← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَاطِمَةَ ﵂ مُؤْمِنَةٌ (١)؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبَتْ بِهَذَا الخِطَابِ. د- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. هـ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا)) وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (٢). وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ فَهِيَ لَيسَتْ مِلْكًا لَهُ، وَلَكِنَّهَا مِلْكٌ للهِ تَعَالَى، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ وَفِيمَنْ شَاءَ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- الكَلَامُ بِتَوَسُّعٍ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ.

стр. 282

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِعِيسَى ﵊ آيَاتٍ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ إِحْيَاءِ المَوتَى، وَمِنْ عِلْمِ الغَيبِ، وَمِنْ إِبْرَاءِ المَرْضَى؛ فَهَلْ يَجُوزُ دُعَاؤُهُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الخَيرِ؟ الجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى عِيسَى ﵊، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ؛ مِنْهَا: ١ - أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى ﵇ هِي مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى كَمَا فِي نَفْسِ سِيَاقِ الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩]، فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا اسْتِقْلَالًا، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعد: ٣٨]، وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْعُوهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَدْعُو اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِحُصُولِ الخَيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. وَكَذَلِكَ الأَولِيَاءُ الصَّالِحُونَ -إِنْ أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهُم مَا يُسَمَّى بِالكَرَامَةِ- فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ جَوَازَ دُعَائِهِ! لِكَونِهِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا يَشَاءُ. ٢ - أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ اللهِ تَعَالَى وَبَينَ النَّاسِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

стр. 283

وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥]. وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ عِيسَى ﵊ قَدْ قَالَ لِقَومِهِ - فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الآيَاتِ التِي أَتَى بِهَا - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٥١] الأَمْرَ الَّذِي يُفِيدُ أَنَّهُ وَإِيَّاهُم سَوَاءٌ فِي العُبُودِيَّةِ للهِ وَالخُضُوعِ لَهُ تَعَالَى، وَقَدْ عُلْمَ قَولُهُ ﵊: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)) (١). ٣ - أَنَّ كَونَ عِيسَى ﵊ حَيًّا -قَدْ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى- لَا يَعْنِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فِي الأَرْضِ وَأَنَّهُ يَسْمَعُهُم! وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ [المَائِدَة: ١١٧]، فَهُوَ غَائِبٌ وَلَيسَ بِحَاضِرٍ. وَتأَمَّلْ حَدِيثَ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوضِ، وَلأُنازعَنَّ أقْوَامًا ثمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ فأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)) (٢). ٤ - أَنَّ عِيسَى ﵊ لَمْ يَمْلِكْ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا عِنْدَمَا أَرَادَ قَومُهُ قَتْلَهُ؛ فَكَيفَ يَمْلِكُ لِغَيرِهِ نَفْعًا أَو ضَرًّا؟! بَلْ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨]. وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ دُعَاءِ غَيرِهِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ

стр. 284

وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧]. ٥ - أَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ؛ وَوَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُم كُفَّارٌ -رُغْمَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا-.

стр. 285

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَولِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُم ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَينَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَومَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)) (١). وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ؛ تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ؛ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَو قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوفًا مِنَ اللهِ . فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ؛ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ؛ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ ) (٢).

стр. 286

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ. الثَّانِيَةُ: مَا فِيهَا مِنَ الحُجَّةِ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ، خُصُوصًا مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّالِحِينَ، وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي قِيلَ: إِنَّهَا تَقْطَعُ عُرُوقَ شَجَرَةِ الشِّرْكِ مِنَ القَلْبِ. الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. الرَّابِعَةُ: سَبَبُ سُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ. الخَامِسَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ يُجِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَولِهِ: (قَالَ: كَذَا وَكَذَا). السَّادِسَةُ: ذِكْرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَقُولُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ. الثَّامِنَةُ: أَنَّ الغَشْيَ يَعُمُّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ كُلَّهُمْ. التَّاسِعَةُ: ارْتِجَافُ السَّمَوَاتِ لِكَلَامِ اللهِ. العَاشِرَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي بِالوَحْيِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُ اللهُ.

стр. 287

الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: صِفَةُ رُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إِرْسَالُ الشِّهَابِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ قَبْلِ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَتَارَةً يُلْقِيهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنَ الإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ. الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَونُ الكَاهِنِ يَصْدُقُ بَعْضَ الأَحْيَانِ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَونُهُ يَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ كَذِبَهُ إِلَّا بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَبُولُ النُّفُوسُ لِلْبَاطِلِ؛ كَيفَ يَتَعَلَّقُونَ بِوَاحِدَةٍ وَلَا يُعْتَبَرُونَ بِمِائَةٍ! التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كَونُهُمْ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمُ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الكَلِمَةَ وَيَحْفَظُونَهَا وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا. العِشْرُونَ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ المُعَطِّلَةِ. الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ وَالغَشْيَ خَوفًا مِنَ اللهِ . الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ يَخِرُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا.

стр. 288

الشَّرْحُ - هَذَا البَابُ يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى (بَابَ مَنْ تَعَلَّقَ بِالمَلَائِكَةِ) حَيثُ تَعَلَّقَ المُشْرِكُونَ بِهِم لِحُصُولِ الشَّفَاعَةِ. - مُنَاسَبَةُ الآيَةِ لِلتَّوحِيدِ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَعَالَى مُنْفَرِدًا فِي العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ، فَلَا يُجْعَلَ وَسَائِطَ بَينَهُ وَبَينَ خَلْقِهِ؛ لَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فِي قِرَاءَةٍ (فُرِّغَ عَنْ) (١)، وَمَعْنَاهُ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِ المَلَائِكَةِ مَا حَلَّ فِيهَا مِنَ الفَزَعِ (٢)، وَالفَزَعُ هُوَ الخَوفُ المُفَاجِئُ. - سِيَاقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٢ - ٢٣]. - فِي البَابِ بَيَانُ حَالِ المَلَائِكَةِ عِنْدَ رَبِّهَا وَإشْفَاقِهَا مِنْ خَشيَتِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِم دُونَ اللهِ تَعَالَى بِحُجَّةِ الشَّفَاعَةِ! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ

стр. 289

مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٩]. قُلْتُ: وَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ الشَّفَاعَةِ وَالخَشْيَةِ تَرَى المُطَابقَةَ مَعَ الآيَةِ وَالحَدِيثِ اللَّذَينِ فِي البَابِ، وَتَعْلَم بِذَلِكَ مَقْصُودَ المُصَنِّفِ مِنْ إِيرَادِهِمَا. - السِّيَاقُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ إلّا بإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كَانَتِ المَلَائِكَةُ عِنْدَ المُشْرِكِينَ هُم بَنَاتُ اللهِ -تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ- وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْهَا الشَّفَاعَةَ؛ حَسُنَ إِيرَادُ حَالِ المَلَائِكَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِي ذَلِكَ بَيَانُ حَالِ مَنْ لَا يَخْلُقُ مَعَ مَنْ يَخْلُقُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ -عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ-: "وَقَولُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦] كَقَولِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فكَيفَ تَرْجُونَ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ شَفَاعَةَ هَذِهِ الأَصْنَامِ وَالأنْدَادِ عِنْدَ اللهِ؛ وَهُوَ لَمْ يَشْرَعْ عِبَادَتَهَا وَلَا أَذِنَ فِيهَا؟! بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَأنْزَلَ بِالنَّهْي عَنْ ذَلِكَ جَمِيعَ كُتُبِهِ" (١). - إِنَّ الصَّعْقَ الحَاصِلَ عَلَى المَلَائِكَةِ عِنْدَمَا يُوحِي اللهُ تَعَالَى بِالأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَتِهِم بِاللهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفَ؛ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فَاطِر: ٢٨]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ الحَقُّ هُنَا: هُوَ صِفَةُ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ قِسْمَينِ

стр. 290

كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأَنْعَام: ١١٥]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ: "أَي: صِدْقًا فِي الأخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي" (١). وَلَكِنَّ قَولَ المَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ لَا يَعْنِي أَنَّهُم لَا يَسْتَفْهِمُونَ بَعْضًا عَمَّا جَرَى! كَمَا فِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا؛ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا)) (٢). - قَولُهُ: ((كَسِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ)) (الصَّفْوَانُ): هُوَ الحَجَرُ الأَمْلَسُ الصُّلْبُ، وَالسِّلْسِلَةُ عَلَيهِ يَكُونُ لَهَا صَوتٌ عَظِيمٌ، وَالمُرَادُ تَشْبِيهُ مَا يَحْصُلُ مِنَ الفَزَعِ فِي القُلُوبِ، وَلَيسَ المُرَادُ تَشْبِيهَ الصَّوتِ بَالصَّوتِ، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]، وَلِذَلِكَ قَالَ: ((يَنْفُذُهُم ذَلِكَ))، فَالنُّفُوذُ هُوَ الدُّخُولُ فِي الشَّيءِ، وَمِنْهُ نَفَذَ السَّهْمُ فِي الرَّمِيَّةِ أَي: دَخَلَ فِيهَا، وَالمَعْنَى أنَّ هَذَا الصَّوتَ يَبْلُغُ مِنْهُم كُلَّ مَبْلَغٍ. قُلْتُ: وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ جَعَلَ الصَّوتَ هُنَا هُوَ صَوتَ رِعْدَةِ السَّمَاءِ، وَالأَوَّلُ أَولَى. قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ): "وَأَنَّ اللهَ يُنَادِي بِصَوتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، فَلَيسَ هَذَا لِغَيرِ اللهِ ذِكْرُهُ.

стр. 291

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوتَ اللهِ لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الخَلْقِ، لِأَنَّ صَوتَ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ يُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ مِنْ قُرْبِ، وَأَنَّ المَلائِكَةَ يُصْعَقُونَ مِنْ صَوتِهِ" (١). وَبَوَّبَ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ فِي صَحِيحِهِ: "بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ؟ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ؛ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيسٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ؛ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ)) " (٢). - الكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ وَمَا فِي الضَّمِيرِ (٣). - قَولُهُ: (وَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ): أَي: وَصَفَ رُكُوبَ بَعْضِهِم فَوقَ بَعْضٍ. وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَينَةَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ الهِلَالِيُّ الكُوفِيُّ (ت ١٩٨ هـ).

стр. 292

- فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الإِرَادَةِ للهِ تَعَالَى. وَهِيَ قِسْمَانِ: شَرعيَّةٌ وكَونيَّةٌ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا: أ- مِنْ حَيثُ المَحَبَّةِ؛ فَالشَّرْعِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَمَّا الكَونيَّةُ فَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا. ب- مِنْ حَيثُ الوُقُوعِ؛ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، بِخِلَافِ الكَونِيَّةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ. وَكِلَا النَّوعِينِ مَقْرُونٌ بِالحِكْمَةِ. وَمِثَالُ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٦]، وَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ هِيَ نَفْسُهَا المَشِيئَةُ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ. وَمِثَالُ الشَّرْعِيَّةِ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٧]. - النُّجُومُ رُجُومٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَعِنْدَ البَعْثَةِ زَادَ الرَّجْمُ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَرُمِيَ بِنَجْمٍ عَظِيمٍ فَاسْتَنَارَ، قَالَ: ((مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟)) قَالَ: كُنَّا نَقُولُ: يُولَدُ عَظِيمٌ أَو يَمُوتُ عَظِيمٌ. قُلْتُ (١) لِلزُّهْرِيِّ: أَكَانَ يُرْمَى بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ غُلِّظَتْ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَإِنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا … )) الحَدِيث (٢). - الوَحْيُ: هُوَ الإِعْلَامُ بِسُرْعَةٍ وَخَفَاءٍ.

стр. 293

وَهُوَ نَوعَانِ: وَحِيُ إِلْهَامٍ، وَوَحْيُ إِرْسَالٍ. فَوَحْيُ الإِلْهَامِ: كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النَّحْل: ٦٨]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القَصَص: ٧]. وَأَمَّا وَحْيُ الإِرْسَالِ: فَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الرُّسُلِ. - فِي الآيَةِ وَالحَدِيثِ بَيَانُ عِدَّةِ فَوَائِدَ؛ مِنْهَا: ١ - أَنَّ المَلَائِكَةَ يَخَافُونَ اللهَ تَعَالَى. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النَّحْل: ٥٠]. ٢ - إِثْبَاتُ القُلُوبِ لِلمَلَائِكَةِ، وَبِهَا تَعْقِلُ (١). ٣ - إِثْبَاتُ أَنَّهَا أَجْسَامٌ (٢). ٤ - إِثْبَاتُ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ (٣). ٥ - أَنَّ قَضَاءَ اللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِالقَولِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٧]. ٦ - أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه يُمَكِّنُ هَؤُلَاءِ الجِنَّ مِنَ الوُصُولِ إِلَى السَّمَاءِ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَابْتِلَاءً لَهُم، وَهِيَ مَا يُلقونَهُ عَلَى الكُهَّانِ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِذَلِكَ كَي لَا

стр. 294

يَحْصُلَ عِنْدَهُم الاشْتِبَاهُ بِذَلِكَ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ (١)، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجْر: ١٦ - ١٨]، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ: ((فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)). ٧ - إِثْبَاتُ صِفَةِ العُلُوِّ للهِ تَعَالَى؛ لِقَولِهِ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ)). ٨ - بَيَانُ تَحَمُّلِ الشَّيَاطِينِ لِلمَخَاطِرِ مِنْ أَجْلِ إِضْلَالِ النَّاسِ.

стр. 295

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: قَالَتِ المُعَطِّلَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُسْمَعُ، وِإِنَّمَا هُوَ يَخْلُقُ كَلَامًا! وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: إِنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى هُوَ مَا فِي نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا أَلْفَاظُهُ وَحُرُوفُهُ فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ! فَمَا الجَوَابُ عَنْه حَيثُ دَارَتْ شُبَهُهُم حَولَ أُمُورٍ هِيَ: - الشُّبْهَةُ الأُولَى: إِنَّ القُرآنَ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَولُ جِبْرِيلَ وَلَيسَ بِقَولِهِ تَعَالَى! كَقَولِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التَّكْوِير: ١٩ - ٢٠]، أَو أَنَّهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحَاقَّة: ٤٠ - ٤٢]؟ وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - مَا نُسِبَ فِي الآيَةِ مِنْ أَنَّهُ قَولُ جِبْرِيلَ ﵇؛ فَمَفَادُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ يُبلِّغُهُ، فَنِسْبَةُ القَولِ إِلَى جِبْرِيلَ هِيَ نِسْبَةُ تَبْلِيغٍ، وَأَنَّهُ أَدَّاهَا بِأَمَانَةٍ دُونَ تَحْرِيفٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَ وَصْفُهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَمْ يَرِدْ بِاسْمِهِ المُجَرَّدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ يُؤَدِّي رِسَالَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ بِهَا؛ وَلَا يَكُونُ القَولُ قَولَهُ. وَأَيضًا فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ تَجِدُ الأَمْرَ نَفْسَهُ حَيثُ جَاءَ وَصْفُهُ بِالرَّسُولِ -أَيِّ النَّبِيَّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَيهِ القَولُ عَلَى جِهَةِ أَنَّهُ أَدَّى الرِّسَالَةَ بِأَمَانَةٍ دُونَ زِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو تَحْرِيفٍ، وَلِذَلِكَ أَيضًا جَاءَ وَصْفُهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَمْ يَرِدْ أَيضًا بِاسْمِهِ المُجَرَّدِ. وَتَأَمَّلْ تَمَامَ الآيَاتِ لِتَجِدَ بُرْهَانَ ذَلِكَ، حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ

стр. 296

الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحَاقَّة: ٤٣ - ٤٥]؛ مِمَّا يَدُلُّ صَرَاحَةً أَنَّهُ مُبَلِّغٌ قَولَ رَبِّهِ بِدُونِ زِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو تَحْرِيفٍ (١). "فَالقُرْآنُ قَولُ اللهِ حَقِيقَةً، وَقَولُ جِبْرِيلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ لِمُحَمَّدٍ، وَقَولُ مُحَمَّدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ إِلَى الأُمَّةِ" (٢). ٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ كَلَامُهُ وَلَيسَ كَلَامَ البَشَرِ! وَهَذَا فِي مَعْرِضِ بَيَانِ مَنِ القَائِلِ بِهِ. قَالَ تَعَالَى عَنْ قولِ المُشْرِكِينَ: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المُدّثّر: ٢٤ - ٢٥] فَعُلِمَ إِذًا أَنَّ هَذَا القُرْآنَ لَيسَ كَلَامَ البَشَرِ. ٣ - أَنَّهُ لَو كَانَ القُرْآنُ كَلَامَ البَشَرِ لَمْ يَحْسُنِ التَّحَدِّي بِهِ، بِخِلَافِ كَلَامِ البَشَرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٨]. ٤ - أَنَّ الكَلَامَ لَا تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَّا لِمَنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً. ٥ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بَينَ القُرْآنِ وَالخَلْقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرَّحْمَن: ١ - ٣] فَخَصَّ القُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، وَخَصَّ الإِنْسَانِ بِالتَّخْلِيقِ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ ومَصْنُوعُهُ، وَلَولَا ذَلِكَ لَقَالَ: خَلَقَ القُرْآنَ وَالإِنْسَانَ.

стр. 297

- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ العَرَبَ فِي كَلَامِهَا تَسْتَخْدِمُ لَفْظَ القَولِ لِغَيرِ الكَلَامِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ هَكَذَا (أَي: إِشَارَةً عَلَى صِفَةِ مَا)، وَكَمَا يُقَالُ: قَالَتِ السَّمَاءُ هَكَذَا (لِوَصْفِ نُزُولِ المَطَرِ)، أَو قَولُهُم: قُلْتُ فِي نَفْسِي. وَكُلُّ ذَلِكَ لَيسَ فِيهِ حَقِيقَةُ الكَلَامِ؟! وَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ! وَإِنَّمَا يَكُونُ مُقَيَّدًا بِمَا يَدُلُّ عَلَيهِ، كَقَولِ (هَكَذَا)، أَو قَولِ الصَّخْرةِ (طِق) مَثَلًا، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ دُونَ قَرِينَةٍ. بَلْ إِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ بَعْضُ النُّصُوصِ عَلَى حَقِيقَةِ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى بِلَفْظِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الَّذِي يَنْفِي المَجَازَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٤]. قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "قَالَ الفَرَّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوصَلُ إِلَى الإِنْسَانِ كَلَامًا بِأَيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ، وَلَكِنْ لَا تُحقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإِذَا حُقِّقَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا حَقِيقَةَ الكَلَامِ" (١). وَأَمَّا حَدِيثُ النَّفْسِ فَلَا يُسَمَّى كَلَامًا إِلَّا بِقَيدِ النَّفْسِ، أَمَّا إِذَا أُطْلِقَ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الكَلَامِ المَسْمُوعِ (٢).

стр. 298

قَالَ الإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ ﵀ (١) فِي رسالَتِهِ (الرَّدُّ عَلَى مَنْ أنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوتَ) (٢): "لَمَّا وَجَدْنَا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ المُتَعَلِّقَةَ بِالكَلَامِ مَنُوطَةً بِالنُّطْقِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ وَصَوتٌ دُونَ مَا فِي النَّفْسِ؛ عَلِمْنَا أَنَّ حَقِيقَةَ الكَلَامِ هُوَ الحَرْفُ وَالصَّوتُ، فَلَو حَلَفَ امْرُؤٌ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ؛ فَأَقَامَ فِي تِلْكَ السَّاعةِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِأَشْيَاءَ وَلَا يَنْطِقُ بِهَا؛ كَانَ بَارًّا غَيرَ حَانِثٍ".

стр. 299

- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ إِثْبَاتَ الكَلَامِ للهِ تَعَالَى هُوَ تَشْبِيهٌ لَهُ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ يَحْتَاجُ لِآلَاتٍ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهَا! وَالجَوَابُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْبَتَ الكَلَامَ لِنَفْسِهِ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ المُمَاثَلَةَ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]. وَمِنْ نَفْسِ البَابِ يُقَالُ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ لِلمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِآلَةٍ؛ فَهَلْ نَنْفِي عَنِ اللهِ تَعَالَى صِفَاتِهِ لِمُجَرَّدِ اشْتِرَاكِ الوَصْفِ؟! وَأَمَّا دَعُوَى أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ آلَالَاتٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذِهِ مَقَالَاتُ الفَلَاسِفَةِ وَلَيسَتْ مِنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنِ السَّلَفِ شَيءٌ مِنْ هَذَا القَبِيلِ. وَعَنْ نُوحٍ الجَامِع، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: مَا تَقُولُ فِيمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الكَلَامِ فِي الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ؟ فَقَالَ: "مَقَالَاتُ الفَلَاسِفَةِ، عَلَيكَ بِالأَثَرِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ" (١).

стр. 300

بَابُ الشَّفَاعَةِ وَقَولُ اللهِ : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٥١]. وَقَولُهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر: ٤٤]. وَقَولُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]. وَقَولُهُ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]. وَقَولُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٢ - ٢٣]. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ: "نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيرِهِ مِلْكٌ أَو قِسْطٌ مِنْهُ، أَو يَكُونَ عَونًا لِلَّهِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا المُشْرِكُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا القُرْآنُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَوَّلًا! ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ،

стр. 301

وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ (١). وَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: ((مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ)) (٢)، فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ؛ لِيُكْرِمَهُ وَيَنَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ. فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا القُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شِرْكٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ وَالتَّوحِيدِ". انْتَهَى كَلَامُهُ (٣).

стр. 302

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَاتِ. الثَّانِيَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ المَنْفِيَّةِ. الثَّالِثَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ المُثْبَتَةِ. الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى وَهِيَ المَقَامُ المَحْمُودُ. الخَامِسَةُ: صِفَةُ مَا يَفْعَلُهُ ﷺ ؛ أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ، بَلْ يَسْجُدُ؛ فَإِذَا أُذِنَ لَهُ شَفَعَ. السَّادِسَةُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا؟ السَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ. الثَّامِنَةُ: بَيَانُ حَقِيقَتِهَا.

стр. 303

الشَّرْحُ - الشَّفَاعَةُ لُغَةً مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوجُ، أَي: خِلَافَ الوَتْرِ (١)، وَاصْطِلَاحًا: التَّوَسُّطُ لِلغَيرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ الإنْذارُ: هُوَ الإِعْلَامُ المُتَضَمِّنُ لِلتَّخْوِيفِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقُدِّمَ الخَبَرُ لِلحَصْرِ، وَالمَعْنَى: للهِ وَحْدَهُ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا، وَلَا يُوجَدُ شِيءٌ مِنْهَا خَارِجٌ عَنْ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَأَفَادَتِ الآيَةُ فِي قَولِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أَنَّ هُنَاكَ أَنْوَاعًا لِلشَّفَاعَةِ (٢). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ كَمْ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ وَلَيسَ مَعْنَاهَا الاسْتِفْهَامُ، وَذَلِكَ لِبَيَانِ أنَّهُ حَتَّى المَلَائِكَةَ المُقَرَّبُونَ حَمَلَةَ العَرْشِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُم شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى. - سِيَاقُ الآيَةِ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣ - ٢٤]. - إِنَّ مَسْأَلةَ الشَّفَاعَةِ هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي فُتنَ بِهَا المُشْرِكُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، حَيثُ

стр. 304

ظَنَّوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ شُفَعَاءُ يُقرِّبُونَهُم إِلَيهِ إِذَا تَعَلَّقُوا بِهِم، فَأَحَبُّوهُم (١)، وَنَذَرُوا لَهُم، وَدَعَوهُم، وَذَبَحُوا لَهُم، وَطَافُوا بِقُبُورِهِم، وَعَكَفُوا عِنْدَهَا، فَقَطَعَ اللهُ تَعَالَى حِبَالَهُم وَأَبْطَلَ أَمَانِيَّهُم، حَيثُ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَهَا شُرُوطٌ؛ وَأَنَّ المُشْرِكِينَ مَحْرُومُونَ مِنْهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المُدَّثِّر: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غَافِر: ١٨]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: "وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَام مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ -الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ-! وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ" (٢). - أَنْوَاعُ الشَّفَاعَةِ (مِنْ حَيثُ الإِثْبَاتِ وَالنَّفِي): ١ - شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ: وَهِيَ عَينُ مَا ظَنَّهُ المُشْرِكُونَ، وَهِيَ شَفَاعَةُ آلِهَتِهِم عِنْدَ اللهِ ابْتِدَاءً، وَشَفَاعَتُهَا فِي مَنْ شَاءَتْ. ٢ - شَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ: وَهِيَ مَا قَيَّدَهَا اللهُ تَعَالَى بِشَرْطَينِ، وَهُمَا: الإِذْنُ لِلشَّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ، وَالرِّضَى عَنِ المَشْفُوعِ.

стр. 305

وَفِي آيَةِ الكُرْسِيِّ وَمَا قَبْلَهَا بَيَانُ نَوعَيِّ الشَّفَاعَةِ -المَنْفِيَّةِ، وَالمُثْبَتَةِ-، فَالمَنْفِيَّةِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَالمُثْبَتَةِ هِيَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]. - شُرُوطُ الشَّفَاعَةِ: ١ - إِذْنُ اللهِ تَعَالَى لِلشَّافِعِ بِأَنْ يَشْفَعَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]. وكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يَس: ٢٣]. وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ قَالَ مُجَاهِدُ: "لَا يَشْفعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (١). ٢ - رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ؛ مُوَافِقًا لِشَرْعِهِ. وَالنَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].

стр. 306

- فِي عِبَارَةِ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀ بَيَانُ شَرْطَيِّ الشَّفَاعَةِ، فَالأَوَّلُ: أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تشفعُ إلّا لِمَنْ ﵁. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -وَهُوَ صَاحِبُ المَقَامِ المَحْمُودِ الَّذِي ثَبَتَتِ الشَّفَاعَةُ فِي حَقِّهِ- هُوَ نَفْسُهُ لَا يَشْفَعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ؛ فَيُقَالُ: ((يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ)). فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُدْخِلُ مَنْ شَاءَ إِلَى الجَنَّةِ! بَلِ اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَحُدُّهُمُ لَهُ، كَمَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ؛ وَفِيهِ: ((فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي؛ فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا؛ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ)) (١). - إِنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ شِرْكٌ أَكْبَرُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الحَيِّ فَهُوَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سُؤَالِ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ (٢)، كَسُؤَالِ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى، فَهُمْ أَحْيَاءٌ قَادِرُونَ عَلَى

стр. 307

الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الدُّنْيَا فَهُمُ أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: "وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المٌبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ! - بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ" (١). وَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ، وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: "التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ" (٢). - المُشْرِكونَ جَعَلُوا وَسِيلَةَ شَفَاعَتِهِم عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَينَ مَا يَحْرِمُهُم مِنْهَا، لِذَلِكَ كَانُوا مِمَّنْ قَالَ تَعَالَى فِيهِم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكَهْف: ١٠٤]، فَشِرْكُهُم فِي الدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالتَّعَلُّقِ هُوَ سَبَبُ حِرْمَانِهِم مِنَ الشَّفَاعَةِ. وَكَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ-)) (٣).

стр. 308

- السِّرُّ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بإذْنِهِ هُوَ: كَمَالُ مُلْكِهِ، وَكَمَالُ عِلْمِهِ (١). ١ - فَمَنْ كَانَ مُلْكُهُ نَاقِصًا لَزِمَتْهُ الاسْتِعَانَةُ بِغَيرِهِ كَي يَقْضِيَ حَوَائِجَهُ، لِذَا فَهُوَ لَا يَرْفُضُ طَلَبَهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ إِلَيهِ، فَهُوَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً لِمَا لَهُ مِنْ مِنَّةٍ عَلَيهِ. لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى لِكَمَالِ مُلْكِهِ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُم؛ فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدًا مِنْهُم سُبْحَانَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤] (٢). ٢ - وَمَنْ كَانَ عِلْمُهُ قَاصِرًا أَيضًا لَزِمَهُ مَنْ يُطْلِعُهُ عَلَى مَا فَاتَ عَنْهُ، كَحَالِ الوُزَرَاءِ وَالحُجَّابِ مَعَ المُلُوكِ، لِذَا فَهُوَ لَا يَرُدُّ طَلَبَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ

стр. 309

المَلَائِكَةِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]. وَتَأَمَّلْ أَحْوَالَ الشَّافِعِينَ مَعَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُم تَجِدُهَا مِنْ هَذَا القَبِيلِ. وَبِمَعْرِفَةِ مَا سَبَقَ يُفْتَحُ لَكَ بَابٌ فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ كَونِ آيَةِ الكُرسيِّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (١)، حَيثُ ذُكِرَ فِيهَا كَمَالُ مُلْكِ وَعِلْمِ اللهِ تَعَالَى مَعًا، وَذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَيضًا سَبَبٌ آخَرُ ثَالِثٌ، وَهُوَ كَمَالُ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِمَنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ كَي يُوَدِّدَ إِلَيهِ فُلَانًا مِنَ النَّاسِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ-، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى -كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ شَيخِ الإِسْلَامِ- هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ شَفَاعَةَ الشَّافِعِ سَبَبًا لِحُصُولِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى بِالمَشْفُوعِ فِيهِ. - فَائِدَةٌ: "وَالمُشْرِكُ يَقْصِدُ فِيمَا يُشْرِكُ بِهِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، أَو يَتَقَرَّبَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى اللهِ، أَو يَكُونَ قَدْ أَحَبَّهُ كَمَا يُحِبُّ اللهَ. وَالمُشْرِكُونَ بِالقُبُورِ تُوجَدُ فِيهِمُ الأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ.

стр. 310

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] الآية. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] " (١).

стр. 311

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - إِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ خَاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ جِهَةٍ، وَبِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (١). فَحَتَّى إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمْ تَنْفَعْ شَفَاعَتُهُ لِأَبِيهِ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: ((يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَومَ القِيَامَةِ -وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ-، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟! فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَومَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ مَا تَحْتَ رِجْلَيكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ)) (٢).

стр. 312

٢ - إِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ لَيسَتْ هِيَ المَقْصُودَةُ فِي عَامَّةِ النُّصُوصِ فِي كَونِ المَشْفُوعِ فِيهِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ -كَمَا سَبَقَ فِي طَلَبِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ الشَّفَاعَةَ لِأَبِيهِ-، بَلْ هِيَ فِي تَخْفِيفِ العَذَابِ عَنْهُ فَقَط، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ العَبَّاسِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا أَغْنَيتَ عَنْ عَمِّكَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)) (١).

стр. 313

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلِ الاسْتِشْفَاعُ إِلَى اللهِ بِالمَخْلُوقِ هُوَ نَفْسُهُ التَّوَسُّلُ بِالمَخْلُوقِ عِنْدَ اللهِ؟ الجَوَابُ: لَا، فَالأوَّلُ هُوَ سُؤَالٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ وَعَلَيهِ نُصُوصُ البَابِ. أَمَّا الثَّانِي؛ فَهُوَ سُؤَالٌ للهِ تَعَالَى بِطَرِيقَةٍ بِدْعِيَّةٍ، وَهُوَ مِنَ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ مِنِ الوَسَائِلِ وَالذَرَائِعِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ، وَالدُّعَاءُ بِهَيئَةٍ لَمْ تَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ يَكُونُ اعْتِدَاءً، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٥] (١). وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: يَا بُنيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((سَيَكُونُ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ))، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. إِنْ أُعْطِيتَ الجَنَّةَ؛ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الخَيرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ؛ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ (٢).

стр. 314

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، فكَيفَ صَحَّ تَشَفُّعُ الإِنْسَانِ لِأَخِيهِ إِلَى رَبَّهِ -فِي صَلَاةِ الجَنَازَةِ وَغَيرِهَا - وَهُوَ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مِنْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ؟ الجَوَابُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أذْنَ لِلمُسْلِمِ بِأَنْ يَدْعُوَ لِأَخِيهِ الحَيِّ وَالمَيِّتِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ، وَمِنْهَا الأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الحَضُّ عَلَى صَلَاةِ الجَنَازَةِ، وَغَيرُهَا كَثِيرٌ. وَلَكِنْ يُقَالُ أَيضًا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي الشَّفَاعَةِ مِنَ المُسْلِمِ لِلمُشْرِكِ بَعْدَ مَوتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوبَة: ١١٣].

стр. 315

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦] وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ؛ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمِّيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ-، فَقَالَ لَهُ: ((يَا عَمِّ؛ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ))، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخَرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)). فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التَّوبَة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القَصَص: ٥٦] (١).

стр. 316

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَولِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. الثَّالِثَةُ: وَهِيَ المَسْأَلَةُ الكَبِيرَةُ؛ تَفْسِيرُ قَولِهِ: ((قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) بِخِلَافِ مَا عَلَيهِ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَ قَالَ لِلرَّجُلِ قُلْ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإِسْلَامِ. الخَامِسَةُ: جِدُّهُ ﷺ وَمُبَالَغَتُهُ فِي إِسْلَامِ عَمِّهِ. السَّادِسَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسْلَامَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأَسْلَافِهِ. السَّابِعَةُ: كَونُهُ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ؛ بَلْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. الثَّامِنَةُ: مَضَرَّةُ أَصْحَابِ السُّوءِ عَلَى الإِنْسَانِ. التَّاسِعَةُ: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلَافِ وَالأَكَابِرِ. العَاشِرَةُ: الشُّبْهَةُ لِلْمُبْطِلِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِاسْتِدْلَالِ أَبِي جَهْلٍ بِذَلِكَ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّاهِدُ لِكَونِ الأَعْمَالِ بِالخَوَاتِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَو قَالَهَا لَنَفَعَتْهُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّأَمُّلُ فِي كِبَرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي قُلُوبِ الضَّالِّينَ؛ لِأَنَّ فِي القِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوهُ إِلَّا بِهَا -مَعَ مُبَالَغَتِهِ ﷺ وَتَكْرِيرِهِ-، فَلِأَجْلِ عَظَمَتِهَا وَوُضُوحِهَا عِنْدَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَيهَا.

стр. 317

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ تَظْهَرُ مِنْ وَجْهَين: ١ - أَنَّ الهِدَايَةَ -وَهِيَ أشْرَفُ المَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ- قَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ أَشْرَفَ الرُّسُلِ لَا يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهَا إِلَى اللهِ وَحْدَهُ (١)؛ فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالأَنْبِيَاءِ دُونَ اللهِ ، كَمَا أنَّ مَسْأَلَةَ الشَّفَاعَةِ هِيَ سَبَبُ تَعَلُّقِ المُشْرِكِينَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ خَيرَي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. ٢ - أَنَّ هَذَا البَابَ هُوَ كَالمِثَالِ لِلبَابِ المَاضِي فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنَالُ المُشْرِكَ. - قَولُهُ: ((مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)) فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفْسِهِ شَيءٌ مِنَ القَلَقِ حِيَالَ الاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ المُشْرِكِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ مَا هُنَا نَافِيَةٌ، وَمَعْنَاهَا النَّهْيُ؛ وَالمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ غَايَةَ الامْتِنَاعِ. - المُسَيِّبُ (٢) وَابْنُ أَبِي أُمَيَّة أَسْلَمَا، وَأَبُو جَهْلٍ قُتِلَ يَومَ بَدْرٍ.

стр. 318

- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ عِيَادَةِ المَرِيضِ المُشْرِكِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَتِهِ إِلَى الإِسْلَامِ. - فِي لَفْظٍ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَيَانُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ (١)، وَلَكِنْ مَنَعَهُ عَنِ الإِيمَانِ تَعَصُّبُه لِمِلَّةِ الآبَاءِ، وَخْوفُهُ مِنْ مَسَبَّةِ النَّاسِ لَهُ وَتَعْيِيرُهُ. وَاللَّفُظُ هُوَ: ((قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ))، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَولَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ! لأَقْرَرْتُ بِهَا عَينَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وَفِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاق أنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يُنْشِدُ: وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيك بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا فَاصْدَعْ بِأَمْرِك مَا عَلَيكَ غَضَاضَةٌ … وَأَبْشِرْ وَقَرّ بِذَاكَ مِنْك عُيُونًا وَدَعَوتنِي؛ وَعَرَفْتُ أَنّك نَاصِحِي … وَلَقَدْ صَدَقْتَ؛ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينًا وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ … مِنْ خَيرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَولَا المَلَامَةُ أَو حذَارُ مَسَبَّةٍ … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبَيِّنًا (٣). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هَذِهِ المَحَبَّةُ لَهَا مَحْمَلَانِ: ١ - إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَنْ يَهْدِيَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ بِتَوفِيقِهِ لِلإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ.

стр. 319

٢ - إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحبَبْتَهُ -أَي: الشَّخْصَ- لِقَرَابَتِهِ مِنْكَ، وَهِيَ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وَلَيسَتْ دِينِيَّةً (١). - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا. وَفِي (أَحْكَامِ الجَنَائِزِ) لِلْأَلْبَانِيِّ: "وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَالاسْتِغْفَارُ وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ لِقَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤]، … قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي المَجْمُوعِ: الصَّلَاةُ عَلَى الكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالمَغْفِرَةِ حَرَامٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ" (٢). وَبِنَحْوِهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عِصْمَةَ بْنِ زَامِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأَبِي هُرَيرَةَ وَلِأُمِّهِ، قُلْتُ: وَلِأَبِيهِ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَهُوَ مُشْرِكٌ" (٣). - فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ مَاتَ عَلَى الكُفْرِ، وَأَنَّ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ فِي السِّيرَةِ مِنْ قَولِهِ لِأَبْرَهَةَ -حِينَ جَاءَ لِهَدْمِ الكَعْبَةِ-: "أَنَا رَبُّ الإِبِلِ؛ وَلِلبَيتِ رَبٌّ سَيَحْمِيهِ" (٤) لَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ! فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقَط، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَوحِيدِ العِبَادَةِ (الأُلُوهِيَّةِ) قَولُ ابْنِهِ عَنْهُ: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ" أَي: غَيرِ مِلَّةِ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- فَتَنَبَّهْ.

стр. 320

- قَولُهُ: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ): الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ: (أَنَا) فَغيَّرَهُ الرَّاوِيُ اسْتِقْبَاحًا لِلَّفَظِ المَذْكُورِ، وَهُوَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الحَسَنَةِ. أَفَادَهُ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ (١). - فَائِدَة ١: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "وَأَغْرَبُ مِنْهُ وَأَشَدُّ نَكَارَةً مَا رَوَاهُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ (السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ) بِسَنَدٍ مَجْهُولٍ؛ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ قِصَّةُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أُمَّهُ فَآمَنَتْ ثُمَّ عَادَتْ. وَكَذَلِكَ (٣) مَا رَوَاهُ السُّهَيلِيُّ فِي (الرَّوضِ) بِسَنَدٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مَجْهُولُونَ: أَنَّ اللهَ أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ (٤). وَقَدْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ دِحْيَةَ (٥): [هَذَا الحَدِيثُ مَوضُوعٌ يَرُدُّهُ القُرْآنُ وَالإِجْمَاعُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النِّسَاءِ: ١٨]. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ
следующие страницы →