Полный текст (1 328 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَانُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الخَالِقَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؛ فَالَّذِي يَرْحَمُ وَيَضُرُّ أَيضًا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ لَا يُدْعَى وَلَا يُتَعَلَّقُ بِسِوَى اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِيهِ الاسْتِدْلَالُ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.
- الوَاهِنَةُ: عِرْقٌ يَأْخُذُ فِي المَنْكِبِ وَاليَدِ كُلِّهَا.
- التَّمَائِمُ: جَمْعُ تَمِيمَةٍ، وَهِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَولَادِهِم يَتَّقُونَ بِهَا العَينَ -فِي زَعْمِهِم-؛ فَأَبْطَلَهَا الإِسْلَامُ (١).
- الوَدْعَةُ -بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُحَرَّكُ-: جَمْعُهَا وَدَعَاتٌ؛ خَرَزٌ بِيضٌ تُخْرَجُ مِنَ البَحْرِ؛ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ العَينِ (٢).
- الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي البَابِ لَمْ يَصِحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا صَحَّ مَوقُوفًا عَنْ عِمْرَانَ ﵁ بِنَحْوِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ مِنَ صُفَرٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: نُعِتَتْ لِي مِنَ الوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ وُكِلْتَ إِلَيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطُيِّرَ لَهُ، وَلَا تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ)) (٣).
- قَولُهُ: ((فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا)) أَي: ضَعْفًا، وَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى رَجَاءَ كَشْفِ الضُّرِّ.
- قَولُهُ: ((ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ)) أَي: لَا تَرَكَ لَهُ مَا يُحِبُّ، أَو لَا جَعَلَهُ فِي دَعَةٍ -أَي رَاحَةٍ- وَسُكُونٍ. стр. 107
- قَولُهُ: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ)) قَدْ تَكُونُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً؛ أَي: مَعْنَاهَا الإِخْبَارُ بِأَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ أَمْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا إِنْشَائِيًّا؛ أَي: مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيهِ بِأَنْ لَا يُتِمَّ اللهُ لَهُ أمْرَهُ.
- قَولُهُ: ((مَنْ تَعلَّقَ تَميمَةً)) أَي: علَّقَهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا قَلْبُهُ.
وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّ عَلَيهِ تَميمَةً!، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا؛ فبَايَعَهُ. وَقَالَ: ((مَنْ عَلَّقَ تَميمَةً فَقد أَشْرَكَ)) (١).
- تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ فِيهِ خَلَلٌ مِنْ جَانِبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ جَعَلَ نَصِيبًا لِغَيرِهِ تَعَالَى مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ؛ أَبِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ)) (٢).
- إِنَّ مَنْ لَبِسَ الحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّمَائِمَ -لِدَفْعِ العَينِ- لَهُ حَالَانِ:
١ - إِنِ اعْتَقَدَ لَابِسُهَا أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرِيكًا مَعَ اللهِ فِي الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ! وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ فِي العُبُودِيَّةِ حَيثُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِهَا طَمَعًا وَرَجَاءً لِلنَّفْعِ. стр. 108
٢ - إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ فَقَط؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَصْغَرَ (١) -وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا وَتَعَلَّقَ بِهِ؛ فَقَدْ شَابَهَ المُشْرِكِينَ مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ (٢)، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ ذِكْرُ القَاعِدَةِ هُنَاكَ (٣).
- إِنَّ جَعْلَ أَيَّ شَيءٍ سَبَبًا إِنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقَينِ فَقَط:
١ - عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ: بِأَنْ يَثْبُتَ فِي الشَّرْعِ كَونُهُ سَبَبًا لِأَمْرٍ مَا، وَذَلِكَ كَالعَسَلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النَّحْل: ٦٩]، وَكَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فَفِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢]، وَكَالحَبَّةِ السَّودَاءُ وَ .....
٢ - عَنْ طَرِيقِ القَدَرِ: أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ كَونًا أَنَّهُ سَبَبٌ، وَهُوَ مَا عُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالحِسِّ، كَمَا إِذَا جَرَّبْنَا هَذَا الشَّيءَ فَوَجَدْنَاهُ نَافِعًا فِي هَذَا الأَلَمِ أَوِ المَرَضِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ ظَاهِرًا مُبَاشِرًا (٤). стр. 109
- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "وَهَذَا البَابُ يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَسْبَابِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
١ - أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْهَا سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ أَنَّه سَبَبٌ شَرْعًا أَو قَدَرًا.
٢ - أَنْ لَا يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَيهَا؛ بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مُسَبِبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، مَعَ قِيَامِهِ بِالمَشْرُوعِ مِنْهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى النَّافِعِ مِنْهَا.
٣ - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيفَ يَشَاءُ -إِنْ شَاءَ أَبْقَى سَبَبِيَّتَهَا جَارِيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهَا كَيفَ يَشَاءُ-، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلعِبَادِ فِي أَنْ لَا يَعْتَمِدوا عَلَيهَا؛ وَلِيَعْلَمُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ" (١).
- فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: قَولُهُ: "أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ": هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَولَهُ ﷺ : ((لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)) لَيسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ لَو مَاتَ قَبْلَ العِلْمِ! بَلْ ظَاهِرُهُ: "بَعْدَ أَنْ عَلِمْتَ وَأُمِرْتَ بِنَزْعِهَا" (٢).
- يُشْرَعُ عِنْدَ الإِصَابَةِ بِالعَينِ فِعْلُ الرُّقْيَةِ بَدَلًا مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَينِ) (٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ: ((لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةِ)) (٤).
وَالرُّقيَةُ هِيَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَهُوَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَدِّ البَلَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ стр. 110
أَصْلًا، كَمَا فِي حَدِيثِ ثَوبَان مَرْفُوعًا: ((لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ)) (١)، فَتأمَّلْ قَولَهُ: ((لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاُء)) حَيثُ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ.
وَفِي الحَدِيثِ: ((الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزَلْ؛ فَعَلَيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ)) (٢)، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي دَفْعِ البَلَاءِ وَرَفْعِهِ.
- فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّكَ لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)) أَي: لَو مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا مَا أَفْلَحَ أَبَدًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ حَتَّى وَلَو كَانَ شِرْكًا أَصْغَر، فَهُوَ يُعذَّبُ بِهِ -وَإِنْ كَانَ لَا يعذَّبُ تَعْذِيبَ المُشْرِكِ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ- فَهُوَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُعَذَّبُ بِهِ بِقَدَرِهِ (٣)، فَفِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: "أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ" (٤). стр. 111
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ: ظَهَرَ فِي الأَسْوَاقِ -فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ- حَلْقَةٌ مِنَ المَعْدِنِ يَقُولُونَ: إِنَّهَا تَنْفَعُ فِي عِلَاجِ المَرَضِ المُسَمَّى بِـ"الرُّومَاتِيزِمِ"؛ فَمَا حُكْمُ لُبْسِهَا؟
الجَوَابُ:
الأَصْلُ أَنَّهُ لَيسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَيسَ عِنْدَنَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَلَا مَادِيٌّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ لَا تُؤَثِّرُ عَلَى الجِسْمِ! فَلَيسَ فِيهَا مَادَّةٌ ذَوَّابَةٌ حَتَّى نَقُولَ: إِنَّ الجِسْمَ يَشْرَبُ هَذِهِ المَادَّةِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا!
فَالأَصْلُ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ لَنَا بِدَلِيلٍ مَادِّيٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ ظَاهِرٍ أَنَّ لَهَا اتِّصَالًا مُبَاشِرًا بِهَذَا "الرُّومَاتِيزِم" حَتَّى يُنْتَفَعَ بِهَا، أَو أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ أَطِبَّاءٌ مُسْلِمُونَ مُؤْتَمَنُونَ فِي دِينِهِم؛ حَرِيصُونَ عَلَى أَمْرِ شَرِيعَتِهِم؛ حَاذِقُونَ فِي مِهْنَتِهِم، فَيَشْهَدُونَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الأَمْرِ الغَائِبِ عَنِ العِيَانِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 112
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ؛ فَأَرْسَلَ رَسُولًا: ((أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَو قِلَادَةٌ، إِلَّا قُطعَتْ)) (١).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (٢).
((التَّمَائِمُ)) شَيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَولَادِ مِنَ العَينِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعلَّقُ مِنَ القُرْآنِ؛ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُم لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهيِّ عَنْهُ؛ مِنْهُم ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁.
وَ ((الرُّقَى)) هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ.
وَ ((التِّوَلَة)) شَيءٌ يَصْنَعُونَهُ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوجِهَا، وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ (٣). стр. 113
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيفِعٍ؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَا رُوَيفعُ! لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ؛ فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظْمٍ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ)) (١).
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ؛ قَالَ: (مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ؛ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ). رَوَاهُ وَكِيعٌ (٢).
وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: (كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيرِ القُرْآنِ) (٣). стр. 114
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ التِّوَلَةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلِاثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ مِنْ غَيرِ اسْتِثْنَاءٍ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الرُّقْيَةَ بِالكَلَامِ الحَقِّ مِنَ العَينِ وَالحُمَةُ لَيسَ مِنْ ذَلِكَ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ التَّمِيمَةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ القُرْآنِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ؛ هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
السَّادِسَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الأَوتَارِ عَلَى الدَّوَابِ مِنَ العَينِ مِنْ ذَلِكَ.
السَّابِعَةُ: الوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ وَتَرًا.
الثَّامِنَةُ: فَضْلُ ثَوَابِ مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ كَلَامَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 115
الشَّرْحُ
- لَمْ يَجْزِمِ المُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ شِرْكٌ -كَمَا ذَكَرَ عَنِ التَّمِيمَةِ فِي البَابِ السَّابِقِ- لِأَنَّ الرُّقَى مِنْهَا مَا هُوَ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ شِرْكٌ، وَالتَّمَائِمَ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلِيهِ أَنَّهُ شِرْكٌ وَمِنْهَا مَا قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ أَمْ لَا.
- (الرُّقْيَةُ): بِالضَّمِّ: العُوذَةُ (١).
- قَولُهُ: ((إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ)) (أَلُّ) التَّعْرِيفِ هُنَا لِلاسْتِغْرَاقِ فِي جَمِيعِ الأَنْوَاعِ، وَخَصَّ الدَّلِيلُ مِنَ الرُّقَى مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ كَمَا فِي الحَدِيثِ ((لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)) (٢).
- شُرُوطُ الرُّقَى:
"أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
١ - أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى أَو بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
٢ - أَنْ تَكُونَ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ أَو بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ.
٣ - أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى" (٣).
- كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا اخْلَولَقَ وَبَليَ وَتَرُ القَوسِ أَبْدَلُوهُ بِغَيرِهِ، وَقَلَّدُوا بِالقَدِيمِ стр. 116
الدَّوَابَ اعْتِقَادًا مِنْهُم أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الدَّابَّةِ العَينَ (١)!
- قَولُهُ: ((مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ)) التَّعَلُّقُ: فِعْلُ القَلْبِ، وتَتْبَعُهُ أَعْمَالُ الجَوَارِحِ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ عَلَى شَيءٍ يُوكَلُ إِلَى ذَلِكَ الشَّيءِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي يُوكَلُ إِلَى المَخْلُوقِ يُوكَلُ إِلَى ضَيَاعٍ وَإِلَى ضَعْفٍ، لِأَنَّ المُخْلُوقَ ضَعِيفٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِبَ لِنَفْسِهِ النَّفْعَ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِمَخْلُوقٍ وُكِلَ إِلَى ضَيَاعٍ وَإِلَى عَجْزٍ وَإِلَى ضَلَالٍ فَيَهْلَكُ فِي أَيِّ وَادٍ كَانَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى العَبْدِ المُؤْمِنِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِرَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَمَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِرَبِّهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ وَيَقِيهِ كُلَّ شَرٍّ (٢).
- قَولُهُ: ((فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ)) هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنَ الكَبَائِرِ.
- النَّهْيُ عَنْ عَقْدِ اللِحْيَةِ يُفَسَّرُ عَلَى وَجْهَينِ:
١ - أَنَّهُ مِنْ زِيِّ العَجَمِ عِنْدَ الحَرْبِ لِلتَّكَبُّرِ.
٢ - أَنَّ مَعْنَاهُ مُعَالَجَةُ الشَّعْرِ لِيَتَعَقَّدَ وَيَتَجَعَّدَ، وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ التَّأْنِيثِ (٣).
- النَّهْيُ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوثِ وَالعِظَامِ سَبَبُهُ:
١ - أَنَّهُ زَادُ الجِنِّ المُسْلِمِ (٤). стр. 117
٢ - أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ (١).
- قَولُهُ: ((مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ؛ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ)) هُوَ لِسَبَبِينِ:
١ - أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ غَيرِ اللهِ.
٢ - أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ، لِكَونِ الشِّرْكِ لَا يُغْفَرُ.
- فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: "الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ ِمِنْ غَيرِ اسْتِثْنَاءٍ! ظَاهِرُ كَلَامِهِ حَتَّى الرُّقَى، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرُّقَى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَرْقِي وَيُرْقَى؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَرْقِي، أَيْ: لَا يَطْلُبُ الرُّقْيَةَ، فَإِطْلَاقُهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْرُّقَى فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُؤَلِّفِ ﵀ أَنَّ الدَّلِيلِ خَصَّ مِنْهَا مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْتَمَائِمِ؛ فَعَلَى رَأْي الجُمْهُورِ فِيهِ نَظَرٌ أَيضًا، وَأَمَّا عَلَى رَأْي ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَصَحِيحٌ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْتُّوَلِةِ؛ فَهِيَ شِرْكٌ بِدُونِ اسْتِثْنَاءٍ".
وَأَيضًا فَإِنَّ "المُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى خَصَّصَ العَينَ أَوِ الحُمَةَ فَقَطْ اسْتِنَادًا لِقَولِ الرَّسُولِ ﷺ ((لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَوْ حُمَةٍ)) وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَهُمَا كَالسِّحْرِ" (٢). стр. 118
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُلبِسَ المُسْلِمُ أَبْنَاءَهُ مَلَابِسَ رَثَّةً وَبَالِيَةً خَوفًا مِنَ العَينِ؟
الجَوَابُ:
الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيئًا، وَإِنَّمَا تَرَكَ شَيئًا وَهُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّجْمِيلُ.
وَفِي الأَثَرِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ رَأَى غُلَامًا صَغِيرًا حَسَنَ الصُّورَةِ فَخَافَ عَلِيهِ العَينَ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: (دَسِّمُوا نُونَتَهُ)، وَهِيُ النُّقْرَةُ فِي الذَّقْنِ الَّتِي تَظْهَرُ عِنْدَ الضَّحِكِ (١)، فَهُوَ لَيسَ لِأَجْلِ أَنْ تَدْفَعَ تِلْكَ النُّقْطَةُ العَينَ! وَلَكِنْ لِأَجْلِ أَنْ يَظْهَرَ بِمَظْهَرٍ لَيسَ بِحَسَنٍ؛ فَلَا تَتَعَلَّقُ النُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ بِهِ (٢).
وَكَمَا فِي أَمْرِ يَعْقُوبَ ﵊ لِأَبْنَائِهِ بِالدُّخُولَ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَشْيَةُ العَينٍ.
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "القَولُ فِي تَأْوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يُوسُف: ٦٧]: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ لَمَّا أَرَادُوا الخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا الطَّعَامَ: يَا بَنِيَّ стр. 119
لَا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وَذُكِرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُم؛ لِأَنَّهُم كَانُوا رِجَالًا لَهُم جَمَالٌ وَهَيأَةٌ؛ فَخَافَ عَلَيهِم العَينَ إِذَا دَخَلُوا جَمَاعَةً مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ -وَهُم وَلَدُ رَجُلٍ وَاحِدٍ- فَأَمَرَهُم أَنْ يَفْتَرِقُوا فِي الدُّخُولِ إِلَيهَا" (١). стр. 120
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ أُعَلِّقُ شَيئًا -كَخَرَزَةٍ أَو عَينٍ أَو كَفٍّ أَو حَدْوَةِ فَرَسٍ- وَلَا أَسْتَحْضِرُ هَذِهِ المَعَانِي الشِّرْكِيَّةِ ؛ فَقَطْ أُعَلِّقُهَا لِلزِّينَةِ -فِي السَّيَّارَةِ أَو فِي البَيتِ- فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ؟
الجَوَابُ:
إِنْ عَلَّقَ التَّمَائِمَ لِلدَّفْعِ أَوِ الرَّفْعِ؛ فَإِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ، وَإِنْ عَلَّقَهَا لِلزِّينَةِ فَهُوَ مُحرَّمٌ لِأَجْلِ مُشَابَهَتِهِ مَنْ يُشْرِكُ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ، وَقَدْ قَالَ ﵊: ((مَنْ تَشَبّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) (١). стр. 121
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا حُكْمُ مَنْ يَضَعُ وَرَقَةً كُتِبَتْ عَلَيهَا آيَةُ الكُرْسِيِّ فِي السِّيَّارَةِ، أَو يَضَعُ مُجَسَّمًا فِيهِ أَدْعِيَةٌ كَأَدْعِيَةِ رُكُوبِ السَّيَّارَةِ أَو أَدْعِيَةِ السَّفَرِ وَغَيرِهَا مِنَ الأَدْعِيَةِ؟
الجَوَابُ:
هَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ:
١ - إِنْ كَانَ وَضَعَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لِيَحْفَظَهَا وَيَتَذَكَّرَ قِرَاءَتَهَا؛ فَهَذَا جَائِزٌ، كَمَنْ يَضَعُ المُصْحَفَ فِي مُقَدِّمِ السَّيَّارَةِ أَو يَضَعُهُ مَعَهُ لِأَجْلِ أَنَّ يَقْرَأَ فِيهِ إِذَا أُتِيحَتْ فُرْصَةٌ لَهُ أَو لِمَنْ مَعَهُ؛ فَهَذَا جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
٢ - أَمَّا إِذَا وَضَعَهَا تَعَلُّقًا بِهَا لِأَجْلِ أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ الأَذَى! فَهَذَا هُوَ الكَلَامُ فِي مَسْأَلَة تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ مِنَ القُرْآنِ؛ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَحْرُمُ.
٣ - إِنْ وَضَعَهَا لِأَجْلِ الزِّينَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّ القُرْآنَ لَمْ يُجْعَلْ لِمِثْلِ هَذَا، وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ): "فَصْلٌ: لَا تَجُوزُ كِتَابَةُ القُرْآنِ بِشَيءٍ نَجِسٍ، وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ عَلَى الجُدْرَانِ عِنْدَنَا" (٢).
وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ): "وَيُكْرَهُ تَنْقِيشُ الجُدُرِ وَالخَشَبِ وَالثِّيَابِ بِالقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللهِ " (٣). стр. 122
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: بَعْضُ الأَوَانِي الَّتِي تُبَاعُ يُكْتَبُ عَلَيهَا آيَاتٌ مِنَ القُرْآنِ ؛ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهَا أَو شِرَاؤُهَا؟
الجَوَابُ:
١ - إِنْ كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا لِأَجْلِ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِمَا كُتِبَ فِيهَا مِنَ الآيَاتِ فَيَجْعَلَ فِيهَا مَاءً وَيَشْرَبَهُ لِأَجْلِ أَنَّ المَاءَ يُلَامِسُ هَذِهِ الآيَاتِ؛ فَهَذَا مِنَ الرُّقْيَةِ غَيرِ المَشْرُوعَةِ (١).
٢ - أَمَّا إِذَا أَخَذَهَا لِلزِّينَةِ أَو لِجَعْلِهَا فِي البَيتِ أَو لِتَعْلِيقِهَا؛ فَهَذَا كَرِهَهُ كَثِيرٌ مَنْ أَهْلِ العِلْمِ، لِأَنَّ القُرْآنَ مَا نَزَلَ لِتُزَيَّنَ بِهِ الأَوَانِي أَو تُزَيَّنَ بِهِ الحِيطَانُ، وَإِنَّمَا نَزَلَ للهِدَايَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإِسْرَاء: ٩].
وَقَدْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ العُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي المَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. стр. 123
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ مِنَ القُرْآنِ؟
الجَوَابُ:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ -وَهُوَ قَولُ الجُمْهُورِ- وَهُوَ مَرْوُيٌّ عَنْ عَبْد اللهِ بْن عَمْرو بْنِ العَاصِ (١)، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ (٢) (٣)، стр. 124
وَهُوَ قَولُ ابْنِ المُسِيِّبِ ﵃ (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ البَاقِرُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَحَمَلُوا الحَدِيثَ عَلَى التَّمَائِمِ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ (٢) وَالحَسَنُ (٣) стр. 125
وَالنَّخَعِيُّ (١)؛ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَولِ حُذَيفَةَ وَعُقْبَةَ بِنْ عَامِرٍ وَابْنِ عُكَيمٍ (٢)، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُم أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَزَمَ بِهَا المُتَأَخِّرُونَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:
١ - عُمُومُ النَّهْي فِي الحَدِيثِ، وَلَا مُخَصِّصَ لِهَذَا العُمُومِ.
٢ - سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْلِيقِ مَا لَيسَ كَذَلِكَ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَمًّا أَنَّهُ يُبْطِلُ النَّهْيَ عَنْ تَعْلِيقِ جُمْلَةِ التَّمَائِمِ الشِّرْكِيَّةِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِنَ القُرْآنِ! (٣)
٣ - أَنَّهُ لَو كَانَ جَائِزًا لَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيهِ، وَلَمْ يَخْفَ عَلِيهِ خَيرُهُ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ أَيسَرُ وَأَدْوَمُ أَثَرًا مِنَ القِرَاءَةِ عَلَى المَرِيضِ، وَأَهْوَنُ مِنْ تَكْرَارِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالأَدْعِيَةِ! (٤) стр. 126
٤ - أَنَّ الاسْتِشْفَاءَ بِالقُرْآنِ وَرَدَ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ -وَهِيَ القِرَاءَةُ بِهِ عَلَى المَرِيضِ- فَلَا تُتَجَاوَزُ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الدَّلِيلُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) (١).
٥ - أنَّهُ يُفْضِي إِلَى امْتِهَانِ المُصْحَفِ وَوُصُولِ النَّجَاسَاتِ إِلَيهِ (٢).
٦ - أَنَّ وَاقِعَ التَّمِيمَةِ أَنَّهَا اسْمٌ لِمَا يُدْرِكُهُ البَصَرُ عَلَى شَيءٍ مُغَلَّفٍ مِنْ جُلُودٍ وَرِقَاعٍ وَنَحْوِهِمَا لَا مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا تَمِيمَةً مِنَ القُرْآنِ لِأَنَّهَا لَيسَتْ بِظَاهِرَةٍ لِلعَيَانِ فِي كَونِهَا قُرْآنًا (٣). стр. 127
بَابُ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرٍ أَو حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٢].
وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَينٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، وَللِمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم؛ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُم -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). стр. 128
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النَّجْمِ.
الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ صُورَةِ الأَمْرِ الَّذِي طَلَبُوا.
الثَّالِثَةُ: كَونُهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
الرَّابِعَةُ: كَونُهُمْ قَصَدُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.
الخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوا هَذَا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى بِالجَهْلِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ وَالوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ مَا لَيسَ لِغَيرِهِمْ.
السَّابِعَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْذِرْهُمْ بَلْ رَدَّ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: ((اَللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ))؛ فَغَلَّظَ الأَمْرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ.
الثَّامِنَةُ: الأَمْرُ الكَبِيرُ -وَهُوَ المَقْصُودُ- أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ كَطَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ هَذَا مِنْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَعَ دِقَّتِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ.
العَاشِرَةُ: أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الفُتْيَا، وَهُوَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشِّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِهَذَا.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُمْ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ)؛ فِيهِ أَنَّ غَيرَهُمْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ -خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ-.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَدُّ الذَّرَائِعِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الغَضَبُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ.
стр. 129
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: القَاعِدَةُ الكُلِّيَّةُ لِقَولِهِ ((إِنَّهَا السُّنَنُ)).
اَلثَّامِنَةِ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِكَونِهِ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللهُ بِهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي القُرْآنِ؛ أَنَّهُ لَنَا.
العِشْرُونَ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّ العِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الأَمْرِ، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ القَبْرِ، أَمَّا (مَنْ رَبُّكَ؟) فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا (مَنْ نَبِيِّكَ؟)؛ فَمِنْ إِخْبَارِهِ بِأَنْبَاءِ الغَيبِ، وَأَمَّا (مَا دِينُكَ) فَمِنْ قَولِهِمْ (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا … ) إِلَى آخِرِهِ.
الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ مَذْمُومَةٌ كَسُنَّةِ المُشْرِكِينَ.
الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ المُنْتَقِلَ مِنَ البَاطِلِ الَّذِي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ العَادَةِ؛ لِقَولِهِ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).
стр. 130
الشَّرْحُ
- التَّبَرُّكُ: طَلَبُ البَرَكَةِ، وَأَصْلُ البَرَكَةِ: الزِّيَاَدُةُ وَالنَّمَاءُ (١).
- التَّبَرُّكُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَينِ:
١ - مِنْ بُرُوكِ البَعِيرِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَتِهِ وَثُبُوتِهِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ.
٢ - مِنَ البِرْكَةِ (مَجْمَعِ المَاءِ): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ المَاءِ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَعَلَى لُزُومِهِ لَهُ، وَزِيَادَتِهِ.
- حُكْمُ التَّبَرُّكِ غَيرِ المَشْرُوعِ:
١ - شِرْكٌ أَكْبَرُ: وَيَشْمَلُ حَالَتَينِ:
إِذَا اعْتَقَدَ فِي المُتَبَرَّكِ بِهِ الاسْتِقْلَالَ فِي النَّفْعِ أَوِ الضَّرِّ، وَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى اللهِ مِنِ بَابِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ وَالشُّفَعَاءِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ الأُلُوهِيَّةِ (٢).
٢ - شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِحُصُولِ البَرَكَةِ حَيثُ لَمْ يَرِدْ كَونُهُ سَبَبًا، وَأيضًا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِلمُشْرِكِينَ فِي أَفْعَالِهِم، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ لِلاعْتِقَادِ فِيهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى. стр. 131
- فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النَّجْم: ١٩ - ٢٥].
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ: " ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي رَآهَا ﷺ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَالأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَتَوحِيدِهِ؛ ذَكَرَ بُطْلَانَ مَا عَلَيهِ المُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ لَيسَ لَهُ مِنْ أَوصَافِ الكَمَالِ شَيءٌ، وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ فَارِغَةٌ عَنِ المَعْنَى، سَمَّاهَا المُشْرِكُونَ هُمْ وَآبَاؤُهُم الجُهَّالُ الضُّلَالُ، ابْتَدَعُوا لَهَا مِنَ الأَسْمَاءِ البَاطِلَةِ الَّتِي لَا تَسْتَحِقُّهَا، فَخَدَعُوا بِهَا أَنْفُسَهُم وَغَيرَهُم مِنَ الضُّلَّالِ، فَالآلِهَةُ الَّتِي بِهَذِهِ الحَالِ؛ لَا تَسْتَحِقُّ مِثْقَالَ ذَرَةٍ مِنَ العِبَادَةِ، وَهَذِهِ الأَنْدَادُ الَّتِي سَمَّوهَا بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ؛ زَعَمُوا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَوصَافٍ هِيَ مُتَّصِفَةٌ بِهَا، فَسَمَّوا (اللَاتَ) مِنَ (الإِلَهِ) المُسْتَحِقِّ لِلعِبَادَةِ، وَ (العُزَّى) مِنَ (العَزِيزِ)، وَ (مَنَاةَ) مِنَ (المَنَّانِ) إِلْحَادًا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَتَجَرِّيًا عَلَى الشِّرْكِ بِهِ، وَهَذِهِ أَسْمَاءٌ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ المَعَانِي، فَكُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ يَعْلَمُ بُطْلَانَ هَذِهِ الأَوصَافِ فِيهَا.
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ أَي: أَتَجْعَلُونَ للهِ البَنَاتِ بِزَعْمِكُم، وَلَكُمُ البَنُونَ؟ ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَي: ظَالِمَةٌ جَائِرَةٌ (١). стр. 132
وَقَولُهُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَي: مِنْ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِكُم (١)، وَكُلُّ أَمْرٍ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ فَاسِدٌ، لَا يُتَّخَذُ دِينًا، وَهُمْ -فِي أَنْفُسِهِم- لَيسُوا مُتَّبِعِينَ بُرْهَانًا يَتَيَقَّنُونَ بِهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَإِنَّمَا دَلَّهُم عَلَى قَولِهِم الظَّنُّ الفَاسِدُ، وَمَا تَهْوَاهُ أنْفُسُهُم مِنَ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ المُوَافِقَةِ لِأَهْوِيَتِهِم (٢).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أَي: الَّذِي يُرْشِدُهُم فِي بَابِ التَّوحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَجَمِيعِ المَطَالِبِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيهَا العِبَادُ، فَكُلُّهَا قَدْ بيَّنَهَا اللهُ أَكْمَلَ بَيَانٍ وَأَوضَحَهُ، وَأَقَامَ عَلَيهِ مِنَ الأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينَ مَا يُوجِبُ لَهُم وَلِغَيرِهِم اتِّبَاعَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ مِنْ بَعْدِ البَيَانِ وَالبُرْهَانِ، وَإِذَا كَانَ مَا هُمْ عَلَيهِ غَايَتُهُ اتِّبَاعُ الظَّنِّ، وَنِهَايَتُهُ الشَّقَاءُ الأَبَدِيُّ وَالعَذَابُ السَّرْمَدِيُّ، فَالبَقَاءُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ مِنْ أَسْفَهِ السَّفَهِ وأَظْلَمِ الظُّلْمِ، وَمَعْ ذَلِكَ يَتَمَنَّونَ الأَمَانِيَ، وَيَغْتَرُّونَ بِأَنْفُسِهِم، وَلِهَذَا أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَا تَمَنَّى، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ! فقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ فَيُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، فَلَيسَ الأَمْرُ تَابِعًا لِأَمَانِيِّهِم، وَلَا مُوَافِقًا لِأَهْوَائِهِم" (٣). стр. 133
- اللَاتُ (١): كَانَتْ صَخْرَةً بَيضَاءَ مَنْقُوشَةً، عَلَيهَا بَيتٌ وَأَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ وَحَولَهُ فِنَاءٌ مُعظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَبِعَهَا، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَهَدَمَهَا وَحَرَّقَها بِالنَّارِ.
وَالعُزَّى (٢): كَانَتْ شَجَرَةً عَلَيهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَةَ (٣)، كَانَتْ قُرَيشُ يُعَظِّمُونَها، وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَيهَا فَهَدَمَهَا.
وَأَمَّا مَنَاةُ (٤): فَصَنَمٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالأَوسُ وَالخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَهَا وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلحَجِّ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَهَدَمَهَا عَامَ الفَتْحِ (٥). وَسُمِّيَتْ بِـ (مَنَاة) لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى (يُرَاقُ) عَلَيهَا مِنَ الدِّمَاءِ.
- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ: أَنَّ اللَاتَ صَخْرَةٌ، وَمَنَاةَ صَخْرَةٌ، وَالعُزَّى شَجَرَةٌ؛ وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ هَذِهِ الثَّلَاثِ هُوَ عَينُ مَا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأخِّرَةِ عِنْدَ الأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ وَالغِيرَانِ وَالقُبُورِ. стр. 134
- فِي حَدِيثِ أَبِي واقدٍ اللَّيثِيِّ (١) بَيَانُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِينَ:
١ - أَنَّهُم كَانُوا يُعَظِّمُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ.
٢ - أَنَّهُم كَانُوا يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَالعُكُوفُ: هُوَ مُلَازَمَةُ الشَّيءِ.
٣ - أَنَّهُم كَانُوا يَنُوطُونَ بِهَا الأَسْلِحَةَ رَجَاءَ حُلُولِ البَرَكَةِ فِي السِّلَاحِ حَتَّى يَكُونَ أَمْضَى، وَحَتَّى يَكُونَ خَيرُهُ لِحَامِلِهِ أَكْثَرَ (٢).
- قَولُهُم: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ) إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَبَرَّكُوا بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ لَا أَنْ يَعْبُدُوها -وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُم تَرَكُوا عِبَادَةَ غَيرِ اللهِ وَأَسْلَمُوا-؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَأَنَّهُ كُفْرٌ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ: (وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ).
- قَولُهُ: ((اللهُ أَكْبَرُ)) (٣) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الكَلَامِ فِيهِ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَعْلُ نِدٍّ مَعَهُ.
- قَولُهُ: ((كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى)) فِيهِ تَشْبِيهُ القَولِ بِالقَولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الجَهْلَ سَبَبٌ لِلشِّرْكِ، стр. 135
وَفِيهِ أَهَمِيِّةُ تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ وَضَرُورَةُ تَعْلِيمِهِ.
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وَكَقَولِهِ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
هَذَا؛ وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فكَيفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ التَّوحِيدَ إِلَّا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ! فَاللهُ المُسْتَعَانُ.
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَدَبِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم أَنَّهُم سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلُوا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العِبَادَاتِ تَوقِيفِيَّةٌ.
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: (بِشَجَرٍ أَو حَجَرٍ): يَدْخُلُ فِيهِ الحَجَرُ الأَسْوَدُ فَلَا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُتعبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ -اتِّبَاعًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ بَرَكَةُ الثَّوَابِ.
وَفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ): قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ لِلرُّكْنِ اليَمَانِيِّ: (أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ)، فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ قَالَ: (فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَينَا بِهِ المُشْرِكِينَ -وَقَدْ أهلَكَهُمُ اللهُ-، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) (١) (٢).
- إِنَّ سَبَبَ انْتِشَارِ المُخَالَفَاتِ الشِّرْكيَّةِ بِالتَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ وَالآثَارِ هُوَ نَتِيجَةُ صُعُوبَةِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أُولَئِكَ المُتَبَرِّكِينَ؛ فَأَرَادُوا غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَزِيَادَةَ الحَسَنَاتِ بِأَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَعَمَدُوا إِلَى التَّبَرُّكِ المُبْتَدَعِ بِالآثَارِ المَكَانِيَّةِ وَآثَارِ الصَّالِحِينَ. стр. 136
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنْ أَثَرٍ عَلِيٍّ ﵁ -رَدًّا عَلَى قَولِ عُمَرَ السَّابِقِ عَنِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ - وَفِيهِ: قَالَ عُمَرُ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ) ثُمَّ قَبَّلَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: (بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ)! رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (١)؟
وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ مُخْتَصَرَينِ:
١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ (٢).
٢ - أَنَّ مَعْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى وَعِقَابِهِ، وَأَنَّ الحَجَرَ شَاهِدٌ لِمَنْ تَابَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِلَامِهِ؛ كَمَا تَجِدُهُ فِي سِيَاقِ نَفْسِ اللَّفْظِ الضَّعِيفِ، وَيُغْنِي عَنْهُ مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: ((لَيَأْتِيَنَّ هذَا الحَجَرُ يَومَ القِيَامَةِ لَهُ عَينَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ)) (٣). стр. 137
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ التَّبَرُّكِ بِالصَّالِحِينَ، وَبِمَاءِ زَمْزَمَ، وَالتَّعَلُّقِ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ؟
الجَوَابُ:
١ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ فَقِسْمَانِ:
أ- تَبَرُّكٌ بِذَوَاتِهِم؛ بِعَرَقِهِم؛ بِسُؤْرِهِم؛ بِشَعْرِهِم؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَة، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيهِ عَمْلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -وَهُم سَادَةُ أَولِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ- (١)، فَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّوَاتِ خَاصٌّ بِالأَنْبِيَاءِ فَقَط (٢). стр. 138
ب- تَبرُّكٌ بِعِلْمِهِم وَعَمَلِهِم: وَهُوَ الاقْتِدَاءُ بِالصَّالِحِينَ فِي صَلَاحِهِم، وَالاسْتِفَادَةُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي عِلْمِهِم وَهَدْيهِم وَسِيرَتِهِم.
٢ - أَمَّا التَّبَرُّكُ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَهُوَ عَلَى قَاعِدَةِ: (أَنَّ التَّبَرُّكَ يَجْرِي كَمَا وَرَدَ) أَي: أَنَّ التَّبَرُّكَ تَوقِيفِيُّ الكَيفِيَّةِ، فَإِنَّ التَّبَرُّكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ جَاءَ بِهَيئَةِ الشُّرْبِ وَالصَّبِّ؛ فَمَنْ تَبَرَّكَ بِهِ بِأَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ بِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ (١) (٢).
٣ - أَمَّا التَّعَلُّقَ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ رَجَاءَ البَرَكَة؛ فَلَهُ حَالَانِ:
أ- شِرْكٌ أَصْغَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ التَّبَرُّكَ سَبَبٌ لِلخَيرِ أَوِ الشِّفَاءِ مِنَ الله تَعَالَى، وَقَدْ عُلِمَ أنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُرْشِدْ لِهَذَا النَّوعِ مِنَ الأَسْبَابِ.
ب- شِرْكٌ أَكْبَرُ: إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الكَعْبَةَ تَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ، أَو أَنَّ الكَعْبَةَ لَهَا شَفَاعَةٌ عِنْدَ اللهِ فَتُقْضَى حَاجَتُهُ بِهَا. стр. 139
المُلْحَقُ الثَّانِي عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ فَهَذِهِ مَسَائِلُ مُوجَزَةٌ فِي مَوضُوعِ التَّبَرُّكِ؛ اقْتَطَفْتُهَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ رَحِمَهُم اللهُ تَعَالَى، أَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ مُفِيدَةً فِي بَابِهَا (١).
- قَوَاعِدُ فِي التَّبَرُّكِ:
١ - الخَيرُ كُلُّهُ فِي يَدِ اللهِ تَعَالَى؛ لَيسَ لِأَحَدٍ مِنْهُ شَيءٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٦] (٢).
وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: ((البَرَكَة مِنَ اللهِ)) (٣). стр. 140
٢ - مَعْنَى البَرَكَةِ.
البَرَكَةُ تَدُورُ حَولَ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الثَّبَاتُ وَاللُّزُومُ، النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ (١)، السَّعَادَةُ (٢).
وَالتَّبَرُّك هُوَ طَلَبُ البَرَكَةِ، أَي: طَلَبُ حُصُولِ الخَيرِ بِمُقَارَبَةِ ذَلِكَ الشَّيءِ وَمُلَابَسَتِهِ.
وَيَشْرحُ مَعْنَى البَرَكَةِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَو مالِهِ أَو مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لهُ بِالبَرَكَةِ؛ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ)) (٣)، فَالمَقْصُودُ بِالبَرَكَةِ هُنَا -مَثَلًا- هُوَ عَكْسُ مَا يُخْشَى مِنْهُ مِنَ العَينِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَولُ عَائِشَة ﵂ -لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ جُوَيرِيَةَ بِنْتَ الحَارِثِ- قَالَتْ: (فَمَا رَأَينَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَومِهَا مِنْهَا؛ أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيتٍ مِنْ بَنِي المُصْطَلِقِ) (٤)، فالبَرَكَةُ هُنَا هِيَ حُصُولُ الخَيرِ بِسَبَبِهَا.
وَكَمَا قَالَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ فِي قِصَّةِ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) (٥) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيسَ ذَلِكَ هُوَ أَوَّلُ خَيرٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِكُم. стр. 141
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى اخْتَصَّ بَعْضَ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الفَضْلِ وَالبَرَكَةِ.
فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ قَدْ تَكُونُ فِي أَمْكِنَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي ذَوَاتٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي أَزْمِنَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ فِي صِفَاتٍ.
ومِنَ الأَوَّلِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فُصِّلَت: ١٠] عَنِ الأَرْضِ.
ومِنَ الثَّانِي قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصَّافَّات: ١١٣]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مَرْيَم: ٣١] عَنِ الأَنْبِيَاءِ.
ومِنَ الثَّالِثِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القَدْر: ٣]، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ: ((تَسَحَّرُوا فإنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً)) (١).
وَمِنَ الرَّابِعِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النُّور: ٦١]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٥٠].
٤ - أَنَّ التَّبَرُّكَ مِنْهُ المَشْرُوعُ وَمِنْهُ المَمْنُوعُ (٢). стр. 142
٥ - أَنَّ التَّبَرُّكَ بِشَيءٍ يَجْرِي عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ.
فَالتَّبَرُّكُ بِالمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا؛ وَلَيسَ بالتَّمَسُّحِ بِجُدْرَانِهَا وَأَرْضِهَا! وَالتَّبَرُّكُ بِالقُرْآنِ يكَونُ بِتِلَاوَتِهِ وَتَدَبُّرِهِ وَالعَمَلِ بِهِ؛ لَا بِجَعْلِهِ تَمِيمَةً! أَو غَسْلِ أَورَاقِ المُصْحَفِ وَشُرْبِهَا! وَهَكَذَا كُلٌّ وُفْقَ مَا وَرَدَ.
- مَعْنَى (تَبَارَكَ): قَالَ فِيهِ أَهْلُ العِلْمِ مَعْنَيَينِ:
الأَوَّلُ: تَعَاظَمَ، فَقَدْ جَاءَتِ اللَّفْظَةُ عَلَى بِنَاءِ السَّعَةِ وَالمُبَالَغَةِ كَـ (تَعَالَى) وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَمَال العُلُوِّ، فَكَذَلِكَ (تَبَارَكَ) دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ بَرَكَتِهِ وَعِظَمِهَا وَسِعَتِهَا (١).
الثَّانِي- تَبَارَكَ: أَي: جَاءَ بِكُلِّ برَكَةَ.
ولِمَا سَبَقَ مِنَ المَعْنَى؛ فَهِيَ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى كَمَا أَطْلَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِقَولِهِ: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٤]، أَلَا تَرَاهَا كَيفَ اطَّرَدَتْ فِي القُرْآنِ جَارِيَةً عَلَيهِ مُخْتَصَّةً بِهِ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيرِهِ (٢). стр. 143
- أَسْبَابُ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ:
١ - الجَهْلُ بِالدِّينِ.
وَتأمَّلْ قَولَ مُوسَى ﵊ عَنْ قَومِهِ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨].
وَهَذَا الجَهْلُ -اليَومَ- نَاشِئٌ عَنْ سُكُوتِ أَهْلِ العِلْمِ، وَتَشْجِيعِ أَهْلِ البِدَعِ (١)، وَالتَّقْلِيدِ الأَعْمَى.
٢ - الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ.
كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) (٢).
٣ - التَّشَبُّهُ بِالكُفَّارِ.
كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: ((لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) (٣)، وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا التَّشَبُّهِ: إِقَامَةُ المَولِدِ النَّبَوِيِّ وَالأَعْيَادِ المُبْتَدَعَةِ، وَبِنَاءُ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ.
٤ - تَعْظِيمُ الآثَارِ.
وَهُوَ نَاتِجٌ عَنْ تَسَاهُلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ فِي رِوَايَةِ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الآثَارِ المَكَانِيَّةِ стр. 144
الضَّعْيِفَةِ وَالمَوضُوعَةِ.
عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بَلَغَهُ أَنَّ قَومًا يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَهَا، فَتَوَعَّدَهُم، ثُمَّ أُمِرَ بِقَطْعِهَا؛ فَقُطِعَتْ (١).
- وَسَائِلُ مُقَاوَمَةِ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ:
١ - نَشْرُ التَّوحِيدِ، وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ، وَتَعْلِيمُهُ لِلنَّاسِ، وَكَمَا قِيلَ: "وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ" (٢). стр. 145
٢ - نَشْرُ العِلْمِ الصَّحِيحِ، وَالتَّحَرِّي فِيمَا يُنْقَلُ وَيُذكَرُ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، وَتَوجِيهُ مَا صَحَّ مِنْهَا.
٣ - الدَّعْوَةُ إِلَى المَنْهَجِ الحَقِّ بَالرُّجُوعِ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
٤ - إِزَالَةُ وَسَائِلِ الغُلوِّ وَمَظَاهِرِ التَّبَرُّكِ المَمْنُوعِ -وَكُلٌّ بِحَسْبِ وِلَايَتِهِ وَقُدْرَتِهِ-، كَمَا فِي كَسْرِ النَّبِيِّ مَحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ لِلأَصْنَامِ، وَتَحْرِيقِ مُوسَى لِلعِجْلِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (١).
- التَّبَرُّكُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: مِنْهُ المَشْرُوعُ وَمِنْهُ المَمْنُوعُ:
أَوَّلًا: التَّبَرُّكُ المَشْرُوعُ بِالأَنْبِيَاءِ
إِنَّ بَرَكَةَ الأَنْبِيَاءِ جَارِيَّةٌ وُفْقَ نَوعِينِ:
أ- بَرَكَةٍ حِسِّيَّةٍ: وَهِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ وَآثَارٍ وَأَفْعَالٍ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَهَاكَ أَمْثِلَةً:
أَمَّا بَرَكَةُ الذَّاتِ: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: (كَانَ -أَي النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ إِلَّا غَمَسَ يَدَهَ فِيهِ) (٢). следующие страницы →