← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. الثَّالِثَةُ: وَهِيَ المَسْأَلَةُ الكَبِيرَةُ؛ تَفْسِيرُ قَولِهِ: ((قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) بِخِلَافِ مَا عَلَيهِ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَ قَالَ لِلرَّجُلِ قُلْ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإِسْلَامِ. الخَامِسَةُ: جِدُّهُ ﷺ وَمُبَالَغَتُهُ فِي إِسْلَامِ عَمِّهِ. السَّادِسَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسْلَامَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأَسْلَافِهِ. السَّابِعَةُ: كَونُهُ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ؛ بَلْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. الثَّامِنَةُ: مَضَرَّةُ أَصْحَابِ السُّوءِ عَلَى الإِنْسَانِ. التَّاسِعَةُ: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلَافِ وَالأَكَابِرِ. العَاشِرَةُ: الشُّبْهَةُ لِلْمُبْطِلِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِاسْتِدْلَالِ أَبِي جَهْلٍ بِذَلِكَ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّاهِدُ لِكَونِ الأَعْمَالِ بِالخَوَاتِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَو قَالَهَا لَنَفَعَتْهُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّأَمُّلُ فِي كِبَرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي قُلُوبِ الضَّالِّينَ؛ لِأَنَّ فِي القِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوهُ إِلَّا بِهَا -مَعَ مُبَالَغَتِهِ ﷺ وَتَكْرِيرِهِ-، فَلِأَجْلِ عَظَمَتِهَا وَوُضُوحِهَا عِنْدَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَيهَا.

стр. 317

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ تَظْهَرُ مِنْ وَجْهَين: ١ - أَنَّ الهِدَايَةَ -وَهِيَ أشْرَفُ المَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ- قَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ أَشْرَفَ الرُّسُلِ لَا يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهَا إِلَى اللهِ وَحْدَهُ (١)؛ فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالأَنْبِيَاءِ دُونَ اللهِ ، كَمَا أنَّ مَسْأَلَةَ الشَّفَاعَةِ هِيَ سَبَبُ تَعَلُّقِ المُشْرِكِينَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ خَيرَي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. ٢ - أَنَّ هَذَا البَابَ هُوَ كَالمِثَالِ لِلبَابِ المَاضِي فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنَالُ المُشْرِكَ. - قَولُهُ: ((مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)) فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفْسِهِ شَيءٌ مِنَ القَلَقِ حِيَالَ الاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ المُشْرِكِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ مَا هُنَا نَافِيَةٌ، وَمَعْنَاهَا النَّهْيُ؛ وَالمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ غَايَةَ الامْتِنَاعِ. - المُسَيِّبُ (٢) وَابْنُ أَبِي أُمَيَّة أَسْلَمَا، وَأَبُو جَهْلٍ قُتِلَ يَومَ بَدْرٍ.

стр. 318

- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ عِيَادَةِ المَرِيضِ المُشْرِكِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَتِهِ إِلَى الإِسْلَامِ. - فِي لَفْظٍ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَيَانُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ (١)، وَلَكِنْ مَنَعَهُ عَنِ الإِيمَانِ تَعَصُّبُه لِمِلَّةِ الآبَاءِ، وَخْوفُهُ مِنْ مَسَبَّةِ النَّاسِ لَهُ وَتَعْيِيرُهُ. وَاللَّفُظُ هُوَ: ((قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ))، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَولَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ! لأَقْرَرْتُ بِهَا عَينَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وَفِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاق أنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُنْشِدُ: وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيك بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا فَاصْدَعْ بِأَمْرِك مَا عَلَيكَ غَضَاضَةٌ … وَأَبْشِرْ وَقَرّ بِذَاكَ مِنْك عُيُونًا وَدَعَوتنِي؛ وَعَرَفْتُ أَنّك نَاصِحِي … وَلَقَدْ صَدَقْتَ؛ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينًا وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ … مِنْ خَيرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَولَا المَلَامَةُ أَو حذَارُ مَسَبَّةٍ … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبَيِّنًا (٣). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هَذِهِ المَحَبَّةُ لَهَا مَحْمَلَانِ: ١ - إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَنْ يَهْدِيَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ بِتَوفِيقِهِ لِلإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ.

стр. 319

٢ - إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحبَبْتَهُ -أَي: الشَّخْصَ- لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ، وَهِيَ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وَلَيسَتْ دِينِيَّةً (١). - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. وَفِي (أَحْكَامِ الجَنَائِزِ) لِلْأَلْبَانِيِّ: "وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَالاسْتِغْفَارُ وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ لِقَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤]، … قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي المَجْمُوعِ: الصَّلَاةُ عَلَى الكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالمَغْفِرَةِ حَرَامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ" (٢). وَبِنَحْوِهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ زَامِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأَبِي هُرَيرَةَ وَلِأُمِّهِ، قُلْتُ: وَلِأَبِيهِ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَهُوَ مُشْرِكٌ" (٣). - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ مَاتَ عَلَى الكُفْرِ، وَأَنَّ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ فِي السِّيرَةِ مِنْ قَولِهِ لِأَبْرَهَةَ -حِينَ جَاءَ لِهَدْمِ الكَعْبَةِ-: "أَنَا رَبُّ الإِبِلِ؛ وَلِلبَيتِ رَبٌّ سَيَحْمِيهِ" (٤) لَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ! فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقَط، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَوحِيدِ العِبَادَةِ (الأُلُوهِيَّةِ) قَولُ ابْنِهِ عَنْهُ: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ" أَي: غَيرِ مِلَّةِ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- فَتَنَبَّهْ.

стр. 320

- قَولُهُ: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ): الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ: (أَنَا) فَغيَّرَهُ الرَّاوِيُ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفَظِ المَذْكُورِ، وَهُوَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الحَسَنَةِ. أَفَادَهُ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ (١). - فَائِدَة ١: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "وَأَغْرَبُ مِنْهُ وَأَشَدُّ نَكَارَةً مَا رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ (السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ) بِسَنَدٍ مَجْهُولٍ؛ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ قِصَّةُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أُمَّهُ فَآمَنَتْ ثُمَّ عَادَتْ. وَكَذَلِكَ (٣) مَا رَوَاهُ السُّهَيلِيُّ فِي (الرَّوضِ) بِسَنَدٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مَجْهُولُونَ: أَنَّ اللهَ أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ (٤). وَقَدْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ دِحْيَةَ (٥): [هَذَا الحَدِيثُ مَوضُوعٌ يَرُدُّهُ القُرْآنُ وَالإِجْمَاعُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٨]. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ

стр. 321

القُرْطُبِيُّ: "إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ .... وردَّ عَلَى ابْنِ دِحْيَةَ] (١) فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ؛ كَمَا رَجَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ غَيبُوبَتِهَا فَصَلَّى عَلِيٌّ العَصْرَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ -يَعْنِي: حَدِيثَ الشَّمْسِ- (٢). قَالَ القُرْطُبِيُّ: فَلَيسَ إِحْيَاؤُهُمَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ؛ فَآمَنْ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا كُلّه مُتَوَقِّف عَلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ، فَإِذَا صَحَّ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمْتَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَنَزِيدُ عَلَى مَا سَبَقَ: أ- أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ؛ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي))، فَذَهَبْتُ فَوَارَيتُهُ، وَجِئْتُهُ؛ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي (٣).

стр. 322

ب- عَنِ العَبَّاسِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا أَغْنَيتَ عَنْ عَمِّكَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)) (١). ج- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَينِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)) (٢). د- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: "وَوَقَفْتُ عَلَى جُزْءٍ جَمَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرَّفْضِ؛ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ الوَاهِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ. وَبِاللَّهِ التَّوفِيقِ" (٣). وَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ (الإِصَابَةُ) (٤) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ رِوَايَاتِهِم (٥).

стр. 323

- فَائِدَة ٢: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (فِيهِ مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلَافِ وَالأَكَابِرِ)، وَأَنَّ اتِّبَاعَهُم مَذْمُومٌ! هَذَا الاتِّبَاعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيرِ الهُدَى وَالحَقِّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى هُدًى وَحَقٍّ فَهُوَ مَمْدُوحٌ، وَدَلِيلُ الذَّمِّ قَولُهُ تَعَالَى:

стр. 324

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المَائِدَة: ١٠٤]. وَأَمَّا دَلِيلُ المَدْحِ فَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يُوسُف: ٣٨]. - فَائِدَة ٣: أَنْوَاعُ الهِدَايَةِ -المَعْنَوِيَّةِ- فِي الشَّرِيعَةِ أَرْبَعَةٌ: ١ - هِدَايَةُ الفِطْرَةِ (الغَرِيزَةِ): وَهِيَ هِدَايَةُ المَخْلُوقِ إِلَى مَا فِيهِ بَقَاءُ حَيَاتِهِ وَحُسْنُ مَعَاشِهِ. كَمَا فِي قَولِ مُوسَى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طَه: ٥٠]، يَعْنِي هَدَاهُ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ فِي دُنْيَاهُ، كَهِدَايَةِ الطَّيرِ إِلَى صُنْعِ العُشِّ، وَهِدَايَةِ الرَّضِيعِ إِلَى الثَّدْي وَما أَشْبَهَ. ٢ - هِدَايَةُ الدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ: وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَنْ دَلَّ إِلَى الخَيرِ، وَهِيَ الأَكْثَرُ فِي القُرْآنِ. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْد: ٧]. ٣ - هِدَايَةُ التَّوفِيقِ لِلإِيمَانِ: وَهِيَ خَاصَّةٌ بِاللهِ ، فَهُوَ الَّذِي يُوَفِّقْ وَيُلْهِم. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هُود: ٨٨]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦]. ٤ - هِدَايَةُ دُخُولِ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ: وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ.

стр. 325

كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يُونُس: ٩]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٣]. وِهِدَايَةُ أَهْلِ النَّارِ إِلَى دُخُولِ النَّارِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٢٣ - ٢٤] (١). وَيُتَنَبَّهُ أَيضًا إِلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الهِدَايَةِ وَهُوَ الهِدَايَةُ المَادِّيَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]؛ "فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ كَمَا يَهْدِي إِلَى الطَّرِيقِ المَعْنَوِيِّ يَهْدِي أَيضًا إِلَى الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ؛ لِقَولِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وَلَيسَ المُرَادُ هُنَا هِدَايَةُ العِلْمِ وَالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ! وَإِنَّمَا المُرَادُ بِالهِدَايَةِ لِطَرِيقِ النَّجَاةِ الَّتِي يَنْجُو بِهَا؛ فَهَدَاهُ اللهُ " (٢).

стр. 326

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ عَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَةَ عَلَى عَمِّهِ فِي حَالِ الاحْتِضَارِ -وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّوبَةَ حَينَهَا لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا- كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨]؟! الجَوَابُ: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " (لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ … ) المُرَادُ قَرُبتْ وَفَاتُهُ وَحَضُرَتْ دَلَائِلُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ المُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ، وَلَو كَانَتْ حَالَ المُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ لَمْ تَنْفَعْهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٨]، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ المُعَايَنَةِ مُحَاوَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ وَكُفَّارِ قُرَيشٍ؛ وَجَوَابُهُ عَنْ نَفْسِهِ" (١).

стр. 327

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا ؛ جَاءَ فِي البُخَارِيِّ (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى رَأْسِ المُنَافِقِينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ وَقَالَ: ((إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَو أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيهَا))؟! فَمَا الجَوَابُ عَنْ هَذَا؟ الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: لمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ بْنِ سَلُولٍ وَدُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُصلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ كَذَا وكَذَا يَومَ كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيهِ قَولَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: ((أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ))، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيهِ قَالَ: ((أَمَا إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَو أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ؛ لَزِدْتُ عَلَيهَا))، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤] قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَئِذٍ! وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ (٢). قُلْتُ: فَيَكُونُ الاسْتِغْفَارُ -اليَومَ- لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا هُوَ مِنَ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ،

стр. 328

وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ)) (١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ فِي قَولِهِ : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣ - ٢٤]، فَنَسَخَتْهَا الآيَةُ فِي بَرَاءَة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣] (٢).

стр. 329

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦] بَيَانُ أَنَّ الهِدَايَةَ لَيسَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ! فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢]؟! الجَوَابُ: إِنَّ الهِدَايَةَ المَنْفِيَّةَ هِيَ هِدَايَةُ التَّوفِيقِ لِدُخُولِ الإِسْلَامِ، وَهَذِهِ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، فَهِيَ تُطْلَبُ مِنْهُ، وَيُمَثَّلُ لَهَا بِقَولِهِ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: ((يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُم)) (١)، وَأَمَّا الهِدَايَةُ المُثْبَتَةُ فَهِيَ غَيرُهَا، وَمَعْنَاهَا هُنَا هِدَايَةُ البَيَانِ وَالإِرْشَادِ وَالدِّلَالَةِ، وَيُمَثَّلُ لَهَا أَيضًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧]. قَالَ الإِمَامُ الرَّازِي ﵀: "قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَلَا تَنَافِيَ بَينَهُمَا؛ فَإِنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَأَضَافَهُ إِلَيهِ: الدَّعْوَةُ وَالبَيَانُ، وَالَّذِي نَفَى عَنْهُ: هِدَايَةُ التَّوفِيقِ، وَشَرْحُ الصَّدْرِ، وَهُوَ نُورٌ يُقْذَفُ فِي القَلْبِ فَيَحْيَا بِهِ القَلْبُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢] الآيَةُ" (٢).

стр. 330

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَيفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ! وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ وَقِصَّتُهُ مَكِّيَّةٌ؟! الجَوَابُ: قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إَنَّ القِصَّةَ مَكِّيَّةٌ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ إِلَّا فِي المَدِينَةِ، وَيُعْلَمُ بِهَذَا أَيضًا أنَّ اسْتِئْذَانَ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فِي الاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ مَنهيًّا عَنْهُ ابْتِدَاءً (١)! وَلَكِنْ عِنْدَهَا نَزَلَتْ آيَةُ سُورَةِ التَّوبَةِ. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((رَحِمَكَ اللهُ وغَفَرَ لَكَ يَا عَمِّ؛ وَلَا أَزَالُ اسْتَغْفِرُ لَكَ حَتَّى يَنْهَانِي اللهُ ). فَأَخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوتَاهُم -الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ مُشْرِكُونَ- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣] (٢).

стр. 331

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: كَيفَ يَسْتَقِيمُ النَّهْيُّ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ مَعَ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِقَومِهِ المُشْرِكِينَ؟ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ -ضَرَبَهُ قَومُهُ فَأَدْمَوهُ- وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) (١)! الجَوَابُ مِن وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيهِم لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالمَوتِ عَلَى ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ تَقْيِيدُ النَّهْي بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وَهَذَا التَّبَيُّنُ يَكُونُ إِذَا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ (٢)، أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّبريُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣) (٤)،

стр. 332

وَأَجَابَ بِهِ الإِمْامُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ (مُشْكِلُ الآثَارِ) (١). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (٢) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ -كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي الفَتَاوَى (٣) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ؛ فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ) (٤). ٢ - أَنَّ المَقْصُودَ بِالاسْتِغْفَارِ هُنَا هُوَ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوحِيدِ، وَمِنَ المَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ (٥) (٦).

стр. 333

- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا وَجْهُ الجَمْعِ بَينَ حَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: ((فِي النَّارِ)). فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)) (١) وَبَينَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] فِي كَوْنِ وَالِدَيِّ النَّبِيِّ ﷺ لَيسا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ؟ الجَوَابُ مِن وَجْهَينِ: ١ - أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى خُصُوصِ بُلُوغِ قُرَيشٍ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ ﵊ مِن جُمْلَةِ النَّاسِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ النُّصُوصُ الكَثِيرةُ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ، وَلَكِنَّ قُرَيشًا بِذَاتِهَا كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهَا الدَّعْوَةُ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَوْلُه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَينَ أَبِي؟ قَالَ: ((فِي النَّارِ)). فَلَمَّا قَفَّى؛ دعاه فقال: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))، فِيهِ: أَنَّ مَن مَاتَ عَلَى الكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ المُقَرَّبِينَ، وَفِيهِ: أَنَّ مَن مَاتَ فِي الفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيهِ العَرَبُ مِن عِبَادَةِ الأَوثَانِ فَهُوَ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَلَيسَ هَذَا مُؤَاخَذَةً قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ! فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُم دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيرِه مِن الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيهِم" (٢). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ -تَعْلِيقًا عَلَى قَولِه تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]-: "الإِنْذَارُ المَذْكُورُ فِيهَا لَا يَعْنِي الإِنْذَارَ المُبَاشِرَ مِنَ النَّذِيرِ فَقَط! وَإِنَّما يَعْنِي: وُصُولَ النِّذَارَةِ، فَسَوَاءً كَانَ بِالوَاسِطَةِ أَوْ بِدُونِ وَاسِطَةٍ،

стр. 334

وَحِينَئِذٍ تَسْلَمُ لَنَا الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ عَنْهَا بِأَنَّها مُتَوَاتِرةُ المَعْنَى؛ حَيثُ أَنَّها كُلَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ ﵇ أَنَّهُم يُعَذَّبُون: أَنَّهُم يُعَذَّبُون، وَقَدْ بَلغتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَلَيسَتِ الدَّعْوَةُ الَّتِي بَلَغَتْهم إِلَّا هِيَ دَعْوَةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الَّذَينِ قَامُوا بِبِنَاءِ الكَعْبَةِ، وَتَوَارَثُوا الطَّوَافَ أَوِ الحَجَّ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ مِن نَبِيِّهِم إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، فَحِينَمَا يَأْتِي حَدِيثٌ كَحَدِيثِ: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))، أَوِ الحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْته: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبّي)) (١) (٢)، وَالحَدِيثُ الثَّالِثُ: ((كُلَّمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ)) (٣)، وَالحَدِيثُ الرَّابِعُ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ مَرَّ بِقَبْرَينِ فَشَمَسَتْ بِهِ الدَّابَّةُ، وَإِذَا بِهِ يَرَى قَبْرَين فَسَأَلَ عَنْهُما، قَالُوا: مَاتَا فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: ((لَولَا أَنْ تَدَافَنوا لَأَسْمَعْتُكُم عَذَابَ القَبْرِ)) (٤) يُشِيرُ بِهَذَا الحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الدَّابَّةَ حِينَمَا شَمَسَتْ سَمِعَتْ عَذَابَ المُعَذَّبِين بِالقَبْرِ.

стр. 335

فَإِذًا: هَؤُلَاءِ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ يُعَذَّبونَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ هَذِهِ الأَحَادِيثُ -وَهِيَ كَمَا قُلْتُ آنِفًا: تُعْطِينَا مَعْنًى مُتَوَاتِرًا- وَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﵌ بِأَنَّهُم يُعَذَّبُونَ، وَنَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُم مَا جَاءَهُم مِن نَذِيرٍ بِالمَعْنَى الضَّيِّقِ الأَوَّلِ، لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُم جَاءَهُم النَّذِيرُ بِالمَعْنَى الوَاسِعِ، أَي: جَاءَتْهمُ الدَّعْوَةُ -دَعْوَةُ التَّوحِيدِ؛ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِسْمَاعِيلَ- فَأُقِيمَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، وَلِذَلِكَ فَهُم يُعَذَّبُونَ. إِذًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] هِيَ عَلَى عُمُومِهَا، وَمُؤَيَّدَةٌ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن يَهُودِيٍّ أَو نَصْرَانِيٍّ يَسْمَعُ بِي ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ)) (١)، وَالأَحَادِيثُ الأُخْرَى الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا تَلْتَئِمُ وَتَضْطَرُّنَا اضْطِرَارًا عِلْمِيًّا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا؛ وَأَنَّهُ لَيسَ المَقْصُودُ -كَمَا هُوَ المُتَبَادِرُ مِن لَفْظِ الآيَةِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ - دُونَ التَّوحِيدِ!! هَذَا لَا يَتَبَادَرُ، مَع ذَلِكَ؛ الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ عُمُومَ وَشُمُولَ الآيَةِ وَالأَحَادِيثَ الأُخْرَى، وَلِذَلِكَ فَهُنَا -مِمَّا أَعْتَقِدُ مِن كُتُبِ التَّوحِيدِ- لَا أَحَدَ يَقُولُ بِتَخْصِيصِ الآيَةِ فِيمَا أَعْلَمُ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالأَحْكَامِ دُونَ التَّوحِيدِ! " (٢) (٣). وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "لَا شَكَّ أَنَّ العُذْرَ بِالجَهْلِ ثَابِتٌ، وَمَا عِنْدَنَا فِي هَذَا إِشْكَالٌ -لَا فِي مَسْأَلَةِ الكُفْرِ؛ وَلَا فِيمَا دُونَها- مَتَى كَانَ الإِنْسَانُ يَقُولُ: إِنَّه مُسْلِمٌ،

стр. 336

لَكْنْ إِذَا قَالَ الرَّسُولُ لَنَا: (إِنَّ اللهَ أَبَى أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ) نعْتَرِضُ عَلَى اللهِ؟! مَا نَدْرِي، قَد يَكُونُ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ، لِأَنَّ فِيهِ بَقَايَا مِن دِينِ إِسْمَاعِيلَ فِي العَرَبِ، وَفِيهِ وَرَقَةُ بْنُ نَوفَلٍ؛ تَنَصَّرَ" (١). قُلْتُ: وَعَلَى سَبِيلِ التأكيد؛ فَإِنَّ فِي صَحِيحِ البُخَاريِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ (٢) -قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ-؛ فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ؛ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ، وَأَنَّ زَيدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيشٍ ذَبَائِحَهُمْ؛ وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ؛ وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ؛ وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ؛ ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيرِ اسْمِ اللَّهِ!! إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ (٣). وَأَيضًا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: "رَأَيتُ زَيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ؛ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيشٍ؛ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيرِي" (٤). ٢ - الجَمْعُ بَينَ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا؛ بِأَنْ يُحْمَلَ الخَاصُّ -الَّذِي أَثْبَتَ العَذَابَ لِلْمَذْكُورِينَ- عَلَى الإِخْبَارِ عَنْ حَالِهِم عِنْدَ الامْتِحَانِ يَومَ القِيَامَةِ. قَالَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدٌ الأَمِينُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ -فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ -: "الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ: هَلْ

стр. 337

يَعْذُرُ المُشْرِكُونَ بِالفَتْرَةِ أَو لَا؟ هُوَ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِالفَتْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَارٍ يَأْمُرُهُمْ بِاقْتِحَامِهَا؛ فَمَنِ اقْتَحَمَهَا دَخْلَ الجَنَّةَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَو جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النَّارَ وَعُذِّبَ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَو جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا؛ لَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ لَو جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ" إِلَى أَنْ قَالَ: "وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَيضًا قَبْلَ هَذَا الكَلَامِ بِقَلِيلٍ مَا نَصُّهٌ: وَمِنْهُم مَن ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُم يُمْتَحَنُون يَومَ القِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ المَحْشَرِ؛ فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللهِ فِيهِ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَن عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشّقَاوَةِ. وَهَذَا القَولُ يَجْمَعُ بَينَ الأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ المُتَعَاضِدةُ؛ الشَّاهِدُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وَهَذَا القَولُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ؛ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَه الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الاعْتِقَادِ)، وَكَذَلِكَ غَيرُهُ مِن مُحَقِّقِي العُلَمَاءِ وَالحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ (١). انْتَهَى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلَامِ ابنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا" (٢).

стр. 338

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ وَقُولُ اللهِ : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النِّسَاء: ١٧١]. وفي الصَّحيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نُوح: ٢٣ - ٢٤]. قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (١). قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: "قَالَ غَيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا؛ عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، ثُمَّ طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ" (٢).

стр. 339

وَعَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ؛ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) أَخْرِجَاهُ (١). وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ)) (٢). وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلَاثًا (٣).

стр. 340

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذَا البَابَ وَبَابَينِ بَعْدَهُ، تَبَيَّنَ لَهُ غُرْبَةُ الإِسْلَامِ، وَرَأَى مِنْ قُدْرَةِ اللهِ وَتَقْلِيبِهِ لِلْقُلُوبِ العَجَبَ. الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شِرْكٍ حَدَثَ فِي الأَرْضِ؛ كَانَ بِشُبْهَةِ الصَّالِحِينَ. الثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شَيءٍ غُيِّرَ بِهِ دِينُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ، مَعَ مَعْرِفَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُمْ! الرَّابِعَةُ: قَبُولُ البِدَعِ مَعَ كَونِ الشَّرَائِعِ وَالفِطَرِ تَرُدُّهَا! الخَامِسَةُ: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهُ مَزْجُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ. فَالأَوَّلُ: مَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ، وَالثَّانِي: فِعْلُ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالدِّينِ شَيئًا أَرَادُوا بِهِ خَيرًا؛ فَظَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ غَيرَهُ! السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ. السَّابِعَةُ: جِبِلَّةُ الآدَمِيِّ فِي كَونِ الحَقِّ يَنْقُصُ فِي قَلْبِهِ؛ وَالبَاطِلِ يَزِيدُ. الثَّامِنَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ البِدَعَ سَبَبُ الكُفْرِ. التَّاسِعَةُ: مَعْرِفَةُ الشَّيطَانِ بِمَا تَؤُولُ إِلَيهِ البِدْعَةُ؛ وَلَو حَسُنَ قَصْدُ الفَاعِلِ. العَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ القَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ: وَهِيَ النَّهْيُ عَنِ الغُلُوُّ، وَمَعْرِفَةُ مَا يَؤُولُ إِلَيهِ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَضَرَّةُ العُكُوفِ عَلَى القَبْرِ لِأَجْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَاثِيلِ، وَالحِكْمَةُ فِي إِزَالَتِهَا. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ القِصَّةِ، وَشِدَّةُ الحَاجَةِ إِلَيهَا مَعَ الغَفْلَةِ عَنْهَا.

стр. 341

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ أَعْجَبُ العَجَبِ؛ قِرَاءَتُهُمْ إِيَّاهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِمَعْنَى الكَلَامِ، وَكَونُ اللهِ حَالَ بَينَهُمْ وَبَينَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ فِعْلَ قَومِ نُوحٍ هُوَ أَفْضَلُ العِبَادَاتِ! وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ؛ فَهُوَ الكُفْرُ المُبِيحُ لِلدَّمِ وَالمَالِ. الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الشَّفَاعَةَ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: ظَنُّهُمْ أَنَّ العُلَمَاءَ الَّذِينَ صَوَّرُوا الصُّوَرَ أَرَادُوا ذَلِكَ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: البَيَانُ العَظِيمُ فِي قَولِهِ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ))، فَصَلَوَاتُ اللهُ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، بَلَّغَ البَلَاغَ المُبِينِ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: نَصِيحَتُهُ إِيَّانَا بِهَلَاكِ المُتَنَطِّعِينَ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَمْ تُعْبَدْ حَتَّى نُسِيَ العِلْمُ، فَفِيهَا بَيَانُ مَعْرِفَةِ قَدْرِ وُجُودِهِ، وَمَضَرَّةُ فَقْدِهِ. العِشْرُونَ: أَنَّ سَبَبَ فَقْدِ العِلْمِ مَوتُ العُلَمَاءِ.

стр. 342

الشَّرْحُ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٧١]. - أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذَا البَابَ لِبَيَانِ أَسْبَابِ وَذَرَائِعِ الشِّرْكِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الأُصُولَ وَالعَقَائِدَ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أَي: لَا تَتَجَاوَزُوا الحَدَّ مَدْحًا أَو قَدْحًا. حَيثُ قَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّهُ ابْنُ اللهِ، وَجَعَلُوهُ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا اليَهُودُ؛ فَقَدْ غَلَوا فِيهِ فقَدَحُوا فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ أُمَّهُ زَانِيَةٌ، وَإِنَّهُ وَلَدُ زِنَى! وَكُلُّ ذَلِكَ -مِنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ- هُوَ خِلَافُ المَنْهَجِ الوَسَطِ؛ مَنْهَجِ أَهْلِ الإِسْلَامِ: مِنِ اعْتِقَادِهِم فِي عِيسَى ﵊ أَنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أَي: لَا تَصِفُوهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَو وَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ. وَفِيهِ بَيَانُ تَحْرِيمِ القَولِ بِالرَّأْي فِي الدِّينِ مِمَّا لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ هَذِهِ صيغَةُ حَصْرٍ، وَفَائِدَتُهَا الإِعْلَامُ بِأَنَّه ﷺ لَيسَ لَهُ مِنَ الأُلوهيَّةِ شَيءٌ.

стр. 343

وَفِيَها بَيَانُ أُمُورٍ: فِي قَولِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أَضَافَهُ إِلَى أُمِّهِ لِيَقْطَعَ قَولَ النَّصَارَى الَّذِينَ يُضِيفُونَهُ إِلَى اللهِ. فِي قَولِهِ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ تَكْذِيبٌ لِقَولِ اليَهُودِ: إِنَّهُ كَذَّابٌ، وَلِقَولِ النَّصَارَى: إِنَّهُ إِلَهٌ. فِي قَولِهِ: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ إِبْطَالٌ لِقَولِ اليَهُودِ: إِنَّهُ ابْنُ زِنَى. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَي أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ عِيسَى ﵊ كَغِيرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ هِيَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتِّكْرِيمِ، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ آدَمَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فَهَذِهِ أَيضًا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ (١). - الأَنْصَابُ: جَمْعُ نُصُبٍ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُنْصَبُ مِنْ عَصَا أَو حَجَرٍ أَو غَيرِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدُ وَعَطَاءُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَالحَسَنُ وَغَيرُ وَاحِدٍ: هِيَ حِجَارَة كَانُوا يَذْبَحُونَ قَرَابِينَهُمْ عِنْدهَا (٢).

стр. 344

وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَومَ الفَتْحِ -وَحَولَ البَيتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ نُصُبٍ- فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإِسْرَاء: ٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سَبَأ: ٤٩] (١). - العُكُوفُ لُغَةً: "عَكَفَهُ يَعْكُفُهُ ويَعْكِفُهُ عَكْفًا: حَبَسَهُ؛ وَعَلَيهِ عُكُوفًا: أقْبَلَ عَلَيهِ مُوَاظِبًا؛ وَالقَومُ حَولَهُ: اسْتَدَارُوا، وَكَذَا الطَّيرُ حَولَ القَتِيلِ" (٢). - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ قِصَّةِ الأَصْنَامِ؛ حُكْمُهُ الرَّفْعُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْي؛ فَهُوَ غَيبِيٌّ. وَالحَدِيثُ اخْتَصَرَهُ المُصَنِّفُ ﵀، وَهُوَ بِتَمَامِهِ كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (صَارَتِ الأَوثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَومِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ (٣)، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَومَةِ الجَنْدَلِ (٤)، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيفٍ بِالجَوفِ عِنْدَ سَبَأ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ: أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا

стр. 345

بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ (وَنُسِيَ) (١) العِلْمُ عُبِدَتْ) (٢). - فِي أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ أَنَّ أَوَّلَ شِرْكٍ وَقَعَ فِي الأَرْضِ كَانَ بِسَبَبِ الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: (كَانَ بَينَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشْرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً) (٣). - الإِطْرَاءُ: هُوَ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فِي المَدْحِ، وَالكَذِبُ فِيهِ (٤). - النَّصَارَى: المُرَادُ بِهِم أَتْبَاعُ عِيسَى، قِيلَ: سُمُّوا نَصَارَى نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ وَهِيَ (النَّاصِرَةُ) فِي فِلَسْطِين، أَو مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصَّف: ١٤]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَالنَّصَارَى -عَلَيهِمْ لَعَائِنُ اللهِ- مِنْ جَهْلِهِمْ؛ لَيسَ لَهُمْ ضَابِطٌ وَلَا لِكُفْرِهِمْ حَدٌّ، بَلْ أَقْوَالُهُمْ وَضَلَالُهُمْ مُنْتَشِرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ إِلَهًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ شَرِيكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ وَلَدًا، وَهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ لَهُمْ آرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَأَقْوَالٌ غَيرُ مُؤْتَلِفَةٍ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْض المُتَكَلِّمِينَ حَيثُ قَالَ: لَو اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ النَّصَارَى

стр. 346

لَافْتَرَقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ قَولًا! وَلَقَدْ ذَكَرَ بَعْض عُلَمَائِهِمُ المَشَاهِيرُ عِنْدَهُمْ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ بِطْرِيق؛ بَتْركُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ- فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا المَجْمَعَ الكَبِيرَ الَّذِي عَقَدُوا فِيهِ الأَمَانَةَ الكَبِيرَةَ الَّتِي لَهُمْ -وَإِنَّمَا هِيَ الخِيَانَةُ الحَقِيرَةُ الصَّغِيرَةُ-، وَذَلِكَ فِي أَيَّام قُسْطَنْطِين -بَانِي المَدِينَةِ المَشْهُورَةِ- وَأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَلَيهِ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ، فَكَانُوا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفَينِ أُسْقُفًا، فَكَانُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً، كُلُّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ، وَعِشْرُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَمِائَةٍ عَلَى مَقَالَةٍ، وَسَبْعُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَأَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْقَصَ، فَلَمَّا رَأَى مِنْهُمْ عِصَابَةً قَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِمَائَةِ بِثِمَانِيَةَ عَشَرَ نَفَرًا -وَقَدْ تَوَافَقُوا عَلَى مَقَالَةٍ- فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَنَصَرَهَا وَأَيَّدَهَا -وَكَانَ فَيلَسُوفًا دَاهِيَةً- وَمَحَقَ مَا عَدَاهَا مِنَ الأَقْوَال" (١). - حَدِيثُ: ((إِيَّاكُمْ وَالغُلُوّ)) تَمَامُهُ هُوَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -غَدَاةَ العَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ-: ((هَاتِ اُلْقُطْ لِي)). فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ -هُنَّ حَصَى الخَذْفِ-، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ)). وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المَشْرُوعِ وَمُجَاوَزَةَ الحَدِّ يَكُونُ غُلُوًّا، وَأَنَّ الأَصْلَ هُوَ الْتِزَامُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هُود: ١١٢]، فَأَمَرَ بِلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ دُونَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا ذَلِكَ (٢).

стр. 347

- قَولُهُ: ((هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ)) أَي: المُتَعَمِّقُونَ الغَالُونَ المُجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِم وَأَفْعَالِهِم (١). - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ فَهُوَ الكُفْرُ المُبِيحُ لِلدَّمِ وَالمَالِ" يَعْنِي أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَفَقَهُوا التَّوحِيدَ وَلَمْ يَفْهَمُوا القُرْآنَ وَلَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ كُفْرِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ؛ ظَنُّوا أَنَّ الكُفْرَ وَالشِّرْكَ هُوَ الرِّدَّةُ عَنِ الدِّينِ فَقَط؛ وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ إِبَاحَةَ الدَّمِ وَالمَالِ! وَلَمْ يَفْطَنُوا إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ حَتَّى مِنَ الصَّالِحِينَ القَاصِدِينَ لِلقُرْبِ مِنَ اللهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيهِ المُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَولِهِ: "هُوَ الغُلُوُّ في الصَالِحِينَ". - فِي البَابِ عِدَّةُ فَوَائِدَ؛ مِنْهَا: ١ - أنَّ حُسْنَ النِّيَّةِ لَا يُسَوِّغُ العَمَلَ غَيرَ المَشْرُوعِ، لِأَنَّ قَومَ نُوحٍ أَرَادُوا بِاتِّخَاذِ الأَنْصَابِ النَّشَاطَ عَلَى العِبَادَةِ وتَذَكُّرَ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الكُفْرَ بِهِ تَعَالَى! قَالَ الإِمَامُ الطَّبريُّ ﵀: "عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيسٍ ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قَالَ: كَانُوا قَومًا صَالِحِينَ بَينَ آدَمَ وَنُوحٍ؛ وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاع يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابهمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَو صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى العِبَادَة إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ، فَصَوَّرُوهُمْ فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيهِمْ إِبْلِيسُ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا

стр. 348

يَعْبُدُونَهُمْ، وَبِهِمْ يُسْقَونَ المَطَرَ فَعَبَدُوهُمْ" (١). ٢ - أَنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ لَا تُصَحِّحُ العَمَلَ! إِذْ لَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ الحَسَنَةِ مِنْ مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ)) (٢). ٣ - بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ وُجُودِ العُلَمَاءِ فِي النَّاسِ، لِأَنَّ الشَّيطَانَ مَا نَشَطَ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الشِّرْكِ إِلَّا عِنْدَمَا فُقِدَ العِلْمُ وَمَاتَ العُلَمَاءُ. ٤ - فِيهِ أَنَّ مَكْرَ الشَّيطَانِ -فِي هَذَا البَابِ- يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ: أ- تَزْيِينِ البَاطِلِ، وَالتَّرْوِيجِ لَهُ بِالدَّعَاوَى الحَسَنَةِ. ب- التَّدَرُّجِ فِيهِ. ٥ - فِيهِ كَرَاهَةُ التَّقَعُّرِ فِي الكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ وَتَكَلُّفِ الفَصَاحَةِ وَاسْتِعْمَالِ وَحْشِيِّ اللُّغَةِ وَدَقَائِقِ الإِعْرَابِ فِي مُخَاطَبَةِ العَوَامِ وَنَحْوِهِم؛ حَيثُ هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ! وَفِي الحَدِيثِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قُولُوا قَولَكُمْ؛ فَإِنَّمَا تَشْقِيقُ الكَلَامِ مِنَ الشَّيطَانِ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)) (٣).

стр. 349

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ النَّهْيَ فِي قَولِهِ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ)) أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ إِطْرَاءِ النَّصَارى لِعِيسَى ﵇ فَقَط، يَعْنِي: لَا تُطْرُونِي بِمِثْلِ مَا أَطْرَتِ النَّصَارى ابْنَ مَرْيَم، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ -فَقَط- أَنْ يُدَّعَى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ابْنٌ للهِ تَعَالَى (١)، فَالنَّهْيُ عَنِ الإِطْرَاءِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ! الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ الكَافَ هُنَا فِي قَولِهِ ((كَمَا)) هِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ (القِيَاسِ)، وَالفَرْقُ بَينَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبيهِ: أنَّ التَّمْثِيلَ يَعْنِي المُطَابَقَةَ، بَينَمَا التَّشْبِيهُ يَعْنِي الاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الشَّيءِ -كَالعِلَّةِ فِي الحُكْمِ-، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ أَصْلُ الإِطْرَاءِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ؛ فَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا: ((عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))، وَهَذَا هُوَ المَآلُ مِنَ النَّهْيِّ عَنِ الإِطْرَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَو كَانَ النَّهْيُ هُوَ عَنْ ادِّعَاءِ أَنَّهُ ابْنٌ للهِ تَعَالَى فَقَط -وَالَّذِي يَنْبَنِي عَلِيهِ جَوَازُ ادِّعَاءِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ! وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠] (٢) (٣).

стр. 350

وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ أنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ كَثِيرْةٌ وَلَيسَتْ مَحْصُورَةً فَقَط بِشِرْكِ النَّصَارى بِاتِّخَاذِ الوَلَدِ! بَلْ إِنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ للهِ تَعَالَى شُفَعَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ لَهُم وَبِغَيرِ رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِم. قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ، وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ؛ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " (١). ٢ - أنَّ قَولَهُ ﷺ : ((فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) هُوَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ فِي الحَصْرِ، أَي: مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ رَسُولٌ، وَجَاءَ هَذَا الحَصْرُ بَعْدَ فَاءِ التَّعْلِيلِ لِبَيَانِ أَنَّ العِلَّةَ فِي عَدَمِ الإطْرَاءِ هُوَ لِكَونِهِ فَقَط عَبْدٌ رَسُولٌ، فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعبْدُ، وَرَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ. ٣ - قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْي عَنِ الغُلوِّ مُطْلَقًا وَعَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ المَدْحِ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهَا خَوفًا مِمَّا تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَيهِ.

стр. 351

وَتَأَمَّلِ الأَحَادِيثَ الآتِيَةَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: أ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَيَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَولِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَسُولُ اللهِ. وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَا رَفَعَنِي اللهُ ) (١). ب- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: ((السَّيِّدُ اللهُ ﵎). قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا. فَقَالَ: ((قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ؛ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ)) (٢) (٣). ج- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤) (٥).

стр. 352

- فَائِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ: إِنَّ تَعْظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرَ المَشْرُوعِ نَوعَان: الأَوَّلُ: كُفْرٌ؛ وَهُوَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى، كَدُعَائِهِ ﷺ وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَوَصْفِهِ بِمَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا اللهُ. الثَّانِي: مَعْصِيَةٌ وَذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ؛ كَالكَذِبِ عَلَيهِ فِي صِفَاتِهِ، وَاخْتِرَاعِ الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ غَيرِ المَرْويَّةِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ.

стр. 353

بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ؛ فَكَيفَ إِذَا عَبَدَهُ؟! فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؛ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ)) (١)، فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَينَ الفِتْنَتَينِ: فِتْنَةَ القُبُورِ، وَفِتْنَةَ التَّمَاثِيلِ. وَلَهُمَا عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: ((لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ -يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا-، وَلَولَا ذَلِكَ؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا)). أَخْرَجَاهُ (٢). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ- وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)) (٣).

стр. 354

فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السِّيَاقِ- مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ-، وَهُوَ مَعْنَى قَولِهِ: ((خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا))، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَولَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا! وَكُلُّ مَوضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ ﷺ : ((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)) (١). وَلِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ)). وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ (٢).

стр. 355

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللهُ فِيهِ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ -وَلَو صَحَّتْ نِيَّةُ الفَاعِلِ-. الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ عَنِ التَّمَاثِيلِ، وَغِلَظُ الأَمْرِ فِي ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: العِبْرَةُ فِي مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كَيفَ بَيَّنَ لَهُمْ هَذَا أَوَّلًا، ثُمَّ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ قَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي السِّيَاقِ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ. الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ القَبْرُ. الخَامِسَةُ: أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. السَّادِسَةُ: لَعْنُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ. السَّابِعَةُ: أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ تَحْذِيرُهُ إِيَّانَا عَنْ قَبْرِهِ. الثَّامِنَةُ: العِلَّةُ فِي عَدَمِ إِبْرَازِ قَبْرِهِ. التَّاسِعَةُ: فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا. العَاشِرَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ بَينَ مَنْ اتَّخَذَهَا وَبَينَ مَنْ تَقُومُ عَلَيهِمُ السَّاعَةُ، فَذَكَرَ الذَّرِيعَةَ إِلَى الشِّرْكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَعَ خَاتِمَتِهِ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُهُ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِخَمْسٍ: الرَّدُّ عَلَى الطَّائِفَتَينِ اللَّتَينِ هُمَا أَشَرُّ أَهْلِ البِدَعِ، بَلْ أَخْرَجَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الثِّنْتَينِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً، وَهُمُ الرَّافِضَةُ وَالجَهْمِيَّةُ، وَبِسَبَبِ الرَّافِضَةِ حَدَثَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ القُبُورِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى عَلَيهَا المَسَاجِدَ.
следующие страницы →