Полный текст (1 328 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ! وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا (١)؛ فَإِنْ ضَرَبْتَها أَتْعَبَتْكَ وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تُلْحِقْكَ بِأَصْحَابِكَ! وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ المَرَافِقِ)) (٢).
فَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ مِنْهَا مَا يُسْعِدُ وَمِنْهَا مَا يُشْقِي، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ وَلَيسَتْ مِنَ التَّطَيُّرِ أَصْلًا (٣).
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَبِالجُمْلَةِ فَإِخْبِارُهُ ﷺ بِالشُّؤْمِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَيسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّيَرَةِ الَّتِي نَفَاهَا، وَإنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه قَدْ يَخْلِقُ مِنْهَا أَعْيَانًا مَشْؤُمَةً عَلَى مَنْ قَارَبَهَا وَسَاكَنَهَا، وَأَعْيَانًا مُبَارَكَةً لَا يَلْحَقُ مَنْ قَارَبَهَا مِنْهَا شُؤْمٌ وَلَا شَرٌّ.
وَهَذَا كَمَا يُعْطِي سُبْحَانَهُ الوَالِدَينِ وَلَدًا مُبَارَكًا يَرَيَانِ الخَيرَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُعْطِي غَيرَهُمَا وَلَدًا مَشْؤُمًا نَذْلًا يَرَيَانِ الشَّرَّ عَلَى وَجْهِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُعْطَاهُ العَبْدُ مِنْ وِلايَةٍ أَو غَيرِهَا؛ فَكَذَلِكَ الدَّارُ وَالمَرْأَةُ وَالفَرَسُ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالسُّعُودِ وَالنُّحُوسِ، فَيَخْلُقُ بَعْضَ هَذِهِ الأَعْيَانِ стр. 597
سُعُودًا مُبَارَكَةً وَيَقْضِي بِسَعَادَةِ مَنْ قَارَنَهَا وَحُصُولِ اليُمْنِ لَهُ وَالبَرَكَةِ، وَيَخْلُقُ بَعْضَ ذَلِكَ نُحُوسًا يَتَنَحَّسُ بِهَا مَنْ قَارَنَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، كَمَا خَلَقَ سَائِرَ الأَسْبَابِ وَرَبَطَهَا بِمُسَبَّبَاتِهَا المُتَضَادَّةِ وَالمُخْتَلِفَةِ" (١).
قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ تَبْوِيبَ البُخَارِيِّ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ فَقَالَ: "بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التَّغَابُن: ١٤] " (٢)، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَا يَكُونُ فِيهَا شَرٌّ لِزَوجِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهَا خَيرٌ. ثُمَّ أَورَدَ البُخَارِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ ﵄ مَرْفُوعًا: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)) (٣)، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ سَبَبِ الشُّؤْمِ فِيهَا، وَأَنَّ فِتْنَةَ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ مِنْ أَعْظَمِ الفِتَنِ، فَلِذَلكَ قَالَ: "بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ"، فَجَعَلَ تِلْكَ الفِتْنَةَ هِيَ سَبَبَ الشُّؤْمِ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ. فَرَحِمَ اللهُ البُخَارِيَّ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ. стр. 598
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يُشْرَعُ تَغْيِيرُ الأَسْمَاءِ لِدَفْعِ الطِّيَرَةِ؟
الجَوَابُ: نَعَم.
وَلَكِنَّ المَقْصُودَ بِدَفْعِ الطِّيَرَةِ هُنَا هُوَ دَفْعُ تَطَيُّرِ النَّاسِ بِهَا، وَلِمَنْعِ تَوَّهُمِ كَونِ ذَلِكَ الشَّيءِ سَبَبًا لِحُصُولِ الطِّيَرَةِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (مَرَّ بِأَرْضٍ تُسَمَّى غَدِرَةً؛ فَسَمَّاهَا خَضِرَةً) (١).
قَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُشْكِلُ الآثَارِ) -فِي وَجْهِ كَرَاهِيةِ اسْمِهَا-: "أنْ يَنْزِلَهَا نَازِلٌ -وَاسْمُهَا عِنْدَهُ غَدِرَةٌ- فَيَتَطَيَّرُ بِذَلِكَ! فَحَوَّلَ ﷺ اسْمَهَا إِلَى خَضِرَة مِمَّا لَا طِيَرَةَ فِيهِ" (٢).
قُلْتُ: وَمِمَّا يَشْهَدُ لِهَذَا أَيضًا مَا ثَبَتَ مَوقُوفًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (البَلَاءُ مُوَكَّلٌّ بِالقَولِ) (٣)، وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ أَدَبُ الأَلْفَاظِ أَيضًا بِذِكْرِ مَا يُسْتَبْشَرُ بِهِ عُمُومًا دُونَ ذِكْرِ مَا стр. 599
يَسُوءُ وَلَو عَلَى سَبِيلِ احْتِمَالِ الوقُوعِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنْ يَعْقُوبَ ﵇: " ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يُوسُف: ١٣] يُؤَكِّدُ أَنَّ البَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالمَنْطِقِ، لِأَنَّهُم لَمْ يَعْتَلُّوا عَلَى أَبِيهِم إِلَّا بِالشَّيءِ نَفْسِهِ الَّذِي سَمِعُوهُ يَنْطِقُ بِهِ لَا غَيرَهُ" (١). стр. 600
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ مِنَ الشِّرْكِ! فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٣] (١)؟
الجَوَابُ:
ذِكْرُ الطَّيرِ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالطِّيَرَةِ المَعْرُوفَةِ، وَإنَّمَا المَقْصُودُ بِهِ عَمَلُ المَرْءِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢): "وَطَائِرُهُ هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدُ وَغَيرُهُمَا- مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَيُلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيهِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧ - ٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانْفِطَار: ١٠ - ١٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطُّور: ١٦]، وَقَالَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٢٣] الآيَة، وَالمَقْصُودُ أَنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيهِ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَيُكْتَبُ عَلَيهِ لَيلًا وَنَهَارًا، صَبَاحًا وَمَسَاءً" (٣). стр. 601
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: هَلْ قَولُهُ: ((وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ)) خَاصٌّ بِكَونِهِ كَلَامًا مُسْتَحْسَنًا، أَمْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى المَرْئِيِّ المُسْتَحْسَنِ أَيضًا؟
الجَوَابُ: يَتَعَدَّاهُ، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:
١ - أَنَّ العِلَّةَ فِي جَوَازِ الأَوَّلِ هُوَ كَونُهُ مِنْ بَابِ البِشْرِ بِحُصُولِ الخَيرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَإِذَا وُجِدَ فِي المَرْئِيِّ مَا يُبَشِّرُ بِخَيرٍ؛ فَهُوَ أَيضًا مَشْرُوعٌ، عَدَا عَنْ كَونِهِ لَيسَ فِيهِ عِلَّةُ النَّهْي عَنِ التَّطَيُّر الَّتِي هِيَ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى وَضَعْفُ التَّوَكُّلِ، وَرَجْمٌ بِالغَيبِ، واعْتِقَادُ حُصُولِ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ مِنْ غَيرِ اللهِ تَعَالَى.
٢ - أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى هَذَا أَيضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيبَرَ؛ وَفِيهِ أَنَّهُ عِنْدَمَا رَأَى أَهْلَهَا قَدْ خَرَجوا إِلَى أَعْمَالِهِم وَبِأَيدِيهِم الفُؤُوسُ وَالمَسَاحِيُّ اسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ خَرَابَ خَيبَرَ، فَقَالَ ﷺ : ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرَبَتْ خَيبَرُ)) (١).
قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ): "وَقَولُهُ: ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرَبَتْ خَيبَرُ)) قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا رَآهُم خَرَجُوا بِآلَةِ الخَرَابِ وَالهَدْمِ؛ لِقَولِهِ: (خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِم وَمَكَاتِلِهِم وَمُرُورِهِم)، وَهَذَا مِنَ الفَأْلِ الحَسَنَ فِي حَقِّهِ ﵇ وحَقِّ المُسْلِمِينَ -الَّذِي كَانَ يَسْتَحِبُّهُ- وَلَيسَ مِنَ الطِّيَرَةِ المَذْمُومَةِ" (٢). стр. 602
- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ هِيَ مَا أَمْضَاكَ أَو رَدَّكَ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا، فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى؛ فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((ذَرُوهَا ذَمِيمَةً)) (١)؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - دَرْءًا لِلمَفْسَدَةِ: فتَرْكُهَا لَيسَ مِنْ بَابِ التَّطَيُّر بِهَا، وَإنَّمَا لِدَرْءِ مَا قَدْ يُعْتَقَدُ مِنْ شُؤْمِهَا؛ فَيَقَعُ المُتَشَائِمُ بِهَا فِي الشِّركِ!
قَالَ صَاحِبُ عَونِ المَعْبُودِ: "قَالَ الخَطَّابِيُّ وَابْنُ الأَثِيرِ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إِبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِم مِنْ أَنَّ المَكْرُوهَ إِنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ السُّكْنَى، فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الوَهْمِ وَزَالَ عَنْهُمْ مَا خَامَرَهُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ" (٢).
٢ - أَنَّهَا سَبَبٌ قَدَرِيٌّ صَحِيحٌ لَيسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالطِّيَرَةِ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ الَّتِي إِذَا صَلَحَتْ سَعِدَ سَاكِنُهَا، وَإِذَا سَاءَتْ سَاءَ سَاكِنُهَا، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: ((الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالفَرَسِ)). стр. 603
- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: هَلْ قَولُ القَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِهِ مَا يُتَطَيَّرُ مِنْهُ عَادَةً: (خَيرٌ خَيرٌ)، أَو (خَيرٌ يَا طَيرُ) مَشْرُوعٌ لِرَدِّ التَّشَاؤُمِ؟
الجَوَابُ:
لَا يُشْرَعُ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مُدَاوَاةِ البِدْعَةِ بِالبِدْعَةِ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ (٢): "وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ فَصَاحَ، فَقَالَ رَجُلٌ: خَيرٌ خَيرٌ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مَا عِنْدَ هَذَا لَا خَيرٌ وَلَا شَرٌّ) " (٣).
وَأَمَّا حَدِيثُ قَولِ: (خَيرٍ خَيرٍ) عِنْدَ سَمَاعِ نَعِيقِ الغُرَابِ وَنَحوِهِ؛ فَلَيسَ بِحَدِيثٍ، وَهُوَ نَوعُ طِيَرَةٍ (٤). стр. 604
- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: هَلِ المَقْصُودُ بِقَولِهِ ﷺ : ((لَا غُول)) نَفيُ وُجُودِهِ؟
الجَوَابُ: لَا.
وَإنَّمَا المَقْصُودُ نَفيُ الاعْتِقَادِ بِهِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ المَزْعُومَةِ عِنْدَ العَرَبِ.
وَيَدُلُّ لِوُجُودِهِ:
١ - أَنَّ هَذَا شَائِعٌ مَعْرُوفٌ وُجُودُهُ عِنْدَ العَرَبِ.
قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: "غَالَهُ: أَهْلَكَهُ، كَاغْتَالَهُ وَأَخَذَهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَدْرِ. وَالغُولُ بِالضَّمِّ: الهَلَكَةُ، وَالدَّاهِيَةُ، وَالسِّعْلَاةُ، وَسَاحِرَةُ الجِنِّ، وَالمَنِيَّةُ، وَشَيطَانٌ يَأْكُلُ النَّاسَ" (١).
٢ - مَا ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِ الغُولِ، كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: (كَانَتْ لِي سَهْوَةٌ (٢) فِيهَا تَمْرٌ؛ فَكَانَتِ الغُولُ تَجِيءُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ) (٣).
بَلْ فِي القُرْآنِ مَا يُشِيرُ إِلَى وُجُودِهَا أَيضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧١] (٤). стр. 605
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (إِنَّ هَذَا الصِّرَاطَ مُحْتَضَرٌ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، يُنَادُونَ: يَا عَبادَ اللَّهِ؛ هَذَا الطَّرِيقُ! فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ حَبْلَ اللَّهِ الْقُرْآنُ) (١).
وَثَبَتَ أَيضًا أَنَّ الغِيلَانَ ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا؛ وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ؛ فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا) (٢). стр. 606
- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: كَيفَ يُدْفَعُ شَرُّ الغِيلَانِ؟
الجَوَابُ:
يُدْفَعُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
١ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، لِأَنَّ عَمَلَ الغُولِ حَقِيقَةً هُوَ التَّخْوِيفُ وَالسَّعْيُ فِي الإِضْلَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المُجَادِلَة: ١٠].
٢ - ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ:
أ- قِرَاءَةُ القُرْآنِ وَخَاصَّةً سُورَةَ البَقَرَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِر؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ)) (١) (٢).
ب- النِّدَاءُ بِالأَذَانِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيطَانُ وَلَهُ стр. 607
ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ)) (١).
وَثَبَتَ أَنَّ الغِيلَانَ ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: (إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا؛ وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ؛ فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا) (٢). стр. 608
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشَرَةَ: إِذَا كَانَتِ الطِّيَرَةُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: ((الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ)) (١)؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيَرَةَ تَقَعُ عَلَى المُتَطَيِّرِ؟!
الجَوَابُ:
إِنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ هُوَ إِثْبَاتُ مَا يَقَعُ فِي القَلْبِ لَا مَا يَقَعُ حَقِيقَةً فِي الوَاقِعِ، وَذَلِكَ مُوَافَقَةً لِلنُّصُوصِ المَعْرُوفَةِ فِي البَابِ، وَدَلَّ لِذَلِكَ لَفْظُ الحَدِيثِ نَفْسِهِ: ((الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ))، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ: ((وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا))، حَيثُ أَنَّ المُسْلِمَ يَدْفَعُ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ بِالتَّوَكُّلِ، وَأَمَّا الجَاهِلُ فَيَسْتَجِيبُ لَهَا بِقَلْبِهِ وَيَشْرَبُهَا حَتَّى تُؤْثِّرَ فِي اعْتِقَادِهِ؛ فَيَتَطَيَّرَ بِهَا!
قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: "مَنْ تَطَيَّرَ فَعَلَى نَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مَا تَطَيَّرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَتُهُ! وَلَكِنْ لَبَّسَهُ عَلَى نَفْسِهِ" (٢)! стр. 609
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ: مَا وَجْهُ النَّهْي فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ التَّسَمِّي بِـ (أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ)؟
وَمَا الجَمْعُ مَعَ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ فِي عَدَمِ النَّهْي؟
وَهَلِ النَّهْيُ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ؟
الجَوَابُ -مُرَتَّبًا عَلَى تَرْتِيبِ السُّؤَالِ-:
١ - بِدَايَةً؛ حَدِيثُ سَمُرَةَ هُوَ: (نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ) (١).
أَمَّا وَجْهُ النَّهْي؛ فَهُوَ مَا ذُكِرَ صَرَاحَةً فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِسَمُرَةَ: ((لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ. فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ؛ فَيَقُولُ: لَا! إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ)) (٢).
قَالَ البَغَوِيُّ ﵀: "مَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَقْصُدُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ التَّفَاؤُلَ بِحُسْنِ أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا، وَرُبمَا يَنْقَلِبُ عَلَيهِم مَا قَصَدُوهُ إِلَى الضِّدِّ إِذَا سَأَلُوا وَقَالُوا: أَثَمَّ يَسَارُ أَو نَجِيحُ؟ فَقِيلَ: لَا، فَتَطَيَّروا بِنَفْيِهِ، وَأَضْمَرُوا الإِيَاسَ مِنَ الْيُسْرِ وَالنَّجَاحِ!! فَنَهَاهُم عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يَجْلِبُ سُوءَ الظَّنِّ وَالإِيَاسَ مِنَ الْخَيرِ.
قَالَ حُمَيدُ بْنُ زَنْجوَيه (٣): "فَإِذا ابْتُلِيَ رَجُلٌ فِي نَفْسِهِ أَو أَهْلِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ стр. 610
الْأَسْمَاءِ؛ فَلْيُحَوِّلهُ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَقِيلَ: أَثَمَّ يَسَارُ؟ أَثَمَّ بَرَكَةُ؟ فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ يُقَالَ: (كُلُّ مَا هَاهُنَا يُسْرٌ وَبَرَكَةٌ وَالْحَمْد للهِ، وَيُوشِكُ أَنْ يَأتِيَ الَّذِي تُرِيدُ)، وَلَا يقَالُ: لَيسَ هَاهُنَا! وَلَا خَرَجَ! " (١).
وَيُشْبِهُ هَذَا حَدِيثَ: (كَانَتْ جُوَيرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ) (٢).
٢ - وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁: (أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ) (٣)، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ سَمُرَةَ وَجَابِر ﵄ أَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ، وَمَعْلُومٌ فِي الأُصُولِ أَنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، كَمَا أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي (تَهْذِيبِ الآثَارِ) (٤).
٣ - النَّهْيُ هُنَا هُوَ لِلكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أُمُورٌ:
أ- مَا نَقَلَهُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي (تَهْذِيبِ الآثَارِ) مِنَ الإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ стр. 611
التَّسْمِيَةِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ (١)؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هُنَا هُوَ لِلْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ -كَمَا أَفَادَهُ الطَّبَرِيُّ نَفْسُهُ- (٢).
ب- (قَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُلَامٌ اسْمُهُ رَبَاحُ، وَمَولى اسْمُهُ يَسَارُ) (٣)، وَمَعَ ذَلِكَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ! وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ:
- لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ فِي التَّسْمِيَةِ بِالرَّقِيقِ! وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الأَبْنَاءَ أَيضًا (٤).
- لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ الأَرْبَعِ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ! وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ أَسْمَاءَ أُخَر، وَلِقَولِهِ أَيضًا فِي الحَدِيثِ: (وَبِنَحْوِ ذَلِكَ).
قَالَ الإِمَاُم الطَّبَرِيُّ ﵀: "وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَجَنَّبَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِمَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَهُ شَبِيهًا؛ لِلْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفْنَا مِنْ كَرَاهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْمِيَتَهُ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَينَا عَنْهُ" (٥). стр. 612
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضُ ﵀: "وَقَولُ سَمُرَةَ: (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ؛ فَلَا تَزِيدُوا عَلَيَّ): يَعْنِي الَّتِي سَمِعَ وَرَوَى هُوَ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا ذَكَرْنَاهُ" (١).
- يَظْهَرُ مِنَ عِلَّةِ النَّهْي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالأَسْمَاءِ الَّتِي يَكُونُ قَصْدُ التَّسْمِيَةِ بِهَا عُمُومًا التَّفَاؤُلُ بِمَضْمُونِهَا؛ دُونَ سَائِرِ الأَسْمَاءِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. стр. 613
بابُ مَا جَاءَ فِي التَنْجِيمِ
قَالَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: "قَالَ قَتَادَةُ: (خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ؛ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا؛ فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيرَ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ) انْتَهَى" (١).
وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ القَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَينَةَ فِيهِ. ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا.
وَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢). стр. 614
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: الحِكْمَةُ فِي خَلْقِ النُّجُومِ.
الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيرَ ذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الخِلَافِ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلَ.
الرَّابِعَةُ: الوَعِيدُ فِيمَنْ صَدَّقَ بِشَيءٍ مِنَ السِّحْرِ؛ وَلَو عَرَفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
стр. 615
الشَّرْحُ
- عِلْمُ التَّنْجِيمِ: هُوَ عِلْمُ النُّجومِ، وَالتَّنْجِيمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (١):
١ - الاعْتِقَادُ بِأَنَّ النُّجُومَ هِيَ الَّتِي تُدبِّرُ الكَونَ وَتُصَرِّفُهُ، وَأَنَّهَا تُخَاطَبُ وَتُعْبَدُ وَتُدْعَى وَيُسَبَّحُ لَهَا! فَهَذَا النَّوعُ سِحْرٌ وَشِرْكٌ (٢).
٢ - عِلْمُ التَّأْثِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالأَحْوَالِ الفَلَكِيَّةِ عَلَى الحَوَادِثِ الأَرْضِيَّةِ، كَالاسْتِدْلَالُ بِمَوَاضِعِ النُّجُومِ مِنَ الاقْتِرْانِ وَالطُّلُوعِ عَلَى الأُمُورِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الأَرْضِ، وَهَذَا أَيضًا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى (٣).
وَلَكِنَّهُ عَلَى دَرَجَتَينِ:
أ- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا يَدَّعِي بِهِ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَيَسْتَدِلَّ بِحَرَكَاتِهَا وَتَنَقُّلَاتِهَا وَتَغَيُّرَاتِهَا стр. 616
عَلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَا وَكَذَا (١)! فَهَذَا اتَّخَذَ تَعَلُّمَ النُّجومِ وَسِيلَةً لِادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيبِ، وَدَعْوَى عِلْمِ الغَيبِ كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥]، وَهَذَا الأُسْلُوبُ اللُّغَوِيُّ فِي الحَصْرِ هُوَ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الحَصْرِ لِأَنَّهُ بِالنَّفِي وَالإِثْبَاتِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدٌ عِلْمَ الغَيبِ؛ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ.
ب- أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَبًا لِحُدُوثِ الخَيرِ وَالشَّرِّ، أَي: أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ شَيءٌ؛ نَسَبَهُ إِلَى النُّجُومِ، وَلَا يَنْسُبُ إِلَى النُّجُومِ شَيئًا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ (٢).
فَالدَّرَجَةُ الأُولَى هِيَ قَبْلَ الوُقُوعِ؛ وَهِيَ ادِّعَاءُ عِلْمِ الغَيبِ، وَالثَّانِيَةُ بَعْدَ الوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ بَيَانِ سَبَبِ الحُصُولِ حَيثُ لَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ سَبَبًا.
٣ - عِلْمُ التَّسْيِيرِ: وَهُوَ الاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ عَلَى الجِهَاتِ وَالأَوقَاتِ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَدْ يَجِبُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا (٣). стр. 617
وَهَذَا الاسْتِدْلَالُ أَيضًا يَكُونُ مِنْ جِهَتَينِ:
أ- الاسْتِدْلَالُ عَلَى الزَّمَانِ: كَالفُصُولِ وَدُخُولِ رَمَضَانَ وَالأَعْيَادِ وَمَوَاعِيدِ الزِّرَاعَةِ وَالحَصَادِ وَ …
ب- الاسْتِدْلَالُ عَلَى المَكَانِ: كَجِهَةِ القِبْلَةِ وَالجِهَاتِ الأَرْبَعَةِ وَ … (١)
- قَالَ الإِمَامُ الخَطَّابِيُّ ﵀: "عِلْمُ النُّجُومِ المَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُ التَّنْجِيمِ مِنْ عِلْمِ الكَوَائِنِ وَالحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وَسَتَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، كَإِخْبَارِهِم بِأَوقَاتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَجِيءِ المَطَرِ، وَظُهُورِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَتَغَيُّرِ الأَسْعَارِ، وَمَا كَانَ فِي مَعَانِيهَا مِنَ الأُمُورِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يُدْرِكُونَ مَعْرِفَتَهَا بِسَيرِ الكَوَاكِبِ فِي مَجَارِيهَا وَبِاجْتِمَاعِهَا وَاقْتِرَانِهَا، وَيَدَّعُونَ لَهَا تَأْثِيرًا فِي السُّفْلِيَّاتِ، وَأَنَّهَا تَتَصَرَّفُ عَلَى أَحْكَامِهَا وَتَجْرِي عَلَى قَضَايَا مُوجِبَاتِهَا، وَهَذَا مِنْهُم تَحَكُّمٌ عَلَى الغَيبِ، وَتَعَاطٍ لعِلْمٍ اسْتِأْثَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِهِ، لَا يَعْلَمُ الغَيبَ أَحَدٌ سِوَاهُ" (٢).
- فِي بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى كُلٍّ مِمَّا ذَكَرَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
الأَوَّلُ وَالثَّانِي: زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصَّافَات: ٦ - ٧].
الثَّالِثُ: عَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا. стр. 618
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النَّحْل: ١٥ - ١٦].
- قَولُهُ: (وتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ): لِأَنَّ النُّجُومَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ البَشَرُ شَأْنَ خَفَايَاهَا إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنْهَا، وَالمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِالكَفِّ عَنْهَا إِلَّا فِي حُدُودِ مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ بَيَانُهُ كَمَا بَيَّنَهُ قَتَادَةُ ﵀.
وَفِي الحَدِيثِ: ((إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأَمْسِكُوا، وَإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا)) (١).
- أَثَرُ قَتَادَةَ ﵀ بِتَمَامِهِ -كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-: "وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللهِ؛ قَدْ أَحْدَثُوا مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا! ومَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا! وَمَنْ وُلِدَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا!
وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلَّا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، وَالقَصِيرُ وَالطَّوِيلُ، وَالحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا عِلْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيرِ بِشَيءٍ مِنَ الغَيبِ؟! وَقَضَى اللهُ أَنَّهُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّمْل: ٦٥] " (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَهُوَ كَلَامٌ جَلِيلٌ مَتِينٌ صَحِيحٌ" (٣).
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀: (ورَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِذَلِكَ العِلْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يُونُس: ٥] وَظَاهِرُ الآيَةِ أَنَّ حُصُولَ стр. 619
المِنَّةِ بِهِ هِيَ فِي تَعَلُّمِهِ، وَهُوَ دَلِيلُ الجَوَازِ (١).
- (حَرْبٌ): هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ الكِرْمَانِيُّ؛ الفَقِيهُ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَهُ كِتَابُ (المَسَائِلُ) الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، (ت ٢٨٠ هـ).
- (إِسْحَاقُ): هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ؛ أَبُو يَعْقُوبَ؛ الحَنْظَلِيُّ النَيسَابُورِيُّ؛ الإِمَامُ المَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوِيه، قَالَ أَحْمَدُ: إِسْحَاقُ عِنْدَنا إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، (ت ٢٣٩ هـ).
- قَولُهُ: (وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ) (٢): قَصَدَ بِهِ المُصَنِّفُ هُنَا التَّصْدِيقَ بِعِلْمِ النُّجُومِ المَذْمُومِ، وَالإِقْرَارَ بِصِحَّتِهِ وَالعَمَلَ بِهِ (٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّ التَّنْجِيمَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ كَمَا قَالَ ﵊: ((مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ)) (٤). стр. 620
- قَولُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ): هُوَ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ.
وَفِي ظَاهِرِهَا إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُفهَمُ مِنْهَا الكُفْرُ المُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَأَنَّ صَاحِبَهَا خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، رُغْمَ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ لَيسَ بِشِرْكٍ أَصْلًا!
وَفِي الجَوَابِ عَلَيهَا أَقْوَالٌ (١):
١ - مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وَالخَوَارِجِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِظَاهِرِ نُصُوصِ الوَعِيدِ (٢)، فَيَرَونَ الخُرُوجَ مِنَ الإِيمَانِ بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ، لَكِنَّ الخَوَارِجَ يَقُولُونَ: هُوَ كَافِرٌ، وَالمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَينَ المَنْزِلَتَينِ، وَتَتَّفِقُ الطَائِفَتَانِ عَلَى أَنَّهُم مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، فَيُجْرُونَ هَذَا الحَدِيثَ وَنَحْوَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الأَحَادِيثِ الأُخْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ إِيمَانُ -وَإِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ مَآلًا.
وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ مِنَ الخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلإِجْمَاعِ (٣).
٢ - أَنَّ هَذَا الوَعِيدَ هُوَ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ هَذَا الفِعْلَ (٤). стр. 621
٣ - أَنَّ نُصُوصَ الوَعِيدِ هَذِهِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَعْنَاهَا، بَلْ يُقَالُ: هَكَذَا قَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ وَنَسْكُتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، كَمَالِكٍ وَغَيرِهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ (١).
٤ - أَنَّ هَذَا نَفْيٌ مُطْلَقٌ، وَالنَّفْيُ المُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى المُقَيَّدِ، فَيُقَالُ: لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ دُخُولًا مُطْلَقًا -يَعْنِي لَا يَسْبِقُهُ عَذَابٌ-، وَلَكِنَّهُم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ دُخُولًا يَسْبِقُهُ عَذَابٌ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِم -إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُم أَولًا-، ثُمَّ مَرْجِعُهُم إِلَى الجَنَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُلَائِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى القَوَاعِدِ وَأَبْيَنُ حَتَّى لَا تَبْقَى دِلَالَةُ النُّصُوصِ غَيرَ مَعْلُومَةٍ، فَتُقَيَّدُ النُّصُوصُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ (٢). стр. 622
٥ - أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ حَرِيٌّ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِسُوءِ الخَاتِمَةِ، فَيَمُوتَ كَافِرًا، فَيَكُونُ هَذَا الوَعِيدُ هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ حَالُهُ إِلَيهِ (١).
- فَائِدَة ١: مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا العَصْرِ بِوُضُوحٍ -مَعَ غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهُ- مَا يَكْثُرُ فِي المَجَلَّاتِ وَيُسَمُّونَه الأَبْرَاجَ، وَيَجْعَلُونَ أَمَامَ كُلِّ بُرْجٍ مَا سَيَحْصُلُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ المَرْءُ مَولُودًا فِي ذَلِكَ البُرْجِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَهُ: سَيَحْصُلُ لَكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَذَا وَكَذَا (٢)!
وَهَذَا هُوَ التَّنْجِيمِ الَّذِي هُوَ ادِّعَاءُ التَأْثِيرِ. وَالاسْتِدْلَالُ بِالنُّجُومِ وَالبُرُوجِ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الأَرْضِ وَعَلَى مَا سَيَحْصُلُ فِيهَا؛ هُوَ نَوعٌ مِنَ الكِهَانَةِ، وَوُجُودُهُ فِي стр. 623
المَجَلَّاتِ وَالجَرَائِدِ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ هُوَ وُجُودٌ لِلكُهَّانِ فِيهَا، فَهَذَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ إِنْكَارًا لِلشِّرْكِ، وَلِادِّعَاءِ مَعْرِفَةِ الغَيبِ، وَلِأَنَّ التَّنْجِيمَ مِنَ السِّحْرِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَيَجِبُ إِنْكَارُهُ عَلَى كُلِّ صَعِيدٍ (١).
- فَائِدَة ٢: الَّذِي يُقْبَلُ قَولُهُ فِي الاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ عَلَى الزَّمانِ وَالمَكَانِ إِنَّمَا هُوَ مَنْ تَوَفَّرَ فِيهِ شَرْطَانِ:
١ - أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ خِبْرَةٍ فِي ذَلِكَ.
٢ - أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا فِي دِينِهِ، حَرِيصًا عَلَى أَمْرِ شَرِيعَتِهِ.
قَالَ الإِمَامُ الخَطَّابِيُّ ﵀: "وَأَمَّا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ النُّجُومِ عَلَى جِهَةِ القِبْلَةِ؛ فَإِنَّمَا هِيَ كَوَاكِبُ رَصَدَهَا أَهْلُ الخِبْرَةِ بِهَا مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا نَشُكُّ فِي عِنَايَتِهِم بِأَمْرِ الدِّينِ وَمَعْرِفَتِهِم بِهَا وَصِدْقِهِم فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْهَا، مِثْلَ أَنْ يُشَاهِدُوهَا بِحَضْرَةِ الكَعْبَةِ وَيُشَاهِدُوهَا فِي حَالِ الغَيبَةِ عَنْهَا، فَكَانَ إِدْرَاكُهُم الدِّلَالَةَ عَنْهَا بِالمُعَايَنَةِ، وَإِدْرَاكُنَا لِذَلِكَ [هُوَ] بِقَبُولِنَا لِخَبَرِهِم إِذْ كَانُوا غَيرَ مُتَّهَمِينَ فِي دِينِهِم وَلَا مُقَصِّرِينَ فِي مَعْرِفَتِهِم" (٢). стр. 624
بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٨٢].
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ)). وَقَالَ: ((النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوتِهَا؛ تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
وَلَهُمَا عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁؛ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ. قَالَ: ((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوكَبِ)) (٢).
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: "قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٧٥ - ٨٢] " (٣). стр. 625
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الوَاقِعَةِ.
الثَّانِيَةُ: ذِكْرُ الأَرْبَعِ الَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ.
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الكُفْرِ فِي بَعْضِهَا.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الكُفْرِ مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ.
الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ)) بِسَبَبِ نُزُولِ النِّعْمَةِ.
السَّادِسَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْإِيمَانِ فِي هَذَا المَوضِعِ.
السَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْكُفْرِ فِي هَذَا المَوضِعِ.
الثَّامِنَةُ: التَّفَطُّنُ لِقَولِهِ: (لَقَدْ صَدَقَ نَوءُ كَذَا وَكَذَا).
التَّاسِعَةُ: إِخْرَاجُ العَالِمِ لِلْمُتَعَلِّمِ المَسْأَلَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْهَا، لِقَولِهِ: ((أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)).
العَاشِرَةُ: وَعِيدُ النَّائِحَةِ.
стр. 626
الشَّرْحُ
- الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْواءِ: هُوَ نِسْبَةُ السُّقْيَا إِلَى الأَنْوَاءِ، وَالأَنْوَاءُ هِيَ النُّجُومُ، يُقَالُ لِلنَّجْمِ نَوءٌ، وَالعَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ النُّجُومَ وَالأَنْوَاءَ سَبَبٌ فِي نُزُولِ المَطَرِ (١).
وَنَاءَ لُغَةً: أَي: نَهَضَ وَطَلَعَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنَّوءِ الغُرُوبَ، وَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ (٢).
وَالنَّوءُ: وَاحِدُ الأَنْوَاءِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَومًا تَقْرِيبًا، وَكُلُّ نَجْمٍ مِنْهَا إِذَا طَلَعَ فِي المَشْرِقِ وَقَعَ حَالَ طُلُوعِهِ آخَرُ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يَزَالُ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الثَّمَانِيَةُ وَالعِشْرُونَ بِانْتِهَاءِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ مَعَ سُقُوطِ المَنْزِلَةِ وَطُلُوعِ نَظِيرِهَا يَكُونُ مَطَرٌ، فَيَنْسِبُونَهُ إِلَيهَا فَيَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا! وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَوءًا لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ السَّاقطُ مِنْهَا بِالغَرْبِ نَاءَ الطَّالِعُ بِالشَّرْقِ (٣).
- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ هُوَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الاسْتِسْقَاءَ بِالأَنْوَاءِ نَوعٌ مِنَ التَّنْجِيمِ.
٢ - أَنَّهُ مِنَ السِّحْرِ بِمَعْنَاهُ العَامُّ.
٣ - أَنَّهُ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، لِأَنَّهُ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ، حَيثُ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى غَيرِهِ -يَعْنِي: مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ- فَهُوَ كُفْرٌ أَصْغَرُ. стр. 627
- الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ شِرْكٌ، وَهُوَ ثَلَاثُ حَالَاتٍ:
١ - أَنْ يَدْعُوَ الأَنْوَاءَ بِالسُّقْيَا، فَيَسْتَغِيثَ بِهَا مِنْ دُونِ اللهِ ! وَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ، وَهُوَ مِنْ جَانِبِ الأُلُوهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].
٢ - أَنْ يَنْسِبَ حُصُولَ الأَمْطَارِ إِلَى هَذِهِ الأَنْوَاءِ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الفَاعِلَةُ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ تَعَالَى -وَلَو لَمْ يَدْعُهَا-، فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ.
٣ - أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الأَنْوَاءَ سَبَبًا لِلمَطَرِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الفَاعِلُ؛ وَهُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ (١).
- (أَبُو مَالِكٍ): هُوَ الحَارِثُ بْنُ الحَارِثِ الشَّامِيُّ، صَحَابِيٌّ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ اثْنَانُ غَير هَذَا.
- قَولُهُ: ((مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ)) فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ مَذْمُومٌ، وَهُوَ أَمْرُ مَا قَبْلَ البَعْثَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)) (٢).
- ((الجَاهِلِيَّةُ)) مُشْتَقَّةٌ إِمَّا مِنَ الجَهْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ العِلْمِ، أَو مِنَ الجَهَالَةِ الَّتِي هِيَ السَّفَهُ؛ وَهِيَ ضِدُّ الحِكْمَةِ. стр. 628
- قَولُهُ: ((الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ)) يَعْنِي عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالرِّفْعَةِ.
وَفِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَها بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أنْتُمْ بَنُو آدَمَ؛ وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ. لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أو لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجُعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ)) (١).
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً؛ فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى ﵇ أَنْ قُلْ لهَذَينِ المُنْتَسِبَينِ: أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي -أَوِ المُنْتَسِبُ- إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ؛ فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا المُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَينِ فِي الجَنَّةِ؛ فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ)) (٢).
- قَولُهُ: ((وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ)) هُوَ الطَّعْنُ فِي نَسَبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَالتَّكْذِيبُ بِنَسَبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِغَيرِ دَلِيلٍ وَمِنْ غَيرِ حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ قَاعِدَةً هُنَا، وَهِيَ (أَنَّ النَّاسَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِم) (٣)، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذِكْرِ النَّسَبِ وَأَنَّ فُلَانًا يَنْتَسِبُ إِلَى آلِ فُلَانٍ أَو إِلَى القَبِيلَةِ الفُلَانِيَّةِ؛ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيهِ أَثَرٌ شَرْعِيٌّ أَو مَادِّيٌّ كَإِعْطَاءِ حَقٍّ لِغَيرِ أَهْلِهِ، أَو مِيرَاثٍ стр. 629
وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَى أَنْسَابِهِم (١).
- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي الحَدِيثِ: "وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ مَعَ فَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ قَدْ يَكُونُ فِيهِ بَعْضُ هَذِهِ الخِصَالِ المُسَمَّاةِ بِجَاهِلِيَّةٍ وَيَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ كُفْرَهُ وَلَا فِسْقَهُ" (٢).
قُلْتُ: وَالمُرَادُ بِالخِصَالِ الجَاهِلِيَّةِ هُنَا: الخِصَالُ العَمَلِيَّةُ لَا الاعْتِقَادِيَّةُ.
- قَولُهُ: ((وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ)) هُوَ نِسْبَةُ السُّقْيَا إِلَى النُّجُومِ، وَيَشْمَلُ أَيضًا مَا هُوَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تُطْلَبَ السُّقْيَا مِنَ النُّجُومِ، كَحَالِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الحَوَادِثَ الأَرْضِيَّةَ تَحْصُلُ بِالنُّجُومِ نَفْسِهَا، وَهَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الرُّبُوبِيَّةِ.
- قَولُهُ: ((وَالنِّيَاحَةُ)) النِّيَاحَةُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَهِيَ رَفْعُ الصَّوتِ عِنْدَ المُصِيبَةِ (٣)، وَشَقُّ الجَيبِ وَنَحْو ذَلِكَ، وَهِيَ مُنَافِيَةٌ لِلصَّبْرِ الوَاجِبِ (٤).
وَإِنَّمَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةً لِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:
١ - أَنَّهَا لَا تَزِيدُ النَّائِحَ إِلَّا شِدَةً وَحُزْنًا وَعَذَابًا.
٢ - أَنَّهَا تُهَيِّجُ أَحْزَانَ غَيرِهِ.
٣ - أَنَّهَا تَسَخُّطٌ عَلَى قَدَرِهِ تَعَالَى وَاعْتِرَاضٌ عَلَيهِ. стр. 630
٤ - أَنَّهَا لَا تَرُدُّ القَضَاءَ، وَلَا تَرْفَعُ مَا نَزَلَ.
- قَولُهُ: ((تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ)) أَي: تُقَامُ مِنْ قَبْرِهَا.
- قَولُهُ: ((وَعَلَيهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ)) السِّرْبَالُ: الثَّوبُ السَّابِغُ كَالدِّرْعِ، وَالقَطِرَانُ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ النُّحَاسُ المُذَابُ.
- قَولُهُ: ((وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)) الجَرَبُ: مَرْضٌ مَعْرُوفٌ يَكُونُ فِي الجِلْدِ، يُؤَرِّقُ الإِنْسَانَ، وَرُبَّمَا يَقْتُلُ الحَيَوَانَ، وَالمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جِلْدِهَا يَكُونُ جَرَبًا بِمَنْزِلَةِ الدِّرْعِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ قَطِرَانٌ وَجَرَبٌ زَادَ البَلَاءُ.
وَالحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّها لَمَّا لَمْ تَتَلَبَّسْ بِلِبَاسِ الصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ؛ فَإِنَّهَا تُعَاقَبُ بِلِبَاسِ العَذَابِ وَهُوَ سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ، فَكَانَتِ العُقُوبَةُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ.
- (الحُدَيبِيَّةُ) فِيهَا لُغَتَانِ: التَّخْفِيفُ -وَهُوَ أَكْثَرُ-، وَالتَّشْدِيدُ، وَهِيَ اسْمُ بِئْرٍ سُمِّيَ بِهَا المَكَانُ، وَهَذَا المَكَانُ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ؛ بَعْضُهُ فِي الحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الحَرَمِ، نَزَلَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الهِجْرَةِ لَمَّا قَدِمَ مُعْتَمِرًا، فَصَدَّهُ المُشْرِكونُ عَنِ البَيتِ، وَيُسَمَّى الآنَ (الشّمِيسِيُ).
- قَولُهُ: ((سَمَاءٍ)) أَي: مَطَرٍ، وَأُطلقَ عَلَيهِ (سَمًا) لِكَونِهِ يَنْزِلُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ، وَكُلّ جِهَةِ عُلُوٍ تُسَمَّى سَمَاءً (١).
- قَولُهُ: (كَانَتْ مِنَ اللَّيلِ): (مِنْ) هُنَا لِابْتِدَاءِ الغَايَةِ، يَعْنِي ابْتَدَأَ المَطَرُ مِنَ اللَّيلِ.
- فِي حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ بَيَانٌ لِلقَاعِدَةِ الهَامَّةِ فِي الشِّرْكِ الأَصْغَرِ، وَهِيَ: (أَنَّ стр. 631
مَنْ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى -الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهَا إِلَّا هُوَ- إِلَى غَيرِهِ؛ أَنَّهُ يَكُونُ مُشْرِكًا شِرْكًا أَصْغَر)، حَيثُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى النَّوءِ قِيلَ فِيهِ: (كَافِرٌ بِي)، وَهُوَ أَصْغَرُ لِأَنَّهُم لَمْ يَرْتَدُّوا بِذَلِكَ.
قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَذَلِكَ أَنَّ القَائِلَ لِذَلِكَ نَسَبَ مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى -الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ غَيرُهُ- إِلَى خَلْقٍ مُسَخَّرٍ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا قُدْرَةَ لهُ عَلَى شَيءٍ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرْكًا أَصْغَرَ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (١).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ لِلنَّوءِ تَأْثِيرًا فِي إِنْزَالِ المَطَرِ فَهَذَا كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَالمُشْرِكُ كَافِرٌ. وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ نِعْمَةَ اللهِ إِلَى غَيرِهِ، وَلِأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلِ النَّوءَ سَبَبًا لِإِنْزَالِ المَطَرِ فِيهِ، وَإِنِّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ يَحْبِسُهُ إِذَا شَاءَ وَيُنْزِلُهُ إِذَا شَاءَ" (٢).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ يَعْنِي: وَتَجْعَلُونَ (رِزْقَكُم) بِمَعْنَى (شُكْرَكُم) أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ، أَي: تُكَذِّبُونَ بَدَلَ الشُّكْرِ (٣).
وَالتَّكْذِيبُ يَشْمَلُ وَجْهَينِ: تَكْذِيبَ القُرْآنِ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، وَالآخَرَ أَنَّهُم نَسَبُوا المَطَرَ إِلَى الأَنْوَاءِ؛ فَكَانَ تَكْذِيبًا стр. 632
بِالدِّينِ، أَي بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (مَا مُطِرَ قَومٌ قَطُّ إِلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُم كَافِرًا، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذا وَكَذا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) (١)، وَهَذَا الوَجْهُ هُوَ المَقْصُودُ فِي البَابِ.
وَقَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: "بَيَانُ أَنَّ مَا أَصَابَ العِبَادَ مِنْ خَيرٍ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرَوهُ مِن قِبَلِ الوَسَائِطِ الَّتِي جَرَتِ العَادَةُ بِأَنْ تَكُن أَسْبَابًا! بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَرَوهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُقَابِلُونَه بِشُكْرٍ -إِنْ كَانَ نِعْمَةٌ-، أَو صَبْرٍ -إِنْ كَانَ مَكْرُوهًا- تَعَبُّدًا لَهُ وَتَذَلُّلًا" (٢).
- (القُرْآنُ الكَرِيمُ)؛ الكَرِيمُ فِيهِ مَعْنَيَانِ:
١ - الحَسَنُ البَهِيُّ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي ذَاتِهِ (٣).
٢ - الكَثِيرُ العَطَاءِ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي العَطَاءِ.
- قَولُهُ: ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٤): اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الكِتَابِ عَلَى قَولَينِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ اللَّوحُ المَحْفُوظُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ فِيهِ كُلَّ شَيءٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ الصُّحُفُ الَّتِي فِي أَيدِي المَلَائِكَةِ. стр. 633
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَصِحُّ قَولُ: مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا، أَو بِسَعْدِ السُّعُودِ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ وَقْتٌ لِذَلِكَ -؟
الجَوَابُ:
مِنْ جِهَةِ المَعْنَى: يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ البَاءَ هِيَ ظَرْفِيَّةٌ؛ وَلَيسَتْ سَبَبيَّةً، فَيَكُونُ المَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ ظُهُورِ نَوءِ كَذَا، أَو مُطِرْنَا فِي وَقْتِ دُخُولِ سَعْدِ السُّعُودِ.
وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الاسْتِعْمَالِ: يُخْشَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا أَنْ تُفهمَ عَلَى غَيرِ هَذَا المُرَادِ، خَاصَّةً وَقَدْ شَاعَ اسْتِخْدَامُهَا عِنْدَ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَكِنْ بِالمَعْنَى الفَاسِدِ، لِذَلِكَ فَالأَولَى تَرْكُهَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذّرَائِعِ، وَالاسْتِعَاضَةُ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ: (فِي وَقْتِ كَذَا) الدَّالِ عَلَى الظَّرْفيَّةِ بِشَكْلٍ أَصْرَحَ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَأَعْلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيهِ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي (الأُمِّ) (٢): مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا -عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ المَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوءِ كَذَا- فَذَلِكَ كُفْرٌ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِأَنَّ النَّوءَ وَقْتٌ؛ وَالوَقْتَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيرِهِ شَيئًا، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوءِ كَذَا -عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا- فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيرُهُ مِنَ الكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ стр. 634
مِنْهُ. يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ الحَدِيثِ: (أَي حَدِيثُ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ) " (١).
وَنَقَلَ البَيهَقِيُّ ﵀: "قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ -يَومَ جُمُعَةٍ؛ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ-: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَامَ العَبَّاسُ؛ فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيءٌ إِلَّا العَوَّاء.، فَدَعَا وَدَعَا النَّاسُ حَتَّى نَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ، فَمُطِرَ مَطَرًا أُحْيَا النَّاسُ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَولُ عُمَرَ ﵁ هَذَا؛ يُبَيِّنُ مَا وَصَفْتُ، لأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثُّرَيَّا؟ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ الأَمْطَارَ فِي أَوقَاتٍ -فِيمَا جَرَّبُوا- كَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ قَدَّرَ الحَرَّ وَالبَرْدَ -فِيمَا جَرَّبُوا- فِي أَوقَاتٍ" (٢). стр. 635
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَصِحُّ قَولُ مَنْ يُجِيبُ عَنْ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الكَونِيَّةِ (غَيرِ الشَّرْعِيَّةِ) بِقَولِهِ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)؟
الجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ لِأَمْرَينِ:
١ - وَفَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَانْقِطَاعُهُ عَنْ عِلْمِ الدُّنْيَا اليَومَ (١).
٢ - أَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ -مِنْ جِهَةِ العِلْمِ- عَنْ سَائِرِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ أَصْلًا هُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَلَيسَ أُمُورَ الدُّنْيَا (٢). следующие страницы →