← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- فَائِدَةٌ ٣: أَمَّا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَينَ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الحَيِّ وَطَلَبِهِ مِن المَيِّتِ -زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ مِن كَونِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا-؛ هُوَ: "أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَعْبُدُهُ أَحَدٌ بِحُضُورِهِ! فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ- وَالصَّالِحُونَ أَحْيَاءٌ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يُشْرِكُ بِهِمْ بِحُضُورِهِمْ! بَلْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَيهِ. وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]، وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﵌: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت؛ فَقَالَ: ((أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ)) (١)، وَقَالَ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ)) (٢)، وَلَمَّا قَالَتِ الجُوَيرِيَةُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ! قَالَ: ((دَعِي هَذَا، قُولِي بِاَلَّذِي كُنْت تَقُولِينَ)) (٣)،

стр. 247

وَقَالَ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ! إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) (١)، وَلَمَّا صَفُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ: ((لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا!)) (٢)، وَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ (٣)، وَلَمَّا سَجَدَ لَهُ مُعَاذٌ؛ نَهَاهُ، وَقَالَ: ((إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيهَا)) (٤)، وَلَمَّا أُتِيَ عَلِيٌّ بِالزَّنَادِقَةِ -الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَاعْتَقَدُوا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ- أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ (٥). فَهَذَا شَأْنُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يُقِرُّ عَلَى الْغُلُوِّ فِيهِ وَتَعْظِيمِهِ بِغَيرِ حَقٍّ مَنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا! كَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ، وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ الَّذِينَ غَرَضُهُمُ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ وَالْفِتْنَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَالْإِشْرَاكُ بِهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ فِي مَغِيبِهِم وَفِي مَمَاتِهِمْ -كَمَا أُشْرِكُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيرٍ-.

стр. 248

فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَينَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵌ وَالصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَحُضُورِهِ وَبَينَ سُؤَالِهِ فِي مَمَاتِهِ وَمَغِيبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِي التَّابِعِينَ يَتَحَرَّوْنَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْأَلُونَهُمْ! وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ -لَا فِي مَغِيبِهِمْ وَلَا عِنْدَ قُبُورِهِمْ-، وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ" (١).

стр. 249

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: زَعَمَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ أَنَّ دُعَاءَ الأَولِيَاءِ الأَمْوَاتِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ العَبْدِ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُم بِذَلِكَ -وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ-!! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ دُعَاءَ الأَمْوَاتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١]. ٢ - أَنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ -وَدَّ وَسُوَاعَ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَ- هُمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ أَصْلًا. كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا -يُخْبِرُ عَنْهَا- قَالَ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ (١) (٢).

стр. 250

٣ - دَعُوَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرَهُم عَلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ: كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَحُمْقٌ فِي العَقْلِ، فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ قَضَاءَ الحَاجَاتِ لَهُم، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُم أَمْوَاتٌ لَا يَسْمَعُونَ، وَأَنَّهُم لَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦]. وَهُوَ حُمْقٌ فِي العَقْلِ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ! أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!! ٤ - الاحْتِجَاجُ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الكَرَامَاتِ: لَا دِلَالَةَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ مَا يَزْعُمُونَهُ هُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَلَيسَ إِثْبَاتًا لِلكَرَامَةِ! وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ)) (١) (٢).

стр. 251

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا سِرُّ اقْتِرَانِ كَثِيرٍ مِنَ نُصُوصِ القُرْآنِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ، أَو ذِكْرُ الآيَاتِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا الرُّسُلُ، أَو ذِكْرُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ (١)؟

стр. 252

الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ مُهِمٌ إِلَى أَمْرَينِ: ١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَا يَمْلِكُهَا مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ اسْتِقْلَالًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غَافِر: ٧٨] فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (١). ٢ - بَيَانُ ضَرُورَةِ جَعْلِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغَاثَةِ وَسَائِرِ أَشْكَالِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ دُونَ مَنْ أُجْرِيَتْ عَلَى يَدَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَو شَاءَ لَأَبْطَلَهَا، فَيَظْهَرُ بِهَذَا تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ؛ فَلَا يُدْعَى مَعَ اللهِ أَحَدٌ؛ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا وَلِيٌّ صَالِحٌ.

стр. 253

المُلْحَقُ الثَّالِثُ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ: مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ السَّادَاتِ)، لِلعَلاَّمَةِ الآلُوسِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١)، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيهِ بَعْضَ النُّقُولِ المُفِيدَةِ إِلَى مَتْنِهِ وَإِلى حَاشِيَتِهِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ. - مُقَدِّمَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ كَونَ المَوتَى يَسْمَعُونَ أَو لَا يَسْمَعُونَ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ غَيبِيٌّ مَحْضٌ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ حَصْرًا، فَلَا يَجُوزُ الخَوضُ فِيهِ بِالأَقْيِسَةِ وَالآرَاءِ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِيهِ مَعَ النَّصِّ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا (٢).

стр. 254

وَأَهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ هُوَ صِلَتُهُ الوَطِيدَةُ بِمَسْأَلَةِ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ غَيرَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ أَوِ الأَنْبِيَاءِ أَوِ الشُّيُوخِ العَارِفِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى عِدَّةِ مُقَدِّمَاتٍ؛ مِنْ أَهَمِّهَا أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، لِذَلِكَ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ الوَاضِحُ عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ يُهْدَمُ (١). - الأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ: الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النَّمْل: ٨٠]. وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ مَنْ فِي القُبُورِ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِسْمَاعَ المَوتَى؛ فَغَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى. وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ عُمُومُ النُّصُوصِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ فِي المَسْأَلَةِ مِنَ الحَدِيثِ -مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ (٢) - إِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لَهَا؛ وَلَيسَ مُعَارِضًا لَهَا!! قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "الوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ نَحْوَ هَذِهِ الأُمُورِ الغَيبِيَّةِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَقَط، بَلْ يجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَقُولَ: العِلْمُ عِنْدَ اللهِ؛ فَلَا يَجْزِمُ بِالنَّفْي وَلَا يَجْزِمُ بِالإِثْبَاتِ. نَعَمْ؛ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِالنَّفْي وَيَجْعَلَ مَا ثَبَتَ بِهِ الحَدِيثُ مِن السَّمَاعِ مُخَصِّصًا؛ لِأَنّه قَالَ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] " (٣).

стр. 255

شُبْهَةٌ وجَوَابُهَا: اعْتَرَضَ المُثْبِتُونَ لِلسَّمَاعِ بِأَنَّ الآيَتَينِ مَجَازٌ، وَأَنَّهُ لَيسَ المَقْصُودُ -في الآيَتَيِنْ- بِـ ﴿الْمَوْتَى﴾ وَبِـ ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ المَوتَى حَقِيقَةً الَّذِينَ فِي قُبُورِهِم، وَإِنَّمَا المُرَادُ بِهِم الكُفَّارُ الأَحْيَاءُ حَيثَ شُبِّهُوا بِالمَوتَى. وَالجَوَابُ: أَنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ الآيَتَينِ وَسِياقَهُمَا أَنَّ المَقْصُودَ بِالأَمْوَاتِ هُنَا هُمُ الكُفَّارُ فِعْلًا، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ لَا خِلافَ بَينَهُم فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الاسْتِدْلَالِ بِالآيَتَينِ عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّ المَوتَى لَمَّا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ حَقِيقَةً -وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخَاطَبِينَ- شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى بِهِمُ الكُفَّارَ الأَحْيَاءَ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ، فَدَلَّ هَذَا التَّشْبِيهُ عَلَى أَنَّ المُشَبَّهَ بِهِم -وَهُمُ المَوتَى فِي قُبُورِهِم- لَا يَسْمَعُونَ. كَمَا يَدُلُّ -مَثَلًا- تَشْبِيهُ زَيدٍ فِي الشَّجَاعَةِ بِالأَسَدِ عَلَى أَنَّ الأَسَدَ شُجَاعٌ، بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ أَشْجَعُ مِنْ زَيدٍ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ -وَإِنْ كَانَ الكَلَامُ لَمْ يُسَقْ لِلتَّحَدُّثِ عَنْ شَجَاعَةِ الأَسَدِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا عَنْ زَيدٍ-، وَكَذَلِكَ الآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ -وَإِنْ كَانَتَا تَحَدَّثَتَا عَنِ الكُفَّارِ الأَحْيَاءِ، وشُبِّهُوا بِمَوتَى القُبُورِ-؛ فَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنَّ مَوتَى القُبُورِ لَا يَسْمَعُونَ، بَلْ إِنَّ كُلَّ عَرَبِيٍّ -سَلِيمَ السَّلِيقَةِ- لَا يَفْهَمُ مِنْ تَشْبِيهِ مَوتَى الأَحْيَاءِ بَهَؤُلَاءِ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءَ أَشَدُّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ مِنْهُم كَمَا فِي المِثَالِ السَّابِقِ (١).

стр. 256

قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ (١): "هَذَا مَثَلٌ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ خَتَمَ اللهُ عَلَى أَسْمَاعِهِم فَسَلَبَهُم فَهْمَ مَا يُتْلَى عَلَيهِم مِنْ مَوَاعِظِ تَنْزِيلِهِ؛ كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُفْهِمَ المَوتَى الَّذِينَ سَلَبَهُمُ اللهُ أَسْمَاعَهُم بِأَنْ تَجْعَلَ لَهُم أَسْمَاعًا. وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: كَمَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ الصُّمَّ الَّذِينَ قَدْ سُلِبُوا السَّمْعَ إِذَا وَلَّوا عَنْكَ مُدْبِرِينَ (٢)؛ كَذَلِكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُوَفِّقَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ سَلَبَهُم اللهُ فَهْمَ آيَاتِ كِتَابِهِ لِسَمَاعِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ". ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: "هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلكَافِرِ، فَكَمَا لَا يَسْمَعُ المَيِّتُ الدُّعَاءَ؛ كَذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الكَافِرُ، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَقُولُ: لَو أَنَّ أَصَمًّا وَلَّى مُدْبِرًا ثُمَّ نَادَيتَهُ لَمْ يَسْمَعْ؛ كَذَلِكَ الكَافِرُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِمَا سَمِعَ" (٣).

стр. 257

وَمِنْ نَفْسِ البَابِ؛ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى شَبَّهَ الكُفَّارَ بِالصُمِّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ فِي نَفْسِ الآيَاتِ السَّابِقَةِ؛ فَهَلْ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ الآيَةَ قَصَدَتِ الكُفَّارَ وَلَيسَ فِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصُمَّ لَا يَسْمَعُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ. - فَائِدَةٌ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٢] وَهُوَ سياقُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ؛ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ أَدِلَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ، مِنْهَا: أ- أَنَّ الحَيَّ وَالمَيِّتَ لَا يَسْتَوِيَانِ، وَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ؛ حَيثُ جُعِل مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ كَمَنْ لَا سَمْعَ لَهُ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الغَايَةِ مِنْهُ. ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَلَبَ المَيِّتَ سَمْعَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَونِهِ مِثَالًا لِمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ، حَيثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ خِلَافُ الأَصْلِ. ج- أَخِيرًا -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظُهُورِ القُبُورِيينَ-؛ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ المَيِّتَ هُوَ كَالكَافِرِ فِي كَونِهِ -فَقَط- لَا يَسْمَعُ سَمَاعَ انْتِفَاعٍ وَاسْتِجَابَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ سَمَاعَ

стр. 258

إِدْرَاكٍ، فَنَقُولُ: هَذَا القَدْرُ يَكْفِينَا فِي أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَكَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْفَعَكَ! بَلْ لَو فُرِضَ سَمَاعُهُ، وَأَنَّهُ يَدْعُو وَيَتَوَسَّطُ بِالخَيرِ لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ عِنْدَ اللهِ؛ لَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَكَيفَ يَصِحُّ هَذَا وَقَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ مِنَ الدُّنْيِا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: ((إِلَّا مِن ثَلَاث)) وَهَذِهِ لَيسَتْ مِنَ الثَّلَاثِ!! فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ غَايَتُهُم مِنْ إِثْبَاتِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ. وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ. الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤] (١). فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي نَفْي السَّمْعِ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكونَ يَدْعُونَهُم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَهُمْ مَوتَى الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يُمَثِّلُونَهُم فِي التَّمَاثِيلِ وَالأَصْنَامِ (٢).

стр. 259

الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وَأَقْتَصِرُ عَلَى رِوَايَتَينِ فِيهِ: - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي البُخَارِيِّ، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: ((هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟)) ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ))، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الحَقُّ)) ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ (١) (٢). - حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَ يَومَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَومٍ أَقَامَ بِالعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ اليَومَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:

стр. 260

((يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ؛ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟)) (١)، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ)). قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَولَهُ تَوبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا (٢). وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أُمُورٌ: أ- مَا فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى مِنْ تَقْيِيدِهِ ﷺ سَمَاعَ مَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِ: ((الآنَ))، فَإِنَّ مَفْهومَهُ أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ فِي غَيرِ هَذَا الوَقْتِ، وَهُوَ المَطْلُوبُ. فَفِيهَا تَنْبِيهٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ وَلَكِنَّ أَهْلَ القَلِيبِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ قَدْ سَمِعُوا نِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ بِإِسْمَاعِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُم خَرْقًا لِلعَادَةِ وَمُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِذَلِكَ أَورَدَهُ الخَطِيبُ التَّبْرِيزِيُّ فِي بَابِ المُعْجِزَاتِ مِنْ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ. قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا أَنْتُم بِأَسْمَعَ مِنْهُم))، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فيُشْبِهُ أَنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ خَرْقُ عَادَةٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَنْ رَدَّ اللهُ إِلَيهِم إِدْرَاكًا سَمِعُوا بِهِ مَقَالَهُ، وَلَولَا إِخْبَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَمَاعِهِم لَحَمَلْنَا نِدَاءَهُ إِيَّاهُم عَلَى

стр. 261

مَعْنَى التَّوبِيخِ لِمَنْ بَقيَ مِنَ الكَفَرةِ، وَعَلَى مَعْنَى شِفَاءِ صُدُورٍ المُؤْمِنِينَ" (١). ب- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ عُمَرَ وَغَيرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا كَانَ مُسْتَقِرًّا فِي نُفُوسِهِم وَاعْتِقَادِهِم أَنَّ المَوتَى لَا يَسْمَعُونَ (٢)، حَيثُ بَادَرَ الصَّحَابَةُ (٣) لَمَّا سَمِعُوا نِدَاءَهُ ﷺ لِمَوتَى القَلِيبِ بِقَولِهِم: "مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ؛ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا! " فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُم كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ سَابِقٍ تَلَقَّوهُ مِنْهُ ﷺ ، وَإِلَّا لَمْ يُبَادِرُوا لِذَلِكَ الإِنْكَارِ. فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُخَطِّئ فَهْمَهُم وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إِلَى تَخْصِيصِ هَذَا السَّمَاعِ بِأَمْرَينِ وَهُمَا: ((الآنَ)) بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَ ((إنَّهُم)) أَي: أَهْلَ القَليبِ؛ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ جَمْيِعِ المَوتَى. قُلْتُ: وَهَذَا العِلْمُ السَّابِقُ مِنْهُم هُوَ إِمَّا مِنْ جِهَةِ البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ فِي أَعْرَافِ النَّاسِ وَمَا اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِم، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الأَخِيرَ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَيَّفُوا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيهِمْ؛ فَقَالَ: ((يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا))، قَالَ: فَسَمِعَ عُمَرُ صَوتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟! وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللهُ : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا)) (٤). ج- قَولُ رَاوِي الحَدِيثِ قَتَادَةَ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْيَاهُم لِيَسْمَعُوا التَّوبِيخَ وَلِيَزْدَادُوا

стр. 262

حَسْرَةً وَنَدَمًا (١)، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَمْوَاتَ لَا يَسْمَعُونَ أَصْلًا. قَالَ العَلَّامَةُ القَصَّابُ فِي فَوَائِدَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَنَّ فِيهَا: "تَكْذِيبًا لِلأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ فِي أَنَّ المَوتَى يَعْلَمُونَ وَيَشْعُرُونَ! وَمَا كَانَ مِنْهَا صَحِيحَةً فَلَهَا مَعَانٍ وَاضِحَةٌ، مِثْلُ وُقُوفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ وَنِدَاءِ مَنْ فِيهِ مِنْ قَتْلَى قُرَيشٍ وَقَولِهِ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُم؛ غَير أَنَّهُم لَا يُطِيقُونَ الجَوَابَ))، فَهَذِهِ الآيَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَقْتِهَا خَاصَّةٌ فِيهِم لِيُقِرَّ اللهُ عَينَ رَسُولِهِ عَاجِلًا بِإِسْمَاعِهِم قَولَهُ وَتَحْقِيقِ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ فِيهِ حَتَّى يُقْبَروا، فَإِذَا قُبِرُوا لَمْ يُسْمِعْهُم. وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّهُم -وَإِنْ قُتِلُوا- فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ" (٢). - فَائِدَةٌ: يَظْهَرُ أَنَّ مُنَادَاةَ الكُفَّارِ بَعْدَ هَلَاكِهِم سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ؛ فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي قَومِ صَالِحٍ ﵇: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٧٩]. قَالَ ابْنُ كَثِير ﵀: "هَذَا تَقْرِيعٌ مِنْ صَالِح ﵇ لِقَومِهِ لَمَّا أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ وَتَمَرُّدِهِمْ عَلَى اللهِ وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الهُدَى إِلَى

стр. 263

العَمَى، قَالَ لَهُمْ صَالِحُ ذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ تَقْرِيعًا وَتَوبِيخًا -وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ- كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ … " (١) وَذَكَرَ حَدِيثَ القَلِيبِ. الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ للهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ)) (٢). وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْمَعُ سَلَامَ مَنْ يُسلِّمُ عَلَيهِ؛ إِذْ لَو كَانَ يَسْمَعُهُ بِنَفْسِهِ لَمَا كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُ إِيَّاهُ، فَالاسْتِدْلَالُ هُنَا هُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى بِالنِّسْبَةِ لِعُمُومِ الأَمْوَاتِ؛ وَلِعُمُومِ الكَلَامِ، أَي أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -وَهُوَ سَيِّدُ البَشَرِ- لَا يَسْمَعُ سَلَامَ المُسَلِّمِ عَلَيهِ وَإِنَّمَا يَصِلُهُ بَلَاغًا؛ فَعَامَّةُ الأَمْوَاتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ السَّلَامَ؛ بَلْ وَسَائِرَ الكَلَامِ (٣).

стр. 264

أَدِلَّةُ المُخَالِفِينَ: إِنَّ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ هُوَ: الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ قَلِيبِ بَدْرٍ المُتَقَدِّمِ؛ وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ القَلِيبِ مِنْ جِهَةٍ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي المَوتَى أَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَنَّ سَمَاعَهُم كَانَ خَرْقًا لِلعَادَةِ فَلَا دَاعِيَ لِلإِعَادَةِ. الدَّلِيلُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَفْقِ النِّعَالِ. فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ؛ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا، يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَان: … )) (١). وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِوَقْتِ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَجِيءِ المَلَكَينِ إِلَيهِ لِسُؤَالِهِ؛ فَلَا عُمُومَ فيهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ حَيثُ قَالَ: "بَابُ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ" (٢). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ (٣/ ٣٢٠): "قَولُهُ ﷺ فِي المَيِّتِ: ((إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم)) وَكَلَامُهُ مَعَ المَلَكَينِ يُبَيِّنُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢] أَنَّهُ عَلَى غَيرِ العُمُومِ. قَالَ المُهَلَّبُ: وَلَا مُعَارَضَةَ بَينَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نُسِبَ إِلَى المَوتَى مِنْ اسْتِمَاعِ النِّدَاءِ وَالنَّوحِ فَهِيَ فِي هَذَا الوَقْتِ عِنْدَ الفِتْنَةِ أَوَّلَ مَا يُوضَعُ المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، أَو مَتَى شَاءَ اللهُ أَنْ يَرُدَّ أَرْوَاحَ المَوتَى رَدَّهَا إِلَيهِم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ

стр. 265

وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٣] " (١). قُلْتُ: وَتَأْيِيدُ كَلَامِهِ هُوَ فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَةِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢]. وَمِثْلُهُ أَيضًا حَدِيثُ عَمْرو بْنُ العَاصِ ﵁؛ قَالَ: "إِذَا دَفَنْتُمُونِي؛ فَأقِيمُوا حَولَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). فَهُوَ مِنْ نفْسِ البَابِ أَيضًا. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَفِيهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَولَ القَبْرِ" (٣). وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀"وَقَولُهُ (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم) وَقَدْ سَبَقَ فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ وَغَيرِهِ أَنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إِذَا وَلَّوا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: (حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُم)، وَالمُرَادُ بِالرُّسُلِ هُنَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ" (٤). الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ عِنْدَ زِيَارَةِ القُبُورِ مِنَ الدُّعَاءِ لِلأَمْوَاتِ بِصِيغَةِ الخِطَابِ: "السَّلَامُ عَلَيكُم"، وَأَيضًا تَسْمِيَتُهَا بِـ (زِيَارةِ القُبُورِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَنْ يَزورُهُم (٥).

стр. 266

وَالجَوَابُ: أ- إِنَّ لَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ (١)! كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَولِهِ: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ" (٢) (٣). وَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ؛ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا: ((وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)) (٤).

стр. 267

وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: "السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" -وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ- وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ (١)! وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءَ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-. وِمِثْلُهُ حَدِيثُ: ((مَنْ رَأَى مُبْتَلى؛ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ)) (٢). قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-" (٣). ب- وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ بِتَسْمِيَةِ (زِيَارَةِ القُبُورِ) وَأَنَّ مَفَادَهَا عِلْمُ أَهْلِ القُبُورِ بِمَنْ زَارَهُم كَمَا يُزَارُ الأَحْيَاءُ! فَهُوَ قِيَاسٌ غَيرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا، فَكَيفَ يُقَاسُ المَيِّتُ عَلَى الحَيِّ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَبْعَدُ القِيَاسِ، بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصْلًا قَدْ سَمَّاهَا (زِيَارَةَ القُبُورِ وَلَيسَ زِيَارَةَ المَوتَى) لِأَنَّ المَزُورَ هُنَا هُوَ القَبْرُ وَلَيسَ المَيِّتَ. وَنَقُولُ أَيضًا: إِنَّ الجَمَادَ أَيضًا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ إِتْيَانِهِ زِيَارَةً، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ البَيتَ فِي الحَجِّ (٤)، وَمِنَ المَعْلُومِ تَسْمِيَةُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (٥)؛ فَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ:

стр. 268

بِأَنَّ البَيتَ وَقُبَاءَ هُمَا مِنَ الأَحْيَاءِ وَلَيسَتْ جَمَادَاتٍ، وَيَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُا بِزِيَارَةِ الزَّائِرِ أَو أَنَّهُ يَعْلَمُ بِزِيَارَتِهِ؟! الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: بَعْضُ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا، وَالحُكْمُ عَلَيهَا: ١ - ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ)). مَوضُوعٌ (١). ٢ - ((لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) (٢). وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، لِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "بَابُ مَا جَاءَ فِي تَلْقِينِ المَرِيضِ عِنْدَ المَوتِ وَالدُّعَاءِ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ ﵀: "مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَهُ المَوتُ؛ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ كانَ آخِرَ كَلَامِهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" دَخَلَ الجَنَّةَ)) (٣). وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِتَمَامِهِ مَرْفُوعًا: ((لَقِّنُوا مَوتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" عِنْدَ المَوتِ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ يَومًا مِنَ الدَّهْرِ -وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ-)) (٤) ".

стр. 269

٣ - حَدِيثُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيهِ؛ إِلَّا عَرَفَهُ، وَرَدَّ ﵇) ضَعِيفٌ (١). ٤ - حَدِيثُ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بِالمَدِينَةِ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَتْ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَرَّ عَلَى قَبْرِهَا فَقَالَ: ((مَا هَذَا القَبْرُ؟)) فَقَالُوا: أُمُّ مِحْجَنٍ، قَالَ: ((الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، فَصَفَّ النَّاسَ فَصَلَّى عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيَّ العَمَلِ وَجَدْتِ أَفْضَلَ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَسْمَعُ؟ قَالَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهَا))، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَجَابَتْهُ: قَمَّ المَسْجِدِ. ضَعِيفٌ مَعْضَلٌ (٢). ٥ - حَدِيثُ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيرٍ حِينَ رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ؛ فَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((أَشْهَدُ أنَّكُم أَحْيَاءُ عِنْدَ اللهِ. فَزُورُوهُم وَسَلِّمُوا عَلَيهِم، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِم أَحَدٌ إِلَّا رَدَّوا عَلَيهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ)) (٣).

стр. 270

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٢]. وَقَولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٢ - ١٣]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَومَ أُحُدٍ، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: ((كَيفَ يُفْلِحُ قَومٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟))، فَنَزَلَتْ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (١). وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ مِنَ الرّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ- يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا -بَعدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ-)). فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (٢). وَفِي رِوَايَةٍ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيلِ بْنِ عَمْرٍو وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨] (٣). وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -حِينَ أُنْزِلَ عَلَيهِ ﴿وَأَنْذِرْ

стр. 271

عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢١٤]-، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا. يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) (١).

стр. 272

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَتَينِ. الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُحُدٍ. الثَّالِثَةُ: قُنُوتُ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَخَلْفَهُ سَادَاتُ الأَولِيَاءِ يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلَاةِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ المَدْعُوَّ عَلَيهِمْ كُفَّارٌ. الخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ فَعَلُوا أَشْيَاءَ مَا فَعَلَهَا غَالِبُ الكُفَّارِ، مِنْهَا شَجُّهُمْ نَبِيَّهُمْ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِنْهَا التَّمْثِيلُ بِالقَتْلَى -مَعَ أَنَّهُمْ بَنُو عَمِّهِمْ-. السَّادِسَةُ: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾. السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فَتَابَ عَلَيهِمْ فَآمَنُوا. الثَّامِنَةُ: القُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ. التَّاسِعَةُ: تَسْمِيَةُ المَدْعُوِّ عَلَيهِمْ فِي الصَّلَاةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ. العَاشِرَةُ: لَعْنُ المُعَيَّنِ فِي القُنُوتِ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِصَّتُهُ ﷺ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جِدُّهُ ﷺ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ بِحَيثُ فَعَلَ مَا نُسِبَ بِسَبَبِهِ إِلَى الجُنُونِ، وَكَذَلِكَ لَو يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ الآنَ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ لِلْأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ: ((لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا)) حَتَّى قَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيئًا)) فَإِذَا صَرَّحَ -وَهُوَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ- بِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيئًا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وَآمَنَ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الحَقَّ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ خَوَاصِّ النَّاسِ اليَومَ؛ تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التَّوحِيدِ وَغُرْبَةُ الدِّينِ.

стр. 273

الشَّرْحُ - هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى بِـ (بَابِ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّالِحِينَ)، وَأَدِلَّتُهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الأَولَى، وَقَدْ جَعَلَهُ المُصَنِّفُ ﵀ بَعْدَ البَابَينِ السَّابِقَينِ لِبَيَانِ العِلَّةِ فِي النَّهْي عَنْ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِدْلَالِ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. - وَجْهُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - جِهَةٍ عَامَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الآيَتَينِ، وَفِيهَا أَنَّ الخَالِقَ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيءٍ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُدْعَى وَحْدَهُ (١). ٢ - جِهَةٍ خَاصَّةٍ: وَهِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَفِيهَا الاسْتِدْلَالُ بِقِيَاسِ الأَولَى، حَيثُ أَورَدَ النُّصُوصَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَالتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ ﷺ لَا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيئًا وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؛ فَصَارَ غَيرُهُ مِنْ بَابِ أَولَى. - قَولُهُ: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلإِنْكَارِ وَالتَّوبِيخِ. وَالمَقْصُودُ هُنَا بِـ ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أَي: فِي العِبَادَةِ. - الاسْتِدْلَالُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوجُهٍ؛ هِيَ: ١ - أَنَّ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ لَا تَخْلُقُ؛ وَمَنْ لَا يَخْلُقُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ (٢).

стр. 274

٢ - أَنَّهُم مَخْلُوقُونَ مِنَ العَدَمِ فَهُم مُفْتَقِرُونَ إِلَى غَيرِهِم ابْتِدَاءً. ٣ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ مَنْ دَعَاهُم. ٤ - أَنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسَهُم (١). - قَولُهُ: (شُجَّ): الشُّجَّةُ: الجُرْحُ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً. - قَولُهُ: (وكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ): الرَّبَاعِيَّةُ مَا بَينَ الثّنيَّةِ وَالنَّابِ. - قَولُهُ: (شُجَّ النَّبِيُّ): إِذَا كَانَ هَذَا أَفْضَلُ الخَلْقِ وَأَقْرَبُ النَّاسِ مَنْزِلَةً إِلَى اللهِ تَعَالَى وَأَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ -وَهُمْ خَيرُ القُرُونِ- فَصَارَ فِي الحَدِيثِ الدَّلَالةُ عَلَى أَنَّهُ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- لَا يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يُعْبَدُوا، وَيُتَعَلَّقَ بِهِم فِي كَشْفِ الضُّرِّ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَفِي هَذَا وُقُوعُ الأَسْقَامِ وَالابْتِلَاءِ بِالأَنْبِيَاءِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم- لِيَنَالُوا بِذَلِكَ جَزِيلَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلِتَعْرِفَ الأُمَمُ مَا أَصَابَهُم وَيأْتَسُوا بِهِم. وَقَالَ القَاضِي ﵀: وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُم مِنَ البَشَرِ تُصِيبُهُم مِحَنُ الدُّنْيَا، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِم مَا يَطْرَأُ عَلَى البَشَرِ" (٢).

стр. 275

- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ كُلَّ شَيءٍ، فَصَارَ فِيهَا الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ ﷺ فِي جَلْبِ النَّفْعِ، وَهُوَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨]. وَأَيضًا فِي قَولِهِ ﷺ : ((سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ لِغَيرِهِ، وَهِيَ ﵂ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ، فكَيفَ بِغَيرِهَا؟! - قَولُهُ: ((اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا)) فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (١): فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ لِأَحَدٍ، حَيثُ نُهِيَ عَنِ الدُّعَاءِ عَلَيهِم وَعَنْ لَعْنِهِم، فَصَارَ مِنْ بَابِ أَولَى أَنَّ غَيرَهُ لَا يَمْلِكُ الضُّرَّ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ -وَمَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ سَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنْ بَابِ أَولَى- فِي الضُّرِّ وَالنَّفْعِ. - قَولُهُ: ((لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) (٢): فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَرْءَ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ الصَّالِحُ. وَفِيهِ: جَوَازُ سُؤَالِ الرَّسُولِ ﷺ مَا يَقْدِرُ عَلَيهِ فِي حَيَاتِهِ. وَفِيهِ: بُطْلَانُ الاعْتِمَادِ عَلَى النَّسَبِ فِي دَفْعِ العَذَابِ دُونَ العَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا أَنَّ

стр. 276

نُوحًا ﵇ لَمْ يَنْفَعْ وَلَدَهُ، وَلَا إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَبَاهُ، وَلَا نُوحًا وَلُوطًا ﵉ أَزْوَاجَهُمَا. وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التَّحْرِيم: ١٠]، فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مَثَلًا لِلاعْتِبَارِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الحِكْمَةِ مِنْهُ. - فِي قَولِهِ: ((سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) بَيَانُ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ فِي التَّوحِيدِ، وَهِيَ: أَنَّ مَا كَانَ للهِ لَا يُطْلَبُ مِنْ غَيرِ اللهِ، فَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ قَولِهِ: ((مِنْ مَالِي)) وَبَينَ ((مِنَ اللهِ شَيئًا)). وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: ((أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ ضَرًّا أَو نَفْعًا)) (١). - فَائِدَة ١: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ وَالآمِرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ يَبْدَأُ بِأَهْلِ بَيتِهِ وَخَاصَّتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِجِيرَانِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ بِالخَيرِ إِلَى مَنْ حَولَهُ مِنَ البِلَادِ، أَمَّا العَكْسُ؛ فَهَذَا خِلَافُ مَنْهَجِ الرَّسُولِ ﷺ . قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالسِّرُّ فِي الأَمْرِ بِإِنْذَارِ الأَقْرَبِينَ أَوَّلًا؛ أَنَّ الحُجَّةَ إِذَا قَامَتْ عَلَيهِم تَعدَّتْ إِلَى غَيرِهِم؛ وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّةٍ لِلأَبْعَدِينَ فِي الامْتِنَاعِ" (٢). قُلْتُ: وَأَيضًا مِنْ جِهَةِ حَقِّ الرَّحِمِ؛ فَإِنّ الأَقْرَبَ هُوَ الأَولَى بِالنَّفْعِ.

стр. 277

- فَائِدَة ٢: الفَرْقُ بَينَ الحَمْدِ وَالمَدْحِ: أَنَّ الحَمْدَ إِخْبَارٌ عَنْ مَحَاسِنِ المَحْمودِ مَعَ حُبِّهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، أَمَّا المَدْحُ فَإِنَّهُ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ. - فَائِدَة ٣: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَومَ الفَتْحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾ " (١). قُلْتُ: فَفِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّكَ إِذَا رَأَيتِ إِنْسَانًا غَارِقًا بِالمَعَاصِي؛ فَلَا تَسْتَبْعِدْ رَحْمَةَ اللهِ لَهُ! فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ يَتُوبُ عَلَيهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ لَا يَشْهَدُوا لِأَحَدٍ بِجَنَّةٍ وَلَا بِنَارٍ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّصُّ، كَمَا فِي (العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ): "وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُم جَنَّةً ولَا نَارًا" (٢). - فَائِدَة ٤: إِذَا كَانَ القُرْبُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنِ القَرِيبِ شَيئًا! دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحَّ قَولَي أَهْلِ العِلْمِ تَحْرِيمُ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ (٣). - فَائِدَة ٥: فِي الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الإِمَامَ -فِي الصَّلَاةِ- يَجْمَعُ بَينَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ.

стр. 278

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هُنَا جَاءَ فِي إِعْرَابِهَا أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٍ، فكَيفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا القَولُ مَعَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى مُحْكَمٌ وَكَامِلٌ لَيسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ؟! الجَوَابُ: إِنَّهَا زِيَادَةٌ مِنْ جِهَةِ الإِعْرَابِ؛ لَا أَنَّهَا زَائِدَةٌ مِنْ حَيثُ المَعْنَى! فَإِنَّ مَعْنَاهَا التَّوكيدَ (١).

стр. 279

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالحَمْدِ فِي قَولِ المُصَلِّي: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ لِكُلِّ شَيءٍ؟! الجَوَابُ: إِنَّ السَّمَاعَ هُنَا بِمَعْنَى الاسْتِجَابَةِ، وَلَيسَ مُطْلَقَ السَّمَاعِ! وَهَذَا الأُسْلُوبُ يُسَمَّى عِنْدَ العَرَبِ بِالتَّضْمِينِ، لِذَلِكَ يُلْحَقُ بِالفِعْلِ الأَوَّلِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى المُضَمَّنِ فِي الفِعْلِ الثَّانِي، وَهُوَ اللَّامُ هُنَا. وَقَالَ العَلَّامَةُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: أَي: أَجَابَ اللهُ مَنْ حَمِدَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللهَ تَعَالَى مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ؛ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ؛ فَنَاسَبَ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا وَلَك الحَمْدُ" (١).

стр. 280

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا صِحَّةُ زَعْمِ بَعْضِهِم فِي أَنَّ مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَونِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيئًا؛ أَنَّهُ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ! لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُوَ: "لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيئًا إِذَا لَمْ تُؤمِنُوا، أَمَّا إِذَا آمَنْتُم فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم"؟ الجَوَابُ: هَذَا الزَّعْمُ لَيسَ بِصَحِيحٍ، فَهُنَا نَفِيٌ مُطْلَقٌ؛ وَلَا يَخْتَصُّ بِالكُفَّارِ فَقَطْ -كَمَا يَزْعُمُهُ أَرْبَابُ التَّعَلُّقِ بِالصَّالِحِينَ-! بَلْ يَتَعَلَّقُ أَيضًا بِأَهْلِ الإِيمَانِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُغْنِي عَنْهُم شَيئًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ: أ- أَنَّ هَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ؛ فَيَشْمَلُ الجَمِيعَ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا عَلَى التَّخْصِيصِ. ب- أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِعُمُومَاتِ الشَّرِيعَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٨]. وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٩]. وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨]. جـ- أَنَّ قَولَهُ ﷺ : ((لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا)) يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرَاحَةً؛ فَإِنَّ

стр. 281

فَاطِمَةَ ﵂ مُؤْمِنَةٌ (١)؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبَتْ بِهَذَا الخِطَابِ. د- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. هـ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا)) وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (٢). وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ فَهِيَ لَيسَتْ مِلْكًا لَهُ، وَلَكِنَّهَا مِلْكٌ للهِ تَعَالَى، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ وَفِيمَنْ شَاءَ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- الكَلَامُ بِتَوَسُّعٍ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ.

стр. 282

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِعِيسَى ﵊ آيَاتٍ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ إِحْيَاءِ المَوتَى، وَمِنْ عِلْمِ الغَيبِ، وَمِنْ إِبْرَاءِ المَرْضَى؛ فَهَلْ يَجُوزُ دُعَاؤُهُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الخَيرِ؟ الجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى عِيسَى ﵊، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ؛ مِنْهَا: ١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى ﵇ هِي مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى كَمَا فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩]، فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا اسْتِقْلَالًا، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعد: ٣٨]، وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَدْعُو اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِحُصُولِ الخَيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. وَكَذَلِكَ الأَولِيَاءُ الصَّالِحُونَ -إِنْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهُم مَا يُسَمَّى بِالكَرَامَةِ- فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ جَوَازَ دُعَائِهِ! لِكَونِهِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا يَشَاءُ. ٢ - أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَبَينَ النَّاسِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

стр. 283

وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥]. وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ عِيسَى ﵊ قَدْ قَالَ لِقَومِهِ - فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الآيَاتِ التِي أَتَى بِهَا - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥١] الأَمْرَ الَّذِي يُفِيدُ أَنَّهُ وَإِيَّاهُم سَوَاءٌ فِي العُبُودِيَّةِ للهِ وَالخُضُوعِ لَهُ تَعَالَى، وَقَدْ عُلْمَ قَولُهُ ﵊: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)) (١). ٣ - أَنَّ كَونَ عِيسَى ﵊ حَيًّا -قَدْ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى- لَا يَعْنِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ وَأَنَّهُ يَسْمَعُهُم! وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المَائِدَة: ١١٧]، فَهُوَ غَائِبٌ وَلَيسَ بِحَاضِرٍ. وَتأَمَّلْ حَدِيثَ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوضِ، وَلأُنازعَنَّ أقْوَامًا ثمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ فأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)) (٢). ٤ - أَنَّ عِيسَى ﵊ لَمْ يَمْلِكْ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا عِنْدَمَا أَرَادَ قَومُهُ قَتْلَهُ؛ فَكَيفَ يَمْلِكُ لِغَيرِهِ نَفْعًا أَو ضَرًّا؟! بَلْ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨]. وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ دُعَاءِ غَيرِهِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ

стр. 284

وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧]. ٥ - أَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ؛ وَوَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم كُفَّارٌ -رُغْمَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا-.

стр. 285

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَولِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُم ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَينَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَومَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)) (١). وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ؛ تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ؛ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَو قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوفًا مِنَ اللهِ . فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ؛ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ؛ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ ) (٢).
следующие страницы →