ بِنَفي الكَلَامِ هُنَا كَلَامُ الرِّضَا، أَمَّا كَلَامُ العَرْضِ وَالتَّوبِيخِ وَالحِسَابِ؛ فَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ، وَفِي الحَدِيثِ: ((مَا مِنْكُمْ

стр. 1156

مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ -لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرْجُمَانٌ- فَيَنْظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) (١) (٢). - قَولُهُ: ((لَايُزَكِّيهِم)) أَي: لَا يُوَثِّقُهُم، وَلَا يَشْهَدُ لَهُم بِالإِيمَانِ (٣). - قَولُهُ: ((أُشَيمِطٌ)) الأُشَيمِطُ: تَصْغِيرُ (أَشْمَط)، وَالأَشْمَطُ: هُوَ الَّذِي بَدَأَهُ الشَّيبُ، وَصَغَّرَهُ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ (٤). - قَولُهُ: ((عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) الاسْتِكْبَارُ يَكُونُ لِلذَّاتِ -كَهَذَا الحَدِيثِ-، وَيَكُونُ لِلصِّفَاتِ كَمَنْ لَدِيهِ جَاهٌ وَمَالٌ وَحَسَبٌ يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ. - قَولُهُ: ((زَانٍ)) وَ ((مُسْتَكْبِرٌ)) يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ الطَّبْعِ، فَمَنْ كَبُرَ سِنُّهُ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا ذُو حَاجَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ لَدِيهِ مَا يَفْتِنُهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الكِبْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الخُبْثَ هُوَ فِي أَصْلِ طِبَاعِهِم، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ شَابًّا؛ فَشَهْوَتُهُ العَارِمَةُ تَقُودُهُ، أَو مَنْ كَانَ غَنِيًّا ذَا مَالٍ وَجَاهٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْرِيهِ بِالكِبْرِ، لِذَلِكَ قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي". قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ

стр. 1157

مُسْتَكْبِرٌ)) (١) فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اشْتَرَكُوا فِي هَذَا الوَعِيدِ، وَاشْتَرَكُوا فِي فِعْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ دَوَاعِيهِمْ! فَإِنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الشَّيخِ ضَعِيفَةٌ، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكَذِبِ فِي المَلِكِ ضَعِيفَةٌ -لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ-، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكِبْرِ فِي الفَقِيرِ؛ فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الذُّنُوبِ -مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي- دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَنَ الوَعِيدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيرُهُمْ" (٢). - قَولُهُ: ((جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ)) وَذَلِكَ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَغَلَبَتِهِ عَلَيهِ؛ فَهُوَ يُكْثِرُ مِنَ الحَلِفِ تَهَاونًا. - قَولُهُ: ((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي)) يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِم مُقَارَنَةً مَعَ كُلِّ الأَزْمِنَةِ، فَصَحَابَتُهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَنْصَارُ عِيسَى ﷺ ، وَأَفْضَلُ مِنَ النُّقَبَاءِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى ﷺ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ (٣) (٤). - قَولُهُ: ((قَرْنِي)) القَرْنُ مُعْتَبَرٌ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ الصَّحَابَةُ؛

стр. 1158

فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ التَّابِعِينَ؛ فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَهَكَذَا (١). وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةَ أَفْضَلِيَّةٌ مِنْ حَيثُ العُمُومِ وَالجِنْسِ؛ لَا مِنْ حَيثُ الأَفْرَادِ مُطْلَقًا، فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي تَابِعِي التَّابِعِين مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ بَعْضِ التَّابِعِينَ، أَو أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَمَّا فَضْلُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَا يَنَالُهُ أَحَدٌ غَيرُ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَحَدَ يَسْبِقُهُم فِيهِ، وَأَمَّا العِلْمُ وَالعِبَادَةُ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضِهِم عِلْمًا وَعِبَادَةً. - قَولُهُ: ((وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ)) هِيَ مِنْ عَلَامَاتِ وُقُوعِ الفِتَنِ كَمَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوقُوفًا: (كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ: يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً؛ فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ! قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ) (٢). - قَولُهُ: ((وَيَظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ)) لِرَغْبَتِهِم فِي الدُّنْيَا، وَنَيلِ شَهَوَاتِهِم وَالتَّنَعُّمِ بِهَا، وَغَفْلَتِهِم عَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ وَالعَمَلِ لَهَا.

стр. 1159

- قَولُهُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ): قَالَ أَبُو عُمَر ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "مَعْنَاهُ عِنْدَهُم: النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَولِهِ: (أَشْهَدُ بِاللهِ) وَ (عَلَى عَهْدِ اللهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا) وَنحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُم عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُونَ فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ" (١). - الضَّرْبُ مُبَاحٌ شَرْعًا فِي سِيَاقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ وَعِلَاجِ النُّشُوزِ؛ كَمَا فِي قَولِ النَّخَعِيِّ هُنَا، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا)) (٢)، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عِلَاجِ نُشُوزِ المَرْأَةِ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤] (٣). - فَائِدَةٌ: يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ ضَرْبِ الصَّغِيرِ -تَأْدِيبًا- أُمُورٌ؛ مِنْهَا: ١ - أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ قَابِلًا لِلتَّأْدِيبِ؛ فَلَا يُضْرَبُ مَنْ لَا يَعْرِفُ المُرَادَ مِنَ الضَّرْبِ! (٤) ٢ - أَنْ يَكُونَ التَّأْدِيبُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيهِ.

стр. 1160

٣ - أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي ذَلِكَ كَمًّا أَو نَوعًا. ٤ - أَنْ يَقَعَ مِنَ الصَّغِيرِ مَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ عَلَيهِ. ٥ - أَنْ يَقْصِدَ تَأْدِيبَهُ؛ لَا الانْتِقَامَ لِنَفْسِهِ! فَإِنْ قَصَدَ الانْتِقَامَ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّبًا بَلْ مُنْتَصِرًا. وَسُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ ضَرْبِ المُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ؛ فَقَالَ: "عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِم، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ؛ فَلَا يَضْرِبْهُ" (١). وَاليَتِيمُ يَجُوزُ لِكَافِلِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ، لِحَدِيثِ شُمَيسَةَ العَتَكِيَّةِ؛ قَالَتْ: ذُكِرَ أَدَبُ اليَتِيمِ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: (إِنِّي لأَضْرِبُ اليَتِيمَ حَتَّى يَنْبَسِطَ) (٢). وَلَا يَزِيدُ المُرَبِّي فِي ضَرْبِهِ عَنْ عَشْرِ ضَرْبَاتٍ، لِمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي بُرْدةَ ﵁ مَرْفُوعًا: ((لَا يُجْلَدُ فَوقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)) (٣).
следующие страницы →