← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَلَمَّا احْتَاجَتِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ كَثُرَ المُسْلِمُونَ، وَامْتَدَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ بُيُوتُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ -وَمِنْهَا حُجْرَةُ عَائِشَةَ ﵂؛ مَدْفِنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ بَنَوا عَلَى القَبْرِ حِيطَانًا مُرْتَفِعَةً مُسْتَدِيرَةً حَولَهُ لِئَلَّا يَظْهَر فِي المَسْجِدِ فَيُصَلِّي إِلَيهِ العَوَامُّ وَيُؤَدِّي المَحْذُورِ، ثُمَّ بَنَوا جِدَارَينِ مِنْ رُكْنَي القَبْرِ الشَّمَالِيَّينِ، وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى التَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ: ((لَولَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا)). وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ" (١). ٢ - أَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ قَدْ أُحِيطَ بِجُدْرَانٍ عِدَّةٍ تَعْزِلُهُ عَنِ المَسْجِدِ (٢)، لِذَلِكَ لَو تَقَصَّدَ رَجُلٌ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ القَبْرِ وَيَرْتَكِبَ المَحْذُورَ؛ فَإِنَّهُ لَنْ

стр. 387

يَسْتَطِيعَ، لِأَنَّ القَبْرَ مَعْزُولٌ عَنِ المَسْجِدِ قَدْ أُغْلِقَتْ كُلُّ المَنَافِذِ إِلَيهِ، فَبِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَونِ صُورَتِهِ صُورَةَ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ (١). ٣ - وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنَ القَولِ بِأَنَّ المَسْجِدَ النَّبَويَّ، عَلَى فَرْضِ أَنَّ الآنَ صُوَرتُهُ صُورَةُ قَبْرٍ فِي مَسْجِدٍ؛ فَلَا يَنْسَحِبُ عَلَيهِ حُكْمُ النَّهْي لِمَا لَهُ مِنْ فَضِيلَةٍ عُظْمَى فِي مُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِقَاعِدَةِ (مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (٢).

стр. 388

قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الجَوَابُ البَاهِرُ فِي حُكْمِ زِيَارَةِ المَقَابِرِ): "وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ" (١).

стр. 389

- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ (١) مَعَ أنَّ فِيهِ قَبْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا (٢)! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: إِنَّنَا لَا نَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ ﷺ فِي هَذَا المَسْجِدِ؛ وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا!! لَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ: ١ - مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ: لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ فِيهِ عِيسَى بْنَ شَاذَان؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ (الثِّقَاتُ): "يُغَرِّبُ" (٣)، وَفِيهِ أَيضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ؛ قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: "ثِقَةٌ يُغَرِّبُ" (٤). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ تَحَرَّفَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ: (قَبْرُ) بَدَلَ (صَلَّى) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الثَّانِيَ هُوَ المَشْهُورُ فِي الحَدِيثِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الكَبِيرِ) (٥) بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((صَلَّى فِي مَسْجِدِ الخَيفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا))، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي

стр. 390

الأَوسَطِ (١)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ٢ - مِنْ جِهَةِ المَعْنَى: لَيسَ فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ القُبُورَ ظَاهِرْةٌ فِي المَسْجِدِ، وَقَدْ عَقَدَ الأَزْرَقِيُّ (٢) فِي (تَارِيخِ مَكَّةَ) عِدَّةَ فُصُولٍ فِي مَسْجِدِ الخَيفِ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فِيهِ قُبُورًا بَارِزَةً! ٣ - مِنَ جِهَةٍ ظَاهِرِ الحَالِ: فمن المَعْلُومِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا تُبْنَى أَحْكَامُهَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي المَسْجِدِ المَذْكُورِ قُبُورٌ ظَاهِرَةٌ فَلَا مَحْظُورَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ البَتَّةَ، لِأَنَّ القُبُورَ مُنْدَرِسَةٌ وَلَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، بَلْ لَولَا هَذَا الخَبَرُ -الَّذِي عَرَفْتَ ضَعْفَهُ- لَمْ يَخْطرْ فِي بَالِ أَحَدٍ أَنَّ فِي أَرْضِهِ سَبْعِينَ قَبْرًا، وَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ فِيهِ تِلْكَ المَفْسَدَةُ الَّتِي تَقَعُ عَادَةً فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ الظَّاهِرَةِ وَالمُشْرِفَةِ (٣).

стр. 391

- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ أَبِي جَنْدَلٍ مَسْجِدًا عَلَى قَبْرِ أَبِي بَصِيرٍ ﵄ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ-! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: ١ - إِنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ لَهُ إِسْنَادٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَيسَ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وَإنَّمَا أَورَدَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَصِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) مُرْسَلًا فَقَالَ: "وَلَهُ قِصَّةٌ فِي المَغَازِي عَجِيبَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ؛ وَفِيهَا: فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَل مَكَانَهُ، وَصَلَّى عَلَيهِ، وَبَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا" (١). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الكِتَابِ: "وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ (بَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) مُعْضَلَةٌ مُنْكَرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ". ٢ - لَيسَ فِي القِصَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقرَّهُ! فَلَا حُجَّةَ فِيهَا. ٣ - أَنَّهُ لَو فَرَضْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ -كَمَا سَبَقَ-، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ النَّصُّ المُتَأَخِّرُ مِنْ أَجْلِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ -عَلَى فَرَضِ صِحَّتِهِ- (٢).

стр. 392

- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: زَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ المَنْعَ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ؛ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ خَشْيَةِ الافْتِتَانِ بِالمَقْبُورِ، وَقَدْ زَالَتِ العِلَّةُ اليَومَ بِرُسُوخِ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ فَزَالَ المَنْعُ! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: ١ - إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إِنَّمَا دَفَنُوهُ ﷺ فِي بَيتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا؛ فَغَيرُهُمْ أَولَى مِنْهُم -أَي: مِنْ جِهَةِ الافْتِتَانِ-، وَأَيضًا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُم أَمَرُوا بِذَلِكَ وَعَمِلُوا بِهِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا)) (١). وَفِي الأَثَرِ (قَالَ المَعْرُورُ بْنُ سُوَيدٍ الأَسَدِيُّ: خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَينَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمْ يَأْتُونَهُ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا: يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم فَيَتَّخِذُونَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا! مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ

стр. 393

لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا) (١). ٢ - دَلَّتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ سَيَقَعُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ -وَهُوَ وَاقِعٌ الآنَ-، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينِ هُوَ أَهَمُّ أَسْبَابِهَا، وَعَلَيهِ فَلَمْ تُؤْمَنْ فِتْنَةُ الشِّرْكِ بَعْدُ. وَانْظُرْ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الشِّرْكَ وَاقعٌ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ: - ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ، وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ)) (٢) (٣). - ((لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: ((إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (٤). - ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ منْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ

стр. 394

قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأوثانَ)) (١). - ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) (٣). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: "وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ وَقَدْ يَقُولُ بِالمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ -وَهُوَ هُنَا مُتَّجِهٌ قَوِيٌّ-" (٤). قَالَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الفَتْحِ: "بَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ، لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ بِالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ، ولَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ بِنَاءَ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الشِّرْكِ بِالمَقْبُورِينَ فِيهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ". قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ: ((أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) (٥)! بَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.

стр. 395

- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَسْجِدَ بَنِي أُمَيَّةَ (المَسْجِدَ الأُمَوِيَّ) مُنْذَ دَخَلَ إِلَيهِ الصَّحَابَةُ وَغَيرُهُم لَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ قَبْرِ يَحْيَى ﵇! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ المَسْجِدَ الأُمَويَّ إِنَّمَا أَنْشَأَهُ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ ﵀، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْبَدٍ رُومَانِيٍّ أَو كَنِيسَةٍ؛ وَاسْتَغَلَّ بِنَاءَهُ وَهَيئَتَهُ لِيَكُونُ مَسْجِدًا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ صَلَّى فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ (١) أَنَّهُ رَأَى قَبْرًا فِيهِ أَو ذَكَرَ شَيئًا مِنْ شَأْنِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَصْلًا. ٢ - دَعْوَى أَنَّ فِيهَا قَبْرَ يَحْيَى ﵇! إِنَّمَا هُوَ مَحْضُ اخْتِلَاقٍ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ: أ- عَدَمُ وُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُم أَثْنَاءَ العَمَلِيَّاتِ فِيهِ -عَمَلِيَّاتِ الإِصْلَاحِ لِجَعْلِهِ مَسْجِدًا- وَجَدُوا فِيهِ مَغَارَةً فِيهَا صُنْدُوقٌ فِيهِ رَأْسٌ وَكُتِبَ عَلَى الصُّنْدُوقِ: هَذَا رَأْسُ يَحْيَى، فَأَمَرَ الوَلِيدُ بِإِبْقَائِهِ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ العَمُودَ الَّذِي فَوقَهُ مُغَيَّرًا مِنَ الأَعْمِدَةِ، فَلَمْ يُبْنَ عَلَيهِ قَبْرٌ! بَلْ أَبْقَاهُ فِي مَغَارَتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَهَذَا الأَثَرُ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا أَيضًا، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ (٢)، وَفِي الإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الغَسَّانِيُّ، وَهُوَ كَذَّابٌ (٣). ب- أَنَّ جُمْهُورَ المُؤَرِّخِينَ ذَكَرُوا أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى ﵇ هُوَ فِي مَسْجِدٍ فِي حَلَبَ، وَلَيسَ فِي المَسْجِدِ الأُمَوِيِّ (٤)!

стр. 396

وَبَعْدَ هَذَا البَيَانِ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ؛ العِبْرَةُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَيسَ بِالحَقِيقَةِ، فَوُجُودُ بِنَاءٍ أَو مَقَامٍ أَو قُبَّةٍ عَلَى قَبْرٍ هُوَ كَافٍ فِي النَّهْي خَشْيَةَ الافْتِتَانِ وَلَو لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَقْبُورٌ أَصْلًا، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ عِلَّةِ النَّهْي فِي الحَالَتَينِ، وَلِأَنَّ تَمْيِيزَ حَقِيقَةِ المَقْبُورِ فِي القَبْرِ لَيسَ بِمُسْتَطَاعٍ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّةً بَعْدَ مُرُورِ أَزْمِنَةٍ مِنْ وُجُودِ القَبْرِ فِي المَسْجِدِ (١).

стр. 397

- الفَصْلُ الخَامِسُ: فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ: اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ ﵎ -وَقَدْ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ- أَنْ يَنْهَى عَنْ كُلِّ الوَسَائِلِ الَّتِي يُخْشَى أَنْ تَكُونَ ذَرِيعَةً -وَلَو بَعْدَ حِينٍ- لِوقُوعِ النَّاسِ فِي الشِّركِ؛ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الكَبَائِرِ، فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ كَمَا نَهَى عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيهَا وَاتِّخَاذِهَا أَعْيَادًا.

стр. 398

- الفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ: اعْلَمْ أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ هُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ العُلَمَاءِ، وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُطْلَانِهَا. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الحَنَابِلَةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ. وَالحُكْمُ هُوَ عَلَى دَرَجَاتٍ: ١ - مَنْ تَقَصَّدَ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَالصَّلَاةُ مُحَرَّمَةٌ، بَلْ وَبَاطِلَةٌ (١). ٢ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ؛ فَيُقَالُ: إِنَّ الصَّلَاةَ مَنْهيٌّ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ البُطْلَانُ (٢). ٣ - مَنْ لَمْ يَتَقَصَّدِ المَسْجِدَ لِأَجْلِ القَبْرِ، وَإنَّمَا صَلَّى اتِّفَاقًا -أَي صَادَفَ القَبْرَ-؛ فَهَذَا إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُدْرِكَ الجَمَاعَةَ فِي غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ كَانَ هَذَا هُوَ الوَاجِبَ فِي حَقِّهِ، وَإلَّا صَلَّى فِيهِ لِإِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ الوَاجِبَةِ فِي حَقِّهِ (٣).

стр. 399

- فَائِدَةٌ: لَا يُصَلَّى فِي المَقْبَرَةِ إِلَّا الجَنَازَةُ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وَقَدْ قَالَ نَافِعٌ -مَولَى ابْنِ عُمَرَ-: صَلَّينَا عَلَى عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ البَقِيعِ، وَالإِمَامُ يَومَئِذٍ أَبُو هُرَيرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ" (١). قُلْتُ: وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْي عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ قَولُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَيضًا: "لَا يُصَلَّى فِي مَسْجِدٍ بَينَ المَقَابِرِ إِلَّا الجَنَائِزُ، لِأَنَّ الجَنَائِزَ هَذِهِ سُنَّتُهَا" يُشِيرُ إِلَى فِعْلِ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: "وَرُوِّينَا أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ كَانَ يُصَلِّي فِي المَقْبَرَةِ؛ غَيرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِقَبْرٍ" (٢). قُلْتُ: فَتُصَلَّى الجَنَازةُ فِي المُصَلَّى الخَاصِّ بِهَا عِنْدَ المَقْبَرَةِ، وَلَيسَ بَينَ القُبُورِ! وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَنَائِزِ بَينَ القُبُورِ)) (٣). وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَرْأَةِ السَّودَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ (٤)

стр. 400

فَجَائِزَةٌ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ بَينَ الحَالَتِينِ هُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الجَنَازَةِ بَينَ القُبُورِ هُوَ قَبْلَ دَفْنِ المَيِّتِ، أَمَّا صُورَةُ الحَالَةِ الثَّانيةِ عِنْدَ القَبْرِ فَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيهَا (١)، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الأَدِلَّةُ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (٢).

стр. 401

- الفَصْلُ السَّابِعُ: فِي أَنَّ الحُكْمَ السَّابِقَ يَشْمَلُ جَمِيعَ المَسَاجِدِ إِلَّا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ بِأَلْفٍ مِمَّا سِوَاهُ، وَأَيضًا لِوُجُودِ الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : ((مَا بَينَ بَيتِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضَائِلِ، وَلَو قِيلَ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْوِيَتُهُ مَعَ غَيرِهِ مِنَ المَسَاجِدِ وَرَفْعُ هَذِهِ الفَضَائِلِ عَنْهُ! وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالصَّلَاةُ فِي المَسَاجِدِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَكَانَتْ حُرْمَتُهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَ دُخُولِ الحُجْرَةِ فِيهِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَالعِبَادَةُ فِيهِ إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ إدْخَالِ الحُجْرَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّهَا إنَّمَا أُدْخِلَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي إمَارَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ" (٢).

стр. 402

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الغُلُوُّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَوَى مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ؛ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَىَ قَومٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) (١). وَلِابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ؛ عَنْ مَنْصُورٍ؛ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النَّجْم: ١٩] قَالَ: كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ؛ فَمَاتَ فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ (٢). وَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ) (٣). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ وَالمُتّخِذِينَ عَلَيهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ). رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ (٤).

стр. 403

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ الأَوثَانِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ العِبَادَةِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا مِمَّا يَخَافُ وُقُوعَهُ. الرَّابِعَةُ: قَرْنُهُ بِهَذَا اتِّخَاذَ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ. الخَامِسَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ الغَضَبِ مِنَ اللهِ. السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا؛ مَعْرِفَةُ صِفَةِ عِبَادَةِ اللَّاتِ -الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الأَوثَانِ-. السَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ. الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ اسْمُ صَاحِبِ القَبْرِ، وَذِكْرُ مَعْنَى التَّسْمِيَةِ. التَّاسِعَةُ: لَعْنُهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ. العَاشِرَةُ: لَعْنُهُ مَنْ أَسْرَجَهَا.

стр. 404

الشِّرْحُ - قَولُهُ: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ)): ((يُعْبَدُ)) صِفَةٌ لِلوَثَنِ، وَهِيَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، أَي: إَنَّ القُبُورَ تَصِيرُ أَوثَانًا إِذَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى (١). - قَولُهُ: (لِابْنِ جَرِيرٍ): هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيُّ (٢)، صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ وَالأَحْكَامِ وَغَيرِهَا. قَالَ ابْنُ خُزَيمَةَ ﵀: "لَا أَعْلَمُ عَلَى الأَرْضِ أَعْلَمَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ" (٣)، وَكَانَ مِنَ المُجْتَهِدِينَ لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا، (ت ٣١٠ هـ). وَمِمَّا تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّهُ غَيرُ (مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرِ بْنِ رُسْتُمٍ؛ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ) فَهَذَا الأَخِيرُ رَافِضِيٌ (٤).

стр. 405

- قَولُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ الثَّوَرِيُّ (١)؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ عَابِدٌ، كَانَ مُجْتَهِدًا؛ وَلَهُ أَتْبَاعٌ يَتَفَقَّهُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ، (ت ١٦١ هـ)، مِنْ طَبَقَةِ كِبَارِ الأَتْبَاعِ الَّذِينَ لَمْ يَلْقَوا الصَّحَابَةَ (٢). - قَولُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ): هُوَ ابْنُ المُعْتَمِرِ؛ أَبُو عَتَّابٍ السُّلَمِيُّ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ، (ت ١٣٢ هـ)، مِنَ الطَّبَقةِ الصُغْرَى مِنَ التَّابِعِينَ (٣). - قَولُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ): هُوَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ؛ أَبُو الحَجَّاجِ المَخْزُومِيُّ المَكِّيُّ، ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ، أَخَذَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، (ت ١٠٤ هـ)، مِنَ الطَّبَقَةِ الوسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ (٤). - قَولُهُ: (أَبُو الجُوزَاءِ): هُوَ أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّبَعِيُّ، (ت ٨٣ هـ)، مِنَ الطَّبَقةِ الوسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ (٥). - السَّوِيقُ: هُوَ الحَبُّ (مِنْ قَمْحٍ أَو شَعِيرٍ) يُحْمَصُ عَلَى النَّارِ، ثُمَّ يُطْحَنُ، ثُمَّ يُوضَعُ مَعَهُ سَمْنٌ أَو زَيتٌ وَيُخْلَطُ وَيُؤْكَلُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ غَيرُ ذَلِكَ. - (اللَّاتُ): بِالتَّخْفِيفِ، وَأَيضًا بِالتَّشْدِيدِ. فَعَلَى الأَوَّلِ: اللَّاتُ: اشْتِقَاقٌ مِنَ اللهِ،

стр. 406

وَهُوَ تَأْنِيثٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ-. وَعَلَى الثَّانِي: اللَّاتُّ: مِنَ اللَّتِّ، حَيثُ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلحَاجِّ (١). - اللَّاتُ (٢): كَانَتْ صَخْرَةً بَيضَاءَ مَنْقُوشَةً، عَلَيهَا بَيتٌ وَأَسْتَارٌ (٣) وَسَدَنَةٌ وَحَولَهُ فِنَاءٌ مُعظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَبِعَهَا، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَهَدَمَهَا وَحَرَّقَها بِالنَّارِ. وَالعُزَّى (٤): كَانَتْ شَجَرَةً عَلَيهَا بِنَاءٌ وَأَسْتَارٌ بِنَخْلَة -مَكَانٌ بَينَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ- كَانَتْ قُرَيشٌ يُعَظِّمُونَها، وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَيهَا فَهَدَمَهَا. وَأَمَّا مَنَاةُ (٥): فَصَنَمٌ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ وَالأَوسُ وَالخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَهَا وَيُهِلُّونَ مِنْهَا لِلحَجِّ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَهَدَمَهَا عَامَ الفَتْحِ (٦).

стр. 407

وَسُمِّيَتْ بِـ (مَنَاةَ) لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى (يُرَاقُ) عَلَيهَا مِنَ الدِّمَاءِ. - حُكْمُ زِيَارَةِ القُبُورِ: هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ -بِحَسْبِ القَصْدِ وَالفِعْلِ-: ١ - سُنَّةٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِلاتِّعَاظِ وَالدُّعَاءِ لِلمَوتَى. ٢ - بِدْعَةٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا. ٣ - شِرْكٌ: وَهِيَ الزِّيَارَةُ لِدُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالاسْتِنْجَادِ بِهِم وَالاسْتِغَاثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. - قَولُهُ: ((وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ)) عَطْفُ إِسْرَاجِ القُبُورِ عَلَى البِنَاءِ عَلَيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ غُلُوٌّ فِي المَقْبُورِ يُؤَدِّي لِلافْتِتَانِ بِهِ. - إِيقَادُ السُّرُجِ عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَوجُهٍ: ١ - وَسِيلَةٌ لِلافْتِتَانِ بِالمَقْبُورِ؛ فَهُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ. ٢ - بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَا يَعْرِفُهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ. ٣ - إِضَاعَةٌ لِلمَالِ. ٤ - تَشَبُّهٌ بِالمَجُوسِ عُبَّادِ النَّارِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرُ (١/ ٢٧٣): "صَرَّحُ أَصْحَابُنَا بِحُرْمَةِ السِّرَاجِ عَلَى القَبْرِ -وَإِنْ قَلَّ- حَيثُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مُقِيمٌ وَلَا زَائِرٌ، وَعَلَّلُوهُ بِالإِسْرَافِ وَإِضَاعَةِ المَالِ وَالتَّشَبُّهِ بِالمَجُوسِ، فَلَا يَبْعُدُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً" (١).

стр. 408

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي الَحِديثِ -وَكَذَا فِي القُرْآنِ-: (غَضِبَ اللهُ): الغَضَبُ للهِ تَعَالَى هَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى؟ أَمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ (التَّعْطِيلِ): غَضَبُ اللهِ هُوَ الانْتِقَامُ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَبَعْضُهُم يَقُولُ: إِرَادَةُ الانْتِقَامِ مِمَّنْ عَصَاهُ! وَالحُجَّةُ عِنْدَهُم أَنَّ إِثْبَاتَ الغَضَبِ للهِ هُوَ تَشْبِيهٌ لِلخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ! وَوَصْفٌ لَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ! الجَوَابُ: إِنَّ صِفَةَ الغَضَبِ صِفَةٌ حَقِيقيَّةٌ ثَابِتَةٌ للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ مِنْ جِهَتَينِ: الجِهَةِ الأُولَى: إِنَّ غَضَبَ اللهِ تَعَالَى لَا يُمَاثِلُ غَضَبَ المَخْلُوقِينَ؛ لَا فِي الحَقِيقَةِ وَلَا فِي الأَثَرِ: ١ - فَمِنْ حَيثُ الحَقِيقَةِ: غَضَبُ المَخْلُوقِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ طَلَبًا لِلانْتِقَامِ، وَهُوَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيطَانُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ حَتَّى يَفُورَ، أَمَّا غَضَبُ الخَالِقِ؛ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَا تُمَاثِلُ هَذَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]. ٢ - مِنْ حَيثُ الأَثَرِ: غَضَبُ الآدَمِيِّ قَدْ يُؤَثِّرُ آثَارًا غَيرَ مَحْمُودَةٍ، فَقَدْ يَقْتُلُ المَغْضُوبَ عَلَيهِ، وَرُبَّمَا يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، أَو يِكْسِرُ الإِنَاءَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ لَهُ أَدْنَى ارْتِبَاطٍ بِمَوضُوعِ الغَضَبِ نَفْسِهِ! وَأَمَّا غَضَبُ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ إِلَّا آثَارٌ حَمِيدَةٌ؛ فَاللهُ تَعَالَى عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وَتَأَمَّلِ الاقْتِرَانَ بَينَ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كَالعَزِيزِ وَالحَكِيمِ؛ حَيثُ يَتَبَيَّنُ لَكَ

стр. 409

أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُخْرِجُهُ عِزَّتُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَتِهِ؛ بِخِلَافِ العَزِيزِ مِنَ البَشَرِ (١). الجِهَةِ الثَّانِيةِ: يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ تَأْوِيلِ صِفَةِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ (٢) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٥]، فَإِنَّ مَعْنَى ﴿آسَفُونَا﴾ أَغْضَبُونَا (٣)، فَجَعَلَ الانْتِقَامَ غَيرَ الغَضَبِ؛ بَلْ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الغَضَبِ بِالانْتِقَامِ. قُلْتُ: وَأَيضًا؛ فَالغَضَبُ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى القُدْرَةِ؛ فَلَيسَتْ مَذْمُومَةً مُطْلَقًا! قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَالمُؤْلِمُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الغَضَبَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الحُزْنَ، وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الوَجْهُ عِنْدَ الغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ القُدْرَةِ، وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الحُزْنِ لِغَورِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ العَجْزِ" (٤).

стр. 410

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلمَقَابِرِ؟ الجَوَابُ: فِيهَا خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَدْ ذَهَبَ الأَكْثَرُ إِلَى الجَوَازِ مَعَ الكَرَاهَةِ (١) (٢) -وَهُوَ الأَرْجَحُ- وَتَدُلُّ لَهُ أُمُورٌ، مِنْهَا (٣): ١ - عُمُومُ قَولِهِ ﷺ : ((إِنِّي كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ؛ فَزُورُوهَا (٤) فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الآخِرَةَ)) (٥) (٦).

стр. 411

٢ - مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ فِي العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ زِيَارَةُ القُبُورِ: ((فَإِنَّهَا تُرِقُّ القَلْبَ، وَتُدْمِعُ العَينَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ)) (١). ٣ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ: أ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ (أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَومٍ مِنَ المَقَابِرِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؛ مِنْ أَينَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ نَهَى؛ ثُمَّ أَمَرَنَا بِزِيَارَتِهَا). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ) (٢) (٣). ب- فِي قِصَّةِ إِتْيَانِ النَّبِيِّ ﷺ البَقِيعَ لَيلًا لِيَسْتَغْفِر لِأَهْلِهِ، حَيثُ قَالَتْ عَائِشَةُ

стр. 412

﵂: قُلْتُ: كَيفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) (٢).

стр. 413

٤ - إِقْرَارُهُ ﷺ لِذَلِكَ. كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: ((اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي)). قَالَتْ: إِلَيكَ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١) (٢).

стр. 414

بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ المُصْطَفَى جَنَابَ التَّوحِيدِ وَسَّدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الشِّرْكِ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩]. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (١). وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: ((لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَينَ كُنْتُمْ)). رَوَاهُ فِي المُخْتَارَةِ (٢).

стр. 415

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءَة). الثَّانِيَةُ: إِبْعَادُهُ أُمَّتَهُ عَنْ هَذَا الحِمَى غَايَةَ البُعْدِ. الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ حِرْصِهِ عَلَينَا وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ؛ مَعَ أَنَّ زِيَارَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ. الخَامِسَةُ: نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ. السَّادِسَةُ: حَثُّهُ عَلَى النَّافِلَةِ فِي البَيتِ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مُتَقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي المَقْبَرَةِ. الثَّامِنَةُ: تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ وَسَلَامَهُ عَلَيهِ يَبْلُغُهُ وَإِنْ بَعُدَ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ أَرَادَ القُرْبَ. التَّاسِعَةُ: كَونُهُ ﷺ فِي البَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ.

стр. 416

الشَّرْحُ - قَولُهُ: (المُصْطَفَى): أَصْلُهَا المُصْتَفَى، مِنَ الصَّفْوَةِ: وَهُوَ خِيَارُ الشَّيءِ، وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ، وَهُوَ ﷺ خِيرَةُ الأَنْبِيَاءِ. - قَولُهُ: (جَنَابَ): أَي: جَوَانِبَ التَّوحِيدِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ مَا: مَصْدَرِيَّةٌ، أَي: عَزِيزٌ عَلَيهِ عَنَتُكُم، أَي: مَشَقَّتُكُم. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ﴾ جَمَعَ فِيهِ بَينَ دَفْعِ المَكْرُوبِ وَحُصُولِ المَحْبُوبِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، وَهُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ يُفِيدُ الحَصْرَ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ وَجْهُ الأَمْرِ بِالاحْتِسَابِ عِنْدَ التَّوَلِّي هُوَ أَنَّ التَّوليَ عَنْهُ ﷺ يُشْعِرُ بِالضَّعْفِ لِقِلَّةِ المَتْبُوعِينَ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الإِرْشَادُ إِلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَجَعْلِهِ حَسِيبَهُ وَكَافِيَهُ. - قَولُ: (حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلِ): تُقَالُ فِي الشَّدَائِدِ، فَهِيَ لِلاسْتِعَانَةِ (١)، كَقَولِهِ

стр. 417

تَعَالَى فِي يَومِ أُحُدٍ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فَكَانَتِ العَاقِبَةُ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٣ - ١٧٤]، وَقَولِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ حِينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ (١). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جَمَعَ فِيهَا تَوحِيدَيِّ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فِيهِ تَقْدِيمُ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الحَصْرِ. - التَّوكُّلُ عَلَى اللهِ: هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَيهِ فِي جَلْبِ المَنَافِعِ وَدَفْعِ المَضَارِّ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ، وَفِعْلِ الأَسْبَابِ النَّافِعَةِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ العَظِيمُ صِفَةٌ لِلعَرْشِ، وَعَظَمَتُهُ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهِ سُبْحَانَهُ، وَهِيَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٥] عَلَى قِرَاءَةِ الكَسْرِ (٢)، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ (العَظِيمِ) يُوصَفُ بِهَا المَخْلُوقُ، وَمِثْلُهُ (الرَّحِيمُ) وَ (الرَّؤُوفُ) وَ (الحَكِيمُ)، وَلَكِنَّ عَظَمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَرَأْفَتَهُ وَحِكْمَتَهُ سُبْحَانَهُ لَيسَتْ كَعَظَمَةِ وَرَحْمَةِ وَرَأْفَةِ وَحِكْمَةِ غَيرِهِ. - قَولُهُ: ((لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا)) العِيدُ يَكُونُ عِيدًا مَكَانِيًّا أَو زَمَنِيًّا، وَهُنَا هُوَ عِيدٌ

стр. 418

مَكَانِيٌ (١)، فَيَكُونُ النَّهْيُ هُوَ عَنْ كَثْرَةِ العَودِ إِلَيهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الغُلوِّ. - قَدْ عَمِلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الإِرْشَادِ النَّبَوِيِّ فَلَم يَكُونُوا يَعْتَادُونَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ كُلَّمَا دَخَلُوا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَإِنَّمَا فَقَطْ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ؛ فَيَكُونُ اتِّخَاذُهُ عِيدًا هُوَ مِنْ بَابِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَيُصَلُّونَ، فَإِذَا قَضَوا الصَّلَاةَ قَعَدُوا أَو خَرَجُوا، وَلَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ القَبْرَ لِلسَّلَامِ لِعِلْمِهِم أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَأكْمَلُ. قَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى): "وَقَالَ مَالِكٌ فِي المَبْسُوطِ: وَلَيسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ -مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ- الوُقُوفَ بِالقَبْرِ! وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ. وَقَالَ فِيهِ أَيضًا: لَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّيَ عَلَيهِ وَيَدْعُوَ لَهُ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَقْدِمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ؛ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي اليَومِ مَرَّةً أَو أَكْثَرَ! وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الجُمُعَةِ أَو فِي الأَيَّامِ المَرَّةَ وَالمَرَّتَينِ أَو أَكْثَرَ عِنْدَ القَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً! فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ بِبَلَدِنَا، وَتَرْكُهُ وَاسِعٌ، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ إِلَّا

стр. 419

لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَو أَرَادَهُ" (١). وَزَادَ الأَمْرَ بَيَانًا فِعْلُ آلِ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا فِي الأَثَرِ هُنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵀ (٢)، حَيثُ اسْتَدَلَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَنْعِ. وَأَيضًا فِي الأَثَرِ عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي سُهَيلٍ؛ قَالَ: رَآنِي الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ القَبْرِ فَنَادَانِي -وَهُوَ فِي بَيتِ فَاطِمَةَ يَتَعَشَّى-، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى العَشَاءِ، فَقُلْتُ: لَا أُرِيدُهُ، فَقَالَ: مَا لِي رَأَيتُكَ عِنْدَ القَبْر؟! فَقُلْتُ: سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ المَسْجِد فَسَلِّمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيثُمَا كُنْتُمْ، لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، مَا أَنْتُمْ وَمَنْ بِالأَنْدَلُسِ إِلَّا سَوَاءٌ)) (٣). - قَولُهُ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا)) هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: ١ - أَي: لَا تَدْفِنُوا فِيهَا؛ فَتَكُونَ مَقْبَرَةً (٤).

стр. 420

٢ - أَي: لَا تُعَطِّلُوهَا عَنِ العِبَادَةِ؛ فَتَجْعَلُوهَا كَالمَقَابِرِ لَا يُصَلَّى فِيهَا! لِأَنَّ المَقْبَرَةَ لَا يُصَلَّى فِيهَا، لِذَلِكَ قَالَ: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم)) (١). ٣ - أَي: لَا تَجْعَلُوهَا كَالمَقَابِرِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِيهَا، لِأَنَّ المَقْبَرَةَ لَا يُقْرَأُ فِيهَا القُرْآنُ. وَفِي الحَدِيثِ ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ)) (٢). - قَولُهُ: ((وَصَلُّوا عَلَيَّ)) أَي: قُولُوا: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ"، وَصَلَاةُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ: هِيَ ثَنَاؤُهُ عَلَيهِم عِنْدَ المَلَائِكَةِ (٣). وَأَمَّا صَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ: فَهِيَ الاسْتِغْفَارُ (٤) وَالتَّبْرِيكُ.

стр. 421

قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: "قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يُبَرِّكُونَ" (١). وَأَمَّا صَلَاةُ المُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضِهِم فَهِيَ الدُّعَاءُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا (٢). - قَولُهُ: ((وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنَّ تَسْلِيمَكُمْ)) هَذَا يُسَمَّى الطَيَّ والنَّشْرَ، أَي: صَلُّوا عَلَيَّ وسَلِّمُوا؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُم وَتَسْلِيمَكُم تَبْلُغُنِي. وَالمُرَادُ: صَلُّوا عَلَيَّ فِي أَيِّ مَكَانٍ كُنْتُم فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ تَأْتُوا إِلَى القَبْرِ وَتُسَلِّمُوا عَلَيَّ وَتُصَلُّوا عَلَيَّ عِنْدَهُ. - إِنَّ الدَّفْنَ فِي البُيُوتِ مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَمِنْ مَضَارِّهِ: ١ - ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ. لِأَنَّ البَيتَ تُقَامُ فِيهِ بَعْضُ الصَّلَاةِ؛ فيُخْشَى مِنَ الغُلوِّ فِيهِ واتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا، عَدَا عَنْ كَونِ تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدَّفْنِ يُعْطِيهِ مَزِيَّةً عَنْ غَيرِهِ مِنَ القُبُورِ؛ فَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الفِتْنَةُ، وَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُور، فَكَيفَ بِمَنْ أقَامَ عِنْدَهَا؟! ٢ - حِرمَانُ الميِّتِ مِنْ دَعَوَاتِ المُسْلِمِينَ. وَهُوَ دُعَاءُ الزَّائِرِ لِلْمَقْبَرَةِ، وَلَاسِيَّمَا مَعْ كَثْرَةِ مَنْ يَزُورُ المَقَابِرَ مُقَارَنَةً مَعَ مَنْ يَزُورُ ذَلِكَ البَيتَ.

стр. 422

٣ - يُضَيِّقُ عَلَى الوَرَثَةِ مَسْكَنَهُم، وَيَمْنَعُ مِيرَاثَهُم مِنَ البَيتِ لِحُرْمَةِ المَدْفُونِ فِيهِ مِنْ نَبْشِ قَبْرِهِ أَوِ امْتِهَانِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَغْلَبِ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ بِهِ. ٤ - لَا يُذَكِّرُ الآخِرَةَ، لِأَنَّ أَهْلَ البَيتِ اعْتَادُوا ذَلِكَ. - التَّرَدُّدُ عَلَى القَبْرِ مَمْنُوعٌ نَصًّا وَمَفْهُومًا. فَالنَّصُّ هُوَ فِي قَولِهِ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا))، وَالمَفْهُومُ هُوَ فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ))، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى السَّلَامِ عَلَيهِ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ طَالَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِدُونِهِ (١). - كِتَابُ (المُخْتَارَةُ): هُوَ كِتَابٌ جَمَعَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ الأَحَادِيثَ الجِيَادَ الزَّائِدَةَ عَلَى الصَّحِيحَين، وَصَاحِبُهُ: هُوَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيُّ؛

стр. 423

ضِيَاءُ الدِّينِ الحَنْبَلِيُّ، (ت ٦٤٣ هـ) (١). - قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ): "تُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: ((لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا)) لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الإِكْثَارُ! لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ وَيَكُونُ قَدِ اتَّخَذَهُ عِيدًا! فَإِنَّ فِيهِ نَوعًا مِنَ الإِكْثَارِ" (٢). - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ: "كَونُهُ ﷺ فِي البَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ": أَي: فَقَطْ عَرْضُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: ((إِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَينَ كُنْتُمْ)). وَفِي الحَدِيثِ: ((إنَّ مِنْ أفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَومَ الجُمعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ))، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيكَ وَقَدْ أَرِمْتَ -يَقُولُونَ: بَلِيتَ-؟ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)) (٣).

стр. 424

- فَائِدَةٌ: فِي حَدِيثِ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ؛ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)) (١): دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلَ أَنْ يَجْعَلَ المَرْءُ صَلَاتَهُ فِي بيتِهِ لِجَمِيعِ النَّوَافِلِ، وَلِقَولِهِ ﷺ : ((أَفْضَلَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ)) (٢) (٣). وَهَذَا الحُكْمُ عَامٌّ حَتَّى فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ، وَتَكُونُ المُضَاعَفَةُ إِذًا بِالنِّسْبَةِ لِلفَرَائِضِ -أَوِ النَّوَافِلِ الَّتِي تُسَنُّ لَهَا الجَمَاعَةُ-، وَتَكُونُ الفَضِيلَةُ بِاعْتِبَارِ المَسَاجدِ مَعَ بَعْضِهَا.

стр. 425

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ حَولَ مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ أَوِ القِبْلَةِ فِي الدُّعَاءِ؟ فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ البَاجِيُّ ﵀ (١) فِي كِتَابِهِ (المُنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّإِ) (٢): "مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ القَبْرِ؛ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي المَبْسُوطِ: (لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي)، وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ -فِي غَيرِ المَبْسُوطِ- أَنَّهُ يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ القَبْرِ؛ وَلَا يَدْعُو وَهُوَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَظَهْرَهُ إِلَى القَبْرِ"! الجَوَابُ: إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الأَخِيرَةَ -مِمَّا لَهَجَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ- وَهِيَ أَنَّ الخَلِيفَةَ المَنْصُورَ العَبَّاسِيَّ سَأَلَ مَالِكًا عَنِ اسْتِقْبَالِ الحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الدُّعَاءِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: "هُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ"! هِيَ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ مَكْذُوبَةٌ عَلَى مَالِكٍ؛ مُخَالِفَةٌ لِلثَّابِتِ المَنْقُولِ عَنْهُ بِأَسَانِيدِ الثِّقَاتِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَرَاوِيهَا عَنْ مَالِكٍ
следующие страницы →