← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا الجَوَابُ عَنِ الأَثَرِ الَّذِي فِيهِ مَعْرِفَةُ أَبِي بَكرٍ بِمَا سَيَأْتِيهِ مِنَ الوَلَدِ، وَعَنْ أَثَرِ عُثْمَانَ فِي مُكَاشَفَةِ أَنَسٍ (١) ﵃ أَجْمَعِينَ؟ الجَوَابُ: الأَثَرُ الأَوَّلُ بِتَمَامِهِ فِي المُوطَّأ أَنَّهُ عِنْدَمَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَأَخْبَرَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ وَرَثَتِهِ مِنَ البَنِينَ؛ فَقَالَ: "وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الوَارِثِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ وَأُخْتَاك،؛ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَتْ: يَا أَبَتِ؛ وَاللَّهِ لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هُوَ أَسْمَاءُ؛ فَمَنِ الأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ؛ أُرَاهَا جَارِيَةً (٢) " (٣).

стр. 562

وَالتَّعْلِيقُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّهُ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَذَلِكَ لِقَولِهِ: (أُرَاهَا) أَي: أَظُنُّهَا، فَلَيسَ هُوَ مِنَ العِلْمِ بِالغَيبِ بِحَالٍ. ٢ - أَنَّ سَبَبَهَا قَدْ يَكُونُ رُؤْيًا رَآهَا ﵁، كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْقَانِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ المُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ مُزَينٍ (١): "قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ" (٢). ٣ - أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى كَونِهِ مِنْ جُمْلَةِ الكَرَامَاتِ الَّتِي أُكْرِمَ بِهَا ﵁ -كَمَا سَبَقَ فِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ لَمَّةِ المَلَكِ-. - وَأَمَّا الأَثَرُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁؛ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: "يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدُكُم وَأَثَارُ الزِّنَى ظَاهِرةٌ عَلَى عَينهِ! " فَهُوَ أَثَرٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ المَشْهُورِينَ؛ بَلْ رَوَاهُ القُشَيرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (٣). وَإِنْ صَحَّ؛ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الظَّنِّ وَالحَدْسِ الَّذِي يَقَعُ فِي خَاطِرِ المُؤْمِنِ وَقَلَّمَا يُخْطِئ، وَلَيسَ لَهُ دِلَالَةٌ عَلَى عِلْمِ الغَيبِ أَصْلًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: أ- أَنَّ أَنَسًا ﵁ قَالَ -جَوَابًا عَلَى قَولِ عُثمان ﵄: "أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ؟! " فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَيبِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَحْيًا.

стр. 563

ب- أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَجَابَ عَلَى جَوابِ أَنَسٍ بِمَا يُؤَكِّدُ قَولَهُ السَّابِقَ؛ فَقَالَ: "لَا؛ وَلَكِنْ تَبْصِرَةٌ وَبُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ" (١). وَيَشْهَدُ لِمَعْنَاهُ حَدِيثُ: ((إنَّ للهِ تَعَالَى عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ)) (٢).

стр. 564

- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مِنْ أَينَ يَأْتِي الكَاهِنُ بِأَخْبَارِهِ؟ الجَوَابُ: يِأْتِي مِنْ عِدَّةِ أَشْكَالٍ؛ هِيَ: ١ - مَا يَتَلَقَّونَهُ مِنَ الجِنِّ؛ فَإِنَّ الجِنَّ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَى أَنْ يَدْنُوَ الأَعْلَى بِحَيثُ يَسْمَعُ الكَلَامَ فَيُلْقِيهِ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى أَنْ يَتَلَقَّاهُ مَنْ يُلْقِيهِ فِي أُذُنِ الكَاهِنِ فَيَزِيدَ فِيهِ (١). ٢ - مَا يُخْبِرُ الجِنِّيُّ بِهِ مَنْ يُوَالِيهِ بِمَا غَابَ عَنْ غَيرِهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الإِنْسَانُ غَالِبًا، أَو يَطَّلِعُ عَلَيهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ لَا مَنْ بَعُدَ. ٣ - مَا يَسْتَنِدُ إِلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، وَهَذَا قَدْ يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةً، مَعَ كَثْرَةِ الكَذِبِ فِيهِ. ٤ - مَا يَسْتَنِدُ إِلَى التَّجْرُبَةِ وَالعَادَةِ، فَيَسْتَدِلُ عَلَى الحَادِثِ بِمَا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ. ٥ - مَا يَعْرِفُهُ الشَّيطَانُ مِنْ هَوَاجِسِ الإِنْسَانِ الَّتِي يُوَسْوِسُهَا لِابْنِ آدَمَ؛ فيُخْبِرُ بِهَا وَلِيَّهُ (٢).

стр. 565

بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: ((هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ (١). وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا؛ فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ (٢). وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ؛ قُلْتُ لِابْنِ المُسَيِّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَو يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَو يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ (٣). وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحُلُّ السِّحَرَ إِلَّا سَاحِرٌ (٤).

стр. 566

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشْرَةُ: حَلُّ السِّحَرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوعَانِ: أَحَدُهُمَا: حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ قَولُ الحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشِرُ وَالمُنْتَشَرُ إِلَى الشَّيطَانِ بِمَا يُحِبُّ؛ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ. وَالثَّانِي: النُّشْرَةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ المُبَاحَةِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ (١). فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: النَّهْيُ عَنِ النُّشْرَةِ. الثَّانِيَةُ: الفَرَقُ بَينَ المَنْهِيِّ عَنْهُ وَالمُرَخَّصِ فِيهِ؛ مِمَّا يُزِيلُ الإِشْكَالَ.

стр. 567

الشَّرْحُ - النَّشْرُ لُغَةً: خِلَافُ الطَّيِّ، وَالنَّشْرُ: التَّفرِيقُ، وَالنُّشْرَةُ بِالضَّمِّ: رُقْيَةٌ يُعالَجُ بِهَا المَجْنُونُ وَالمَرِيضُ وَمَنْ كَانَ يُظَنُّ أَنَّ بِهِ مَسًّا مِنَ الجِنِّ، وَقَدْ نَشَرَ عنه؛ إِذَا رَقَاهُ (١). - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِمَا قَبْلَهُ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ إِتْيَانِ النَّاسِ إِلَى السَّحَرَةِ وَالكُهَّانِ بِقَصْدِ حَلِّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ. ٢ - بَيَانُ المَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ عِوَضًا عَنِ المَذْمُومِ، كَمَا تَجِدُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَة: يَعْنِي مِنَ التَّفْصِيلِ؛ وَأَنَّ مِنْهَا المَذْمُومُ وَمِنْهَا المَأْذُونُ. - قَولُهُ: (سُئِل عَنِ النُّشْرَة): (أَلْ) هُنَا لِلْعَهْدِ، أَي: النُّشْرَةُ المَعْرُوفَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي حَلِّ السِّحْرِ، وَهِيَ حَلُّ السِّحْرِ بِاسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ وَبِالسِّحْرِ، كَالعُقَدِ وَالنَّفْثِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَيسَتْ (أَلْ) هُنَا لِلاسْتِغْرَاقِ! وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ جَوَازِ الرُّقيَةِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَقَى ورُقِيَ. - قَولُهُ: ((مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ)) أَي: مِنَ العَمَلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ الشَّيطَانُ وَيُوحِي بِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ. - قَولُ أَحْمَدَ ﵀: (ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ): مَرَّ مَعَنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ ابْنَ

стр. 568

مَسْعُودٍ كَانَ يَكْرَهُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّمَائِمِ -حَتَّى مِنَ القُرْآنِ-. - (الطِّبُّ) هُنَا: مَعْنَاهُ السِّحْرُ، وَمَطْبُوبٌ أَي: مَسْحُورٌ، وَهَذَا عِنْدَ العَرَبِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ بِالشِّفَاءِ، لِأَنَّ الطِبَّ مَعْنَاهُ العِلَاجُ، وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ لِلَّدَيغِ: سَلِيمٌ، وَلِلكَسِيرِ: جَبِي؛ ٌ، مِنْ بَابِ التَّفَاؤلِ بِالشِّفَاءِ، وَلِلَّرَكْبِ: قَافِلَةٌ، مِنْ بَابِ التَّفَاؤلِ بِالعَودَةِ وَالسَّلَامَةِ. - قَولُ ابْنِ المُسَيَّبِ ﵀: (لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَم يُنْهَ عَنْهُ) يُرِيدُ بِذَلِكَ: مَا يَنْفَعُ مِنَ النُّشْرَةِ بِالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْعِيَةِ وَالقُرْآنِ وَالدَّوَاءِ المُبَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ السِّحْرِ، كَمَا يُمْكِنُ حَمْلُ قَولِهِ عَلَى نَوعٍ مِنَ التَّدَاوِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ سِحْرٌ. - الحَسَنُ: هُوَ ابْنُ أَبِي الحَسَنِ؛ أَبُو سَعِيدٍ البَصْرِيُّ الأَنْصَارِيُّ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ، إِمَامٌ مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ، (ت ١١٠ هـ). - قَتَادَةُ: هُوَ ابْنَ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ سَدُوس، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ عُلَماءِ التَّابِعِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّه وُلِدَ أَكْمَهًا، (ت ١١٧ هـ). - النُّشْرَةُ الجَائِزَةُ أَنْوَاعٌ -كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَهِيَ: ١ - الرُّقيَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالقُرْآنِ: بِأَنْ يُقْرَأَ عَلَى المَسْحُورِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، كَالفَاتِحَةِ وَآيَةِ الكُرْسِيِّ وَسُورَةِ البَقَرَةِ وَالقَوَاقِلِ. ٢ - الرُّقيَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالتَّعَوًّذَاتِ: وَهِيَ الأَدْعِيَةُ، وَخَاصَّةً الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١).

стр. 569

٣ - الأَدْوِيَةُ المُبَاحَةُ: وَهَذِهِ يَعْرِفُهَا الحُذَّاقُ وَأَهْلُ التَّجْرِبَةِ وَأَهْلُ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ (١). فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ المُبَاحَةُ نَفَعَ اللهُ بِهَا؛ لَا سِيَّمَا مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ وَاعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢]. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَوَلَّاهَا مَنْ يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ دُونَ أَصْحَابِ المَطَامِعِ الدُّنيَويَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ المُشَعْوِذِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ عَقَائِدَ النَّاسِ، وَيُرَهِبُونَهُم بِالكَذِبِ وَالتَّدْجِيلِ.

стр. 570

- فَائِدَة ١: قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ: (المُفْهِمُ شَرْحُ مُسْلِمٍ) (١) -بَابُ الرُّقيَةِ بِأَسْمَاءِ اللهِ : "قَولُهُ: ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ)) (٢): هَذَا الأَمْرُ عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيمِ وَالإرْشَادِ إِلَى مَا يَنْفَعُ مِنْ وَضْعِ يَدِ الرَّاقي عَلَى المَرِيضِ وَمَسْحِهِ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ كُلُّ رَاقٍ .... ، وَمِمَّا يَنْبَغِي لِلرَّاقِي أَنْ يَفْعَلَهُ النَّفْثُ وَالتَّفْلُ، وَقَدْ قُلنَا: إنَّهُمَا نَفْخٌ مَعَ رِيقٍ" (٣). - فَائِدَة ٢: قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَهَؤُلَاءِ (٤) إذَا قَالُوا لِلْإِنْسَانِ: تُعْطِينَا؛ وَإِلَّا فَإِنِّي أَنَالُك فِي نَفْسِك! فَإِنَّهُ قَدْ تُعِينُهُمْ شَيَاطِينٌ عَلَى إضْرَارِ بَعْضِ النَّاسِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، لَكِنَّ هَذَا يَكُونُ لِمَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مِثْلِ أَهْلِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهَؤُلَاءِ قَدْ تَسَلَّطَ عَلَيهِم بَعْضُ هَؤُلَاءِ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ

стр. 571

وَأَمَّا الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيرِهَا، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَلَا يَدْعُونَ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَعْبُدُونَ غَيرَهُ وَلَا يُنْذِرُونَ إلَّا لِلَّهِ وَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهَؤُلَاءِ جُنْدُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ، وَحِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ؛ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ. وَهَؤُلَاءِ يَهْزِمُونَ شَيَاطِينَ أُولَئِكَ الضَّالِّينَ؛ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ شُهُودِ هَؤُلَاءِ وَاسْتِغَاثَتِهِمْ بِاللَّهِ أَنْ يَفْعَلُوا شَيئًا مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الشَّيطَانِيَّةِ! بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُمْ تِلْكَ الشَّيَاطِينُ. وَهَؤُلَاءِ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ؛ يَقُولُونَ: أَحْوَالُنَا مَا تَنْفُذُ قُدَّامَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ! وَإِنَّمَا تَنْفُذُ قُدَّامَ مَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكِ وَالْعَامَّةِ وَغَيرِهِمْ" (١). - فَائِدَة ٣: لَا يُشْتَرَطُ فِي إِفَادَةِ الرُّقيَةِ -وَلِكَنَّهُ أَكْمَلُ- أَنْ يَكُونَ المَرْقِيُّ مُؤْمِنًا أَو صَالِحًا. فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ؛ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ! فَبَينَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَو رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا! وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ. فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ؛ فَبَرَأَ. فَأَتَوا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: ((وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ)) (٢).

стр. 572

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: لِمَاذَا لَا يُحْمَلُ قَولُ ابْنِ المَسَيَّبِ ﵀ عَلَى أَنَّهُ أَجَازَ السِّحْرَ فِي النُّشرَةِ؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ ابْنَ المُسَيَّبِ ﵀ أَرْفَعُ مَقَامًا مِنْ أَنْ يُجِيزَ السِّحْرَ مَعْ مَا عُلِمَ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ السِّحْرِ وَذَمِّ مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ! ٢ - أَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ؛ فيُحْمَلُ عَلَى وَجْهٍ غَيرِ مُشْكِلٍ مَعَ غَيرِهِ مِنَ المُسَلَّمَاتِ. ٣ - أَنَّهُ قَيَّدَ إِبَاحَتَهُ لِلنُّشْرَةِ بِقَيدِ النَّفْعِ، وَذَلِكَ بِقَولِهِ: (فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى غَيرِ السِّحْرِ قَطْعًا، لِأَنَّ السِّحْرَ لَيسَ فِيهِ نَفْعٌ بِالنَّصِّ، فَإِنَّ نَفْسَ السِّحْرِ ضَرَرٌ لَا نَفْعٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ عَاقِبَتِهِ ضَرَرٌ لَا نَفْعٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾ [طَه: ٦٩] (١).

стр. 573

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ حَلَّ السِّحْرِ بِالسِّحْرِ هُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ؛ وَالقَاعِدَةُ الأُصُوليَّةُ تَقُولُ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ (١)؟ الجَوَابُ: لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَاتٍ: ١ - أَنَّ صُورَةَ النَّهْي فِي الحَدِيثِ عِنْدَمَا سُئِلَ ﵊ عَنِ النُّشْرَةِ -وَهِيَ لِلمَسْحُورِ قَطْعًا- مُطَابِقَةٌ لِلنَّهْي بِقَولِهِ ﵊ عَنْهَا: ((هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ))، فَكَيفَ جَازَتِ النُشْرَةُ بِالسِّحْرِ مِنْ بَابِ الشِّفَاءِ؛ مَعَ أَنَّ النَّصَّ عَلَيهَا بِخِلَافِهَا!! ٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ أَصْلًا، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الكُهَّانَ. قَالَ: (فَلَا تَأْتُوهُمْ)) (٢).

стр. 574

وَيُضَافُ لِهَذَا أَنَّهُ حَتَّى لَو انْدَفَعَتْ بِهِ الضَّرُورَةُ -جَدَلًا- فَإِنَّه لَا يَصِحُّ أَيضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِهِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيهَا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ؛ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوُوا بِحَرَامٍ)) (١). وَقَدْ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْ إِتْيَانِ الكُهَّانِ وَالعَرَّافِينَ وَالسِّحْرةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِتْيِانَ النَّاسِ إِلِيهِم هُوَ مِنْ بَابِ الالْتِجَاءِ إِليهِم مِمَّا يُلِمُّ بِهِم مِنَ المَصَائِبِ فِي أَمْوَالِهِم وَأَبْدَانِهِم؛ فَجَاءَ التَّحْذِيرُ مِنْهُم عَامًّا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُم مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَيسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ)) (٢). ٣ - مِنْ جِهَةِ القَاعِدَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَلَا رَيبَ أَنَّ القَاعِدَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنَّ حَمْلَهَا عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ غَيرُ صَحِيحٍ، فَالضَّرُورَةُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالمَالِ، وَالعَقْلِ (٣)، وَلَكِنْ لِلعَمَلِ بِهَذِهِ القَاعِدَةِ هُنَاكَ قُيُودٌ، هِيَ: أ- أَنْ لَا يَجِدَ سِوَى هَذَا المُحَرَّمِ. وَهَذَا غَيرُ مُحَقَّقٍ هُنَا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى شَرَعَ لِعِبَادِهِ فِي عِلَاجِ السِّحْرِ الكَثِيرَ المُبَاحَ مِنَ القُرْآنِ وَالرُّقَى وَالتَّعْوِيذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ المُبَاحَةِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ب- أَنْ تَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرُورَةُ. وَهَذَا غَيرُ مُحَقَّقٍ هُنَا، لِأَنَّ السِّحْرَ ضَارٌّ وَلَيسَ بِنَافِعٍ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 575

﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾ [طَه: ٦٩] (١). ج- أَنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا. وَهَذَا أَيضًا غَيرُ مُتَحَقِّقٍ هُنَا، فَالضَّرُورَاتُ الخَمْسُ أَوَّلُهَا حِفْظُ الدِّينِ، فَلَا يُبْذَلُ مَا هُوَ أَعْلَى لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَدْنَى وَهُوَ حِفْظُ النَّفْسِ (٢)! فَالأَنْفُسُ لَا يَجُوزُ حِفْظُهَا بِالشِّرْكِ، فَالسِّحْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالشِّرْكِ، وَالَّذِي يَأْتِي السَّاحِرَ وَيَطْلُبُ مِنْهُ حَلَّ السِّحْرِ؛ هَذَا فِيهِ الرِّضَى بِقَولِهِ وَعَمَلِهِ، وَبِأَنْ يُشْرِكَ ذَاكَ بِاللهِ تَعَالَى لِأَجْلِ مَنْفَعَتِهِ! وَهَذَا غَيرُ جَائِزٍ (٣). وَفِي الحَدِيثِ: ((لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيئًا؛ وَإِنْ قُطِّعْتَ أَو حُرِّقْتَ)) (٤). قُلْتُ: وَلَا يَرِدُ عَلَينَا فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ الأَخِيرَةِ الاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ فِي إِكْرَاهِهِ عَلَى الكُفْرِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ حَديثَ عَمَّارٍ فِيهِ الكُفْرُ ظَاهِرًا فَقَطْ لِقَولِهِ ﷺ : ((كَيفَ تَجِدُ قَلبَكَ؟ فَقَالَ عَمَّاُر: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ)) (٥)، أَمَّا هُنَا فَفِيهِ الكُفْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 576

بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١]. وَقَولُهُ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يَس: ١٩]. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ)). أَخْرَجَاهُ (١). زَادَ مُسْلِمٌ: ((وَلَا نَوءَ وَلَا غُولَ)). وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ)). قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: ((الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ)) (٢). وَلِأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا. فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ)) (٣).

стр. 577

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ -ثَلَاثًا-، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١)، وَجُعِلَ آخِرُهُ مِنْ قَولِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٢). وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِوٍ: ((مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ)). قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيرَ إِلَّا خَيرُكَ، وَلَا طَيرَ إِلَّا طَيرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيرُكَ)) (٣). وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ((إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ)) (٤).

стр. 578

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: التَّنْبِيهُ عَلَى قَولِهِ: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَعَ قَولِهِ: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. الثَّانِيَةُ: نَفْيُ العَدْوَى. الثَّالِثَةُ: نَفْيُ الطِّيَرَةِ. الرَّابِعَةُ: نَفْيُ الهَامَةِ. الخَامِسَةُ: نَفْيُ الصَّفَرِ. السَّادِسَةُ: أَنَّ الفَأْلَ لَيسَ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ مُسْتَحَبٌّ. السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الفَأْلِ. الثَّامِنَةُ: أَنَّ الوَاقِعَ فِي القُلُوبِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَرَاهَتِهِ؛ لَا يَضُرُّ بَلْ يُذْهِبُهُ اللهُ بِالتَّوَكُّلِ. التَّاسِعَةُ: ذِكْرُ مَا يَقُولُ مَنْ وَجَدَهُ. العَاشِرَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الطِّيَرَةِ المَذْمُومَةِ.

стр. 579

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ البَابِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ المُتَعَلِّقَةِ بِالسِّحْرِ هُوَ أَنَّ التَّطَيُّرَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ بِنَصِّ الحَدِيثِ (١). - وَحَقِيقَتُهُ: التَّشَاؤُمُ أَوِ التَّفَاؤُلُ بِحَرَكَةِ الطَّيرِ مِنَ السَّوَانِحِ وَالبَوَارِحِ أَوِ النَّطِيحِ أَوِ القَعِيدِ، أَو بِغَيرِ الطَّيرِ مِنَ الحَوَادِثِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالبَارِحِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِف إِلَيهِ، … ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاء الجَاهِلِيَّة يُنْكِر التَّطَيُّر وَيَتَمَدَّح بِتَرْكِهِ. قَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالحَصَى … وَلَا زَاجِرَتُ الطَّيرِ مَا اللهُ صَانِعُ" (٢). وَ"السَّانحُ: مَا وَلَاّك ميامِنَه، والبارحُ: مَا وَلَاّك مَيَاسِره" (٣). - التَّطَيُّرُ يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ؛ لِأَنَّه شِرْكٌ أَصْغَرُ. وَسَبَبُ كَونِهِ شِرْكًا هُوَ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - مُنَافَاتُهُ لِلتَّوَكُّلِ؛ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ بِهِ دُونَ اللهِ تَعَالَى، وَسَبَقَ الكَلَامُ فِي بَابِ (مَنْ

стр. 580

حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حَسَابٍ) عَنْ عَلَاقَةِ التَّوَكُّلِ بِتَرْكِ الطِّيَرَةِ (١). ٢ - اعْتِقَادُ سَبَبِ النَّفْعِ أَوِ الضُّرِ فِي الطَّائِرِ وَنَحْوِهِ؛ حَيثُ لَمْ يَجْعَلْهُ الشَّرْعُ سَبَبًا (٢). ٣ - رَجْمٌ بِالغَيبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]. وَهَذَا عَدَا عَنْ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ، كَمَا فِي سِيَاقِ الآيَاتِ فِي البَابِ. - فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١] (٣)، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ﵁: (﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَصَائِبُهُم عِنْدَ اللهِ وَمِنْ قِبَلِه) (٤). - قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يَس: ١٨ - ١٩]، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أَي: مَرْدُودٌ عَلَيكُم، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: أَعْمَالُكُم مَعَكُم. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (٥) أَي: "مِنْ أَجْلِ أنَّا

стр. 581

ذَكَّرْنَاكُم وَأَمَرْنَاكُم بِتَوحِيدِ اللهِ وَإِخْلَاصِ العِبَادَةِ لَهُ؛ قَابَلْتُمُونَا بِهَذَا الكَلَامِ وَتَوَعَدْتُمُونَا وتَهَدَّدْتُمُونَا! بَلْ أَنْتُم قَومٌ مُسْرِفُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي إِنْ ذَكَّرْنَاكُم بِاللهِ تَطَيَّرْتُم بِنَا! بَلْ أَنْتُم قَومٌ مُسْرِفُونَ" (١). - وَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ التَّطَيُّرَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، وَكَمَا قَالَ قَومُ صَالِحٍ لَهُ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النَّمْل: ٤٧]. فَيُسْتَفَادُ مِنَ الآيَتَينِ المَذْكُورَتَينِ فِي البَابِ: أَنَّ التَّطَيُّرَ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ قِبَلِ العَرَبِ وَمِنْ غَيرِ العَرَبَ، لِأَنَّ الأُولَى فِي فِرْعَونَ وَقَومِهِ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَصْحَابِ القَرْيَةِ. - قَولُهُ: ((لَا عَدْوَى)) أَي: لَا عَدْوَى مُؤَثِّرَةٌ بِطَبْعِهَا وَنَفْسِهَا، وَإنَّمَا تَنتَقِلُ العَدْوَى بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَأَهْلُ الجَاهِليَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ العَدْوَى تَنْتَقِلُ بِنَفْسِهَا؛ فَأَبْطَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا صِحَّةَ ذَلِكَ الاعْتِقَادَ (٢). - قَولُهُ: ((وَلَا طِيَرَةَ)) المَنْفِيُّ هُنَا لَيسَ هُوَ وُجُودُ الطِّيَرَةِ؛ لِأَنَّ الطِّيَرَةَ مَوجُودَةٌ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِ النَّاسِ (٣) وَمِنْ جِهَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَلَكِنَّهَا مَنْفِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهَا، وَكَذَلِكَ

стр. 582

العَدْوَى مَوجُودَةٌ مِنْ جِهَةِ الوُقوعِ، فَالنَّفيُ إِذًا يَعُودُ عَلَى صِحَّةِ الاعْتِقَادِ بِهَا. - الهَامَةُ: بِالفَتْحِ؛ فِيهَا قَولَانِ: ١ - هِيَ طَائِرُ اللَّيلِ المَعْرُوفُ (١)، وَقِيلَ: هِيَ البُومَةُ، قَالُوا: كَانَتْ إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَارِ أَحَدِهِم رَآهَا نَاعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ أَو بَعْضَ أَهْلِهِ. ٢ - أَنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ عِظَامَ المَيِّتِ -وَقِيلَ: رُوحَهُ- تَنْقَلِبُ هَامَةً تَطِيرُ (٢). وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ النَّوعِين؛ فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ (٣). - قَولُهُ: ((وَلَا صَفَرَ)) فِيهِ ثَلَاثةُ أَقْوَالٍ: ١ - أَنَّهُ شَهْرُ صَفَرٍ؛ حَيثُ كَانَتِ العَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهِ؛ فَيَتْرُكُونَ الأَسْفَارَ وَالأَعْمَالَ وَالنِّكَاحَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى الطِّيَرَةِ هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ. ٢ - أَنَّهُ دَاءٌ فِي البَطْنِ يُصِيبُ الإِبِلَ وَيَنْتَقِلُ مِنْ بَعِيرٍ إِلَى آخَرَ، وَعَلَيهِ يَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى العَدْوَى هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ أَيضًا. ٣ - أَنَّهُ نَهْيٌ عَنِ النَّسِيئَةِ، فَكَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ َيَنْسَئُونَ؛ فَإِذَا أَرَادُوا القِتَالَ فِي شَهْرِ

стр. 583

اللهِ المُحَرَّمِ اسْتَحَلُّوهُ، وَأَخَّرُوا الحُرْمَةَ إِلَى شَهْرِ صَفَرَ، وَهَذِهِ النَّسِيئَةُ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التَّوبَة: ٣٧]. - هَذَا النَّفيُ فِي هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فِي الحَدِيثِ لَيسَ نَفيًا لِلوُجُودِ؛ لِأَنَّهَا مَوجُودَةٌ، وَلَكِنَّهُ نَفْيٌ: ١ - لِلتَّأثِيرِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ سَبَبًا صَحِيحًا؛ كَالعَدْوَى. ٢ - أَو نَفْيًا لِكَونِهِ سَبَبًا إِنْ كَانَ بَاطِلًا؛ كَالطِّيَرَةٍ وَالهَامَةِ وَالنَّوءِ. وَأَمَّا الغُولُ؛ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِكِلَيهِمَا، وَسَيَأْتِي. - قَولُهُ: ((وَلَا نَوءَ)) هُوَ وَاحِدُ الأَنْوَاءِ، وَالأَنْوَاءُ هِيَ: مَنَازِلُ القَمَرِ (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "كَانُوا يَقُولُونَ: (مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا) فَأَبْطَلَ ﷺ ذَلِكَ؛ بِأَنَّ المَطَر إِنَّمَا يَقَعُ بِإِذْنِ اللهِ لَا بِفِعْلِ الكَوَاكِب -وَإِنْ كَانَتِ العَادَةُ جَرَتْ بِوُقُوعِ المَطَرِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ- لَكِنْ بِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ؛ لَا صُنْعَ لِلْكَوَاكِبِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٢).

стр. 584

- قَولُهُ: ((وَلَا غُول)) قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: "الغُولُ: أَحَدُ الغِيلَانِ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ (١)، كَانَتِ العَرَبُ تَزْعُم أَنَّ الغُولَ فِي الفَلَاةِ تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَتَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا: أَي: تَتَلَوًّنُ تلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى، وَتَغُولُهُم أَي: تُضِلُّهُم عَنِ الطَّريقِ وَتُهْلِكهُم؛ فَنَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبْطَلَهُ" (٢). وَالحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضِلَّ أَحَدًا مَعَ ذِكْرِ اللهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٧٦]. فَالعَرَبُ كَانُوا إِذَا سَافَرُوا أَو ذَهَبُوا يَمِينًا أَو شِمَالًا تَلَوَّنَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ بِأَلْوَانٍ مُفْزِعَةٍ مُخِيفَةٍ؛ فَتُدْخِلُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَالخَوفَ، فَتَجِدُهُم يَكْتَئِبُونَ وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى هَذَا الوَجْهِ الَّذِي أَرَادُوا! وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يُضْعِفُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ، وَالشَّيطَانُ حَرِيصٌ عَلَى إِدْخَالِ القَلَقِ وَالحُزْنِ عَلَى الإِنْسَانِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠]. - قَولُهُ: ((وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ)) (٣): الفَأْلُ هُنَا هُوَ الاسْتِبْشَارُ بِحُصُولِ الخَيرِ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَسُرُّ، لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا أَمَّلُوا الخَيرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ سَبَبٍ فَهُم عَلَى خَيرٍ، وَإِذَا قَطَعُوا آمَالَهُم وَرَجَاءَهُم مِنَ اللهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، كَمَا فِي الحَدِيثِ

стр. 585

القُدُسِيِّ: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)) (١). وَمِنْ جُمْلَةِ الأَمْثِلَةِ فِي التَّفَاؤُلِ المَشْرُوعِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ: ١ - عَنْ بُرِيدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ؛ فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا؛ فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهَا وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ)) (٢). ٢ - عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي حَدِيثِ صُلْحِ الحُدَيبِيَةِ حِينَ جَاءَ سُهَيلُ بْنُ عَمْرو، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)) (٣). ٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (كَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَع: َ يَا رَاشِدُ؛ يَا نَجِيحُ) (٤). - قَولُهُ: ((اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ)) أَي: لَا يُقَدِّرُهَا وَلَا يُوجِدُهَا لِلعَبْدِ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونُ الحَسَنَاتُ بِأَسْبَابٍ، لِأَنَّ خَالِقَ هَذِهِ الأَسْبَابِ هُوَ اللهُ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الحَسَنَاتُ بِأَسْبَابٍ خَلَقَهَا اللهُ؛ صَارَ المُوجِدُ هُوَ اللهُ تَعَالَى. وَالمُرَادُ بِالحَسَنَاتِ: مَا يَسْتَحْسِنُ المَرْءُ وُقُوعَهُ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الحَسَنَاتِ

стр. 586

الشَّرْعِيَّةَ؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيرِهَا، وَيَشْمَلُ أَيضًا الحَسَنَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ كَالمَالِ وَالوَلَدِ وَنَحْوِهَا. - قَولُهُ: ((وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ)) فِي مَعْنَاهَا وَجْهَانِ: ١ - البَاءُ بمَعْنَى (فِي): وَالتَّقْدِيرُ: لَا حَولَ إِلَّا فِي اللهِ وَحْدَهُ، وَالمَنفيُّ عَنْ غَيرِهِ هُوَ الحَولُ المُطْلَقُ، وَالحَولُ هُنَا نِسْبِيٌّ، فَالكَامِلُ هُوَ فِي اللهِ وَحْدَهُ. ٢ - البَاءُ لِلاسْتِعَانَةِ أَوِ السَّبَبِيَّةِ: أَي: لَا تَحَوُّلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ إِلَّا مُسْتَعِينِينَ بِاللهِ تَعَالَى، وَهَذَا الوَجْهُ أَصَحُّ، فَالأَصْلُ فِي الكَلَامِ عَدَمُ التَّقْدِيرِ (١). - الفَأْلُ الحَسَنُ (٢) يَخْتَلِفُ عَنِ الطِّيَرَةِ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَا يُقْصَدُ؛ بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَقَد تُقْصَدُ. كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((أَقِرُّوا الطَّيرَ عَلَى مَكِنَّاتِهَا)) (٣).

стр. 587

٢ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَيسَ مُؤَثِّرًا فِي العَمَلِ أَوِ المَنْعِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَهُوَ مُجَرَّدُ بُشْرَى، بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَهِي مُؤَثِّرَةٌ فِي عَمَلِ المَتَطَيِّرِ. ٣ - الفَأْلُ الحَسَنُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيهِ فِي القَلبِ، فَيَبْقَى القَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ؛ فَإِنَّ المُتطيِّرَ يَعْتَمِدُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهَا. ٤ - الفَأْلُ الحَسَنُ نَاجِمٌ عَنْ نُطْقٍ وَبَيَانٍ يَدُلَّانِ عَلَى الاسْتِبْشَارِ؛ بِخِلَافِ الطِّيَرَةِ فَلَيسَ لَهَا سَبَبٌ صَحِيحٌ مِنْ نُطْقٍ أَو بَيَانٍ (١). - عِلَاجُ الطِّيَرَةِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ (٢): ١ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ ، وَاسْتِحْضَارُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالخَيرِ وَلَا يَدْفَعُ الشَّرَّ إِلَّا هُوَ . ٢ - أَنْ يَمْضِيَ المَرْءُ فِي حَاجَتِهِ الَّتِي أَرَادَهَا، وَلَا يَرْجِعَ عَنْهَا بِسَبَبِ الطِّيَرَةِ. ٣ - الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ: ((اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ)) (٣). - قَولُهُ: ((وَلَا طَيرَ إِلَّا طَيرُكَ)) يَحْتَمِلُ أَوجُهًا -وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ قَرِيبَةٌ-: أ- أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ إِلَّا قَضَاؤُكَ الَّذِي قَضَيتَهُ، فَعِلْمُ المُغَيَّبَاتِ إِنَّمَا هُوَ للهِ ، وَهَذَا

стр. 588

الدُّعَاءُ كَفَّارَةٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي الطِّيَرَةِ. ب- أَنَّ المُرَادَ بِالطَّيرِ هُنَا مَا يَتَشَاءَمُ بِهِ الإِنْسَانُ، فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ لِلإِنْسانِ مِنَ التَّشَاؤمِ وَالحَوَادِثِ المَكْرُوهَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ الخَيرَ مِنْهُ أَيضًا سُبْحَانَه، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣١]. ج- أَنَّ الطُّيُورَ كُلَّهَا مِلْكُكَ، فَهِي لَا تَفْعَلُ شَيئًا، وَإنَّمَا هِيَ مُسَخَّرَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٩]. فَالطَّيرُ مُسَخَّرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُهَا وَيُصَرِّفُهَا وَيُسَخِّرُهَا تَذْهَبُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالحَوَادِثِ (١). - قَولُهُ: ((إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ)) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا أثَّرَ فِي إِتْمَامِ أَمْرِكَ أَوِ الانْصِرَافِ عَنْهُ، وَفِي الحَدِيثِ: ((لَنْ يَلِجَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مَنْ تَكَهَّنَ أَوِ اسْتَقْسَمَ أَو رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا)) (٢).

стр. 589

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: قَولُهُ: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتّوَكُّلِ)) كَيفَ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؟ الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ الشِّرْكَ وَالإِثْمَ فِي الطِّيَرَةِ حَاصِلٌ بِالتَّأَثُّرِ بِهَا فِي الإِقْدَامِ أَوِ الإِعْرَاضِ، أَمَّا مَا يَقَعُ فِي القَلْبِ مِنْ مُجَرَّدِ رُؤيَتِهَا أَو سَمَاعِهَا فَلَيسَ فِيهِ إِثْمٌ، لِذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرو المَرْفُوعِ: ((مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ)) (١). وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: ((إِذَا حَسَدْتُمْ فَلَا تَبْغُوا، وَإِذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا، وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا)) (٢). ٢ - أَنَّ زِيَادَةَ: ((وَمَا مِنَّا إِلَاّ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ)) رَجَّحَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ كَونَهَا مُدْرَجَةً مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (٣).

стр. 590

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا وَجْهُ الجَمْعِ بَينَ الآيَتِينِ فِي البَابِ مِنْ حَيثُ جِهَةِ تَعَلُّقِ الطِّيَرَةِ، حَيثُ كَانَتْ فِي الآيَةِ الأُولَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾؟ الجَوَابُ: لَا مُنَافَاةَ بَينَهُمَا، لِأَنَّ الأُولَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُقَدِّرَ لِهَذِهِ المَصَائِبِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَالثَّانِيَةَ تُبَيِّنُ سَبَبَهَا، وَهُوَ أَنَّهَا بِسَبَبِهِم، فَطَائِرُهُم مَعَهُم، أَي: الشُّؤْمُ الحَاصِلُ عَلَيهِم مَعَهُم مُلَازِمٌ لَهُم؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُم تَسْتَلْزِمُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الرُّوم: ٤١] (١).

стр. 591

- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ألَا يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ نَفيَ العَدْوَى هُوَ نَفْيٌ لِوُجُودِهَا مُطْلَقًا؛ وَلَيسَ لِكَونِهَا هِيَ الفَاعِلَةَ نَفْسَهَا؟ الجَوَابُ: قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الأَرْجَحَ هُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ النَّفيَ هُوَ لِاعْتِقَادِهِم سَرَيَانَ العَدْوَى بِطَبْعِهَا دُونَ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُرَجِّحُ هَذَا الوَجْهَ وُجُودُ العَدْوَى أَصْلًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ جِهَتَينِ: ١ - أَنَّ الوَاقِعَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، فمُخَالَطَةُ السَّلِيمِ لِلمَرِيضِ هُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ مَرَضِ السَّلِيمِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُرَدَّ. ٢ - الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِاجْتِنَابِ مُخَالَطَةِ المَجْذُومِ (١) وَغَيرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الأَمْرَاضِ المُعْدِيَةِ، وَهَذَا فِيهِ إثْبَاتُ العَدْوَى، كَقَولِهِ ﷺ : ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)) (٢)، وكَقَولِهِ ﷺ : ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ)) (٣)،

стр. 592

وَكَالأَمْرِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ أَوِ الخُرُوجِ مِنْ أَرْضِ الطَّاعُونِ (١) (٢). وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُ القَولِ الآخَرِ بِأَنَّ الأَمْرَ بِاجْتِنَابِ المَجْذُومِ هُوَ لِدَفْعِ وَهْمِ وُجُودِ العَدْوَى أَصْلًا. قُلْتُ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْ جَوَابِهِم أُمُورٌ: أ- هَذَا التَّعْلِيلُ لَا دَلِيلَ صَرِيحَ عَلَيهِ؛ وَإنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ وَجْهٍ لِلتَّوفِيقِ فَقَط، وَالنَّفْيُ فِي قَولِهِ: ((لَا عَدْوَى)) لَهُ ثَلَاثَةُ أَوجُهٍ: فَالأَوَّلُ نَفْيٌ لِلْوُجُودِ، وَالثَّانِي نَفيٌ

стр. 593

لِلصِّحَّةِ، وَالثَّالِثُ نَفيٌ لِلكَمَالِ. وَهُنَا يُمْكِنُ الجَمْعُ بِالحَمْلِ عَلَى نَفي صِحَّةِ الاعْتِقَادِ الشَّائِعِ عِنْدَهُم، وَهَذَا أَولَى مِنْ إثْبَاتِ حَدِيثٍ وَتَعْطِيلِ مَعْنَى حَدِيثٍ. ب- فِي حَدِيثِ عَمْرو بْنِ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ رَسُول اللهِ ﷺ : (إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاك؛ فَارْجِعْ)) (١)، فَلَمْ يُصَافِحْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيعَتِهِ؛ وَهُوَ ﵊ سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ هَذَا الوَهْمِ لَا رَيبَ؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَلَمْ يُصَافِحْهُ! جـ- هَذَا الوَهْمُ الَّذِي جُعِلَ سَبَبَ الفِرَارِ مِنَ المَجْذُومِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالبَيَانِ، وَالبَيَانُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ أَوضَحُ مِنَ الإِشَارَةِ وَالإِيمَاءِ بِالأَوجُهِ البَعِيدَةِ لَو كَانَ هُوَ سَبَبَ نَفي العَدْوَى فِي الحَدِيثِ.

стр. 594

- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ مَنْفِيَّةً؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: ((الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالفَرَسِ)) (١)؟ الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - مِنْ جِهَةِ لَفْظِ الحَدِيثِ؛ فَالصَّوَابُ هُوَ: ((إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيءٍ؛ فَفِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ))، وَأَمَّا الحَدِيثُ مَوضُوعُ السُّؤَالِ فَهُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ يَظْهَرُ بِمَا يَلِي: أ- مُخَالَفَتُهُ لِأَحَادِيثِ البَابِ الصَّرِيحَةِ بِكَونِ الطِّيَرَةِ شِرْكٌ. ب- أَنَّ الحَدِيثَ التَّالِي لَهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ هُوَ أَيضًا عَنِ ابْنِ عُمَر وَلَكِنَّهُ بِلَفْظِ: ((إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيءٍ؛ فَفِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ)) (٢). ج- دَعْوَى أَنَّ الشُّؤمَ هُوَ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالمَسْكَنِ هُوَ عَقِيدَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ))، فَغَضِبَتْ، وَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الأَرْضِ (٣)، وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ؛ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَطُّ! إِنَّمَا قَالَ: ((كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ)) (٤).

стр. 595

د- أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُعَارِضُهُ وَهُوَ: ((لَا شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ اليُمْنُ فِي الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ)) (١). ٢ - مِنْ جِهَةِ فِقْهِ الحَدِيثِ -عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ-: أَنَّ الشَّؤْمَ هُنَا لَيسَ بمَعْنَى الطِّيَرَةِ الشِّركيَّةِ، وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى السَّبَبِ القَدَريِّ فِي حُصُولِ الخَيرِ أَوِ الشَّرِّ. وَهَذَا صَحِيحٌ لَا رَيبَ فِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَةِ المَرْءِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ يَسْعَدُ وَقَدْ يَسُوءُ. وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ بِالحَدِيثِ الآتِي: ((ثَلَاثَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ. فَمِنَ السَّعَادَةِ: المَرْأةُ الصَّالِحَةُ تَرَاهَا فَتُعْجِبُكَ، وَتَغِيبُ عَنْهَا فَتَأْمَنُها عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ وَطِيئَةً؛ فَتُلْحِقُكَ بِأَصْحَابِكَ، وَالدَّارُ تَكُونُ وَاسِعَةً كَثِيرْةَ المَرَافِقِ. وَمِنَ الشَّقَاءِ: المَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوءُكَ، وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا لَمْ

стр. 596

تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ! وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا (١)؛ فَإِنْ ضَرَبْتَها أَتْعَبَتْكَ وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تُلْحِقْكَ بِأَصْحَابِكَ! وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ المَرَافِقِ)) (٢). فَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ مِنْهَا مَا يُسْعِدُ وَمِنْهَا مَا يُشْقِي، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ وَلَيسَتْ مِنَ التَّطَيُّرِ أَصْلًا (٣). قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَبِالجُمْلَةِ فَإِخْبِارُهُ ﷺ بِالشُّؤْمِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَيسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّيَرَةِ الَّتِي نَفَاهَا، وَإنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه قَدْ يَخْلِقُ مِنْهَا أَعْيَانًا مَشْؤُمَةً عَلَى مَنْ قَارَبَهَا وَسَاكَنَهَا، وَأَعْيَانًا مُبَارَكَةً لَا يَلْحَقُ مَنْ قَارَبَهَا مِنْهَا شُؤْمٌ وَلَا شَرٌّ. وَهَذَا كَمَا يُعْطِي سُبْحَانَهُ الوَالِدَينِ وَلَدًا مُبَارَكًا يَرَيَانِ الخَيرَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُعْطِي غَيرَهُمَا وَلَدًا مَشْؤُمًا نَذْلًا يَرَيَانِ الشَّرَّ عَلَى وَجْهِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يُعْطَاهُ العَبْدُ مِنْ وِلايَةٍ أَو غَيرِهَا؛ فَكَذَلِكَ الدَّارُ وَالمَرْأَةُ وَالفَرَسُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالسُّعُودِ وَالنُّحُوسِ، فَيَخْلُقُ بَعْضَ هَذِهِ الأَعْيَانِ

стр. 597

سُعُودًا مُبَارَكَةً وَيَقْضِي بِسَعَادَةِ مَنْ قَارَنَهَا وَحُصُولِ اليُمْنِ لَهُ وَالبَرَكَةِ، وَيَخْلُقُ بَعْضَ ذَلِكَ نُحُوسًا يَتَنَحَّسُ بِهَا مَنْ قَارَنَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، كَمَا خَلَقَ سَائِرَ الأَسْبَابِ وَرَبَطَهَا بِمُسَبَّبَاتِهَا المُتَضَادَّةِ وَالمُخْتَلِفَةِ" (١). قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ تَبْوِيبَ البُخَارِيِّ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ فَقَالَ: "بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التَّغَابُن: ١٤] " (٢)، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَا يَكُونُ فِيهَا شَرٌّ لِزَوجِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهَا خَيرٌ. ثُمَّ أَورَدَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵄ مَرْفُوعًا: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)) (٣)، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ سَبَبِ الشُّؤْمِ فِيهَا، وَأَنَّ فِتْنَةَ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ مِنْ أَعْظَمِ الفِتَنِ، فَلِذَلكَ قَالَ: "بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ"، فَجَعَلَ تِلْكَ الفِتْنَةَ هِيَ سَبَبَ الشُّؤْمِ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ. فَرَحِمَ اللهُ البُخَارِيَّ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ.

стр. 598

- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يُشْرَعُ تَغْيِيرُ الأَسْمَاءِ لِدَفْعِ الطِّيَرَةِ؟ الجَوَابُ: نَعَم. وَلَكِنَّ المَقْصُودَ بِدَفْعِ الطِّيَرَةِ هُنَا هُوَ دَفْعُ تَطَيُّرِ النَّاسِ بِهَا، وَلِمَنْعِ تَوَّهُمِ كَونِ ذَلِكَ الشَّيءِ سَبَبًا لِحُصُولِ الطِّيَرَةِ. كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (مَرَّ بِأَرْضٍ تُسَمَّى غَدِرَةً؛ فَسَمَّاهَا خَضِرَةً) (١). قَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُشْكِلُ الآثَارِ) -فِي وَجْهِ كَرَاهِيةِ اسْمِهَا-: "أنْ يَنْزِلَهَا نَازِلٌ -وَاسْمُهَا عِنْدَهُ غَدِرَةٌ- فَيَتَطَيَّرُ بِذَلِكَ! فَحَوَّلَ ﷺ اسْمَهَا إِلَى خَضِرَة مِمَّا لَا طِيَرَةَ فِيهِ" (٢). قُلْتُ: وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا أَيضًا مَا ثَبَتَ مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (البَلَاءُ مُوَكَّلٌّ بِالقَولِ) (٣)، وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ أَدَبُ الأَلْفَاظِ أَيضًا بِذِكْرِ مَا يُسْتَبْشَرُ بِهِ عُمُومًا دُونَ ذِكْرِ مَا

стр. 599

يَسُوءُ وَلَو عَلَى سَبِيلِ احْتِمَالِ الوقُوعِ. وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ يَعْقُوبَ ﵇: " ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يُوسُف: ١٣] يُؤَكِّدُ أَنَّ البَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ، لِأَنَّهُم لَمْ يَعْتَلُّوا عَلَى أَبِيهِم إِلَّا بِالشَّيءِ نَفْسِهِ الَّذِي سَمِعُوهُ يَنْطِقُ بِهِ لَا غَيرَهُ" (١).

стр. 600

- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ مِنَ الشِّرْكِ! فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٣] (١)؟ الجَوَابُ: ذِكْرُ الطَّيرِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالطِّيَرَةِ المَعْرُوفَةِ، وَإنَّمَا المَقْصُودُ بِهِ عَمَلُ المَرْءِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "وَطَائِرُهُ هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدُ وَغَيرُهُمَا- مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَيُلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيهِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ - ٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانْفِطَار: ١٠ - ١٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطُّور: ١٦]، وَقَالَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٢٣] الآيَة، وَالمَقْصُودُ أَنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيهِ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَيُكْتَبُ عَلَيهِ لَيلًا وَنَهَارًا، صَبَاحًا وَمَسَاءً" (٣).
следующие страницы →