Полный текст (1 328 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ -لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرْجُمَانٌ- فَيَنْظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) (١) (٢).
- قَولُهُ: ((لَايُزَكِّيهِم)) أَي: لَا يُوَثِّقُهُم، وَلَا يَشْهَدُ لَهُم بِالإِيمَانِ (٣).
- قَولُهُ: ((أُشَيمِطٌ)) الأُشَيمِطُ: تَصْغِيرُ (أَشْمَط)، وَالأَشْمَطُ: هُوَ الَّذِي بَدَأَهُ الشَّيبُ، وَصَغَّرَهُ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ (٤).
- قَولُهُ: ((عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) الاسْتِكْبَارُ يَكُونُ لِلذَّاتِ -كَهَذَا الحَدِيثِ-، وَيَكُونُ لِلصِّفَاتِ كَمَنْ لَدِيهِ جَاهٌ وَمَالٌ وَحَسَبٌ يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ.
- قَولُهُ: ((زَانٍ)) وَ ((مُسْتَكْبِرٌ)) يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ الطَّبْعِ، فَمَنْ كَبُرَ سِنُّهُ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا ذُو حَاجَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ لَدِيهِ مَا يَفْتِنُهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الكِبْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الخُبْثَ هُوَ فِي أَصْلِ طِبَاعِهِم، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ شَابًّا؛ فَشَهْوَتُهُ العَارِمَةُ تَقُودُهُ، أَو مَنْ كَانَ غَنِيًّا ذَا مَالٍ وَجَاهٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْرِيهِ بِالكِبْرِ، لِذَلِكَ قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي".
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ стр. 1157
مُسْتَكْبِرٌ)) (١) فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اشْتَرَكُوا فِي هَذَا الوَعِيدِ، وَاشْتَرَكُوا فِي فِعْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ دَوَاعِيهِمْ! فَإِنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الشَّيخِ ضَعِيفَةٌ، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكَذِبِ فِي المَلِكِ ضَعِيفَةٌ -لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ-، وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الكِبْرِ فِي الفَقِيرِ؛ فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الذُّنُوبِ -مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي- دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَنَ الوَعِيدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيرُهُمْ" (٢).
- قَولُهُ: ((جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ)) وَذَلِكَ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَغَلَبَتِهِ عَلَيهِ؛ فَهُوَ يُكْثِرُ مِنَ الحَلِفِ تَهَاونًا.
- قَولُهُ: ((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي)) يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِم مُقَارَنَةً مَعَ كُلِّ الأَزْمِنَةِ، فَصَحَابَتُهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَنْصَارُ عِيسَى ﷺ ، وَأَفْضَلُ مِنَ النُّقَبَاءِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى ﷺ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ (٣) (٤).
- قَولُهُ: ((قَرْنِي)) القَرْنُ مُعْتَبَرٌ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ الصَّحَابَةُ؛ стр. 1158
فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ التَّابِعِينَ؛ فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَهَكَذَا (١).
وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةَ أَفْضَلِيَّةٌ مِنْ حَيثُ العُمُومِ وَالجِنْسِ؛ لَا مِنْ حَيثُ الأَفْرَادِ مُطْلَقًا، فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي تَابِعِي التَّابِعِين مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ بَعْضِ التَّابِعِينَ، أَو أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَمَّا فَضْلُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَا يَنَالُهُ أَحَدٌ غَيرُ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَحَدَ يَسْبِقُهُم فِيهِ، وَأَمَّا العِلْمُ وَالعِبَادَةُ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضِهِم عِلْمًا وَعِبَادَةً.
- قَولُهُ: ((وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ)) هِيَ مِنْ عَلَامَاتِ وُقُوعِ الفِتَنِ كَمَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوقُوفًا: (كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ: يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً؛ فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ!
قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ) (٢).
- قَولُهُ: ((وَيَظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ)) لِرَغْبَتِهِم فِي الدُّنْيَا، وَنَيلِ شَهَوَاتِهِم وَالتَّنَعُّمِ بِهَا، وَغَفْلَتِهِم عَنِ الدَّارِ الآخِرَةِ وَالعَمَلِ لَهَا. стр. 1159
- قَولُهُ: (كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ): قَالَ أَبُو عُمَر ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "مَعْنَاهُ عِنْدَهُم: النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَولِهِ: (أَشْهَدُ بِاللهِ) وَ (عَلَى عَهْدِ اللهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا) وَنحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُم عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُونَ فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ" (١).
- الضَّرْبُ مُبَاحٌ شَرْعًا فِي سِيَاقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ وَعِلَاجِ النُّشُوزِ؛ كَمَا فِي قَولِ النَّخَعِيِّ هُنَا، وَكَمَا فِي حَدِيثِ: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا)) (٢)، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عِلَاجِ نُشُوزِ المَرْأَةِ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤] (٣).
- فَائِدَةٌ: يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ ضَرْبِ الصَّغِيرِ -تَأْدِيبًا- أُمُورٌ؛ مِنْهَا:
١ - أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ قَابِلًا لِلتَّأْدِيبِ؛ فَلَا يُضْرَبُ مَنْ لَا يَعْرِفُ المُرَادَ مِنَ الضَّرْبِ! (٤)
٢ - أَنْ يَكُونَ التَّأْدِيبُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيهِ. стр. 1160
٣ - أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي ذَلِكَ كَمًّا أَو نَوعًا.
٤ - أَنْ يَقَعَ مِنَ الصَّغِيرِ مَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ عَلَيهِ.
٥ - أَنْ يَقْصِدَ تَأْدِيبَهُ؛ لَا الانْتِقَامَ لِنَفْسِهِ! فَإِنْ قَصَدَ الانْتِقَامَ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّبًا بَلْ مُنْتَصِرًا.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ ضَرْبِ المُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ؛ فَقَالَ: "عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِم، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ؛ فَلَا يَضْرِبْهُ" (١).
وَاليَتِيمُ يَجُوزُ لِكَافِلِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ، لِحَدِيثِ شُمَيسَةَ العَتَكِيَّةِ؛ قَالَتْ: ذُكِرَ أَدَبُ اليَتِيمِ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: (إِنِّي لأَضْرِبُ اليَتِيمَ حَتَّى يَنْبَسِطَ) (٢).
وَلَا يَزِيدُ المُرَبِّي فِي ضَرْبِهِ عَنْ عَشْرِ ضَرْبَاتٍ، لِمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي بُرْدةَ ﵁ مَرْفُوعًا: ((لَا يُجْلَدُ فَوقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)) (٣). стр. 1161
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ: ((يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)) يُشْكِلُ مَعَ حَدِيثِ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)) (١)! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
إِنَّ المَقْصُودَ بِحَدِيثِ البَابِ تَعْظِيمُ جَنَابِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنَ الحَلِفِ بِاللهِ، فَهَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ دُونَ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ، بَلْ يُبَادِرُونَ إِلَيهَا، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِخْفَافِهِم بِالشَّهَادَةِ وَعَلَى مُسَارَعَتِهِم إِلَيهَا لِقِلَّةِ دِينِهِم وَقِلَّةِ أَمَانَتِهِم، وَأَمَّا الحَدِيثُ الآخَرُ فَمَعْنَاهُ هُوَ مَدْحُ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ؛ فَيَأْتِي إِلَيهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا (٢). стр. 1162
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ: ((خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي))، قَدْ وَرَدَ فِي نُصُوصٍ أُخَرَ صَحِيحَةٍ قَولُهُ: ((إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ؛ للمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا))، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مِنَّا أَو مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((مِنْكُمْ)) (١). فَمَا التَّوفِيقُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الأَجْرِ فِي العَمَلِ زِيَادَةُ الفَضْلِ، أَي: أَنَّ الفَضْلَ الأَكْبَرَ هُوَ قَطْعًا لِلصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلٍ مَا أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْجَرُونَ هُمْ عَلَى نَفْسِ الفِعْلِ، كَالحَدِيثِ السَّابِقِ.
٢ - أَنَّ هَذَا الأَجْرَ لَيسَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُقيَّدٌ بِأُمُورٍ هِيَ: (ذَلِكَ الزَّمَنُ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، وَتِلْكَ الشِّدَّةُ)، بَينَمَا فَضْلُ الصَّحَابَةِ دَائِمٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. стр. 1163
بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ
وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٩١].
عَنْ بُرَيدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ أَو سَرِيَّةٍ أَوصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيرًا؛ فَقَالَ: ((اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ.
اُغْزُوَا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.
وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَو خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ.
ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ (١)؛ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا؛ فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا؛ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ.
وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ؛ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ؛ فَلَا تَجْعَلْ стр. 1164
لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ.
وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ؛ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ؛ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). стр. 1165
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ؛ وَذِمَّةِ المُسْلِمِينَ.
الثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الأَمْرَينِ خَطَرًا.
الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ)).
الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ)).
الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ)).
السَّادِسَةُ: الفَرْقُ بَينَ حُكْمِ اللهِ وَحُكْمِ العُلَمَاءِ.
السَّابِعَةُ: فِي كَونِ الصَّحَابِيِّ يَحْكُمُ عِنْدَ الحَاجَةِ بِحُكْمٍ لَا يَدْرِي أَيُوَافِقُ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا؟
стр. 1166
الشَّرْحُ
- العَهْدُ هُنَا هُوَ إِبْرَامُ العَقْدِ مَعَ اليَمِينِ، وَالمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِعَدَمِ نَقْضِهِ.
- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ نَقْضَ العَهْدِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْظِيمِ مَنْ جُعِلَ العَهْدُ مَنُوطًا بِهِ، فَكَمَا أَنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ تَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيمِ؛ فَكَذَلِكَ نَقْضُ مَنْ جُعِلَ عَهْدُهُ بِاللهِ يَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيمِ، فَهُوَ مُشَابِهٌ لِلبَابِ المَاضِي مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ لِأَنَّ مَنْ أَعْطَى اليَمِينَ بِاللهِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكَّدَ وَفَاءَهُ بِهَذَا الشَّيءِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ؛ فَكَانَ لِهُ بِمَثَابَةِ الكَفِيلِ، فَنَقْضُهُ لِلعَهْدِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِهَانَتِهِ بِهِ.
٢ - أًنَّ نَقْضَ العَهْدِ هُوَ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ)) (١).
- الذِّمَّةُ: هِيَ العَهْدُ؛ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُلْتَزَمُ بِهَا كَمَا يَلْتَزِمُ صَاحِبُ الدَّينِ بِدَينِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَأُضِيفَ العَهْدُ هُنَا إِلَى اللهِ لِتَشْرِيفِهِ.
- السَّرِيَّةُ: هِيَ الخَيلُ تَبْلُغُ أَرْبَعمَائَةٍ وَنَحْوَهَا، وَسُمِّيَتْ سَرِيَّةً لِأَنَّهَا تَسْرِي بِالليلِ (٢). стр. 1167
- قَولُهُ: ((أَوصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيرًا)) فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ أَنْ يَسْلُكَ بِهِم الأَخْيَرَ؛ بِخِلَافِ عَمَلِ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ.
- قَولُهُ: ((اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ)) أَي اشْرَعُوا فِي فِعْلِ الغَزْوِ مُسْتَعِينِينَ بِاللهِ مُخْلِصِينَ لَهُ، فَالبَاءُ فِي ((بِسْمِ اللهِ)) هُنَا لِلاسْتِعَانَةِ.
- قَولُهُ: ((قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ)) هَذَا العُمُومُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَهْلِ الكُفْرِ المُحَارِبِينَ، عَدَا مَنْ لَهُ عَهْدٌ وَأَيضًا الرُّهْبَانَ وَالنِّسْوَانَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وَالشُّيُوخَ؛ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُم رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ (١).
- قَولُهُ: ((وَلَا تَغُلُّوا)) الغُلُولُ: أَنْ يَكْتُمَ المُجَاهِدُ شَيئًا مِنَ الغَنِيمَةِ فَيَخْتَصَّ بِهِ، وَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦١] أَي: مُعَذَّبًا بِهِ.
- قَولُهُ: ((وَلَا تَغْدِرُوا)) وَهَذَا إِذَا عَاهَدَنَا، أَمَّا الغَدْرُ بِلَا عَهْدٍ فَجَائِزُ؛ لِأَنَّ ((الحَرْبَ خَدْعَةٌ)) كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ (٢).
- قَولُهُ: ((وَلَا تُمَثِّلُوا)) التَّمْثِيلُ هُوَ التَّشْوِيهُ بِقَطْعِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا стр. 1168
إِنْ مَثَّلَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ العُرَنِيِّينَ (١).
وَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ المُعَاقَبَةِ بِالمِثْلِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤].
- قَولُهُ: ((ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ)) أَكْثَرُ نُسَخِ مُسْلِمٍ عَلَى إِثْبَاتِ (ثُمَّ)؛ وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُهَا كَمَا فِي غَيرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ إِحْدَى الخِصَالِ الثَّلَاثِ (٢).
- قَولُهُ: ((إِلى دَارِ المُهَاجِرِينَ)) المُرَادُ بِهِ تَحَوُّلُ أَهْلِ البَوَادِي الَّذِينَ أَسْلَمُوا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَتِ الدَّارُ هِيَ المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ.
- قَولُهُ: ((فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ)) فَلَهُمْ مَا لِلمُهَاجِرِينَ مِنَ الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ، وَعَلَيهِم مَا عَلَيهِم مِنَ الجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ.
- قَولُهُ: ((وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيءِ شَيءٌ)) الغَنِيمَةُ: مِا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ стр. 1169
الكُفَّارِ بِقِتَالٍ، أَمَّا الفَيءُ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ بِغَيرِ قِتَالٍ (١).
- قَولُهُ: ((الجِزْيَة)) هو مِنْ جَزَى يَجْزِي، وَظَاهِرُهَا أَنَّها مُكَافَأَةٌ عَلَى شِيءٍ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ مَدْفُوعٍ مِنْ غَيرِ المُسْلِمِ عِوَضًا عَنْ حِمَايَتِهِ وَإِقَامَتِهِ بِدَارِنَا، وَالذِّمِّيُّ مَعْصُومٌ مَالُهُ وَدَمُّهُ وَذُرِّيَّتُهُ مُقَابِلَ الجِزْيَةِ.
وَأَمَّا صِفَةُ أَدَاءِ الجِزْيَةِ؛ فَهِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوبَة: ٢٩] أَي: يُسَلِّمُوهَا بِأَيدِيهِم؛ فَلَا يُقْبَلُ أَنْ يُرْسِلَ بِهَا الذِّمِّيُّ خَادِمَهُ أَو ابْنَهُ! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا هُوَ نَفْسُهُ بِهَا.
- قَولُهُ: ((اسْتَعِنْ بِاللهِ)) دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الاغْتِرَارِ بِالقُوَّةِ أَوِ الكَثْرَةِ، فَالاعْتِمَادُ عَلَيهَا سَبَبٌ لِلهَزِيمَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التَّوبَة: ٢٥].
- قَولُهُ: ((فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ)) وَذَلِكَ خَشْيَةَ نَقْضِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ مِنَ المُسْلِمِينَ -كَجُمْلَةِ الأَعْرَابِ مَثَلًا-، أَو لِعَارِضٍ خَارِجٍ عَنْ طَاقَتِهِ؛ فَيَقَعُ النَّقْضُ!
وَالمَعْنَى العَامُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ نَقْضٌ؛ فَنَقْضُ عَهْدِ الخَلْقِ أَهْوَنُ مِنْ نَقْضِ عَهْدِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "الإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الأَمْرَينِ خَطَرًا".
- قَولُهُ: ((وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ)) هَذَا فِيمَا لَيسَ عِنْدَهُ فِيهِ نَصٌّ لِأَنَّهُ مَوضِعُ اجْتِهَادٍ، وَبَيَانُهُ فِي تَتِمَّةِ قَولِهِ: ((فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا)). стр. 1170
- لِلمُشْرِكِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثُ حَالَاتٍ (١):
١ - أَنْ لَا يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ؛ فَيَجِبُ قِتَالُهُم بَعْدَ دَعْوَتِهِم إِلَى الإِسْلَامِ وِإِبَائِهِم عَنْهُ وَعَنْ بَذْلِ الجِزْيَةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ قُدْرَتِنَا عَلَى ذَلِكَ.
٢ - أَنْ يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ مَحْفُوظٌ يَسْتَقِيمُونَ فِيهِ (٢)؛ فَهُنَا يَجِبُ الوَفَاءُ لَهُمْ بِعَهْدِهِم، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التَّوبَة: ٧]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التَّوبَة: ٤].
٣ - أَنْ يَكُونَ بَينَنَا وَبَينَهُم عَهْدٌ نَخَافُ خِيَانَتَهُم فِيهِ؛ فَهُنَا يَجِبُ أَنْ نَنْبِذَ إِلَيهِم العَهْدَ وَنُخْبِرَهُمْ أنَّهُ لَا عَهْدَ بَينَنَا، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٥٨] (٣).
- قَولُهُ: ((أَنْ تَخْفِرُوا)) أَي: تَغْدِرُوا وَتَنْقُضُوا.
- الهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الانْتِقَالِ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ إِلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الدَّينِ (٤).
وَالهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى стр. 1171
تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) (١).
وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ : ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)) (٢) فَالمُرَادُ بِهِ: الهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ، لِأَنَّهَا بَعْدَ الفَتْحِ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَأَمَّا الهِجْرَةُ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ إِلَى بِلَادِ الإِسْلَامِ فَهِي بَاقِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِذَا كَانَتِ البِلَادُ بِلَادًا إِسْلَامِيَّةً فَالانْتِقَالُ مِنْهَا إِلَى بَلَدٍ أَفْضَلَ مِنْهَا مُسْتَحَبٌّ (٣).
- قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ وَذِمَّةِ المُسْلِمِينَ): "لَو قَالَ: الفَرْقُ بَينَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ وَبَينَ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ؛ لَكَانَ أَوْضَحَ، لِأَنَّكَ عِنْدَمَا تَقْرَأُ كَلَامَهُ تَظُنُّ أَنَّ الفُرُوقَ بَينَ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ! فَإِنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا الفَرْقُ بَينَهُمَا وَبَينَ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ.
وَالفَّرْقُ أَنَّ جَعْلَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ لِلْمُحَاصِرِينَ مُحَرَّمَةٌ، وَجَعْلَ ذِمَّةِ المُحَاصِرِينَ -بِكَسْرِ الصَّادِ- ذِمَّةٌ جَائِزَةٌ" (٤).
- فَائِدَةٌ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ -وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى- إِلَى أَنَّ أَخْذَ الجِزْيَةِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الكِتَابِ وَبِالمَجُوسِ فَقَط مِنَ العَرَبِ وَمِنَ العَجَمِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُم مِنَ المُشْرِكِينَ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُم جِزْيَةٌ، وَبَعْضُهُم كَالإِمَامِ مَالِكٍ تَوَسَّعَ فَجَعَلَهَا مِنْ كُلِّ المُشْرِكِينَ (٥). стр. 1172
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ: مَا الجَوَابُ عَنْ ظَاهِرِ التَّعَارُضِ بَينَ الآيَةِ فِي البَابِ، وَبَينَ النُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا إِبَاحَةُ نَقْضِ اليَمِينِ مَعَ الكَفَّارَةِ! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤] (١)، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩]، وَكَقَولِهِ ﵊: ((وَاللَّهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) (٢)؟
الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ؛ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ هَذِهِ الأَيمَانَ الَّتِي لَا يَجُوزُ نَقْضُهَا هِيَ الأَيمَانُ الدَّاخِلَةُ فِي العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ، لَا الأَيمَانَ الوَارِدَةَ عَلَى حَثٍّ أَو مَنْعٍ؛ فَالَّذِي نَهَى عَنْ نَقْضِ الأَوَّلِ هُوَ الَّذِي حَضَّ عَلَى نَقْضِ الثَّانِي. стр. 1173
٢ - أَنَّ النَّقْضَ فِي الأَوَّلِ فِيهِ إِشَارَةٌ لِلْتَهَاوُنِ فِي حَقِّ اللهِ؛ وَأَمَّا النَّقْضُ فِي الثَّانِي فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ التَّعْظِيمِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ الانْتِقَالُ إِلَى مَا كَانَ خَيرًا مِنَ الأَوَّلِ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
стр. 1174
بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِقْسَامِ عَلَى اللهِ
عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللهُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟! إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ القَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: (تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ) (٢). стр. 1175
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأَولَى: التَّحْذِيرُ مِنَ التَّأَلِّي عَلَى اللهِ.
الثَّانِيَةُ: كَونُ النَّارِ أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الجَنَّةَ مِثْلُ ذَلِكَ.
الرَّابِعَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِقَولِهِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ)) إِلَى آخِرِهِ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ هُوَ مِنْ أَكْرَهِ الأُمُورِ إِلَيهِ!
стр. 1176
الشَّرْحُ
- الإِقْسَامُ عَلَى اللهِ: هُوَ الحَلَفِ عَلَى اللهِ، وَيَتَأَلَّى أَي: يَحْلِفُ (١)، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦] (٢).
- مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ: أَنَّ مَنْ تَأَلَّى عَلَى اللهِ ؛ فَقَدْ أَسَاءَ الأَدَبَ مَعَهُ، وَتَجَرَّأَ عَلَيهِ، وَزَعَمَ التَّحَكُّمَ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى! فَالتَّأَلِّي عَلَى العَظِيمٌ تَنَقُّصٌ لِعَظَمَتِهِ.
وَيَزْدَادُ الأَمْرُ سُوءًا إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ مَا عُلِمَ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ، وَفِي الحَدِيثِ هُنَا جَاءَ التَّأَلِّي عَلَى اللهِ مُضَافًا إِلَيهِ حَجْرُ فَضْلِهِ تَعَالَى، وَتَقْنِيطُ عِبَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ!
- القَسَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (٣):
١ - أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ نَفْي أَو إِثْبَاتٍ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ стр. 1177
دَلِيلٌ عَلَى يِقَينِهِ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، كَقَولِ القَائِلِ: "وَاللهِ؛ لَيُشَفِّعَنَّ اللهُ نَبِيَّهُ فِي الخَلْقِ يَومَ القِيَامَةِ"، وَكَقَولِ: "وَاللهِ؛ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِهِ" (١).
٢ - أَنْ يُقْسِمَ عَلَى رَبِّهِ لِقُوَّةِ رَجَائِهِ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ)) (٢) (٣).
٣ - أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ هُوَ الإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَحَجْرُ فَضْلِ اللهِ ، وَسُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى! فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ وَشِيكٌ بِأَنْ يُحْبِطَ اللهُ عَمَلَ هَذَا المُقْسِمِ. стр. 1178
وَهَذَا النَّوعُ الأَخِيرُ هُوَ الَّذِي سَاقَ المُؤَلِّفُ الحَدَيثَ مِنْ أَجْلِهِ (١).
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّحَفُّظِ -عِنْدَ إِنْكَارِ المُنْكَرِ- مِنَ الكَلَامِ الَّذِي يَكُونَ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عِنْدَ إِنْكَارِهِ المُنْكَرَ قَدْ تَحْمِلُهُ الغَيرَةُ فَيَتَكَلَّمُ عَلَى العُصَاةِ وَالمُخَالِفِينَ بِكَلَامٍ لَا يَصِحُّ شَرْعًا؛ فَيُؤَاخَذُ بِهِ.
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: "كَونُ النَّارِ أَقْرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَأَنَّ الجَنَّةَ مِثْلُ ذَلِكَ" يَقْصِدُ حَدِيثَ: ((الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)) (٢).
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: "فِيهِ شَاهِدٌ لِقَولِهِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ)) إِلَى آخِرِهِ" يَقْصِدُ حَدِيثَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ -لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا- يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ)) (٣).
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: "أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبٍ هُوَ مِنْ أَكْرَهِ الأُمُورِ إِلَيهِ" يُرِيدُ أَنَّهُ بِسَبَبِ إِنْكَارِ ذَلِكَ العَابِدِ عَلَيهِ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ المَغْفِرَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ رَحْمَةِ اللهِ لَهُ وَلَكِنْ جُعِلَ ذَلِكَ سَبَبًا مُبَاشِرًا في حُصُولِهَا.
لَكِنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيثُ الجُمْلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١٦]. стр. 1179
- فَائِدَةٌ: قَولُ الرَّجُلِ: "مَا أَظُنُّ اللهَ يَدَعُ فُلَانًا مِنَ العُقُوبَةِ" هَذَا القَولُ لَا يَجُوزُ، وَيُخْشَى عَلَيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَأَلِّينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ البَابِ: "وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ بِلَا تَوْبَةٍ إِذَا شَاءَ اللَّهُ غُفْرَانَهَا" (١). стр. 1180
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، أَو إِنْكَارِ المُنْكَرِ؟
الجَوَابُ:
١ - العِلْمُ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مُنْكَرًا وَاضِحًا يَتَّفِقُ عَلَيهِ الجَمِيعُ، أَو فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ غَيرُ مُعْتَبَرٍ (١).
٢ - القُدْرَةُ عَلَى تَغْيِيرِهِ: وَكُلُّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((مَا مِنْ قَومٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي؛ ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا! إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ)) (٢).
وَلَكِنْ تُلَاحَظُ فِيهِ القُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّلِ الأَذَى، وَكُلٌّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ، وَفِي الحَدِيثِ: ((لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ! يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ)) (٣). стр. 1181
٣ - عَدَمُ الانْتِقَالِ إِلَى مُنْكَرٍ آخَرَ -مِثْلِهِ أَو أَشَدَّ-: وَلَكِنْ إِلَى مَعْرُوفٍ، أَو تَرْكٍ لِلمُنْكَرِ، أَو أَدْنَى مِنْهُ.
٤ - الرِّفقُ: كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ)) (١). стр. 1182
٥ - ظَنُّ الانْتِفَاعِ (١).
وَلْتُرَاجَعِ الحَوَاشِي عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ جَيِّدًا؛ فَإِنَّ فِيهَا فَوَائِدَ هَامَّةً. стр. 1183
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِحَدِيثِ البَابِ عَلَى إِحْبَاطِ الأَعْمَالِ بِالْمَعَاصِي الكَبَائِرِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوْجًهٍ:
١ - أَنَّ الإِحْبَاطَ هُوَ لِكَامِلِ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، وَظَنَّ أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ إِدْلَالًا (١)، وَتَحَكُّمًا عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي رَحْمَتِهِ؛ فَكَانَ هَذَا سَبَبًا لِإِبْطَالِ كُلِّ مَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِهِ حَيثُ فَقَدَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ العِبَادَةِ وَهُوَ رُكْنُ الذُّلِّ وَالخُضُوعِ للهِ تَعَالَى.
٢ - أَنَّ الإِحْبَاطَ هُوَ لِنَوعِ العَمَلِ الَّذِي كَانَ مُتَقَدِّمًا فِيهِ عَلَى ذَلِكَ العَاصِي -الَّذِي قَصَّرَ فِيهِ هَذَا الأَخِيرُ-، فَيَكُونُ الإِحْبَاطُ جُزْئِيًّا مِنْ بَابِ العُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّأَلِّي.
٣ - أَنَّ هَذَا الحُكْمَ كَانَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا؛ وَجَاءَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ (٢).
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيتُمْ كَثِيرًا))، ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَبْكَى القَوْمَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيهِ: ((يَا مُحَمَّدُ؛ لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟!))، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا)) (٣). стр. 1184
بَابُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ
عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ العِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ؛ فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ؛ فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيكَ، وَبِكَ عَلَى اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((سُبْحَانَ اللهِ! سُبْحَانَ اللهِ!))، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَيحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ))، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ قَالَ: (نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيكَ).
الثَّانِيَةُ: تَغَيُّرُهُ تَغَيُّرًا عُرِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ قَولَهُ: (نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ).
الرَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى تَفْسِيرِ (سُبْحَانَ اللهِ).
الخَامِسَةُ: أَنَّ المُسْلِمِينَ يَسْأَلُونَهُ ﷺ الاسْتِسْقَاءَ. стр. 1185
الشَّرْحُ
- الشَّفَاعَةُ لُغَةً: مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوجُ، وَهُوَ خِلَافُ الوَتْرِ (١)، وَاصْطِلَاحًا: التَّوَسُّطُ لِلغَيرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ.
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ المُسْلِمَ يَتَحَرَّزُ مِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَنَقُّصٌ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ للهِ ﷻ .
فَالنَّبِيُّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى الأَعْرَابِيِّ لِأَنَّ سُؤَالَهُ يُوهِمُ أَنَّ اللهَ مُفْتَقِرٌ لِمَا فِي يَدِ عَبْدِهِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ! وَالحَقُّ أَنَّ الكُلَّ مُفْتَقِرٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحِجْر: ٢١]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فَاطِر: ١٥].
- إِنَّ تَسْبِيحَ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِهِ للهِ تَعَالَى مِمَّا نُسِبَ إِلَيهِ مِنَ السُّوءِ.
- حَدِيثُ البَابِ ضَعَّفَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ (٢)، وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "لَكِنَّهُ صَحِيحُ المَعْنَى" (٣).
- قَولُهُ: ((وَيحَكَ)) (وَيح) كَلِمَةٌ يُرَادُ بِهَا الزَّجْرُ وَالعِتَابُ، وَيُرَادُ بِهَا الشَّفَقَةُ أَحْيَانًا. стр. 1186
- قَولُهُ: ((إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ)) أَي: إِنَّ شَأْنَ اللهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَصَوَّرْتَ حَيثُ جِئْتَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
- قَولُهُ: ((إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ)) أَي: لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا إِلَى أَحًدٍ، وَذَلِكَ لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ.
- فِي الحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ حُصُولِ أَمْرٍ مُنْكَرٍ أَو أَمْرٍ عَجِيبٍ.
стр. 1187
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ الاسْتِشْفَاعُ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ غَيرَ مَشْرُوعٍ؛ فَكَيفَ جَازَ السُّؤَالُ بِاللهِ فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ)) (١)؟! وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَينِ فِي قَولِ المَلَكِ: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللونَ الحَسَنَ)) (٢)!
الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ أَبَدًا بَينَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَدِيثَ البَابِ -كَمَا سَبَقَ- يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَأْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَعْظَمُ -أَو مُقَارِبٌ- لِشَأْنِ اللهِ سُبْحَانَهُ! فَهُوَ تَنَقُّصٌ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، بِخِلَافِ الأَحَادِيثِ الأُخْرَى فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ المَسْئُولِ بِهِ -وَهُوَ اللهُ تَعَالَى- عِنْدَ السَّائِلِ؛ وَأَيضًا عِنْدَ المَسْئُولِ إِذَا أَجَابَهُ سُؤَالَهُ (٣). стр. 1188
بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِمَى التَّوحِيدِ وَسَدِّهِ طُرُقَ الشِّرْكِ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: ((السَّيِّدُ اللهُ ﵎)، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: ((قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (١).
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! يَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا بِقَولِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (٢). стр. 1189
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنَ َالغُلُوِّ.
الثَّانِيَةُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ قِيلَ لَهُ: (أَنْتَ سَيِّدُنَا).
الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((لَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ)) مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِلَّا الحَقَّ.
الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَنْزِلَتِي)).
стр. 1190
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ سَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ذَرَائِعَ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةِ التَّمَادِي فِي الأَلْفَاظِ.
- سَبَقَ مَعَنَا بَابٌ مُشَابِهٌ وَهُوَ بَابُ (مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ المُصْطَفَى جَنَابَ التَّوحِيدِ وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الشِّرْكِ)، وَالفَرْقُ بَينَ البَابَينِ أَنَّ الأَوَّلَ فِيهِ حِمَايَةُ التَّوحِيدِ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ، وَهَذَا البَابُ فِيهِ حِمَايَتُهُ مِنْ جِهَةِ الأَقْوَالِ.
- قَولُهُ: ((السَّيِّدُ)) هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: ذُو السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ، وَالسُّؤْدُدُ مَعْنَاهُ: العَظَمَةُ وَالفَخْرُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَهُوَ مِنْ مَعَانِي اسْمِ الصَّمَدِ.
- المَقْصُودُ بِقَولِهِ: ((السَّيِّدُ اللهُ ﵎) أَنَّ السَّيِّدَ الحَقِيقِيَّ المَالِكَ لِكُلِّ شَيءٍ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)) (١)، وَلَكِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا خَافَ مِنَ الغُلُوِّ حَيثُ لَاحَظَ الإِطْرَاءَ وَالمَدْحَ فِي كَلَامِهِم فَأَرْشَدَهُم إِلَى السَّيِّدِ الحَقِيقِيِّ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ تَوَاضُعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (٢)، وَقَدْ أَخْبَرَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ стр. 1191
شَيءٍ مِنْ تَوَاضُعِهِ ﵊ فَقَالَتْ: (كَانَ يَفْلِي ثَوبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ) (١).
وَأَيضًا فِي الأَحَادِيثِ نَهْيٌ عَنِ الغُلُوِّ فِيهِ ﷺ بِرَفْعِهِ فَوقَ مَنْزِلَتِهِ؛ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الحَدِيثِ (٢).
- قَولُهُ: (وَأَعْظَمُنَا طَولًا): أَي: عَطَاءً لِلأَحِبَّاءِ وَعُلَوًّا عَلَى الأَعْدَاءِ (٣)، وَالطَّولُ أَيضًا الشَّرَفُ والغِنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، وَيَكُونُ بِمَعْنَى العَظَمَةِ أَيضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غَافِر: ٣]، أَي: ذِي العَظَمَةِ وَالغِنَى.
- قَولُهُم: (وَابْن خَيرِنَا): أَي: فِي النَّسَبِ لَا فِي المَقَامِ وَالحَالِ (٤)، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي قَولِهِ: (وَابْنَ سَيِّدِنَا). стр. 1192
- قَولُهُ: ((قُولُوا بِقَولِكُمْ)) "أَي: قُولُوا بِقَولِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ؛ وَادْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِي اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَلَا تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ وَعُظَمَاءَكُمْ، وَلَا تَجْعَلُونِي مِثْلَهُم فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا لَيَسُودُونَكُم فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا؛ وَأَنَا أَسُودُكُمْ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَسَمُّونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا" (١).
- قَولُهُ: ((أَو بَعْضِ قَولِكُمْ)) فِيهِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ؛ وَمَعْنَاهُ: دَعُوا بَعْضَ قَولِكُمْ وَاتْرُكُوهُ وَاقْتَصَدُوا فِيهِ بِلَا إِفْرَاطٍ، أَو دَعُوا: (سَيِّدًا) وَقُولُوا: (نَبِيًّا وَرَسُولًا).
- قَولُهُ: ((وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ)) اسْتَجْرَاهُ بِمَعْنَى: جَذَبَهُ وَجَعَلَهُ يَجْرِي مَعَهُ، أَي: لَا يَسْتَمِيلَنَّكُمُ الشَّيطَانُ وَيَجْذِبَنَّكُم إِلَى أَنْ تَقُولُوا قَولًا مُنْكَرًا، وَمِثْلُهُ أَيضًا: (وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ) هُوَ مِنَ الهَوَى: أَي المَحَبَّةِ وَالمَيلِ، وَقِيلَ مِنَ الهُوِيِّ: وَهُوَ الوَقُوعُ.
- فَائِدَة ١: مَدْحُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (٢)، إِلَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ تُؤْمَنُ عَلَيهِ стр. 1193
الفِتْنَةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَبُوهُمَا خَيرٌ مِنْهُمَا)) (١).
- فَائِدَة ٢: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلمُنَافِقِ سَيِّدٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدُنَا! فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ)) (٢)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ مُطْلَقًا.
- فَائِدَة ٣: لَا يُشْرَعُ زِيَادَةُ لَفْظِ (سَيِّدِنَا) فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ صَحَابَتِهِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم أَجْمَعِينَ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀: "اتِّبَاعُ الأَلْفَاظِ المَأْثُورَةِ أَرْجَحُ، وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ﷺ ؛ كَمَا لَمْ يَكُنْ يَقُولُ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ : ﷺ ، وَأُمَّتُهُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ كُلَّمَا ذُكِرَ!! لِأَنَّا نَقُولُ: لَو كَانَ ذَلِكَ رَاجِحًا [يَعْنِي: وَصْفَهُ بِالسِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ] لَجَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَارِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ مَعَ كَثْرَةِ مَا وَرَدَ عَنْهُم مِنْ ذَلِكَ" (٣). стр. 1194
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ -كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ- فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَفْضِيلِهِ عَلَى غَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ؟
الجَوَابُ: إِنَّ سَبَبَ النَّهْي عَن التَّفْضِيلِ بَينَ الأَنْبِيَاءِ -وَهُمْ مُفَضَّلُونَ عَلَى بِعْضٍ شَرْعًا- أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ إِذَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ سَيُفْضِي إِلَى تَنَقُّصِ أَحَدٍ مِنْهُم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ وَهَذَا كُفْرٌ، لِذَلِكَ جَاءَ الأَمْرُ بِسَدِّ هَذَا البَابِ.
قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ ﵀: "وَقَولُ اللهِ : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ : ((لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنْبِيَاءِ اللهِ))، وَقَولُهُ: ((لَا تُخَيِّرُوا بَينَ الأنْبِيَاءِ)) إِنَّمَا هُوَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى مَعْنَى الإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالإخلَالِ بالوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ المُخَايَرَةُ مِنْ مُسْلِمٍ يُرِيدُ الوُقُوفَ عَلَى الأَفْضَلِ مِنْهُمْ؛ فَلَيسَ هَذَا بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ ﷺ عَنْ يُونُسَ ﵊: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)) (٢)، فَقَدْ خَصَّ يُونُسَ ﵊ بِهَذَا القَولِ لِمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ تَنَقُّصٌ لَهُ، فَبَالَغَ ﷺ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ (٣). стр. 1195
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِمَاذَا قَالَ ﵊ فِي الحَدِيثِ: ((السَّيِّدُ اللهُ)) وَلَمْ يَقُلْ: (اللهُ سَيِّدُكُم) مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ (١):
١ - لِإِفَادَةِ العُمُومِ مِنْ (ال) التَّعْرِيفِ المُفِيدَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، بِخِلَافِ الإِضَافَةِ؛ فَهِيَ أَقَلُّ شُمُولًا.
٢ - لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ المُضَافِ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ كُلِّ شَيءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ. следующие страницы →