← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: "قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يُبَرِّكُونَ" (١). وَأَمَّا صَلَاةُ المُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضِهِم فَهِيَ الدُّعَاءُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا (٢). - قَولُهُ: ((وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنَّ تَسْلِيمَكُمْ)) هَذَا يُسَمَّى الطَيَّ والنَّشْرَ، أَي: صَلُّوا عَلَيَّ وسَلِّمُوا؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُم وَتَسْلِيمَكُم تَبْلُغُنِي. وَالمُرَادُ: صَلُّوا عَلَيَّ فِي أَيِّ مَكَانٍ كُنْتُم فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ تَأْتُوا إِلَى القَبْرِ وَتُسَلِّمُوا عَلَيَّ وَتُصَلُّوا عَلَيَّ عِنْدَهُ. - إِنَّ الدَّفْنَ فِي البُيُوتِ مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَمِنْ مَضَارِّهِ: ١ - ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ. لِأَنَّ البَيتَ تُقَامُ فِيهِ بَعْضُ الصَّلَاةِ؛ فيُخْشَى مِنَ الغُلوِّ فِيهِ واتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا، عَدَا عَنْ كَونِ تَخْصِيصِهِ بِهَذَا الدَّفْنِ يُعْطِيهِ مَزِيَّةً عَنْ غَيرِهِ مِنَ القُبُورِ؛ فَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الفِتْنَةُ، وَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُور، فَكَيفَ بِمَنْ أقَامَ عِنْدَهَا؟! ٢ - حِرمَانُ الميِّتِ مِنْ دَعَوَاتِ المُسْلِمِينَ. وَهُوَ دُعَاءُ الزَّائِرِ لِلْمَقْبَرَةِ، وَلَاسِيَّمَا مَعْ كَثْرَةِ مَنْ يَزُورُ المَقَابِرَ مُقَارَنَةً مَعَ مَنْ يَزُورُ ذَلِكَ البَيتَ.

стр. 422

٣ - يُضَيِّقُ عَلَى الوَرَثَةِ مَسْكَنَهُم، وَيَمْنَعُ مِيرَاثَهُم مِنَ البَيتِ لِحُرْمَةِ المَدْفُونِ فِيهِ مِنْ نَبْشِ قَبْرِهِ أَوِ امْتِهَانِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَغْلَبِ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ بِهِ. ٤ - لَا يُذَكِّرُ الآخِرَةَ، لِأَنَّ أَهْلَ البَيتِ اعْتَادُوا ذَلِكَ. - التَّرَدُّدُ عَلَى القَبْرِ مَمْنُوعٌ نَصًّا وَمَفْهُومًا. فَالنَّصُّ هُوَ فِي قَولِهِ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا))، وَالمَفْهُومُ هُوَ فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ))، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى السَّلَامِ عَلَيهِ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ طَالَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِدُونِهِ (١). - كِتَابُ (المُخْتَارَةُ): هُوَ كِتَابٌ جَمَعَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ الأَحَادِيثَ الجِيَادَ الزَّائِدَةَ عَلَى الصَّحِيحَين، وَصَاحِبُهُ: هُوَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيُّ؛

стр. 423

ضِيَاءُ الدِّينِ الحَنْبَلِيُّ، (ت ٦٤٣ هـ) (١). - قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ المُصَنِّفِ ﵀: (نَهْيُهُ عَنِ الإِكْثَارِ مِنَ الزِّيَارَةِ): "تُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: ((لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا)) لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الإِكْثَارُ! لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ وَيَكُونُ قَدِ اتَّخَذَهُ عِيدًا! فَإِنَّ فِيهِ نَوعًا مِنَ الإِكْثَارِ" (٢). - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ: "كَونُهُ ﷺ فِي البَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ": أَي: فَقَطْ عَرْضُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: ((إِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَينَ كُنْتُمْ)). وَفِي الحَدِيثِ: ((إنَّ مِنْ أفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَومَ الجُمعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ))، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيكَ وَقَدْ أَرِمْتَ -يَقُولُونَ: بَلِيتَ-؟ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ)) (٣).

стр. 424

- فَائِدَةٌ: فِي حَدِيثِ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ؛ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)) (١): دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلَ أَنْ يَجْعَلَ المَرْءُ صَلَاتَهُ فِي بيتِهِ لِجَمِيعِ النَّوَافِلِ، وَلِقَولِهِ ﷺ : ((أَفْضَلَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ)) (٢) (٣). وَهَذَا الحُكْمُ عَامٌّ حَتَّى فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ، وَتَكُونُ المُضَاعَفَةُ إِذًا بِالنِّسْبَةِ لِلفَرَائِضِ -أَوِ النَّوَافِلِ الَّتِي تُسَنُّ لَهَا الجَمَاعَةُ-، وَتَكُونُ الفَضِيلَةُ بِاعْتِبَارِ المَسَاجدِ مَعَ بَعْضِهَا.

стр. 425

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا الجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ حَولَ مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ أَوِ القِبْلَةِ فِي الدُّعَاءِ؟ فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ البَاجِيُّ ﵀ (١) فِي كِتَابِهِ (المُنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّإِ) (٢): "مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ القَبْرِ؛ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي المَبْسُوطِ: (لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي)، وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ -فِي غَيرِ المَبْسُوطِ- أَنَّهُ يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ القَبْرِ؛ وَلَا يَدْعُو وَهُوَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَظَهْرَهُ إِلَى القَبْرِ"! الجَوَابُ: إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الأَخِيرَةَ -مِمَّا لَهَجَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ- وَهِيَ أَنَّ الخَلِيفَةَ المَنْصُورَ العَبَّاسِيَّ سَأَلَ مَالِكًا عَنِ اسْتِقْبَالِ الحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الدُّعَاءِ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: "هُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ"! هِيَ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ مَكْذُوبَةٌ عَلَى مَالِكٍ؛ مُخَالِفَةٌ لِلثَّابِتِ المَنْقُولِ عَنْهُ بِأَسَانِيدِ الثِّقَاتِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ، وَرَاوِيهَا عَنْ مَالِكٍ

стр. 426

﵀ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيدٍ؛ وَقَدْ كَذَّبَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ (١)، عَدَا عَنِ الانْقِطَاعِ فِي السَّنَدِ؛ فَإِنَّه لَمْ يُدْرِكْ أَبَا جَعْفَرٍ المنْصُورَ أَصْلًا (٢) (٣).

стр. 427

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَولِهِ ﷺ : ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا)) مُعَارَضَةٌ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دُفِنَ فِي بَيتِهِ! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ: ١ - إِنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ: أ- مِنْ جِهَةِ الحَدِيثِ: ((مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي المَوضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ)) (١). ب- مِنْ جِهَةِ خَشْيَةِ الافْتِتَانِ بِقَبْرِهِ ﷺ ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَولَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ)) (٢). ٢ - أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ جِدَارًا فِي بَيتِهَا يَفْصِلُ بَينَهَا وَبَينَ القَبْرِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ القَبْرُ عَنِ البَيتِ وَصَارَ ذَلِكَ الشَّطْرُ مِنْهُ مَدْفَنًا، وَلِذَلِكَ أَمْكَنَ دَفْنُ صَاحِبَيهِ مَعَهُ أَيضًا فِيمَا بَعْدُ ﵄، فَلَيسَ فِيهِ إِذًا ارْتِكَابُ مَحْظُورٍ، وَالحَمْدُ للهِ. كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابٍنِ سَعْدٍ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: "قُسِمَ بَيتُ عَائِشَةَ بِاثْنَينِ: قِسْمٍ كَانَ فِيهِ القَبْرُ، وَقِسْمٍ تَكُونُ فِيهِ عَائِشَةُ، وَبَينَهُمَا حَائِطٌ" (٣).

стр. 428

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّ المَنْهِيَّ فِي الحَدِيثِ هُوَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي القَبْرِ نَفْسِهِ؛ وَلَيسَ فِي المَقْبَرَةِ (١)! فَمَا الجَوَابُ؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - إِنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ عَلَى المَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ نَفْسِهَا، مِنْهَا: ((الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الحَمَّامَ وَالمَقْبُرَةَ)) (٢). ٢ - إِنَّ الحَدِيثَ نَفْسَهُ وَرَدَ بِلَفْظِ: ((المَقَابِرِ)) كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ بِلَفْظِ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ)) (٣). ٣ - جَعْلُ عِلَّةِ الحَدِيثِ أَنَّ المَيِّتَ لَا يُصَلِي! مَرْدُودٌ مِنْ جِهَتَينِ: أ- أَنَّ الصَّلَاةَ فِي القَبْرِ غَيرُ مَعْهُودَةٍ أَبَدًا، بَلْ وَلَيسَتْ بِمُسْتَطَاعَةٍ أَصْلًا، فَكَيفَ يُؤْتَى بِالنَّهْي عَنْهَا! فَهُوَ مِنَ النَّهْي عَنِ المُحَالِ. ب- قَدْ ثَبَتَ بِأَحَادِيثَ أَنَّ المَوُتَى يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِم. مِنْهَا: ((الأَنْبِيَاءُ أَحْياءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ)) (٤).

стр. 429

وَمِنْهَا حَدِيثُ صَلَاةِ مُوسَى ﷺ فِي قَبْرِهِ عِنْدَمَا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سُؤَالِ المَلَكَينِ لِلمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ: ((فيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَانَ قَبْلَكُم؛ مَا تَقُولُ فِيهِ؟ وَمَاذَا تَشْهَدُ عَلَيهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ)) الحَدِيثُ (٢).

стр. 430

بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ٥١]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المَائِدَة: ٦٠]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكَهْف: ٢١]. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لَو دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟)). أَخْرَجَاهُ (١). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوبَانَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ؛ فَرَأَيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَين الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ؛ فَيَسْتَبِيحَ بَيضَتَهُمْ. وَإِنّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحُ بَيضَتَهُمْ -وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيهِمْ مَنْ

стр. 431

بِأَقْطَارِهَا- حَتَّىَ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)) (١). وَرَوَاهُ البَرْقَانِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ: ((وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيهِمُ السَّيفُ؛ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؛ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ﵎) (٢).

стр. 432

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ المَائِدَةِ. الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الكَهْفِ. الرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَهَمُّهَا؛ مَا مَعْنَى الإِيمَانِ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي هَذَا المَوضِعِ؛ هَلْ هُوَ اعْتِقَادُ قَلْبٍ؟ أَو هُوَ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا. الخَامِسَةُ: قَولُهُمْ: إِنَّ الكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُفْرَهُمْ؛ أَهْدَى سَبِيلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ! السَّادِسَةُ: وَهِيَ المَقْصُودَةُ بِالتَّرْجَمَةِ؛ أَنَّ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. السَّابِعَةُ: تَصْرِيحُهُ بِوُقُوعِهَا -أَعْنِي عِبَادَةَ الأَوثَانِ- فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِي جُمُوعٍ كَثِيرَةٍ. الثَّامِنَةُ: العَجَبُ العُجَابُ؛ خُرُوجُ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، مِثْلُ المُخْتَارِ -مَعَ تَكَلُّمِهِ بِالشَّهَادَتَينِ وَتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَأَنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، وَفِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ- وَمَعَ هَذَا يُصَدَّقُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَعَ التَّضَادِّ الوَاضِحِ! وَقَدْ خَرَجَ المُخْتَارُ فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَتَبِعَهُ فِئَامٌ كَثِيرَةٌ. التَّاسِعَةُ: البِشَارَةُ بِأَنَّ الحَقَّ لَا يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ كَمَا زَالَ فِيمَا مَضَى، بَلْ لَا تَزَالُ عَلَيهِ طَائِفَةٌ. العَاشِرَةُ: الآيَةُ العُظْمَى؛ أَنَّهُمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.

стр. 433

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ؛ مِنْهَا إِخْبَارُهُ بِأَنَّ اللهَ زَوَى لَهُ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ، وَأَخْبَرَ بِمَعْنَى ذَلِكَ، فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، بِخِلَافِ الجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ أُعْطِيَ الكَنْزَينِ، وَإِخْبَارُهُ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ لِأُمَّتِهِ فِي الِاثْنَتَينِ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ مُنِعَ الثَّالِثَةِ، وَإِخْبَارُهُ بِوُقُوعِ السَّيفِ، وَأَنَّهُ لَا يُرْفَعُ إِذْا وَقَعَ، وَإِخْبَارُهُ بِإِهْلَاكِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَسَبْيِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَخَوفُهُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ، وَإِخْبَارُهُ بِظُهُورِ المُتَنَبِّئِينَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَإِخْبَارُهُ بِبَقَاءِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ، وَكُلُّ هَذَا وَقْعِ كَمَا أَخْبَرَ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ أَبْعَدِ مَا يَكُونُ فِي العُقُولِ! الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: حَصْرُ الخَوفِ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى عِبَادَةِ الأَوثَانِ.

стр. 434

الشَّرْحُ - الأَوثَانُ: جَمْعُ وَثَنٍ. قِيلَ: سُمِّيَ وَثَنًا لِانْتِصَابِهِ وَثَبَاتِهِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ وَثَنَ بِالمَكَانِ أَي: أقَامَ بِهِ؛ فَهُوَ وَاثِنٌ (١). - قَولُ المُصَنِّفِ: "بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ" وَلَيسَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الطَّائفَةِ المْنَصُورَةِ فِيهَا الَّتِي تَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى الحَقِّ، فَفِيهِ بُشْرَى بِأَنَّ الحَقَّ لَا يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ، وَفِيهِ أَيضًا حُجِّيَّةُ الإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى شَيءٍ دَخَلَتْ فِيهَا الطَّائفةُ المَنْصُورَةُ. - سَبَبُ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ هُوَ كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀: "وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدٍ المُقْرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرو، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبٍ وَكَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَهْلُ الكِتَابِ وَأَهْلُ العِلْمِ؛ فَأَخْبِرُونَا عَنَّا وَعَنْ مُحَمَّدٍ. فَقَالُوا: مَا أَنْتُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ نَصِلُ الأَرْحَامَ، وَنَنْحَرُ الكَومَاءَ (٢)، وَنَسْقِي المَاءَ عَلَى اللَّبَنِ، وَنَفُكُّ العَانِي، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَمُحَمَّد صُنْبُورٌ (٣)، قَطَعَ أَرْحَامَنَا! وَاتَّبَعَهُ سُرَّاقُ الحَجِيجَ مِنْ غِفَارٍ، فَنَحْنُ خَيرٌ أَمْ هُوَ؟ فَقَالُوا: أَنْتُمْ خَيرٌ وَأَهْدَى سَبِيلًا. فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ الآيَة. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَير وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ" (٤). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فِيهَا قِرَاءَاتٌ؛ أَشْهَرُهَا: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)،

стр. 435

فَـ (عَبَدَ) فِعْلٌ مَاضٍ، وَ (الطَّاغُوتَ): مِفْعُولٌ بِهِ. وَالقِرَاءَةُ الأُخْرَى (وعَبُدَ الطَّاغُوتِ) بِفَتْحِ عَينِ (عَبُدَ) وَضَمِّ بَائِهَا وَخَفْضِ (الطَّاغُوتِ) بِإِضَافَةِ (عَبُدَ) إِلَيهِ. وَعَنَوا بِذَلِكَ: وَخَدَمَ الطَّاغوتِ (١). - فِي الآيَةِ فَائِدَةُ أَنَّ العِلمَ وَحْدَهُ لَيسَ بِعَاصِمٍ مِنَ المَعْصِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُؤْمِنَ مَنْ أُوتِيَ نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ، لِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ (أَكْثَرُ دُعائِهِ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (٢). - وَجْهُ المُنَاسَبَةِ مِنَ الآيَاتِ مَعَ البَابِ لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِالحَدِيثِ؛ وَهُوَ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم))، فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ! وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ يَرْكَبُ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؛ لَزِمَ مِنْ هَذَا أنَّ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ سَيُؤْمِنُ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُوَافِقَةً لِلتَّرجَمَةِ بِذَلِكَ. - قَولُهُ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجِبْتُ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ لَا خَيرَ فِيهِ، وَالطَّاغُوتُ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يَدْعُو إِلَى البَاطِلِ (٣). - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ هَذَا مِنِ اسْتِعْمَالِ أَفَعَلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ لَهُ مُشَارَكَةٌ (٤).

стр. 436

- فِي الآيَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَائِدَةُ أنَّ الإِنْسَانَ يَرِثُ آبَاءَهُ وَأَجْدَادَهُ إِذَا كَانَ عَلَى نَهْجِهِم وَعَلَى طَرِيقِهِم؛ فَيُخَاطَبُ خِطَابَهُم، حَيثُ أَنَّ مَنْ جُعِلُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ قَدْ هَلَكُوا، وَهَؤُلْاءِ عَلَى دِينِهِم وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ نَسْلِهِم أَصْلًا؛ وَمَعْ ذَلِكَ خُوطِبُوا نِيَابَةً عَنْهُم لِكَونِهِم عَلَى نَهْجِهِم وَمُقِرُّونَ بِصِحَّةِ مَا كَانُوا عَلَيهِ. - قَولُهُ: ((لَتَتَّبِعُنَّ)) خَبْرٌ بِمَعْنَى النَّهْي، أَي: لَا تَتَشَبَّهُوا بِهِم وَلَا تُقَلِّدُوهُم، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) (١). وَ "القُذَذُ: رِيشُ السَّهْمِ، وَاحِدَتُهَا: قُذَّةٌ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: ((لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قبلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ))، أَي: كَمَا تُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ صَاحِبَتِهَا وَتُقْطَعُ؛ يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيئَينِ يَسْتَوِيَانِ وَلَا يَتَفَاوَتَانِ" (٢). وَهَذَا الاتِّبَاعُ المُرَادُ بِهِ تَقْلِيدُ الأُمَمِ المَاضِيَةِ كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي عَادَاتِهِم مِمَّا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ؛ كَمَا فِي الحَدِيثِ هُنَا، وَالحَدِيثُ يَشْمَلُ أَيضًا فَارِسَ وَالرُّومَ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣). - فِي لَفْظٍ لِلْحَدِيثِ: ((لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُم دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ دَخَلْتُم، وَحَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُم ضَاجَعَ

стр. 437

أُمَّهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُم)) (١). - قَولُهُ: ((زَوَى لِيَ الأَرْضَ)) أَي جَمَعَ لِيَ الأَرْضَ وَضَمَّهَا لِي. - قَولُهُ: ((فَرَأَيتُ)) أَي: بِعَينِي؛ فَتَكُونُ تَقْوِيَةَ بَصَرٍ لَهُ ﷺ حَتَّى أَمْكَنَهُ رُؤْيَةُ مَا بَعُد مِنَ الأَرْضِ، وَقَدْ تَكُونُ مَنَامًا. - قَولُهُ: ((أُعْطِيتُ)) هُوَ بَعْدَ مَوتِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ؛ كَانَ ذَلِكَ لَهُ. - قَولُهُ: ((الكَنْزَينِ)) أَي: مالُ الرُّومِ الَّذِي غَالِبُهُ الذَّهَبُ، وَمَالُ الفُرْسِ الَّذِي غَالِبُهُ الفِضَّةُ وَالجَوهَرُ. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: ((إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيصَرُ فَلَا قَيصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ)) (٢) (٣). - قَولُهُ: ((بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ)) السَّنَةُ: القَحْطُ وَالجَدْبُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٠]: أَي الجَدْبِ المُتَوَالِي. أَو بِسَنَةٍ: أَي: عَامٍ زَمَنِيٍّ، وَالمَعْنَى هَلَاكُهُم كُلُّهُم فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. - قَولُهُ تَعَالَى: ((قَضَيتُ قَضَاءً))، القَضَاءُ نَوعَانِ: أ- شَرْعِيٌّ.

стр. 438

كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأَحْزَاب: ٣٦]. ب- كَونِيٌّ. كَالحَدِيثِ هُنَا، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَة: ١١٧]. وَكِلَاهُمَا حَقٌّ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غَافِر: ٢٠]. وَأمَّا التَّفْرِيقُ بَينَهُمَا؛ فَيَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ: أ- الكَونِيُّ: وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُحِبُّهُ. ب- الشَّرْعِيُّ: قَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. - قَولُهُ: ((وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ)) هَذِهِ الإِجَابَةُ بِعَدَمِ التَّسْلِيطِ قُيِّدَتْ بِقَولِهِ: ((حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُم يُهْلِكُ بَعْضًا ويَسْبِي بَعْضُهُم بَعْضًا))، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُم؛ فَقَدْ يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيهِم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِم؛ فَيَسْتَبِيحَ بَيضَتَهُم. فَفِيهِ الإِرْشَادُ إِلَى أَنَّ تَفَرُّقَ الأُمَّةِ وَتَنَاحُرَهَا فِيمَا بَينَهَا هُوَ سَبَبٌ لِتَسَلُّطِ العَدُوِّ عَلَيهَا، وَأَنَّ اجْتِمَاعَهَا وَتَوَحُّدَهَا عَلَى الحَقِّ سَبَبٌ لِمَنْعِ الكُفَّارِ مِنَ الاسْتِيلَاءِ عَلَى شَيءٍ مِنْ بِلَادِهَا. - قَولُهُ: ((بَيضَتَهُمْ)) أَي: حَوزَتَهُم وَسَاحَتَهُم، وَالمَعْنَى: لَا يَسْتَبِيحَ بِلَادَهُم وجَمَاعَتَهُم. - قَولُهُ: ((الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ)) فِيهِ أَنَّ الضَّلَالَ كَالحَقِّ -فِيهِ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَيهِ-، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ آلِ فِرْعَونَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا

стр. 439

يُنْصَرُونَ﴾ [القَصَص: ٤١]، وَهَذَا يَشْمَلُ الحُكَّامَ الفَاسِدِينَ والعُلَمَاءَ المُضِلِّينَ. وَفِي الأَثَرِ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيرٍ؛ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: (هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ العَالِمِ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ بِالكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ المُضِلِّينَ) (١). - قَولُهُ: ((فِئَامٌ)): الفِئَامُ: الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ (٢). - قَولُهُ: ((وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ)) الحَيُّ: المُرَادُ بِهِ: القَبِيلَةُ، وَمَعْنَى ((يَلْحَقَ)) يَتَّبِعَ، وَذَلِكَ إِمَّا بِأَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِلَادِهِم وَيَسْكُنُوا مَعَهُم وَيَكُونوا مِنْ دَولَتِهِم، وَإِمَّا بِأَنْ يَبْقُوا فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ؛ وَلَكِنَّهُم عَلَى مَنْهَجِ الكُفَّارِ، وَيَرْتَدُّونَ عَنِ الإِسْلَامِ. - قَدْ دَلَّتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ سَيَقَعُ فِي الأُمَّةِ -وَهُوَ وَاقِعٌ الآنَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا- مِنْهَا: أ- ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ، وَذُو الخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣) (٤).

стр. 440

ب- ((لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: ((إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا (١). ج- ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ منْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأوثانَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ثَوبَان مَرْفُوعًا (٢). د- ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) (٤). هـ- قَولُهُ: ((طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي)) (٥): قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "أَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَالَ البُخَارِيُّ (٦): هُمْ أَهْلُ العِلْمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا

стр. 441

أَهْلَ الحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُم (١)! قَالَ القَاضِي عِيَاضُ: إنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَدِيثِ. قُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: وَيَحْتَمِلُ أَنْ هَذِهِ الطَّائفةَ مُفَرَّقَةٌ بَينَ أَنْوَاعِ المُؤْمِنِينَ، مِنْهُم شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ، وَمِنْهُم فُقَهَاءُ، وَمِنْهُم مُحَدِّثُونَ، وَمِنْهُم زُهَّادٌ وَآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَنَاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وَمِنْهُم أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الخَيرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقينَ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ" (٢). - قَولُهُ: ((لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ)) خَذَلَهُم؛ أَي: لَمْ يَنْصُرْهُم وَيُوَافِقْهُم عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَيُوجَدُ مَنْ يَخْذُلُهُم، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّهُم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩]. - قَولُهُ: ((حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)) أَي الكَونِيُّ، وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، عِنْدَمَا يَأْتِي أَمْرُهُ بِأَنْ تَقْبِضَ الرِّيحُ الطَّيّبَةُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ فَلَا يَبْقَى إِلَّا شِرَارُ الخَلْقِ، وَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ (٣). - قَولُهُ: ((سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ)) وَهُم مَنْ كَانَ لَهُ شَأْنٌ وَشَوكَةٌ وَقُوَّةٌ وَاتَّبَعَهُم أُنَاسٌ كَثِيرٌ، وَإلَّا فَالكَذَّابُونَ المُدَّعُونَ لِلنُّبُوَّةِ كَثِيرونَ.

стр. 442

- قَولُهُ: ((تَبَارَكَ)) الصَّوَابُ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِاللهِ ، وَأَمَّا العَبْدُ فَهُوَ مُبَارَكٌ (١). - المُخْتَارُ هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيدٍ الثَّقَفيُّ، خَرَجَ وَغَلَبَ عَلَى الكُوفَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيرِ ﵁، وَأَظْهَرَ مَحَبَّةَ آلِ البَيتِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الثَّأْرِ مِنْ قَتَلَةِ الحُسَينِ، فَتَتَبَّعَهُم وَقَتَلَ كَثِيرًا مِمَّنْ بَاشَرَ ذَلِكَ أَو أَعَانَ عَلَيهِ، فَانْخَدَعَتْ بِهِ العَامَّةُ، ثُمَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِيهِ! - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: "مَا مَعْنَى الإِيمَانِ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي هَذَا المَوضِعِ؛ هَلْ هُوَ اعْتِقَادُ قَلْبٍ؟ أَو هُوَ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا". قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ -تَعْلِيقًا-: "أمَّا إِيمَانُ القَلْبِ وَاعْتِقَادُهُ؛ فَهَذَا لَا شَكَّ فِي دُخُولِهِ فِي الآيَةِ، وَأَمَّا مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهَا فِي العَمَلِ مَعَ بُغْضِهَا وَمَعْرِفَةِ بُطْلَانِهَا؛ فَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ، فَإِنْ كَانَ وَافَقَ أَصْحَابَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَهَذَا كُفْرٌ. وَإِنْ كَانَ وَافَقَ أَصْحَابَهَا وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ، لَكِنَّهُ لَا شَكَّ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ يُخْشَى أَنْ يُؤَدِّي بِهِ الحَالُ إِلَى الكُفْرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ" (٢) (٣). قُلْتُ: وَعِنْدِي وَجْهٌ آخَرُ فِي تَوجِيهِ كَلَامِ المُصَنِّفِ ﵀ وَتَصْحِيحِهِ؛ وَذَلِكَ بِكَونِ المُوَافَقَةِ ظَاهِرًا تَكُونُ كُفْرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي القَلْبِ اطْمِئْنَانٌ بِالتَّوحِيدِ أَصْلًا

стр. 443

وَانْقِيَادٌ لَهُ -كَحَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالعِلْمَانِيِّينَ وَأَشْبَاهِهِم- (١) (٢). - فَائِدَةٌ: جَرَى فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَثِيرٌ مِنِ اتِّبَاعِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِهَا، وَمِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: بِنَاءُ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ.

стр. 444

عِبَادَةُ القُبُورِ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نُوح: ٢٣]. نَفْيُ الصِّفَاتِ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرَّعْد: ٣٠]. أَكْلُ الرِّبَا؛ مَعَ آكِلِي السُّحْتِ. إِقَامَةُ الحُدُودِ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَتَرْكُ الشُّرَفَاءِ. تَحْرِيفُهُم (اسْتَوَى) إِلَى (اسْتَولَى)؛ مَعَ ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النِّسَاء: ٤٦]. التَّعَصُّبُ لِلمَشَايِخِ عَلَى حِسَابِ الحَقِّ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التَّوبَة: ٣١]. قَولُهُم عَنِ المُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُم رَجْعِيُّونَ؛ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٣٢].

стр. 445

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: احْتَجَّ الزَّاهِدُونَ فِي تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ اليَومَ بِالحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبدَهُ المُصَلُّونَ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَينَهُمْ)) (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - إِنَّ هَذَا اليَأْسَ هُوَ بِحَسْبِ ظَنِّ الشَّيطَانِ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ لَا يَعْلمُ الغَيبَ! وَلَيسَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَيَّسَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطَانِ لِكَثْرَةِ مَا رَأَى مِنِ انْتِشَارِ الإِسْلَامِ (٣). ٢ - إِنَّ الحَدِيثَ ذَكَرَ وَصْفَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُم -المُصَلُّونَ- وَهُوَ وَصْفٌ أَخَصُّ مِنْ عُمُومِ المُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لِلعَهْدِ. وَالعَهْدُ هُنَا هُوَ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ:

стр. 446

أ- أَنَّهُم الصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَقْصُودٍ عِنْدَ ذِكْرِ الحَدِيثِ، وَعَلَيهِ فَمَا يُؤْمَنُ عَلَيهِم مِنَ الفِتْنَةِ لَا يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِم مِمَّنْ بَعُدَ عَهْدُهُ عَنِ الوَحْي وَالرِّسَالَةِ وَأُصُولِ الإِسْلَامِ. ب- أَنَّهُم المُصَلُّونَ الصَّلَاةَ التَّامَّةَ؛ العَالِمُونَ بِحَقِيقَتِهَا وَمَعَانِيهَا، فَهُمُ المُوَحِّدُونَ حَقِيقَةً، وَانْظُرِ اسْتِثْنَاءَ اللهِ تَعَالَى لَهُم بِقَولِهِ: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ مِنْ سِيَاقِ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعَارِج: ١٩ - ٢١] (١). ٣ - أَنَّهُ يَئِسَ مِنْ جِهَةِ إِطْبَاقِ أَهْلِ الأَرْضِ عَلَى الشِّرْكِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى المُسْلِمِينَ بِوُجُودِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ البَاقِيَةِ عَلَى الحَقِّ (٢). ٤ - بَقِيَ أَنْ يُقَالَ -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظَهْرِ الزَّاهِدِينَ فِي تَعَلُّمِ التَّوحِيدِ- بِأَنَّ الحَدِيثَ إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا! فَنَقُولُ: إِنَّهُ يَئِسَ مِنْ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ فَقَط؛ فَهُوَ دَلِيلُ قُوَّةِ الإِسْلَامِ هُنَاكَ وَانْتِشَارِهِ فِيهِ وَرُسُوخِ قَدَمِ عُلَمَائِهِ، بِخِلَافِ غَيرِهَا مِنَ البُلْدَانِ (٣).

стр. 447

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُشْكِلُ قَولُهُ ﷺ : ((عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً)) مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الحَقِّ قُتِلُوا بِيَدِ أَعْدَائِهِم! فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟ الجَوَابُ: إِنَّ نَصْرَهَا هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - أَنَّهُ بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي قَولِهِ ﷺ : ((ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ))، فَعُلُوُّهُم هُوَ بِالحَقِّ الَّذِي مَعَهُم. ٢ - أَنَّهُ فِي الآخِرَةِ بِالحُكْمِ لَهُم وَلِأَتْبَاعِهِم بِالثَّوَابِ، وَلِمَنْ حَاربَهُم بِشِدَّةِ العِقَابِ (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "قَدْ أَورَدَ أَبُو جَعْفَرٍ؛ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غَافِر: ٥١] سُؤَالًا، فَقَالَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَتَلَهُ قَومُه بِالكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا وَشَعْيَا (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَينِ أَظْهُرِهِمْ؛ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى؛ فَأَينَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَينِ:

стр. 448

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا وَالمُرَادُ بِهِ البَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارَ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ؛ وَسَوَاءً كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَو فِي غَيبَتِهِمْ أَو بَعْدَ مَوتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا، وَشَعْيَا سُلِّطَ عَلَيهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ" (١).

стр. 449

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلِ المُرَادُ بِالقِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هَذِهِ المَوجُودَةُ؟ الجَوَابُ: لَا، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ القِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ)) (١).

стр. 450

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)) يُشْكِلُ مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ نُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِتَشْرِيعٍ جَدِيدٍ؛ كَوَضْعِ الجِزْيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ (١)! فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟ الجَوَابُ: إِنَّ نُبُوَّتَهُ سَابِقَةٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي عَامِلًا بِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلَيسَ بِالإِنْجِيلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: ((كَيفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟))، فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ (٢): إِنَّ الْأَوزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: ((وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ))! قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ (٣). وَأَمَّا كَونُهُ يَضَعُ الجِزْيَةَ (٤) وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الإِسْلَامَ؛ فَلَيسَ تَشْرِيعًا جَدِيدًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ تَشْرِيعٌ مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ لِأَنَّه أَخْبَرَ بِهِ مُقَرِّرًا لَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَتْبَاعُهُ حِينَهَا بِالنَّصَارَى.

стр. 451

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الطَّائِفَةَ المَنْصُورَةَ هُمْ أَهْلُ الحَدِيثِ، فمَا مَدَى صِحَّةِ هَذَا القَولِ؟ الجَوَابُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَهْلُ الحَدِيثِ المُصْطَلَحِ عَلَيهِ -الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي الأَسَانِيدِ وَالرِّجَالِ وَالمُتُونِ- وَأُخْرِجَ مِنْهُمُ الفُقَهَاءُ وَعُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَيسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ التَّفْسِيرِ وَالفُقَهَاءَ الَّذِينَ يَتَحَرَّونَ البِنَاءَ عَلَى الدَّلِيلِ هُمْ فِي الحَقِيقَةِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى العَامِّ؛ فَلَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الحَدِيثِ صِنَاعَةً، لِأَنَّ العُلُومَ الشَّرْعيَّةَ هِيَ تَفْسِيرٌ، وَحَدِيثٌ، وَفِقْهٌ … إِلَخ. فَالمَقْصُودُ إِذًا كُلُّ مَنْ تَحَاكَمَ إِلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى العَامِّ، فَيَشْمَلُ الفُقَهَاءَ الَّذِينَ يَتَحَرَّونَ العَمَلَ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ اصْطِلَاحًا. قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الحَدِيثِ: المُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَو كِتَابَتِهِ أَو رِوَايَتِهِ! بَلْ نَعْنِي بِهِمْ: كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَاتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ القُرْآنِ، وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ: مَحَبَّةُ القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، وَالبَحْثُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا، وَالعَمَلُ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجِبِهِمَا" (١).

стр. 452

بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النِّسَاء: ٥١]. قَالَ عُمَرُ: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطَّاغُوتُ: الشَّيطَانُ (١). وَقَالَ جَابِرٌ: الطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ؛ فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ (٢). وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ)) (٣). وَعَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: ((حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوقُوفٌ (٤).

стр. 453

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ؛ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: أَنِ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ (١). وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ ﵂: أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا؛ فَقُتِلَتْ (٢). وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ (٣). قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٤)

стр. 454

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ. الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ. الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَالفَرَقُ بَينَهُمَا. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الجِنِّ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الإِنْسِ. الخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ السَّبْعِ المُوبِقَاتِ المَخْصُوصَاتِ بِالنَّهْيِ. السَّادِسَةُ: أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ. الثَّامِنَةُ: وُجُودُ هَذَا فِي المُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ؛ فَكَيفَ بَعْدَهُ؟!

стр. 455

الشَّرْحُ - السِّحْرُ لُغَةً: كُلُّ مَا لَطُفَ مَأْخَذُه وَدَقَّ (١). وَشَرْعًا: "عَزَائِمُ (٢) وَرُقَى وَعُقَدُ تُؤَثِّرُ فِي الأَبْدَانِ وَالقُلُوبِ، فَيُمْرِضُ وَيَقْتُلُ وَيُفَرِّقُ بَينَ المَرْءِ وَزَوجِهِ، وَيَأخُذُ أَحَدَ الزَّوجَينِ عَنْ صَاحِبِهِ" (٣). وَفِي هَذَا البَابِ لَنْ نَتَعَرَّضَ لِلمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ وَإِنَّمَا لِلشَّرْعِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ. - مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ السِّحْرِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ. - السِّحْرُ لَا خَيرَ فِيهِ بَلْ كُلُّهُ فَسَادٌ، وَتَأَمَّلْ كَونَ عُمَرَ سَمَّى الجِبْتَ سِحْرًا، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَونَ: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُس: ٨١]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أَي: أَخَذَ السِّحْرَ وَبَذَلَ تَوحِيدَهُ عِوَضًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيضًا تَمَامُ الآيَاتِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] حَيثُ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الإِيمَانَ آخِرًا فِي مُقَابِلِ الشِّرَاءِ أَوَّلًا.

стр. 456

- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قَالَ عُمَرُ: (الجِبْتُ: السِّحْرُ) هَذَا فِي ذَمِّ أَهْلِ الكِتَابِ، لِأَنَّ السِّحْرَ يَكْثُرُ فِي اليَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾، وَجَعْلُهُ إِيمَانًا هُوَ دَلِيلُ كُفْرِ مَنْ تَعَاطَاهُ. - تَفْسِيرُ عُمَرَ الجِبْتَ بِالسِّحْرِ؛ وَالطَّاغُوتَ بِالشَّيطَانِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفْسِيرِ بِالمِثَالِ، وَكَذَا تَفْسِيرُ جَابِرٍ ﵃. - قَولُهُ: ((المُوبِقَات)) أَي المُهْلِكَات، وَالهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا بِالعِقَابِ وَالحَدِّ، وَفِي الآخِرَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِالعَذَابِ. - قَولُهُ: ((وَأَكْلُ الرِّبَا)) خَصُّهُ بِالأَكْلِ؛ لَيسَ حَصْرًا لِوَجْهِ النَّهْي، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الغَالِبِ، لِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ هُوَ الأَكْلُ، وَكَذَا أَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ. - الرِّبَا (١): الزِّيَادَةُ، وَحُكْمُهُ شَرْعًا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. - أَنْوَاعُ الرِّبَا: ١ - رِبَا النَّسِيئَةِ: وَهُوَ الزِّيَادَةُ المَشْرُوطَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الدَّائِنُ مِنَ المَدِينِ نَظِيرَ التَّأْجِيلِ (٢).

стр. 457

٢ - رِبَا الفَضْلِ: وَهُوَ بَيعُ النُّقُودِ بِالنُّقُودِ، أَوِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا الأَوَّلِ. وَرِبَا الفَضْلِ لَا يَجْرِي إِلَّا فِي الأَصْنَافِ السِّتَّةِ المَنْصُوصِ عَلَيهَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) (٢). فَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِجِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَو تَمْرٍ بِتَمْرٍ حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الجُودَةِ والرَّدَاءَةِ- وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقَابُضِ فِي المَجْلِسِ. وَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِغَيرِ جِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، أَو بُرٍّ بِشَعِيرٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: ((وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ الذَّهَبِ بِالفِضَّةِ -وَالفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بِالشَّعِيرِ -وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا)) (٣).

стр. 458

وَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِمَا يُخَالِفُهُ فِي الجِنْسِ وَالعِلَّةِ كَذَهَبٍ بِبُرٍّ، وَفِضَّةٍ بِمِلْحٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ)) (١). وَلَا يَصِحُّ بَيعٌ رَبَويٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَو مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا. - قَولُهُ: ((وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ)) اليَتِيمُ: هُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَيسَ يَتِيمًا لَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً (٢). وَاليَتِيمُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليُتْمِ؛ وَهُوَ الانْفِرَادُ، أَي انْفَرَدَ عَنِ الكَاسِبِ لَهُ، لِأَنَّ أَبَاهُ هُوَ الَّذِي يَكْسِبُ لَهُ (٣). وَخَصَّ اليَتِيمَ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يُدَافِعُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَولَى أَنْ يُرْحَمَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَقًّا فِي الفَيءِ. - قَولُهُ: ((وَالتَّوَلِّي يَومَ الزّحْفِ)) التَّوَلِّي: الإِدْبَارُ وَالإعْرَاضُ، وَيَومُ الزَّحْفِ: هُوَ يَومُ تَلَاحُمِ الصَّفَّينِ فِي القِتَالِ مَعَ الكُفَّارِ (٤).

стр. 459

وَالحَدِيثُ خَصَّهُ القُرْآنُ بِثَلَاثَةِ اسْتِثْنَاءَاتٍ: ١ - أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ. أَي: مُتَهَيِّئًا لَهُ، كمَنْ يَنْصَرِفُ لِيُصْلِحَ مِنْ شَأْنِهِ أَو يُهَيِّئ الأَسْلِحَةَ وَيُعِدَّهَا، وَمِنْهُ الانْحِرَافُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَأْتِي العَدُوُّ مِنْ جهَتِهِ؛ فَهَذَا لَا يُعَدُّ مُتَوَلِّيًا وَإِنَّمَا يُعَدُّ مُتَهَيِّئًا. ٢ - أَنْ يَتَحَيَّزَ إِلَى فِئَةٍ. كَمَا إِذَا حُصِرَتْ سَرِيَّةٌ لِلمُسْلِمِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيهَا العَدُوُّ؛ فَانْصَرَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ لِيُنْقِذَهَا. وَدَلِيلُ هَذِينِ الأَمْرَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأَنْفَال: ١٦]. ٣ - إِذَا كَانَ الكفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَي المُسْلِمِينَ. فَيَجُوزُ الفِرَارُ حِينَئِذٍ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٦٦]. قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "أَو كَانَ عِنْدَهُم عُدَّةٌ لَا يُمْكِنُ لِلمُسْلِمِينَ مُقَاوَمَتُهَا، كَالطَّائِرَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوَارِيخِ مَا يَدْفَعُهَا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الصُّمُودَ يَسْتَلْزِمُ الهَلَاكَ وَالقَضَاءَ عَلَى المُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَجوزُ لَهُم أَنْ يَبْقَوا" (١). وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَقَالَ الإِمَامُ [الجُوَينِيُّ]: إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الهَلَاكُ

стр. 460

المَحْضُ مِنْ غَيرِ نِكَايَةٍ؛ وَجَبَ الفِرَارُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايةٌ فَوَجْهَانِ. قُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الإِمَامُ هُوَ الحَقُّ، وَأَصَحُّ الوَجْهَينِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (١). - قَولُهُ: ((وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَاّ بِالحَقِّ)) المُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا: بَدَنُ الآدَمِيِّ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ. وَقَولُهُ: ((إلَّا بِالحَقِّ)) أَي: مِمَّا يُوجِبُ القَتْلَ، كَالثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلجَمَاعَةِ. كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا (٢). - قَولُهُ: ((حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ)) صَحِيحٌ مَوقُوفٌ، وَالرَّاوِي هُوَ جُنْدُبُ (الخَيرِ) بْنُ كَعْبٍ الأزْدِيُّ؛ المُلَقَّبُ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ، وَلَيسَ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ (٣). وَلُقِّبَ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ: أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الكُوفَةِ (الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ) دَعَا سَاحِرًا يَلْعَبُ بَينَ يَدِي النَّاسِ، فَكَانَ يَأْخُذُ سَيفَهُ فَيَذْبَحُ نَفْسَهُ؛ وَلَا يَضُرُّهُ! وَكَانَ يَضْرِبُ رَأْسَ الرَّجُلِ ثُمَّ يَصِيحُ بهِ فَيَقُومُ خَارِجًا فَيَرْتَدُّ إِلَيهِ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! يُحْيي المَوتَى! فَبَلَغَ جُنْدُبَ، فَأَقْبَلَ بِسَيفِهِ -وَاشْتَمَلَ عَلَيهِ- فَلَمَّا رَآهُ ضَرَبَهُ بِسَيفِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُحيي نَفْسَهُ! ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣]
следующие страницы →