Полный текст (1 328 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الشَّرْحُ
- النَّذْرُ لُغَةً: الإِلْزَامُ وَالعَهْدُ. وَاصْطِلَاحًا: إِلْزَامُ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ للهِ شَيئًا غَيرَ وَاجِبٍ (١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى كَونِهِ عِبَادَةً، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ مِنْ جِهَتِينِ:
١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَّقَ النَّذْرَ بِعِلْمِهِ تَعَالَى بهِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ جَزَاءٍ.
٢ - أَنَّ سِيَاقَهُ سِيَاقُ مَدْحٍ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى النَّفَقَةِ.
- وَجْهُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ بِالآيَةِ هُنَا: هُوَ بَيَانُ أَنَّ النَّذْرَ عِبَادَةٌ للهِ؛ فَيَكُونُ جَعْلُهُ لِغَيرِ اللهِ شِرْكًا، وَهُوَ اتِّخَاذُ الأَنْدَادِ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَصْلٌ ذَكَرَ أَدِلَّتَهُ المُصَنِّفُ ﵀ فِي البابِ الأَوَّلِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [الأنْعَام: ١٥١].
- الفَرْقُ بَينَ النَّذْرِ لِغَيرِ اللهِ وَبَينَ نَذْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ (٢):
١ - النَّذْرُ لِغَيرِ اللهِ: هُوَ شِرْكٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِطْلَاقًا، وَلَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ وإنّما تَجِبُ فِيهِ التَّوبَةُ، وَمِنَ التَّوبَةِ قَولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (٣). стр. 212
٢ - نَذْرُ المَعْصِيَةِ: لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ المَعَاصِي، وَهُوَ مُنْعَقِدٌ، وَلَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِهِ، وَفِيهِ الكَفَّارَةُ.
قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ: "قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: وَأَمَّا مَا نُذِرَ لِغَيرِ اللهِ كَالنَّذْرِ لِلأَصْنَامِ وَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالقُبُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيرِ اللهِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَالحَالِفُ بِالمَخْلُوقَاتِ لَا وَفَاءَ عَلَيهِ وَلَا كَفَّارَةٌ (١)، وَكَذَلِكَ النَّاذِرُ لِلمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ لَيسَ لَهُ حُرْمَةٌ، بَلْ عَلَيهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ مِنْ هَذَا وَيَقُولَ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((مَنْ حَلَفَ وَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) " (٢).
- كَفَّارَةُ النَّذْرِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ)) (٣).
وَكَفَّارَةُ اليَمِينِ بيَّنَهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٨٩]. стр. 213
- أَنْوَاعُ النَّذْرِ -مِنْ جِهَةِ الابْتِدَاءِ-:
١ - نَذْرُ الشَّرْطِ (١).
وَيَكُونُ بِاشْتِرَاطِ فِعْلِ أَمْرٍ للهِ تَعَالَى فِي مُقَابِلِ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى لِأَمْرٍ مَا، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ (٢)، وَهُوَ كَقَولِ القَائِلِ: "يَا رَبِّ؛ إِنْ فَعَلْتَ كَذَا؛ فَعَلْتُ أَنَا كَذَا"!!
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: (أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيرٍ! وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)) (٣).
وَلَكِنَّ الوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ طَاعَةً للهِ تَعَالَى (٤).
٢ - نَذْرٌ مُطْلَقٌ.
وَيَكُونُ ابْتِدَاءً مِنْ بَابِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، أَوِ الشُّكْرِ لَهُ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ، وَلَيسَتْ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ أَمْرٍ مَا عَلَى سَبِيلِ أَدَاءِ الشَّرْطِ كَمَا سَبَقَ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ عَلَى نِعْمَةٍ اسْتَجَدَّتْ عَلَيهِ: "لِلَّهِ عَلَيَّ شَاةٌ".
وَهَذَا النَّذْرُ المُطْلَقُ هُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٠]. стр. 214
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قَالَ: كَانُوا يَنْذِرُونَ طَاعَةَ اللهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَمِمَّا افْتُرِضَ عَلَيهِم؛ فَسَمَّاهُمُ اللهُ أَبْرَارًا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ وَقَعَ فِي غَيرِ نَذْرِ المُجَازَاةِ" (١).
- وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الوَفَاءِ بِهِ:
١ - مَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
وَهُوَ نَذْرُ الطَّاعَةِ، وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)) (٢).
وَفِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ النّذْرَ نَذْرَانِ، فَمَا كَانَ للهِ؛ فَكَفَّارَتُهُ الوَفَاءُ بِهِ، وما كَانَ لِلشَّيطانِ؛ فَلَا وَفَاءَ لَهُ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)) (٣).
٢ - مَا يَحْرُمُ.
وَهُوَ نَذْرُ المَعْصِيَةِ لِمَا سَلَفَ، وَلِقَولِهِ فِي حَدِيثِ البَابِ السَّابِقِ: ((فَإنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنِذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ))، وَفِيهِ الكفَّارةُ.
٣ - مَا يُكْرَهُ.
وَهُوَ نَذْرُ المَكْرُوهِ، كَأَنْ يَكُونَ المَنْذُورُ مِمَّا ثَبَتَتْ كَرَاهَتُهُ شَرْعًا، كَأَكْلِ الثَّومِ وَالبَصَلِ؛ فَهَذَا يُكْرَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الكَفَّارَةُ. стр. 215
٤ - مَا يُبَاحُ.
وَهُوَ نَذْرُ المُبَاحِ، كَنَذْرِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرُّكُوبِ وَالسَّفَرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ المُبَاحَاتِ، فَيَقُولُ النَّاذِرُ فِيهِ: "لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبِسَ ثَوبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي"، وَهَذَا مُخَيَّرٌ بَينَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ اليَمِينِ.
٥) نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالغَضَبِ.
وَهَذَا المَقْصُودُ مِنْهُ الحَثُّ أَوِ المَنْعُ أَوِ التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ، كَقَولِ القَائِلِ: "للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا"، فَهُوَ كَالسَّابِقِ مُخَيَّرٌ فِيهِ (١). стр. 216
بَابُ مِنَ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ٦].
وَعَنْ خَولَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ﵂؛ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتّىَ يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). стр. 217
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الجِنِّ.
الثَّانِيَةُ: كَونُهُ مِنَ الشِّرْكِ.
الثَّالِثَةُ: الِاسْتِدْلالُ عَلَى ذَلِكَ بِالحَدِيثِ، لِأَنَّ العُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالمَخْلُوقِ شِرْكٌ.
الرَّابِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ كَونَ الشَّيءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَو جَلْبِ نَفْعٍ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ!
стр. 218
الشَّرْحُ
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١): "وَقَولُهُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَي: كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلًا عَلَى الإِنْسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا أَو مَكَانًا مُوحِشًا مِنَ البَرَارِي وَغَيرهَا -كَمَا كَانَتْ عَادَةُ العَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتهَا- يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ المَكَانِ مِنَ الجَانِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيءٍ يَسُوءُهُم؛ كَمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَدْخُلُ بِلَادَ أَعْدَائِهِ فِي جِوَارِ رَجُل كَبِيرٍ وَذِمَامِهِ وَخِفَارَتِهِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِنُّ أَنَّ الإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوفهمْ مِنْهُمْ زَادُوهُمْ رَهَقًا -أَي: خَوفًا وَإِرْهَابًا وَذُعْرًا- حَتَّى بَقُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً، وَأَكْثَرَ تَعَوُّذًا بِهِمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أَي: إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الجِنُّ عَلَيهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً".
- قَولُهُ: (اسْتَعَاذَ) هُوَ عَلَى وَزْنِ (اسْتَفْعَلَ)، وَهَذَا البِنَاءُ (الأَلِفُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ) يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ لُغَةً:
١ - الطَّلَبِ.
كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ القُدْسِيِّ: ((يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي)) (٢)، وَأَيضًا حَدِيثِ مُسْلِمٍ القُدْسِيِّ الآخَرِ: ((يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ؛ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ)) (٣). стр. 219
٢ - كَثْرَةِ الوَصْفِ فِي الفِعْلِ.
كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤]. وَالمَعْنَى أَنَّ إِبْلِيسَ زَادَ فِي كِبْرِهِ وَتَعَاظَمَ، وَمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُن: ٦].
- الاسْتِعَاذَةُ: طَلَبُ العَوذِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَالِاسْتِعَاذَةُ: هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الخَيرِ.
كَمَا قَالَ المُتَنَبِّي -مَادِحًا لِرَجُلٍ؛ وَلَا يَصْلُحُ مَا قَالَ إِلَّا للهِ تَعَالَى-:
يَا مَنْ أَلُوذ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلهُ … وَمَنْ أَعُوذ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِره … وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ" (١).
- الاسْتِعَاذَةُ تَتَضَمَّنُ عَمَلَينِ:
١ - عَمَلًا بَاطِنًا.
وَهُوَ تَوَجُّهُ القَلْبِ وَسَكَنُهُ وَاضْطِرَارُهُ وَحَاجَتُهُ إِلَى هَذَا المُسْتَعَاذِ بِهِ، وَاعْتِصَامُهُ بِهِ، وَتَفْوِيضُ أَمْرِ نَجَاتِهِ إِلَيهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِغَيرِ اللهِ وَحْدَهُ سَوَاءً كَانَ المَطْلُوبُ فِي طَاقَةِ المَخْلُوقِ أَمْ لَا.
٢ - عَمَلًا ظَاهِرًا.
وَهُوَ الطَّلَبُ، وَهَذَا القَدْرُ وَحْدَهُ يَجُوزُ مِنَ المَخْلُوقِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثُ стр. 220
خِصَالٍ: حَيٌّ، حَاضِرٌ، قَادِرٌ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ اللهِ شِرْكٌ.
وَفِي الحَدِيثِ ((سَتَكُونُ فِتَنٌ؛ القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)) (١).
- الجِنُّ: جَمْعُ جِنِّي، وَسُمُّوا بِالجِنِّ لِاجْتِنَانِهِم، أَي: اسْتِتَارِهِم عَنِ الأنْظارِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الجَنِينُ جَنِينًا لِأَنَّهُ لَا يُرَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَمِنْهُ المِجَنُّ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الحَرْبِ يَتَوَقَّى بِهِ المُقَاتِلُ سِهَامَ العَدُوِّ؛ فَهُوَ يُجِنُّهُ مِنَ السِّهَامِ، وَمِنْهُ ((الصَّومُ جُنَّةٌ)) (٢) أَي: سَاتِرٌ بَينَ العَبْدِ وَبَينَ المَعَاصِي وَالنَّارِ (٣).
- الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ أَوجُهٍ (٤):
١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالاسْتِعَاذَةِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفَلَقْ: ١] وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ، فَجَعْلُهَا لِغَيرِهِ شِرْكٌ.
وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ стр. 221
رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المُؤْمِنُون: ٩٧ - ٩٨].
٢ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ بِغَيرِ اللهِ هِيَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الجِنَّ ذَكَرُوهَا عَنِ الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ سَمَاعِهِم لِلقُرْآنِ.
٣ - أَنَّ غَيرَ اللهِ تَعَالَى لَا يَمْلِكُ كَشْفَ الضُّرِّ، وَلَا جَلْبَ النَّفْعِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨] فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ مَعَ اللهِ تَعَالَى.
٤ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ هِيَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَدُعَاءُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يَقُولُ: مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الظَّالِمِي أَنْفُسِهِم" (١).
وَكَمَا فِي نَفْسِ سُورَةِ الجِنِّ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ٢٠].
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَحْرِيمُ الاسْتِعَاذَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنِ التَجَأَ إِلَى غَيرِ اللهِ خَذَلَهُ اللهُ، وَفِيهَا إِثْبَاتُ وُجُودِ الجِنِّ؛ وَأَنَّ فِيهِم رِجَالًا وَنِسَاءً.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ يَعْنِي خَوفًا وَاضْطِرَابًا فِي القَلْبِ؛ أَوجَبَ لَهُم الإِرْهَاقَ، وَ (الرَّهَقُ) يَكُونُ فِي الأَبْدَانِ وَالأَرْوَاحِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ تَعَاظَمَتِ الجِنُّ وَزَادَ شَرُّهَا. стр. 222
- قَولُهُ: ((بِكَلِمَاتِ اللهِ)) المُرَادُ بِالكَلِمَاتِ هُنَا: الكَلِمَاتُ الشَّرْعِيَّةُ وَالكَونِيَّةُ.
فَكَلِمَاتُهُ الدِّينِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ هِيَ شَرْعُهُ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عِبَادِهِ.
وَأَمَّا كَلِمَاتُهُ الكَونِيَّةُ (القَدَرِيَّةُ): فَهِيَ الَّتِي يُكَوِّنُ اللهُ بِهَا الأَشْيَاءَ وَيُقَدِّرُهَا، فَهِيَ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، فَقَضَاءُ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لَا يَتَجَاوَزُهُ لَا البَرُّ وَلَا الفَاجِرُ.
وَفِي الحَدِيثِ: ((أَتَانِي جِبْرِيٍلُ، فَقَالَ: يَا مُحمَّدُ قُلْ، قُلْتُ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وذَرَأ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأ فِي الأَرْضِ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ ما يَخْرُجُ مِنْها، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ يَطْرُقُ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيرٍ يَا رَحْمنُ)) (١).
- قَولُهُ: ((التَّامَّات)) أَي: الَّتِي لَيسَ فِيهَا نَقْصٌ وَلَا عَيبٌ.
وَتَمَامُ الكَلَامِ هُوَ بِأَمْرِينِ:
١ - الصِّدْقُ فِي الأَخْبَارِ.
٢ - العَدْلُ فِي الأَحْكَامِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٥].
- قَولُهُ: ((مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)) أَي: مِنْ شَرِّ كُلِّ خَلْقٍ فِيهِ شَرٌّ، لِأَنَّ هُنَاكَ خَلْقًا لَيسَ стр. 223
فِيهِم شَرٌّ؛ كَالأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَ ....
- مِنْ فِقْهِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي إِيرَادِ الحَدِيثِ بَعْدَ الآيَةِ هُوَ الدِّلَالَةُ عَلَى أُمُورٍ؛ مِنْهَا:
١ - أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ تَجُوزُ بِصِفَاتِهِ تَعَالَى أَيضًا.
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: ((أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)). مُسْلِمٌ (١).
٢ - الإِرْشَادُ إِلَى الأُسْلُوبِ النَّبَوِيِّ فِي الدَّعْوَةِ: أَنَّكَ إِذَا أَغْلَقْتَ بَابًا مِنَ الشَّرِّ فَافْتَحْ عِوَضًا عَنْهُ بَابًا مِنَ الخَيرِ.
مِثَالُهُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ١٠٤].
- فَائِدَةٌ: كَلَامُ اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَيسَ بِمَخْلُوقٍ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى أَو بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد صَاحِبُ السُّنَنِ ﵀ عَقِبَ حَدِيثِ ((أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ)) (٢): "هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ لَيسَ بِمَخْلُوقٍ" (٣). стр. 224
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُ القَائِلِ: "أَعُوذُ بِاللهِ وَبِكَ"، مَا حُكْمُهُ؟
الجَوَابُ:
حُكْمُهُ عَلَى دَرَجَتَينِ:
١ - شِرْكٍ أَكْبَرَ: إِنْ كَانَ مَا يَعُوذُ مِنْهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى.
٢ - شِرْكٍ أَصْغَرَ: إِنْ كَانَ مَا يَعُوذُ مِنْهُ هُوَ مِمَّا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيهِ أَيضًا. وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالوَاوِ، وَهُوَ مِنِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ لَفْظًا، وَلَيسَ بِأَكْبَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَا كَانَ للهِ لِغَيرِهِ تَعَالَى.
وَعَلَيهِ يَجُوزُ قَولُ: (أَعُوذُ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ) فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ العَبْدُ.
وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: "أَنَّهُ يَكْرَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ، وَيُجَوِّزُ أَنْ يَقُولَ: بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ. قَالَ: وَيَقُولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُولُوا: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ" (١). стр. 225
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ التَّعَامُلِ مَعَ الجِنِّ؟
الجَوَابُ:
التَّعَامُلُ مَعَ الجنِّ لَا يَجُوزُ وَلَو كَانَ مُسْلِمًا (١)، وَدَلَّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:
١ - أَنَّ اسْتِمْتَاعَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ؛ وَالإِنْسِيِّ بِالجِنِّيِّ مُحَرَّمٌ فِي ظَاهِرِ نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٨]، وَلَمْ يَأْتِ مَا يُخَصِّصُ هَذِهِ الآيَةَ، وَالاسْتِعَاذَةُ بِهِم هِيَ مِنْ جِنْسِ الاسْتِمْتَاعِ بِهِم.
٢ - أَنَّ تَسْخِيرَ الجِنِّ هُوَ مِمَّا خُصَّ بِهِ سُلَيمَانُ ﵇، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ. стр. 226
كَمَا ورَدَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي؛ فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيهِ كُلُّكُمْ؛ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا)) (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَةً لِسُلَيمَانَ ﵇" (٢).
٣ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دَعَا الجِنَّ إِلَى الإِسْلَامِ نَهَى ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ تَكْلِيمِهِم، وَنَهَاهُ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ التَّعَامُلِ مَعَهُم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ العِشَاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكّةَ، فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ خَطَّ عَلَيهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: ((لَا تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيكَ رِجَالٌ، فَلَا تُكَلّمْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَلّمُوكَ)) (٣) (٤). стр. 227
وَفِي الأَثَرِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَصْلِحُوا عَلَيكُمْ مَثَاوِيكُمْ، وَأَخِيفُوا هَذِهِ الجِنَّانَ قَبْلَ أَنْ تُخِيفَكُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَينَاهُنَّ) (١)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ: (فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا).
إِلَّا أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ أَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ -وَالصَّالِحَ جَدَلًا- إِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَعَامُلٌ مَعَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ؛ فَلَيسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ فِي شَيءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُم لَيسُوا بِمَعْصُومِينَ! فَلَو حَصَلَ شَيءٌ مِنْ هَذَا التَّعَامُلِ -وَإِنْ كَانَ فِي خَيرٍ- فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ كَحَالِ مُسْلِمِي الإِنْسِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُعَامِلُونَهُم (٢).
٤ - أَنَّ الجِنِّ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ كَانَ مِنْهُم مَنْ لَقِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَمَعَ إِلَيهِ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ (٣)، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِنْدَهُم مِنَ القُدُرَاتِ وَالإِمْكَانَاتِ الَّتِي أَعْطَاهُم إِيَّاهَا اللهُ تَعَالَى مَا لَيسَ لِغَيرِهِم؛ وَقَدْ مَضَى زَمَنُ النُّبُوَّةِ وَزَمَنُ الصَّحَابَةِ (٤) وَلَمْ يَجْرِ فِيهِ الاسْتِعَانَةُ بِالجِنِّ стр. 228
-حَتَّى المُسْلِمَ مِنْهَا-، فَكَانَ هَذَا الأَمْرُ بِمَثَابَةِ إِجْمَاعٍ مِنْهُم عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعيَّتِهِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ (الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ): "قَالَ أَحْمدُ ﵀ فِي الرَّجُلِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُعَالِجُ المَجْنُونَ مِنَ الصَّرَعِ بِالرُّقَى وَالعَزَائِمِ، أَو يَزْعُمُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ الجِنَّ وَيُكَلِّمُهُم، وَمْنُهم مَنْ يَخْدُمُهُ؛ قَالَ: مَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، تَرْكُهُ أَحَبُّ إليَّ. وَهَذَا يُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَمَا هُوَ المَعْلُومُ مِنْ نُصُوصِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَلْفَاظِهِ" (١).
٥ - سَدًّا لِذَرِيعَةِ الافْتِتَانِ بِهِم.
وَالفِتْنَةُ بِهِم حَاصِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أ- أَنَّ الشَّيَاطِينَ الأَصْلُ فِيهِمُ الكَذِبُ؛ فَلَا يُؤْمَنُ كَذِبُ مَنْ يَزْعُمُ مِنْهُم أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَو صَالِحٌ، فَهُم يُوقِعُونَ العَدَاوَةَ بَينَ النَّاسِ فِي كَذِبِهِم.
ب- أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَهُم اسْتِدْرَاجٌ، فَيَتَدَرَّجُونَ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مَكْرُوهٍ إِلَى مُحَرَّمٍ إِلَى شِرْكٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البَقَرَة: ١٦٨].
ج- أَنَّ الاسْتِعَانَةَ بِهِم -وَهُمْ غَيرُ مُشَاهَدُونَ لَنَا- يَعْنِي الاسْتِغَاثَةَ بِهِم فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَهَذَا يُمَاثِلُ فِعْلَ المُشْرِكِينَ مَعَ آلِهَتِهِم وَمَعَ الجِنِّ، فَقَولُ أَحَدِهِم: "أَغِثْنِي يَا فُلَانُ -بِاسْمِ الجِنِّيِّ-" أَو "أُعُوذُ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ -مِنَ الجِنِّ-" وَبِزَعْمِ أَنَّهُ حَيٌّ حَاضِرٌ قَادِرٌ! هَذَا ذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الشِّرْكُ. стр. 229
فَاللهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي سُورَةِ الجِنِّ ضَلَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِمَرَدَةِ الجِنِّ مِنْ سَائِرِ الجِنِّ، وَالاسْتِعَاذَةُ طَلَبٌ وَاسْتِعَانَةٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُون هَذَا إِلَّا إِذَا نَزَلُوا فِي الأَودِيَةِ! فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرُ الجِنِّ يَسْمَعَ كَلَامَهُم؛ وَهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا مِنْهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى ضَلَالَهُم (١) (٢). стр. 230
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَتِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيرِ اللهِ شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الاسْتِعَاذَةُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ -وَبِحُضُورِهِ أَيضًا- دُونَ إِنْكَارٍ مِنْهُ عَلَى المُسْتَعِيذِ بِهِ؟
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((وَاللهِ؛ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيكَ مِنْكَ عَلَيهِ))، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ (١).
الجَوَابُ:
قَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ الاسْتِعَاذَةَ تَجُوزُ إِذَا تَحَقَّقَتْ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَهِيَ: كَونُ المَدْعُوِّ أَوِ المُسْتَعَاذِ بِهِ حَيًّا، حَاضِرًا، قَادِرًا عَلَى مَا أُعِيذَ بِهِ مِنْهُ، وَعَلَيهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ الأَخْذُ بِهَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَأْذُونِ بِهَا (٢)، وَكُلُّ هَذَا كَانَ مُحَقَّقًا فِي هَذَا الحَدِيثِ (٣). стр. 231
_________
= (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ) عَلَى القَولِ بِعَدَمِ شُذُوذِ == هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّيخُ الفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيَّةُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (مَوسُوعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَقْدِ أُصُولِ فِرْقَةِ الأَحْبَاشِ وَمَنْ وَافَقَهُم فِي أُصُولِهِم) (١/ ٧٤) حَيثُ حَسَّنَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٢٢٨).
وَأَمَّا قَولُهُ فِي الحَدِيثِ: (كَوَافِدِ عَادٍ) فَهُوَ مَثَلٌ مَعْنَاهُ -كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مُحَاضَرَاتُ الأُدَبَاءِ (١/ ٣٨٨) -: "وَوَافِدُ عَادٍ: هُوَ الَّذِي بَعَثُوهُ إِلَى الحَرَمِ لِيَسْتَسْقِي لَهُم؛ فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ؛ فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُ الخَمْرَ وَتُغَنِّي لَهُ الجَرَادَتَانِ، ثُمَّ أَتَى جِبَالَ مَهْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَجِئْ لِفَائِتٍ فَأُودِيهِ، وَلَا لِأَسِيرٍ فَأَفْادِيهِ، وَلَا لِمَرِيضٍ فَأُدَاوِيهِ، اللُّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ! فَعَرَضَتْ لَهُم سَحَابَةٌ أَهْلَكَتْهُم". وَ (الجَرَادَتَانِ): مُغَنِّيَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ عِنْدَ العَرَبِ.
وَلَكِنْ هُنَا يَبْقَى إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ العَطْفِ فِي قَولِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) حَيثُ قَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: ((أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)). صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٧٥٩). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٨٣).
وَالجَوَابُ عَلَيهِ -عِنْدِي- هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
أ- أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ النَّهْي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ فِي الأَلْفَاظِ لَمْ يَكُنْ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ أَولًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ طُفَيلًا رَأَى رُؤْيَا؛ فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، قَالَ: لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ)). صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٠٦٩٤) عَنْ طُفَيلِ بْنِ سَخْبَرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (١٣٨).
ب- أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةِ: (وَرَسُولِهِ) قَدْ تَكُونُ وَهْمًا وَتَصَرُّفًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ -وَاللهُ أَعْلَمُ-، وَوَجْهُ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ نَاحِيَتَينِ:
الأُولَى: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ العَطْفِ بِالوَاوِ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ ﷺ -كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ-، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ إِعَاذَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُبَايِنَةٌ لِإِعَاذَةِ اللهِ تَعَالَى.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَكْثَرَ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى قَولِهِ (أَعُوذُ بِاللهِ) فَقَط، دُونَ زِيَادَةِ (وَرَسُولِهِ)، كَمَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي:
- تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٥١٢).
- سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣٢٧٣).=
стр. 232
وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِي شَيءٍ مِنَ الأَحَادِيثِ أَنَّ أَحَدًا:
أ- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ.
ب- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.
ج- اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ البَشَرُ.
وَأَمَّا بِخُصُوصِ نَفْسِ الحَدِيثِ؛ فَالغُلَامُ اسْتَعَاذَ بِالنَّبِيِّ ﷺ -عِنْدَمَا رَآهُ- لِيَنْجُوَ مِنَ العَذَابِ؛ وَلَيسَ حَالَ غِيَابِهِ -لِاعْتِقَادِهِ قُوةً ذَاتِيَّةً فِي النَّفْعِ أَوِ كَشْفِ الضُّرِّ فِيهِ! -، وَدَلَّ لِذَلِكَ لَفْظُ الحَدِيثِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ؛ وَفِيهِ: (بَينَا رَجُلٌ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ -وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهُ-؛ إِذْ بَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ) (١).
- فَائِدَةٌ: أَمَّا وَجْهُ تَرْكِ أَبِي مَسْعُودٍ لِضَرْبِ الغُلَامِ عِنْدَ الاسْتِعَاذَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ -وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَرَكَهُ عِنْدَ الاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ تَعَالَى- هُوَ لِكَونِهِ لَمْ يَعْقِلْ مَا حَولَهُ مِنَ الكَلَامِ لِشِدَّةِ الغَضَبِ؛ فَلَمَّا رَأى النَّبِيَّ ﷺ سَقَطَ السَّوطُ مِنْ هَيبَتِهِ -كَمَا فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ-؛ وَفِيهِ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوطِ؛ فَسَمِعْتُ صَوتًا مِنْ خَلْفِي: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ))! فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوتَ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ؛ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ))! قَالَ: فَأَلْقَيتُ стр. 233
السَّوطَ مِنْ يَدِي. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ أَيضًا: فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوطُ مِنْ هَيبَتِهِ، فَقَالَ: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ! أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ)). فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ): "فَلَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَعِ اسْتِعَاذَتَهُ الأُولَى لِشِدَّةِ غَضَبِهِ؛ كَمَا لَمْ يَسْمَعْ نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ-، أَو يَكُونُ لَمَّا اسْتَعَاذَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَنَبَّهَ لِمَكَانِهِ" (١). стр. 234
بَابُ مِنَ الشِّرْكِ أَنَّ يَسْتَغِيثَ بِغَيرِ اللهِ أَو يَدْعُوَ غَيرَهُ
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧].
وَقَولُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٧].
وَقَولُهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].
وَقَولُهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْل: ٦٢].
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ)) (١). стр. 235
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: أَنَّ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ عَطْفِ العَامِّ عَلَى الخَاصِّ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْلَحَ النَّاسِ لَو فَعَلَهُ إِرْضَاءً لِغَيرِهِ؛ صَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
الخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
السَّادِسَةُ: كَونُ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَونِهِ كُفْرًا.
السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ لَا يَنْبَغِي إِلَّا مِنَ اللهِ؛ كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ.
التَّاسِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ.
العَاشِرَةُ: أَنَّهُ لَا أَضَلُّ مِمَّنْ دَعَا غَيرَ اللهِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ دُعَاءِ الدَّاعِي لَا يَدْرِي عَنْهُ.
стр. 236
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ لِبُغْضِ المَدْعُوِّ لِلدَّاعِي وَعَدَاوَتِهِ لَهُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَسْمِيَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ عِبَادَةً لِلْمَدْعُوِّ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كُفْرُ المَدْعُوِّ بِتِلْكَ العِبَادَةِ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ هِيَ سَبَبُ كَونِهِ أَضَلَّ النَّاسِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الخَامِسَةِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأَمْرُ العَجِيبُ؛ وَهُوَ إِقْرَارُ عَبْدَةِ الأَوثَانِ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِلَّا اللهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا يَدَعُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ المُصْطَفَى ﷺ حِمَى التَّوحِيدِ، وَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللهِ.
стр. 237
الشَّرْحُ
- كَلَامُ المُصَنِّفِ لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ يُقيَّدُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ المُسْتَغَاثُ بِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَمَا كَانَ للهِ تَعَالَى لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِهِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨]. فَتَسْوِيَتُهُم بَينَ مَعْبُودَاتِهِم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى هُوَ سَبَبُ دُخُولِهِم النَّارَ، عِلْمًا أَنَّهُم لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيهِم الرُّبوبيّةَ! فَصَارَ فِي ذَلِكَ التَّدْلِيلُ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ غَيرِ اللهِ فِيمَا كَانَ للهِ هُوَ الكُفْرُ الأَكْبَرُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].
- الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ: وَدَلَّ لِذَلِكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَفِي الحَدِيثِ: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] (١).
- الدُّعَاءُ نَوعَانِ:
١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ.
وَسُمِّيَ دُعَاءً؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ، فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ стр. 238
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا.
٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ.
وَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (١)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ : ((مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ)) (٢).
وَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥ - ٥٦].
- يَدُلُّ لِهَذَا التَّفْصِيلِ (الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ) نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٥] (٣). стр. 239
قُلْتُ: إِنَّ ذِكْرَ الاسْتِفْهَامِ فِي هَذِهِ الأَوجُهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَهَا هُوَ سَبَبُ النَّهْيِّ (١)، وَأَوجُهُ الدِّلَالَةِ هِيَ:
أ - إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ المَشْي وَالبَطْشِ يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ.
ب- إِنَّ ذِكْرَ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى الحُضُورِ (٢).
ج- إِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ.
قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الأُلُوهيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي القُرْآنِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]، فَاللهُ حَيٌّ سُبْحَانَهُ لَا يَمُوتُ، وَهُوَ قَيُّومٌ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ -وَالسِّنَةُ هِيَ: أَوَّلُ النَّومِ وَمُقَدِّمَاتُهُ- وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ المَعِيَّةِ وَالحُضُورِ وَالإِحَاطَةِ.
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى يُطَمْئِنُهُ مِنْ بَطْشِ فِرْعَونَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا стр. 240
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طَه: ٤٦] (١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ هَذَا لِبَيَانِ الوَاقِعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ (٢)، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا مُنِعَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا؛ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ اللهُ -قَدَرًا أَوْ شَرْعًا-، وَلَيسَ مِمَّا أَذِنَ اللهُ بِهِ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِالأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ سَبَبًا فِي حُصُولِ المَطْلُوبِ.
- فِي الآيَةِ الاسْتِدْلَالُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، حَيثُ جَعَلَ اللهُ عَدَمَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ هُوَ عِلَّةَ التَّوحِيدِ فِي دُعَائِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.
- فِي بَيَانِ وَجْهِ النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ؛ سَبَبَانِ:
١ - أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
٢ - أَنَّهَا لَا تَنْفَعُكَ إِذَا عَبَدْتَهَا، وَلَا تَضُرُّكَ إِذَا تَرَكْتَهَا.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فِيهِ تَقْدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِإِفَادَةِ الحَصْرِ (٣)، وَخَصَّ الرِّزْقَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الحَيَاةِ. стр. 241
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى الإِخْلَاصِ فِي هَذَا الشُّكْرِ، وَأَنْ يَكُونَ للهِ وَحْدَهُ؛ كَمَا أَنَّ الحِسَابَ وَالجَزَاءَ إِلَيهِ وَحْدَهُ.
- مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَيضًا: أَنَّ الرِزْقَ الَّذِي يُنْعِمُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ عَلَى عِبَادِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَونًا عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِذَلِكَ؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَحِقٌ لِعَذَابِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا.
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أُسْلُوبُ التَّضْمينِ، وَالمَعْنَى: "وَاشْكُرُوا مُخْلِصِينَ لَهُ".
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن? أَضَلُّ﴾ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْي، أَي: لَا أَضَلَّ مِمَّنْ يَدْعُو غَيرَ اللهِ تَعَالَى.
- سَبَبُ كَونِهِ أَكْثَرَ النَّاسِ ضَلَالًا أُمُورٌ:
١ - أَنَّهُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.
٢ - أَنَّ المَدْعُوِّينَ غَافِلُونَ عَنْ دُعَائِهِم.
٣ - أَنَّهُ إِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُ أَعْدَاءً.
٤ - أَنَّهُم كَافِرُونَ بِعِبَادَتِهِم.
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ هَذِهِ فِي الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّ المَيِّتَ إِذَا كَانَ يَومَ القِيَامَةِ نُشِرَ وَصَارَ يَسْمَعُ وَرُبَّمَا أَجَابَ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ؛ إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ المَقَامِ حَيٌّ (١)، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ شِرْكَ стр. 242
المُشْرِكِينَ كَانَ أَيضًا فِي البَشْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ شِرْكَهُم كَانَ فِي الأَحْجَارِ الصُمِّ فَقَط! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المُشْرِكَ يُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي الشِّدَّةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُجِيبُهُ -رُغْمَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فِي الأَصْلِ-! وَفِيهِ بَيَانُ سِرِّ قَولِهِ ﷺ : ((وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ)) (١).
وَهَذِهِ الإِجَابَةُ -أَي: الإِجَابَةَ عِنْدَ الكَرْبِ- سَبَبُهَا أَمْرَانِ:
١ - أَنَّ الكَرْبَ إِذَا اشْتَدَّ وَعَظُمَ وَتَنَاهَى؛ حَصَلَ لِلْعَبْدِ الإِيَاسُ مِنْ كَشْفِهِ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَا الحَوَائِجُ، فَإِنَّ اللهَ يَكْفِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاق: ٣] (٢). стр. 243
٢ - أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا اسْتَبْطَأَ الفَرَجَ وَأَيِسَ مِنْهُ بَعْدَ كَثْرَةِ دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ -وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ اسْتِجَابَةٌ- رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّومِ، وَهَذَا اللَّومُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ انْكِسَارَ العَبْدِ لِمَولَاهُ، وَاعْتِرَافَهَ لَهُ بِأَنَّه أَهْلٌ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ أَهْلًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ تَسْرعُ إِلَيهِ حِينَئِذٍ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَتَفْرِيجُ الكُرَبِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُم مِنْ أَجْلِهِ (١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أَي: يَخْلُفُ بَعْضُكُم بَعْضًا فِي الأَرْضِ.
- حَدِيثُ البَابِ -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ- فَيَصِحُّ إِيرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْيِيدِ لِمَا كَانَ ثَابِتًا مِنَ الأُصُولِ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَأَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ فِي نَقْضِ أَصْلٍ عَظِيمٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ! بَلْ إمَّا فِي تَأْيِيدِهِ، وَإِمَّا فِي فَرْعٍ مِنَ الفُرُوعِ" (٢).
- قَولُهُ: ((إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي)): هُوَ مِنْ بَابِ التَّأَدُّبِ فِي الأَلْفَاظِ وَالبُعْدِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَكُونَ تَعَلُّقَ الإِنْسَانِ دَائِمًا بِاللهِ وَحْدَهُ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَشْهَدُ لِعُمُومِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((إِذَاَ سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ؛ فَاسْتَعِن بِاللهِ)) (٣)، وَهُوَ أَيضًا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، فَفِيهِ بَيَانُ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى стр. 244
بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ؛ أَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الحَصْرَ (١).
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ المُنَافِقَ -بِسَبَبِ كَونِ كُفْرِهِ غَيرَ ظَاهِرٍ- فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِشَيءٍ لِكَونِهِ يَسْتَتِرُ بِكُفْرِهِ ولا يُظْهِرُهُ، فَصَارَ فِيهِ الدِّلَالَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الأُمُورِ وَالإِطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الصُّدُورِ.
- إِنَّ إِفْرَادَ اللهِ تَعَالَى بِالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَانَةِ -فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ مَثَلًا- يَكُونُ عَلَى مَرْتَبَتِينِ:
١ - مَرْتَبَةٍ وَاجِبَةٍ: وَهِيَ التَّوحِيدُ، بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَإِنَّ صَرْفَ ذَلِكَ لِغَيرِهِ تَعَالَى شِرْكٌ بِهِ.
٢ - مَرْتَبَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ: وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أنْ يَقُومَ بِالمَطْلُوبِ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيئًا (٢).
وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ قَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ البَيعَةَ عَلَيهَا مِنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمرَهُم أَلَّا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -تِسْعَةً، أَو ثَمَانِيَةً، أَو سَبْعَةً- فَقَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)) -وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ- قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! -حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا-، فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا)) -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً- قَالَ: ((وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا)). قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوطُهُ؛ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا стр. 245
أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
- فَائِدَةٌ ١:
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): "وَالعَجَبُ أَنَّهُم فِي العِرَاقِ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا الحُسَينُ؛ فَيَطُوفُونَ قَبْرَهُ وَيَسْأَلُونَهُ! وَفِي مِصْرَ كَذَلِكَ! وَفِي سُورِيَّا كَذَلِكَ! وَهَذَا سَفَهٌ فِي العُقُولِ، وَضَلَالٌ فِي الدِّينِ.
وَالعَامَّةُ لَا يُلَامُونَ فِي الوَاقِعِ، لَكِنِ الَّذِي يُلَامُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَمِنْ غَيرِ العُلَمَاءِ" (٢).
- فَائِدَةٌ ٢:
قَالَ أَيضًا الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَولُ المُفِيدُ): "فَالذِي يَأْتِي لِلبَدَوِيِّ أَو لِلدُّسُوقِيِّ فِي مِصْرَ؛ فَيَقُولُ: المَدَدَ المَدَدَ! أَو: أَغِثْنِي؛ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيئًا، وَلَكِنْ قَدْ يُبْتَلى فَيِأْتِيهِ المَدَدُ عِنْدَ حُصُولِ هَذَا الشَّيءِ لَا بِهَذَا الشَّيءِ، وَفَرْقٌ بَينَ مَا يَأْتِي بِالشَّيءِ وَمَا يَأْتِي عِنْدَ الشَّيءِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: امْرَأَةٌ دَعَتِ البَدَوِيَّ أَنْ تَحْمِلَ، فلمَّا جَامَعَهَا زُوجُهَا حَمَلَتْ -وَكَانَتْ سَابِقًا لَا تَحْمِلُ-، فَنَقُولُ هُنَا: إِنَّ الحَمْلَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُعَاءِ البَدَوِيِّ، وَإنِّمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ " (٣). стр. 246
- فَائِدَةٌ ٣:
أَمَّا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَينَ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الحَيِّ وَطَلَبِهِ مِن المَيِّتِ -زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ مِن كَونِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا-؛ هُوَ:
"أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَعْبُدُهُ أَحَدٌ بِحُضُورِهِ! فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ- وَالصَّالِحُونَ أَحْيَاءٌ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يُشْرِكُ بِهِمْ بِحُضُورِهِمْ! بَلْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَيهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]،
وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﵌: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت؛ فَقَالَ: ((أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ)) (١)،
وَقَالَ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ)) (٢)،
وَلَمَّا قَالَتِ الجُوَيرِيَةُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ! قَالَ: ((دَعِي هَذَا، قُولِي بِاَلَّذِي كُنْت تَقُولِينَ)) (٣)، стр. 247
وَقَالَ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ! إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) (١)،
وَلَمَّا صَفُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ: ((لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا!)) (٢)،
وَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ (٣)،
وَلَمَّا سَجَدَ لَهُ مُعَاذٌ؛ نَهَاهُ، وَقَالَ: ((إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيهَا)) (٤)،
وَلَمَّا أُتِيَ عَلِيٌّ بِالزَّنَادِقَةِ -الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَاعْتَقَدُوا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ- أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ (٥).
فَهَذَا شَأْنُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يُقِرُّ عَلَى الْغُلُوِّ فِيهِ وَتَعْظِيمِهِ بِغَيرِ حَقٍّ مَنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا! كَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ، وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ الَّذِينَ غَرَضُهُمُ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ وَالْفِتْنَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَالْإِشْرَاكُ بِهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ فِي مَغِيبِهِم وَفِي مَمَاتِهِمْ -كَمَا أُشْرِكُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيرٍ-. стр. 248
فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَينَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵌ وَالصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَحُضُورِهِ وَبَينَ سُؤَالِهِ فِي مَمَاتِهِ وَمَغِيبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِي التَّابِعِينَ يَتَحَرَّوْنَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْأَلُونَهُمْ! وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ -لَا فِي مَغِيبِهِمْ وَلَا عِنْدَ قُبُورِهِمْ-، وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ" (١). стр. 249
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: زَعَمَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ أَنَّ دُعَاءَ الأَولِيَاءِ الأَمْوَاتِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ العَبْدِ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُم بِذَلِكَ -وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ-!!
فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].
٢ - أَنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ -وَدَّ وَسُوَاعَ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَ- هُمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ أَصْلًا.
كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا -يُخْبِرُ عَنْهَا- قَالَ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ (١) (٢). стр. 250
٣ - دَعُوَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرَهُم عَلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ: كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَحُمْقٌ فِي العَقْلِ، فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ قَضَاءَ الحَاجَاتِ لَهُم، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُم أَمْوَاتٌ لَا يَسْمَعُونَ، وَأَنَّهُم لَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].
وَهُوَ حُمْقٌ فِي العَقْلِ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ! أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!!
٤ - الاحْتِجَاجُ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ: لَا دِلَالَةَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ مَا يَزْعُمُونَهُ هُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَلَيسَ إِثْبَاتًا لِلكَرَامَةِ! وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ)) (١) (٢). следующие страницы →