← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بَابُ الخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ وَقَولُ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. وَقَالَ الخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥]. وَفِي الحَدِيثِ ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ))، فَسُئِلَ عَنْهُ؛ فَقَالَ: ((الرِّيَاءُ)) (١). وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَهوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ)) (٣).

стр. 72

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: الخَوفُ مِنَ الشِّرْكِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ أَخْوَفُ مَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الصَّالِحِينَ. الخَامِسَةُ: قُرْبُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ. السَّادِسَةُ: الجَمْعُ بَينَ قُرْبِهِمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ؛ وَلَو كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ. الثَّامِنَةُ: المَسْأَلَةُ العَظِيمَةُ؛ سُؤَالُ الخَلِيلِ لَهُ وَلِبَنِيِهِ وِقَايَةَ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ. التَّاسِعَةُ: اعْتِبَارُهُ بِحَالِ الأَكْثَرِ لِقَولِهِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٦]. العَاشِرَةُ: فِيهِ تَفْسِيرُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" كَمَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَضِيلَةُ مَنْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ.

стр. 73

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ وَلِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ؛ هُوَ التَّخْوِيفُ مِنْ تَرْكِ التَّوحِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّرْغِيبِ فِي التَّوحِيدِ، فَيَكُونُ الأَمْرُ بِالتَّوحِيدِ قَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. - أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي البَابِ وَجْهَانِ لِلخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ؛ هُمَا: ١ - أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا. ٢ - أَنَّ الشِّرْكَ مِنْهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ يَعْرِضُ لِلمُسْلِمِ فِي عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ؛ وَقَدْ لَا يَشْعُرُ بِهِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَي: لَا يَغْفِرُ لِعَبْدٍ لَقِيَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَي: مِنَ الذُّنُوبِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (١). وَلَكِنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٨]. - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ وَالأَصْغَرُ، وَلَكِنَّ الأَكْبَرَ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَهُ يَبْقَى يُعذَّبُ بِهِ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائِدَة: ٧٢].

стр. 74

أَمَّا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ فَهُوَ -وَإِنْ كَانَ لَا يُغْفَرُ- فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُعَذَّبُ عَلَيهِ بِقَدْرِهِ -لِأَنَّ أَصْلَ التَّوحِيدِ مَعَهُ-؛ فَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ -وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا-، وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ نَفَعَتْهُ يَومًا مِنْ دَهْرِهِ، يُصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ)) (١). - فِي الآيَةِ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ -المُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ-؛ وَعَلَى المُعْتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ أَصْحَابَ الكَبَائِرِ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ؛ وَلَيسُوا عِنْدَهُم بِمُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارَ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا سِوَى الشِّرْكِ تَحْتَ المَشِيئَةِ؛ فَهُوَ قَابِلٌ لِلمَغْفِرَةِ -خِلَافًا لِمَذْهَبِهِم-. - الصَّنَمُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ -أَي: ذِي رُوحٍ-، أَمَّا مَا عُبِدَ وَهُوَ عَلَى غَيرِ صُورَةِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالقَبْرِ فَهَذَا يُسَمَّى وَثَنًا، فَالوَثَنُ أَعَمُّ مِنَ الصَّنَمِ لِأَنَّ الصَّنَمَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى التِّمْثَالِ، وَأَمَّا الوَثَنُ فَيُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ وَغَيرِهِ، فَالقَبْرُ يَكُونُ وَثَنًا إِذَا عُبِدَ، قَالَ ﷺ : ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَاءِهِم مَسَاجِدَ)) (٢)، فَالوَثَنُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَ (٣). - فِي دُعَاءِ الخَلِيلِ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ؛ بَيَانُ عِظَمِ الشِّرْكِ -وَقَدْ

стр. 75

عَلِمْتَ أًنَّهُ كَانَ إِمَامًا لِلنَّاسِ ﵇، وَكَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ (١): "مَنْ يَأْمَنُ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ! "، وَأَيضًا قَولُهُ ﵊: ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) (٢) وَالكَافُ فِيهِ لِلخِطَابِ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَوَّلِيًّا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُم، وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيكُمْ مِنَ المَسِيحِ عِنْدِي؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((الشِّرْكُ الخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ)) (٣). فَفِي هَذِهِ الأَدِلَّةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ هَوَّنَ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ -فِي هَذَا الزَّمَنِ- وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ! فَلَا يَأْمَنُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَقَدْ عَقَدَ المُصَنِّفُ ﵀ بَابًا خَاصًّا لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ وَسَمَّاهُ "بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ". - الرِّيَاءُ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِمِ -أَي الَّذِي قَدْ يَصْدُرُ مِنَ المُسْلِمِ-: ١ - رِيَاءُ المُنَافِقِ: هُوَ رِيَاءٌ فِي أَصْلِ الدِّينِ، يَعْنِي أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الكُفْرَ، قَالَ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]. ٢ - رِيَاءُ المُسْلِمِ: لَا يَكُونُ فِي أَصْلِ تَدَيُّنِهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَو حَسَّنَ الرَّجُلُ صَلَاتَهَ

стр. 76

أَمَامَ النَّاسِ لِطَلَبِ جَاهٍ أَو ذِكْرٍ حَسَنٍ بَينَ النَّاسِ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ مِثْلَ يَسِيرِ الرِّيَاءِ، أَمَّا الرِّيَاءُ الكَامِلُ فَهُوَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ المُنَافِقِ (١). - الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ جَمِيعُ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الشِّرْكِ، كَالغُلُوِّ فِي المَخْلُوقِ -بِحَيثُ لَا يَصِلُ هَذَا الغُلُوُّ إِلَى رُتْبَةِ العِبَادَةِ (٢) -، وَكَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، وَيَسِيرِ الرِّيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ بِقَيدِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ قَدْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ شِرْكٌ، فَلَيسَ كُلُّ ذَرِيعَةٍ إِلَى الشَّرْكِ تَكُونُ شِرْكًا؛ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ كَبِيرَةً مِنَ الكَبَائِرِ فِي نَفْسِهَا! - الرِّيَاءُ فِي الحَدِيثِ جَاءَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ التَّصَنُّعُ لِيُسْمَعَ عَنْهُ فَهُوَ سُمْعَةٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّيَاءِ أَيضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). - قَولُهُ: (وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا) (٤): الدُّعَاءُ نَوعَانِ: ١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ. وَسُمِّيَ دُعَاءً لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ؛ فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى:

стр. 77

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا. وَهُنَا مَلْحَظٌ لَطِيفٌ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ "كَنَّى بِالدُّعَاءِ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا دَعَاهُ عِنْدَ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ" (١)، "وَمَا أَنْسَبَ التَّعْبِيرَ لِعُبَّادِ الأَوثَانِ عَنِ العِبَادَةِ بِالدُّعَاءِ: إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَا يُدْعَى فِي الضَرُورَاتِ فَيَسْمَعُ؛ فَعَابِدُهُ أَجْهَلُ الجَهَلَةِ" (٢). وَمِصْدَاقُهُ فِي إِنْكَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَلَى وَالِدِهِ الشِّرْكَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مَرْيَم: ٤٢]. ٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ، وَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (٣)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ : ((مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ)) (٤) فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ ((يَا قَبِيصَةُ؛ إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ)) (٥) فِي سُؤَالِ الصَّدَقَةِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، بِخِلَافِ مَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا دُعِيَ بِهِ -مِمَّا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أَصْلًا-؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ شِرْكًا، قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].

стр. 78

- فَائِدَة ١: قَدْ أَورَدَ بَعْضُهُم هُنَا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : ((وَإِنِّي -وَاللهِ- مَا أَخَافُ علَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي؛ وَلَكِنِّي أَخَافُ علَيكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا)) (١) فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الخَوفِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؛ وَإِنَّمَا فَقَط مِنَ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا!! وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّوجِيهُ، وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ فِي قَولِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٢): "قَولُهُ: ((وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِيِ)) أَي: عَلَى مَجْمُوعِكُم؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنَ البَعْضِ -أَعَاذَنَا اللهُ تَعَالَى-" (٣). - فَائِدَة ٢: فِي التَّخلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعَيهِ: الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟))، قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ)) (٤).

стр. 79

- فَائِدَة ٣: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ-بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ- (١): "فَأَمَّا دُخُولُ المُشْرِكِ النَّارَ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَيَدْخُلُهَا وَيَخْلُدُ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَينَ (الكِتَابِيِّ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ) وَبَينَ (عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَسَائِرِ الكَفَرَةِ)، وَلَا فَرْق عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ بَينَ (الكَافِر عِنَادًا وَغَيرهِ) وَلَا بَين (مَنْ خَالَفَ مِلَّة الإِسْلَامِ) وَبَينَ (مَنِ انْتَسَبَ إِلَيهَا؛ ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيرِ ذَلِكَ). وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ مَاتَ غَيرَ مُشْرِكٍ الجَنَّةَ؛ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) دَخَلَ الجَنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) فَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ وَخُلِّدَ فِي الجَنَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (٢). - فَائِدَة ٤: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: "فِيهِ تَفْسِيرُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كَمَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ" يَقْصُدُ بِهِ أَنَّ البُخَارِيِّ ﵀ بَوَّبَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ فِي الصَّحِيحِ: "بَابُ قَولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥] " فَكَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَهُ مُفَسِّرًا لِلتَّرْجَمَةِ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ مَعَ اللهِ هِيَ مِنَ الشِّرْكِ.

стр. 80

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: هَلِ الكُفْرُ هُوَ نَفْسُهُ الشِّرْكُ؛ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَهُمَا؟ الجَوَابُ: الكُفْرُ يَخْتَلِفُ عَنِ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، فَالكُفْرُ هُوَ التَّغْطِيَةُ، وَأَمَّا الشِّرْكُ فَهُوَ مِنَ الإِشْرَاكِ فِي الشَّيءِ خِلَافًا لِلتَّوحِيدِ. أَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَلَا فَرْقَ بَينَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَوحِيدِ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ كَفَرَ بِتَوحِيدِهِ سُبْحَانَهُ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُ سُبْحَانَهُ شَيئًا -إِمَّا إِلَهًا مَعْبُودًا، وَإِمَّا هَوًى مُتَّبَعًا وَلَابُدَّ-، وَيُمْكُنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّهُ جَعَلَ مَا للهِ لِغَيرِ اللهِ (١). فَالكُفْرُ وَالشِّرْكُ مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرْعِ، وَالأَكْثَرُ فِي الشِّرْكِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى إِشْرَاكِ شَيءٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلَوهِيَّةِ أَوِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَالأَكْثَرُ فِي الكُفْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الجُحُودِ، وَلَكِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَافِرٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُشْرِكٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَرَدُّهَا إِلَى الشَّرْعِ، وَمِنْ أَدِلَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَهُمَا: أ- قَولُهُ تَعَالَى فِي صَاحِبِ الجَنَّةِ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكَهْف: ٣٥ - ٣٧]، فَفِيهِ إِثْبَاتُ كُفْرِهِ وَذَلِكَ بِإِنْكَارِهِ البَعْثَ وَالمَعَادَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى عَنِ الأَوَّلِ: ﴿وَأُحِيطَ

стр. 81

بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ حَيثُ سَمَّى اللهُ تَعَالَى كُفْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ شِرْكًا. ب- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا﴾ [الفُرْقَان: ٤٣] فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَتْبُوعٍ يَكُونُ مُشْرِكًا بِهِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَالَ اللهُ : ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣] قَالَ الحَسَنُ وَغَيرُهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ، فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوحِيدِ" (١). ج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ تَارِكَ الصَّلَاةِ بِالشِّرْكِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَيسَ بَينَ العَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ)) (٢)، رُغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذَ نِدًّا فِي العِبَادَةِ -ظَاهِرًا- مَعَ اللهِ تَعَالَى! (٣).

стр. 82

بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يُوسُف: ١٠٨]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ؛ قَالَ لَهُ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَومًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ-، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ؛ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ)) (١). أَخْرَجَاهُ. وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَومَ خَيبَرَ: ((لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدِيهِ)). فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُم أّيُّهُم يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُم يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟)) فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَينَيهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيهِ، فَأُتِي بِهِ فبَصَقَ فِي عَينَيهِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ: ((اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِم، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ؛ فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)) (٢). (يَدُوكُونَ) أَي: يَخُوضُونَ.

стр. 83

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ طَرِيقُ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلَاصِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَو دَعَا إِلَى الحَقِّ؛ فَهُوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ البَصِيرَةَ مِنَ الفَرَائِضِ. الرَّابِعَةُ: مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ كَونُهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنِ المَسَبَّةِ. الخَامِسَةُ: أَنَّ مِنْ قُبْحِ الشِّرْكِ كَونَهُ مَسَبَّةً لِلَّهِ. السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا؛ إِبْعَادُ المُسْلِمِ عَنِ المُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْهُمْ؛ وَلَو لَمْ يُشْرِكْ. السَّابِعَةُ: كَونُ التَّوحِيدِ أَوَّلَ وَاجِبٍ. الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ؛ حَتَّى الصَّلَاة. التَّاسِعَةُ: أَنَّ مَعْنَى: ((أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ)) مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. اَلعَاشِرَةُ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا؛ أَو يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالتَّدْرِيجِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: البدَاءَةُ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَشْفُ العَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ المُتَعَلِّمِ.

стр. 84

الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ كَرَائِمِ الأَمْوَالِ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: اتِّقَاءُ دَعْوَةِ المَظْلُومِ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإِخْبَارُ بِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وِسَادَاتِ الأَولِيَاءِ مِنَ المَشَقَّةِ وَالجُوعِ وَالوَبَاءِ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ)) إِلَخْ؛ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. العِشْرُونَ: تَفْلُهُ فِي عَينَيهِ؛ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهَا أَيضًا. الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عَلِيٍّ ﵁. الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: فَضْلُ الصَّحَابَةِ فِي دَوكِهِمْ تِلْكَ اللَّيلَةَ وَشُغْلِهِمْ عَنْ بِشَارَةِ الفَتْحِ. الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ لِحُصُولِهَا لِمَنْ لَمْ يَسْعَ لَهَا وَمَنْعِهَا عَمَّنْ سَعَى. الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: الأَدَبُ فِي قَولِهِ ((عَلَى رِسْلِكَ)). الخَامِسَةُ وَالعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ إِلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ القِتَالِ. السَّادِسَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَنْ دُعُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَقُوتِلُوا. السَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ بِالحِكْمَةِ لِقَولِهِ: ((أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيهِمْ)). الثَّامِنَةُ وَالعِشْرُونَ: المَعْرِفَةُ بِحَقِّ اللهِ فِي الإِسْلَامِ. التَّاسِعَةُ وَالعِشْرُونَ: ثَوَابُ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ. اَلثَّلَاثُونَ: الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا.

стр. 85

الشَّرْحُ - فِي الأَبْوَابِ السَّابِقَةِ بَيَانُ أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَلِمَ أَهَمِيَّةَ التَّوحِيدِ وَفَضْلَهُ وَضَرُورَةَ الخَوفِ مِنْ تَرْكِهِ لَزِمَ أَنَّ يَعْمَلَ بِهِ، وَفِي هَذَا البَابِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَقْتَصِرَنَّ فِي الخَيرِ عَلَى نَفْسِهِ؛ بَلْ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيهِ. وَفِي هَذَا البَابِ أَيضًا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا إِذَا دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العَصْر: ١ - ٣]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تَنْزِيهٌ للهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِهِ (١). - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَينِ: ١ - ضَرُورَةُ الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوحِيدِ؛ وَأَنَّهَا سَبِيلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهَا أَصْلُ الإِسْلَامِ؛ حَيثُ جُعِلَ الإِسْلَامُ مُفَسَّرًا بِهَا فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى رُكْنيَّتِهِ وَأَنَّهُ أَصْلُهُ الأَصِيلُ (٢).

стр. 86

٢ - التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ وَذَلِكَ فِي أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي دَعْوَتِهِ هُوَ لِابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ فِعْلُهُ قَولَهُ (١). - قَولُهُ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ البَصِيرَةُ هِيَ العِلْمُ، فَالبَصِيرَةُ لِلقَلْبِ كَالبَصَرِ لِلعَينِ، يُبْصِرُ بِهَا الحَقَائِقَ. - قَولُهُ: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ الدَّعْوَةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى بَيِّنَةٍ فِي دِينِهِم، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ؛ أَي: عَلَى عِلْمٍ بِمَا يَدْعُو إِلَيهِ، أَمَّا الجَاهِلُ فَلَا يَصْلُحُ لِلدَّعْوَةِ (٢). - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الدَّاعِيَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَتَبَيَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ فِي دَعْوَتِهِ: ١ - حَالَ المَدْعُوِّ: فَالَّذِينَ قُصِدُوا هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَمَا عِنْدَهُم لَيسَ كَمَا عِنْدَ الوَثَنَيينَ! فلَزِمَ تَهَيُّؤُ النَّفْسِ لِشُبَهِهِم وَمَقَالَاتِهِم. ٢ - طَرِيقَةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَدَرُّجَ فِي الدَّعْوَةِ بِحَسْبِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ؛ وَأَنْ لَا يُنْتَقَلَ مِنْ أَمْرٍ إِلَى آخَرَ إِلَّا بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الأَوَّلِ. ٣ - مَادَّةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَّوحِيدُ فِي الأَوَّلِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ.

стр. 87

- قَولُهُ: (بَاتَ): البَيتُوتَةُ: هِيَ المُكْثُ فِي اللَّيلِ -سَوَاءً كَانَ مَعَهُ نَومٌ أَو لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَومٌ-. - قَولُهُ: ((اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ)) "الرِّسْلُ" -بِالكَسْرِ- الرِّفْقُ وَالتُّؤَدَةُ (١)، وَالمَعْنَى هُنَا: امْشِ هُوَينًا هُوَينًا، لِأَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ وَيُخْشَى مِنْ مَكْرِ العَدُوِ، فَاليَهُودُ خُبَثَاءُ أَهْلُ غَدْرٍ (٢). - قَولُهُ: ((لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا)) لَمْ يقل: لَأنْ تَهْدِي! لِأَنَّ الَّذِي يَهْدِي هُوَ اللهُ ﵎ (٣)، وَالمُرَادُ بِالهِدَايَةِ هُنَا هِدَايَةُ التَّوفِيقِ وَالقَبُولِ. - قَولُهُ: ((فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنٍ حُمْرِ النَّعَمِ)) يُشِيرُ فِيهِ إِلَى عَدَمِ اليَأْسِ مِنْ قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ، وَكَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ ((فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ)). - قَولُهُ: ((حُمْرِ النَّعَمِ)) -بِتَسْكِينِ المِيمِ-: جَمْعُ أَحْمَرَ، وَبِالضَّمِّ: جَمْعُ حِمَارٍ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ، وَهِيَ الإِبِلُ الحَمْرَاءُ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ أَمْوَالِ العَرَبِ. - قَولُهُ: ((يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ)) فِيهِ إِثْبَاتُ المَحَبَّةِ للهِ مِنَ الجَانِبَينِ، أَي: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ ويُحَبُّ.

стр. 88

وَقَدْ أنكرَ هَذَا أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَقَالُوا: المُرَادُ بِمَحَبَّةِ اللهِ لِلعَبْدِ إِثَابَتُهُ أَو إِرَادَةُ إِثَابَتِهِ! وَأَنَّ المُرَادَ بِمَحَبَّةِ العَبْدِ للهِ مَحَبَّةُ ثَوَابِهِ! وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، عَدَا عَنْ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ بَعْدِهِم (١)، فَمَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ لَهُ حَقِيقَةً وَهِيَ مِنْ صِفَاتِهِ الفِعْلِيَّةِ (٢).

стр. 89

- فِي حَدِيثِ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ بَيَانُ صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرْسَلَ مُعَاذًا وَحْدَهُ مُبَلِّغًا لِلإِسْلَامِ؛ بَلْ وَلِأَصْلِ الإِسْلَامِ وَهُوَ عَقِيدَةُ التَّوحِيدِ، ثُمَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَمَدُ خَبَرُ الوَاحِدِ فِي العَقَائِدِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ التَّوَاتُرُ كَمَا تَقُولُهُ المُبْتَدِعَةُ (١). - فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: "أَنَّ مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ كَونُهُ تَنْزِيهًا للهِ عَنِ المَسَبَّةِ" وَذَلِكَ بِكَونِ اتِّخَاذِ الشُّرَكَاءِ مَعَ اللهِ تَعَالَى هُوَ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. - فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: "أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُها؛ أَو يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا": مُرَادُهُ بِقَولِهِ: "لَا يَعْرِفُها أَو يَعْرِفُها" شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، إِذْ لَو كَانُوا يَعْرِفُونَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" وَيَعْمَلُونَ بِهَا مَا احْتَاجُوا إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَيهَا رُغْمَ أَنَّهُم أَهْلُ كِتَابٍ وَكَانَ عِنْدَهُم إِيَّاهَا فِيمَا جَاءَ عَنْ رُسُلِهِم.

стр. 90

- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: "كَشْفُ العَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ المُتَعَلِّمِ" المُرَادُ بِالشُّبْهَةِ هُنَا: شُبْهَةُ العِلْمِ، وَهِيَ هُنَا الجَهْلُ بِمَصْرِفِ الزَّكَاةِ فِي قَولِهِ: ((صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)) فَبيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهَا الفُقَرَاءُ. - فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: "مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَسَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنَ المَشَقَّةِ وَالجُوعِ وَالوَبَاءِ" قَدْ يَكُونَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ -وَهُم سَادَةُ الأَولِيَاءِ- قَدْ أَصَابَهُم مِنَ الشِّدَّةِ مَا أَصَابَهُم فِي قِصَّةِ خَيبَرَ؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى سَفَهِ وَضَلَالِ مَنِ اسْتَغَاثَ بِهِم فِي الشَّدَائِدِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ فكَيفَ يَدْفَعُ عَنْ غَيرِهِ (١) (٢)؟!

стр. 91

وَسَيَمُرُّ هَذَا البَيَانُ بِأَطْوَلَ مِنْهُ وَأَوسَعَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي بَابِ "قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩١] " مِنْ هَذَا الكِتَابِ. - فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّلَاثُونَ: "الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا": الفَائِدَةُ مِنَ الحَلِفِ هِيَ تَوكِيدُ الكَلَامِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَفَائِدَةٍ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].

стр. 92

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: مَا سَبَبُ تَخْصِيصِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ الصِّيَامِ وَالحَجِّ؟ الجَوَابُ: أَنَّهُ أَحَدُ أُمُورٍ: ١ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَسْبِ نُزُولِ الفَرَائِضِ وَالأَمْرِ بِهَا. ٢ - أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى الأَرْكَانِ العَظِيمَةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يُقَاتَلُ مَنْ تَرَكَهَا. ٣ - أَنَّ هَذِهِ هِيَ الأَرْكَانُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي يَرَاهَا النَّاسُ عُمُومًا، أَمَّا الصِّيَامُ فَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌ بَينَ العَبْدِ وَبَينَ رَبِّهِ. ٤ - أَنَّ هَذِهِ الأًعْمَالَ هِيَ أُصُولُ الأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَمَنِ التَزَمَ بِهَا كَانَ لِغَيرِهَا أَشَدَّ الْتِزَامًا (١).

стр. 93

بَابُ تَفْسِيرِ التَّوحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٨]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوبَة: ٣١]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّه قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ؛ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ) (١). وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ. فِيهِ أَكْبَرُ المَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا: وَهِيَ تَفْسِيرُ التَّوحِيدِ، وَتَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ، وَبيَّنَهَا بِأُمُورٍ وَاضِحَةٍ. مِنْهَا: آيَةُ الإِسْرَاءِ: بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ؛ فَفِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.

стр. 94

وَمِنْهَا: آيَةُ بَرَاءَة: بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُم لَمْ يُؤْمَرُوا إِلَّا بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ: طَاعَةُ العُلَمَاءِ وَالعُبَّادِ فِي المَعْصِيَةِ؛ لَا دُعَاؤهُم إِيَّاهُم! وَمِنْهَا: قَولُ الخَلِيلِ ﵇ لِلكُفَّارِ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَاسْتَثْنَى مِنَ المَعْبُودِينَ رَبَّهُ، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ البَرَاءَةَ وَهَذِهِ المُوَالَاةَ: هِيَ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وَمِنْهَا: آيَةُ البَقَرَةِ فِي الكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾: ذَكَرَ أَنَّهُم يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُم كَحُبِّ اللهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا عَظِيمًا وَلَمْ يُدْخِلْهُم فِي الإِسْلَامِ! فَكَيفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللهِ؟! فَكَيفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلَّا النِّدَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُحِبَّ اللهَ؟! وَمِنْهَا قَولُهُ ﷺ : ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ) وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالمَالِ! بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا! بَلْ وَلَا الإِقْرَارَ بِذَلِكَ! بَلْ وَلَا كَونَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ شَكَّ أَو تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ، فَيَالَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا! وَيَا لَهُ مِنْ بَيَانٍ مَا أَوضَحَهُ! وَحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا لِلمُنَازِعِ!

стр. 95

الشَّرْحُ - قَولُهُ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): "أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ" (١). وَقَالَ فِي (لِسَانِ العَرَبِ): " (أَلَهَ) الإلَهُ: اللهُ ، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُونِهِ مَعْبُودًا إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ" (٢). - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] بَيَانُ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ لِلعُبُودِيَّةِ: ١ - الحُبُّ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٣). ٢ - الرَّجَاءُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾. ٣ - الخَوفُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾.

стр. 96

وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تِلْكَ العِبَادَاتِ هِيَ مِمَّا تَلَبَّسَ بِهَا المُشْرِكُونَ تُجَاهَ مَعْبُودِيهِم؛ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا للهِ، وَأَنَّ مَعْبُودَاتِهِم أَنْفُسَهُم هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ. وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهَا أَرْكَانًا لِلعُبُودِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهِ رُكْنًا فِيهِ. - أَورَدَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي (صَحِيحِهِ) (١) فِي كِتَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ -بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - عَنْ عَبْدِ اللهِ (٢) ﵁ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: (كَانَ نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا) (٣) (٤) - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَدْعُونَ أَي: يَعْبُدُونَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدُّعَاءَ نَوعَانِ: دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ، وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ (٥).

стр. 97

- قَولُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ذَكَرَ الفَطْرَ دُونَ غَيرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّه إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ مَنْ فَطَرَ (١)، أَمَّا مَنْ لَمْ يَفْطِرْ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيئًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيئًا مِنَ العِبَادَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. - قَولُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الرَّبُّ هُنَا هُوَ المَعْبُودُ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ المُتَرَادِفَاتِ فِي اللُّغَةِ وَالَّتِي إِذَا اجْتَمَعَت افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَت اجْتَمَعَتْ (٢). وَدَلَّ لِذَلِكَ أَيضًا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ عِنْدَمَا قَالَ: (إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم!) وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الشِّرْكِ هُنَا هُوَ شِرْكُ الطَّاعَةِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٣). وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِتَمَامِهِ هُوَ: أَتِيتُ النَّبِيَّ ﷺ -وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ-، فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ))، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدُوهُم! فَقَالَ: ((بَلَى، إِنَّهُم حَرَّمُوا عَلَيهِمُ الحَلَالَ وَأَحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُم؛ فَذَلِكَ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُم)) (٤).

стр. 98

- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي (مَجْموعِ الفَتَاوى) (١): "وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا -حَيثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ- يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَينِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ؛ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ؛ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ -مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ- فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا -وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُم-، فَكَانَ مَنِ اتَّبَعَ غَيرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ [بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ (٢)] ثَابِتًا، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ-؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ)) (٣) ". - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يَعْنِي: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا (٤).

стр. 99

- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بَيَانُ ضَلَالِ ثَلَاثِ طَوَائِفَ: ١ - الطَّائِفَةِ الأُولَى: بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يُطِيعُونَ شُيُوخَهُم -وَلَو أَمَرُوهُم بِمَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ- بِحُجَّةِ أَنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ لَيسَتْ بِمَعْصِيَةٍ؛ وَأَنَّ الشَّيخَ يَرَى مَا لَا يَرَى المُرِيدُ! (١) ٢ - الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: هُمُ المُقَلِّدَةُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ اتِّبَاعَ كَلَامِ المَذْهَبِ عَلَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ مَعَ وُضُوحِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ! (٢) ٣ - الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ وُلَاةَ الأُمُورِ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ لِلنَّاسِ مِنْ نُظُمٍ وَقَرَارَاتٍ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ؛ كَالشُّيُوعِيَّةِ وَمَا شَابَهَهَا، وَشَرُّهُم مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ غَيرُ مُخَالِفٍ لَهُ! (٣) - فَائِدَةٌ: قَد يُجْمَلُ الخَوفُ مَعَ الرَّجَاءِ فَتَكُونُ الأَرْكَانُ رُكْنَينِ: المَحَبَّةُ وَالرَّجَاءُ، أَوِ المَحَبَّةُ وَالخَوفُ.

стр. 100

وَوَجْهُ هَذَا "أَنَّ الْخَوْفَ مُسْتَلْزِمٌ لِلرَّجَاءِ، وَالرَّجَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَوْفِ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ، وَكُلُّ خَائِفٍ رَاجٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَسُنَ وُقُوعُ الرَّجَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَحْسُنُ فِيهِ وُقُوعُ الْخَوْفِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نُوح: ١٣]، قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى: مَا لَكَمَ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟! قَالُوا: وَالرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهُ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ مِنْ فَوَاتِ مَرْجُوِّهِ، وَالْخَوْفُ بِلَا رَجَاءٍ: يَأْسٌ وَقُنُوطٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجَاثِيَة: ١٤] قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا: لَا يَخَافُونَ وَقَائِعَ اللَّهِ بِهِمْ؛ كَوَقَائِعِهِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ" (١).

стр. 101

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْبَلُ إِسْلَامُ أَيِّ كَافِرٍ بِمُجَرَّدِ قَولِ الشَّهَادَتَينِ؟ الجَوَابُ: الأَصْلُ فِي قَبُولِ إِسْلَامِ الكَافِرِ هُوَ قَولُ الشَّهَادَتِينِ؛ إِلَّا إِنْ كَانَ هَذَا الكَافِرُ لَهُ اعْتِقَادٌ خَاصٌّ سَابِقٌ؛ فَلَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يُضِيفَ إِلَى الشَّهَادَتِينِ إِبْطَالَ عَقِيدَتِهِ الخَاصَّةِ السَّابِقَةِ، كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ) (١). فَالبَاطِنِيُّ الَّذِي يُؤَلِّهُ عَلِيًّا ﵁؛ لَا أَقُولُ: إِذَا نَطَقَ الشَّهَادَتَينِ فَقَطْ! بَلْ وَأَيضًا إِذَا صَلَّى؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلِنَ بُطْلَانَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَابِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ لَيسَتْ مُجَرَّدَ قَولِهَا! بَلْ وَلَا مُجَرَّدَ إِقَامَةِ مَظَاهِرِ تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الكُفْرِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ المَعْبُودَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٦] (٢).

стр. 102

قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "هَؤُلَاءِ الدُّرْزِيَّةُ والنُصَيرِيَّة كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِم وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِم؛ بَلْ وَلَا يُقَرُّونَ بِالجِزْيَةِ، فَإِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ عَنْ دِينِ الإِسْلَامِ، لَيسُوا مُسْلِمِينَ؛ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَلَا وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا وُجُوبِ الحَجِّ، وَلَا تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ المَيتَةِ وَالخَمْرِ وَغَيرِهِمَا وَإِنْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَينِ -مَعَ هَذِهِ العَقَائِدِ- فَهُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ" (١). قَالَ الإِمَامُ المُجدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ -فِي مَسَائِلِ البَابِ- مِنْ كِتَابِ التَّوحِيدِ: "وَمِنْهَا قَولُهُ ﷺ : ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ) وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالمَالِ! بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا! بَلْ وَلَا الإِقْرَارَ بِذَلِكَ! بَلْ وَلَا كَونَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَإِنْ شَكَّ أَو تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ".

стр. 103

بَابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨]. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَينِ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَىَ رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ. فَقَالَ: ((مَا هَذِهِ؟)) قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ. فَقَالَ: ((انْزِعْهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فإنَّكَ لو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحَتَ أَبَدًا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ (١). وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ)) (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ تَعلَّقَ تَمِيمَةً، فَقَدْ أَشْرَكَ)) (٣). وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيطٌ مِنَ الحُمَّى؛ فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُف: ١٠٦] (٤).

стр. 104

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: التَّغْلِيظُ فِي لُبْسِ الحَلْقَةِ وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِمِثْلِ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَو مَاتَ -وَهِيَ عَلَيهِ- مَا أَفْلَحَ؛ فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي العَاجِلَةِ؛ بَلْ تَضُرُّ، لِقَولِهِ: ((لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا)). الخَامِسَةُ: الإِنْكَارُ بِالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا؛ وُكِلَ إِلَيهِ. السَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَقَدْ أَشْرَكَ. الثَّامِنَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الخَيطِ مِنَ الحُمَّى مِنْ ذَلِكَ. التَّاسِعَةُ: تِلَاوَةُ حُذَيفَةَ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ يَسْتَدِلُّونَ بِالآيَاتِ الَّتِي فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ -كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ البَقَرَةِ-. العَاشِرَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الوَدَعَ مِنَ العَينِ مِنْ ذَلِكَ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً أَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ؛ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ؛ أَي: تَرَكَ اللهُ لَهُ.

стр. 105

الشَّرْحُ - قَولُهُ: "بَابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ": اللُّبْسُ بِالضَّمِّ: مِنْ لُبْسِ الثَّوبِ، وَبِالفَتْحِ مِنَ التَّخْلِيطَ، وَبِالكَسْرِ هُوَ مَا يُلْبَسُ. وَالحَلْقَةُ -بِسُكُونِ اللَّامِ-: مِنَ الاسْتِدَارَةِ -، وَهِيَ المَقْصُودَةُ فِي البَابِ-، وَبِالفَتْحِ: مِنْ حِلَاقَةِ الشَّعْرِ. - قَولُهُ: "لِدَفْعِ البَلَاءِ" هُوَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، "وَرَفْعُ البَلَاءِ" هُوَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَفِي هَذَا التَّنْوِيعِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي البَابِ التَّالِي. - الآيَةُ الكَرِيمَةُ هُنَا سِيَاقُهَا فِيمَنْ تَعَلَّقَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨]. - القَاعِدَةُ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ اعْتِقَادَ الأَسْبَابِ المُؤَثِّرَةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ثَبَتَ شَرْعًا أَو قَدَرًا، فَالتَّعَلُّقُ بِشَيءٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّرْعُ يَكُون نَوعًا مِنَ الشِّرْكِ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ البَلَاءِ أَو لِرَفْعِهِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ﴿بِضُرٍّ﴾ هَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ؛ وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الضُّرِّ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَدْعُونَ﴾ هَذَا الدُّعَاءُ يَشْمَلُ دُعَاءَ المَسْأَلَةِ وَدُعَاءَ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الإِشْرَاكِ بِاللهِ تَعَالَى.

стр. 106

- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَانُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الخَالِقَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؛ فَالَّذِي يَرْحَمُ وَيَضُرُّ أَيضًا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ لَا يُدْعَى وَلَا يُتَعَلَّقُ بِسِوَى اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِيهِ الاسْتِدْلَالُ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. - الوَاهِنَةُ: عِرْقٌ يَأْخُذُ فِي المَنْكِبِ وَاليَدِ كُلِّهَا. - التَّمَائِمُ: جَمْعُ تَمِيمَةٍ، وَهِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَولَادِهِم يَتَّقُونَ بِهَا العَينَ -فِي زَعْمِهِم-؛ فَأَبْطَلَهَا الإِسْلَامُ (١). - الوَدْعَةُ -بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُحَرَّكُ-: جَمْعُهَا وَدَعَاتٌ؛ خَرَزٌ بِيضٌ تُخْرَجُ مِنَ البَحْرِ؛ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ العَينِ (٢). - الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي البَابِ لَمْ يَصِحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا صَحَّ مَوقُوفًا عَنْ عِمْرَانَ ﵁ بِنَحْوِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ مِنَ صُفَرٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: نُعِتَتْ لِي مِنَ الوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ وُكِلْتَ إِلَيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطُيِّرَ لَهُ، وَلَا تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ)) (٣). - قَولُهُ: ((فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا)) أَي: ضَعْفًا، وَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى رَجَاءَ كَشْفِ الضُّرِّ. - قَولُهُ: ((ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ)) أَي: لَا تَرَكَ لَهُ مَا يُحِبُّ، أَو لَا جَعَلَهُ فِي دَعَةٍ -أَي رَاحَةٍ- وَسُكُونٍ.

стр. 107

- قَولُهُ: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ)) قَدْ تَكُونُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً؛ أَي: مَعْنَاهَا الإِخْبَارُ بِأَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ أَمْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا إِنْشَائِيًّا؛ أَي: مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيهِ بِأَنْ لَا يُتِمَّ اللهُ لَهُ أمْرَهُ. - قَولُهُ: ((مَنْ تَعلَّقَ تَميمَةً)) أَي: علَّقَهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا قَلْبُهُ. وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّ عَلَيهِ تَميمَةً!، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا؛ فبَايَعَهُ. وَقَالَ: ((مَنْ عَلَّقَ تَميمَةً فَقد أَشْرَكَ)) (١). - تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ فِيهِ خَلَلٌ مِنْ جَانِبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ جَعَلَ نَصِيبًا لِغَيرِهِ تَعَالَى مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ؛ أَبِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ)) (٢). - إِنَّ مَنْ لَبِسَ الحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّمَائِمَ -لِدَفْعِ العَينِ- لَهُ حَالَانِ: ١ - إِنِ اعْتَقَدَ لَابِسُهَا أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرِيكًا مَعَ اللهِ فِي الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ! وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ فِي العُبُودِيَّةِ حَيثُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِهَا طَمَعًا وَرَجَاءً لِلنَّفْعِ.

стр. 108

٢ - إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ فَقَط؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَصْغَرَ (١) -وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا وَتَعَلَّقَ بِهِ؛ فَقَدْ شَابَهَ المُشْرِكِينَ مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ (٢)، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ ذِكْرُ القَاعِدَةِ هُنَاكَ (٣). - إِنَّ جَعْلَ أَيَّ شَيءٍ سَبَبًا إِنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقَينِ فَقَط: ١ - عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ: بِأَنْ يَثْبُتَ فِي الشَّرْعِ كَونُهُ سَبَبًا لِأَمْرٍ مَا، وَذَلِكَ كَالعَسَلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النَّحْل: ٦٩]، وَكَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فَفِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢]، وَكَالحَبَّةِ السَّودَاءُ وَ ..... ٢ - عَنْ طَرِيقِ القَدَرِ: أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ كَونًا أَنَّهُ سَبَبٌ، وَهُوَ مَا عُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالحِسِّ، كَمَا إِذَا جَرَّبْنَا هَذَا الشَّيءَ فَوَجَدْنَاهُ نَافِعًا فِي هَذَا الأَلَمِ أَوِ المَرَضِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ ظَاهِرًا مُبَاشِرًا (٤).

стр. 109

- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "وَهَذَا البَابُ يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَسْبَابِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: ١ - أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْهَا سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ أَنَّه سَبَبٌ شَرْعًا أَو قَدَرًا. ٢ - أَنْ لَا يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَيهَا؛ بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مُسَبِبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، مَعَ قِيَامِهِ بِالمَشْرُوعِ مِنْهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى النَّافِعِ مِنْهَا. ٣ - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيفَ يَشَاءُ -إِنْ شَاءَ أَبْقَى سَبَبِيَّتَهَا جَارِيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهَا كَيفَ يَشَاءُ-، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلعِبَادِ فِي أَنْ لَا يَعْتَمِدوا عَلَيهَا؛ وَلِيَعْلَمُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ" (١). - فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: قَولُهُ: "أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ": هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَولَهُ ﷺ : ((لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)) لَيسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ لَو مَاتَ قَبْلَ العِلْمِ! بَلْ ظَاهِرُهُ: "بَعْدَ أَنْ عَلِمْتَ وَأُمِرْتَ بِنَزْعِهَا" (٢). - يُشْرَعُ عِنْدَ الإِصَابَةِ بِالعَينِ فِعْلُ الرُّقْيَةِ بَدَلًا مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَينِ) (٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ: ((لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةِ)) (٤). وَالرُّقيَةُ هِيَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَهُوَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَدِّ البَلَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ

стр. 110

أَصْلًا، كَمَا فِي حَدِيثِ ثَوبَان مَرْفُوعًا: ((لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ)) (١)، فَتأمَّلْ قَولَهُ: ((لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاُء)) حَيثُ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ. وَفِي الحَدِيثِ: ((الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزَلْ؛ فَعَلَيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ)) (٢)، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي دَفْعِ البَلَاءِ وَرَفْعِهِ. - فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّكَ لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)) أَي: لَو مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا مَا أَفْلَحَ أَبَدًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ حَتَّى وَلَو كَانَ شِرْكًا أَصْغَر، فَهُوَ يُعذَّبُ بِهِ -وَإِنْ كَانَ لَا يعذَّبُ تَعْذِيبَ المُشْرِكِ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ- فَهُوَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُعَذَّبُ بِهِ بِقَدَرِهِ (٣)، فَفِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: "أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ" (٤).
следующие страницы →