← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

- حُكْمُ مُنْكِرِ الصِّفَاتِ: يَجِبُ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَى المُسْلِمِ بِكُفْرٍ أَو فِسْقٍ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرَينِ: ١ - دِلَالَةِ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا القَولَ أَوِ الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلكُفْرِ أَوِ الفِسْقِ. ٢ - انْطِبَاقِ هَذَا الحُكْمِ عَلَى القَائِلِ المُعَيَّنِ أَوِ الفَاعِلِ المُعَيَّنِ؛ بِحَيثُ تَتِمُ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ فِي حَقِّهِ وَتَنْتَفِي المَوَانِعُ. وَمِنْ أَهَمِّ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُخَالَفَتِهِ الَّتِي أَوجَبَتْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا؛ وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١١٥]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التَّوبَة: ١١٥]. وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الفَرَائِضِ إِذَا كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ. وَمِنَ المَوَانِعِ أَنْ يَقَعَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ أَوِ الفِسْقَ بِغَيرِ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَفْعَلَهُ لِدَاعِي الإِكْرَاهِ لَا اطْمِئْنَانًا بِهِ، فَلَا يَكْفُرُ حِينَئِذٍ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]. وَمِنْهَا: أَنْ يُغْلَقَ عَلَيهِ فِكْرُهُ؛ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَو حُزْنٍ أَو خَوفٍ أَو

стр. 807

نَحْوِ ذَلِكَ، كَالحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ قَولُ الرَّجُلِ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ))! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (٢): "هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا -وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي- أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ إِلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيهِ الحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الخَطَأَ فِي المَسَائِلِ الخَبَرِيَّةِ القَولِيَّةِ (٣) وَالمَسَائِلِ العَمَلِيَّةِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ". وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَن َّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ القَولِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَينَ الإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ. وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الأُصُولِ الكِبَارِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ

стр. 808

الوَعِيدِ؛ فَإِنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ كَقَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا)؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَولِ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: (مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا)، ثُمَّ الشَّخْصُ المُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الوَعِيدِ فِيهِ بِتَوبَةٍ أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَو مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنَ الوَعِيدِ، فَإِنَّهُ -وَإِنْ كَانَ القَولُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ- لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ أَو نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيهِ الحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَو سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَو عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوجَبَ تَأْوِيلَهَا -وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا-، وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الحَدِيثَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: ((إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي اليَمِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ. فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ)). فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ! وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ. وَالمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ الحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَولَى بِالمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا". وَبِهَذَا عُلِمَ الفَرْقُ بَينَ القَولِ وَالقَائِلِ، وَبَينَ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ، فَلَيسَ كُلُّ قَولٍ أَو فِعْلٍ -يَكُون فِسْقًا أَو كُفْرًا يُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ أَو فَاعِلِهِ بِذَلِكَ، لَكِنْ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيرِ الإِسْلَامِ أُعْطِيَ أَحْكَامَ الكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، ومَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ فَأَصَرَّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ تَبَعًا

стр. 809

لِاعْتِقَادٍ كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَو مَتْبُوعٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَو دُنْيَا كَانَ يُؤْثِرُهَا؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ المُخَالَفَةُ مِنْ كُفْرٍ أَو فُسُوقٍ (١) (٢).

стр. 810

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٧]. قَالَ مُجَاهِدٌ مَا مَعْنَاهُ: هُوَ قَولُ الرَّجُلِ: هَذَا مَالِي، وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي. وَقَالَ عَونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يَقُولُونَ: لَولَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا (١). وَقَالَ ابْنُ قُتَيبَةَ: يَقُولُونَ: هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا (٢). وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ -بَعْدَ حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الَّذِي فِيهِ: ((وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ)) - الحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ: "وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضِيفُ إِنْعَامَهُ إِلَى غَيرِهِ وَيُشْرِكُ بِهِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ كَقَولِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةٍ كَثِيرَةٍ" (٣).

стр. 811

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ مَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ وَإِنْكَارِهَا. الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةٍ كَثِيرَةٍ. الثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ هَذَا الكَلَامِ إِنْكَارًا لِلنِّعْمَةِ. الرَّابِعَةُ: اجْتِمَاعُ الضِّدَّينِ فِي القَلْبِ.

стр. 812

الشَّرْحُ - هَذَا البَابُ ذَكَرَهُ الشَّيخُ ﵀ بَعْدَ بَابِ (مَنْ جَحَدَ شَيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) لِأَنَّه مِنْ جِنْسِهِ، فَفِيهِ تَنَقُّصٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَالَّذِي يَجْحَدُ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ قَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يُضُيفُ النِّعَمَ إِلَى غَيرِ اللهِ فَقَدْ تَنَقَّصَ الرُّبُوبِيَّةَ. - هَذِهِ الآيَةُ هِيَ مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ النِّعَمِ، لِأَنَّ اللهَ عَدَّدَ فِيهَا كَثِيرًا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٨]. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ﴾ أَي: يُدْرِكُونَ بِحَوَاسِّهِم أَنَّ النِّعْمَةَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. - قَولُهُ: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مُفْرَدَةٌ مُضَافَةٌ؛ وَالمُرَادُ بِهَا الجَمْعُ، وَالقَاعِدَةُ اللُّغَوِيَّةُ: أَنَّ المُفْرَدَ المُضَافَ يَعُمُّ. - قَولُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَي: يُنْكِرونَ إِضَافَتَهَا إِلَى اللهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُم يُضِيفُونَهَا إِلَى السَّبَبِ غَافِلِينَ عَنِ المُسَبِّبِ الَّذِي هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَلَيسَ المَعْنَى أنَّهُم يُنْكِرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ مِثَلَ أَنْ يَقُولُوا: مَا جَاءَنَا مَطَرٌ أَو وَلَدٌ أَو صِحَّةٌ! وَلَكِنْ يُنْكِرُونَهَا بِإضَافَتِهَا إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى غَافِلِينَ عَنِ الَّذِي خَلَقَ السَّبَبَ فَوُجِدَتْ بِهِ النِّعْمَةُ (١). - فِي هَذِهِ الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ إِضَافَةَ النِّعَمِ إِلَى غَيرِ اللهِ نَقْصٌ فِي كَمَالِ التَّوحِيدِ، وَنَوعُ شِرْكٍ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالآيَةُ الكَرِيمَةُ -وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّ المَقْصُودَ بِالنِّعْمَةِ فِيهَا هُوَ بَعْثَةُ الرَّسُولِ الكَرِيمِ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢) - فَعُمُومُهَا صَحِيحٌ، وَيَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ إِنْكَارَ

стр. 813

النِّعَمِ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ سُمِّيَ كُفْرًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بالأَنْوَاءِ)، والقَاعِدَةُ المَشْهُورَةُ فِي التَّفْسِيرِ تَقُولُ: (العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ). - مَنْ أَضَافَ نِعْمَةَ الخَالِقِ إِلَى غَيرِهِ؛ فَقَدْ جَعَلَ مَعَهُ شَرِيكًا فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ: ١ - فَإِضَافَتُهَا إِلَى السَّبَبِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ؛ هَذَا إِخْلَالٌ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. ٢ - تَرْكُ القِيَامِ بِالشُّكْرِ -الَّذِي هُوَ العِبَادَةُ- هُوَ إِخْلَالٌ بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. - قَولُهُ: (هَذَا مَالِي وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي)، وقَولُهُ: (يَقُولُونَ: لَولَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا)؛ ظَاهِرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ أَنَّهُ لَا شَيءَ فِيهَا، وَلِكْن لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ فِي مَعْرِضِ الكَلَامِ عَنِ المُنْعِمِ كَانَ ذَلِكَ مِنَ المَحْذُورِ، أَمَّا لَو كَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ بَيَانِ السَّبَبِ -دُونَ الغَفْلَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى- لَكَانَ جَائِزًا، لِأَنَّه خَبَرٌ مَحْضٌ. وَدَلَّتْ لِذَلِكَ بَعْضُ نُصُوصِ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ مِثْلُ قَولِهِ ﷺ عَنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: ((وَلَولَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)) (١)، فَتَبَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَ إِضَافَةِ النِّعْمَةِ إِلَى الإِنْسَانِ عَلَى سَبِيلِ الخَبَرِ، وَبَينَ إِضَافَتِهِ إِلَى سَبَبِهِ مُتَنَاسِيًا المُسَبِّبَ وَهُوَ اللهُ لَاسِيَّمَا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ النِّعْمَةِ. - وَأَمَّا قَولُهُم: (هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا) فَفِيهِ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ مُضَافٌ إِلِيهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ.

стр. 814

- أَقْوَالُ المُفَسِّرِينَ السَّابِقَةُ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ بَعْضِهَا مِنْ جِهَةِ التَّنَوِّعِ وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ التَّضَادِّ، لِأَنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرينَ يَأْخُذُ مَعْنًى مِنْ هَذِهِ المَعَانِي؛ فَإِذَا جَمَعْتَهَا وَجَدْتَّ أَنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ هَذِهِ المَعَانِي الَّتِي قَالُوهَا جَمِيعًا. - المَلَّاحُ: هُوَ قَائِدُ السَّفِينَةِ، وَسُمِّيَ مَلَّاحًا لِمُلَازَمَتِهِ لِلمَاءِ المِلْحِ، لِأَنَّ مَاءَ البَحْرِ مَالِحٌ، وَأمَّا الحَاذِقُ: فَهُوَ الَّذِي يُجِيدُ المِهْنَةَ. - أَرْكَاُنُ الشُّكْرِ: ١ - الاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ. ٢ - نِسْبَتُهَا إِلَى المُنْعِمِ، وَذَلِكَ بِالتَّحَدُّثِ بِهَا ظَاهِرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحَى: ١١]. ٣ - صَرْفُهَا فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى (١).

стр. 815

- إنَّ نِسْبَةَ النِّعْمَةِ إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى -لَفْظًا- لَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: ١ - أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ خَفِيًّا لَا تَأْثِيرَ لَهُ إِطْلَاقًا، كَأنْ يَقُولَ: لَولَا الوَلِيُّ الفُلَانيُّ -المَيِّتُ أَوِ الغَائِبُ- مَا حَصَلَ كَذَا وَكَذَا! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه بِهَذَا القَولِ يَعْتَقِدُ أَنَّ لِهَذَا الوَلِيِّ تَصَرُّفًا فِي الكَونِ مَعَ أَنَّهُ مَيِّتٌ أَو غَائِبٌ، فَهُوَ تَصَرُّفٌ خَفِيٌّ. ٢ - أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ؛ لَكِن لَمْ يَثْبُتْ كَونُهُ سَبَبًا لَا شَرْعًا وَلَا حِسًّا؛ فَهَذَا نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ (١). ٣ - أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ثَابِتٍ شَرْعًا أَو حِسًّا؛ فَهَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ السَّبَبَ مُؤَثِرٌ بِنَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يَتَنَاسَى المُنْعِمَ بِذلِكَ. - فِي بَيَانِ قُبْحِ وبُطْلَانِ مَنْ أَضَافَ النِّعْمَةَ إِلَى السَّبَبِ دُونَ الخَالِقِ: ١ - أَنَّ الخَالِقَ لِهَذهِ الأَسْبَابِ هُوَ اللهُ تَعَالَى؛ فَكَانَ الوَاجِبُ أَنْ يُشْكَرَ وتُضَافَ النِّعْمَةُ إِلَيهِ. ٢ - أَنَّ السَّبَبَ قَدْ لَا يُؤَثِّرُ! كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((لَيسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيئًا)) (٢). ٣ - أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ تَأْثِيرِهِ (٣).

стр. 816

- ذِكْرُ تَرْجَمَةِ بَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الأَعْلَامِ: (عَونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ): هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الهُذَلِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ الكُوفيُّ؛ الزَّاهِدُ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مَاتَ قَبْلَ (١٢٠ هـ). (ابْنُ قُتَيبَةَ): هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيبَةَ الدِّينَوَرِيُّ -قَاضِي دِينَوَرَ- النَّحَوِيُّ؛ اللُّغَوِيُّ؛ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ البَدِيعَةِ المَشْهُورَةِ، (ت ٢٧٦ هـ).

стр. 817

بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: (الأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ؛ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَودَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيلِ! وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ؛ وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ! وَحَيَاتِي! وَتَقُولَ: لَولَا كُلَيبَةُ هَذَا؛ لَأَتَانَا اللُّصُوصُ! وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ؛ لَأَتَى اللُّصُوصُ! وَقَولُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! وَقَولُ الرَّجُلِ: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ! لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (١). وَعَنِ [ابْنِ] عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيرِهِ صَادِقًا) (٣).

стр. 818

وَعَنْ حُذَيفَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ! وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (١). وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ أَنَّهُ يَكْرَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، قَالَ: وَيَقُولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُولُوا: لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ (٢).

стр. 819

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ فِي الأَنْدَادِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ يُفَسِّرُونَ الآيَةَ النَّازِلَةَ فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ أَنَّهَا تَعُمُّ الأَصْغَرَ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ الحَلِفَ بِغَيرِ اللهِ شِرْكٌ. الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ صَادِقًا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ اليَمِينِ الغَمُوسِ. الخَامِسَةُ: الفَرَقُ بَينَ (الوَاوِ) وَ (ثُمَّ) فِي اللَّفْظِ.

стр. 820

الشَّرْحُ - الآيَةُ الَّتِي فِي التَّرْجَمَةِ يُقْصَدُ بِهَا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ للهِ نِدًّا فِي العِبَادَةِ وَالحُبِّ وَالخَوفِ وَالرَّجَاءِ وَغَيرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهَا المُصَنِّفُ هُنَا الشِّرْكَ الأَصْغَرَ؛ كَالشِّرْكِ فِي الأَلفَاظِ وَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، وَكَالتَّشْرِيكِ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ فِي الأَلْفَاظِ كَـ: (لَولَا اللهُ وَفُلَانٌ؛ وَهَذَا بِاللهِ وَبِكَ)، وَكَإِضَافَةِ النِّعَمِ وَوُقُوعِهَا لِغَيرِ اللهِ كَـ: (لَولَا الحَارِسُ لِأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَولَا الدَّوَاءُ الفُلَانِيُّ لَهَلَكْتُ، ولَولَا حِذْقُ فُلَانٍ فِي المَكْسَبِ الفُلَانِيِّ لَمَا حَصَلَ كَذَا)! فَكُلُّ هَذَا يُنَافِي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ. وَالوَاجِبُ أَنْ تُضَافَ الأُمُورُ وَوُقُوعُهَا وَنَفْعُ الأَسْبَابِ إِلَى إِرَادَةِ اللهِ ابْتِدَاءً؛ ثُمَّ يَذْكُرَ معَ ذَلكَ مَرْتَبَةَ السَّبَبِ وَنَفْعَهُ؛ فَيَقُولَ: (لَولَا اللهُ ثُمَّ كَذَا) لِيُعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا يَتِمُّ تَوحِيدُ العَبْدِ حَتَّى لَا يَجْعَلَ للهِ نِدًّا فِي قَلبِهِ وَقَولِهِ وَفِعْلِهِ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الفَاءُ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ هِيَ فَاءُ التَّعْلِيلِ، وَمَعْنَى الكَلَامِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كُلَّ مَا سَبَقَ عَن اللهِ تَعَالَى وَنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ (١) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ نِدًّا ، وَالنِّدُّ هُوَ المَثِيلُ. - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يَشْمَلُ العِبَادَةَ؛ وَأَيضًا الأَسْمَاءَ والصِّفَاتِ. - قَولُهُ: (أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَودَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيلِ): الخَفَاءُ هُوَ

стр. 821

لِأَثَرِ الدَّبِيبِ عَلَى الصَّفَاةِ وَهُوَ الحَجَرُ الأَمْلَسُ، وَزَادَ الأَمْرَ خَفَاءً ظُلْمَةُ اللَّيلِ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ: ((أَلَا أخْبِرُكمْ بِمَا هُوَ أخْوَفُ عَلَيكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ؛ فَيُزَيِّنَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)) (١)، وكذا في الحديث ((يَا أَبَا بَكْرٍ! لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ)) (٢). - الحَلِفُ: هُوَ تَأْكِيدُ الكَلَامِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَيَكُونُ غَالِبًا بِالبَاءِ وَالوَاوِ وَالتَّاءِ. - قَولُ (وَاللَّهِ؛ وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ) فِيهِ مَنهيَّانِ: ١ - الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى. ٢ - الشِّرْكُ بِالتَّسْوِيَةِ بَينَهُمَا بِوَاوِ العَطْفِ. - الكَمَالُ أَنْ يُقَالَ: لَولَا اللهُ لَمْ يَكنْ كَذَا، وَيَجُوزُ قَولُ: لَولَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ لَمْ يَكنْ كَذَا. - حَدِيثُ: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ)) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمرَ وَلَيسَ عَنْ أَبِيهِ. - الحَدِيثُ الَّذِي فِي الحَلِفِ هُوَ مِنَ الكُفْرِ الأَصْغَرِ إِنْ قُصِدَ بِالحَلِفِ تَعْظِيمُ المَحْلُوفِ بِهِ فَقَط، وَيَكُونُ مِنَ الأَكْبَرِ إِنْ كَانَ ذَلكَ عِنْدَهُ مُعَظَّمًا كَرَبِّ العَالَمِينَ، وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا ثُمَّ لَمْ يَرْضَ بِالحَلِفِ بِغَيرِهِ كَاذِبًا! فَهوَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ،

стр. 822

ويَكُونُ مِنْ شِرْكِ السَّرَائِرِ (١). - قَولُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيرِهِ صَادِقًا) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَدْ سَبَقَ قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي مَسَائِلِ البَابِ السَّابِعِ: "فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ"، وَفِيهِ أَيضًا عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيسَ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مُشَارِكٌ لَهُ. - قَولُهُ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ)) لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً فِي المَشِيئَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] (٢). - قَولُهُ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ)) فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا (٣). - إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدٍ النَّخَعِيُّ: هُوَ أَبُو عِمْرَانَ؛ الإِمَامُ الحَافِظُ؛ فَقِيهُ العِرَاقِ؛ النَّخَعِيُّ؛ اليَمَانِيُّ ثُمَّ الكُوفِيُّ؛ أَحَدُ الأَعْلَامِ؛ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، (ت ٩٦ هـ).

стр. 823

- فِي كَرَاهَةِ النَّخَعيِّ بَيَانُ أَنَّ السَّلَفَ يَسْتَخْدِمُونَ لَفْظَ الكَرَاهَةِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُم فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ. - فَائِدَة ١: فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعيهِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ؛ لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ. أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟)) قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ)) (١). - فَائِدَة ٢: فِي أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ أَنَّ السَّلَفَ يَسْتَدِلُّونَ بِأَدِّلَّةِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ، كَمَا سَبَقَ فِي أَثَرِ حُذَيفَةَ فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَة وَالخَيطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَو دَفْعِهِ) (٢). - فَائِدَة ٣: الظَّاهِرُ أَنَّ قَولَ السَّلَفِ: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ؛ يَعْنِي مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ -كَالحَلِفِ هُنَا-، فَالحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ أَكْبَرُ مِنَ الحَلِفِ بِاللهِ كَذِبًا -كَمَا فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ هُنَا-، وَجِنْسُ الشِّرْكِ أَكْبَرُ مِنْ جِنْسِ الكَبَائِرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ؛ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الكَبَائِرِ! فَفِي الكَبَائِرِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ التَّغلِيظِ وَالوَعِيدِ الشَّدِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ،

стр. 824

كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَولِ الرَّجُلِ: "مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ". وَاللهُ أَعْلَمُ (١) (٢).

стр. 825

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنْ قَسَمِ الرَّبِّ تَعَالَى بِالمَخْلُوقَاتِ؟ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطَّارق: ١]، وَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشَّمْس: ٦]، وَقولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النَّجْم: ١]؛ وَغَيرِهَا كَثيرٌ. الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ: ١ - أَنَّ القَسَمَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى هُوَ شِرْكٌ؛ وَلَكِنَّهُ مِنْ جِهَةِ المَخْلُوقِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ! فَهُوَ الَّذِي يَأْمُرُ ويَنْهَى؛ والعَبْدُ هُوَ المَأْمُورُ. ٢ - أَنَّ قَسَمَ المَخْلُوقِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ إِظْهَارٌ لِعَظَمَةِ المُقْسَمِ بِهِ فَقَط! بِخِلَافِ قَسَمِهِ سُبْحَانَهُ بِالمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّهُ لِبَيَانِ عَظَمَتِهِ نَفْسِهِ تَعَالَى، فَعَظَمَةُ الشَّيءِ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٨٢]، وَقَدْ سَبَقَ فِي السُّؤَالِ قَسَمُ اللهِ تَعَالَى بِالسَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِبَيَانِ عَظَمَةِ خَلْقِهِمَا؛ وَهُنَا أَضَافَهُمَا إِلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ إِضَافَةَ رُبُوبِيَّةٍ مَعَ تَسْبِيحِ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ. ٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٣].

стр. 826

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَوَابِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ عَمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ؛ وَقَالَ فِي آخِرِهِ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَفْلَحَ وَأَبِيهِ؛ إِنْ صَدَقَ)) (١)، وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَيِّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ وَفِيهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَمَا وَأَبِيكَ؛ لَتُنَبَّأَنَّهُ)) (٢)؟ الجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ: ١ - الحَدِيثُ الأَوَّلُ لَفْظُهُ هَذَا شَاذٌّ، وَالآخَرُ مُنْكَرٌ؛ كَمَا حَقَّقَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ (٣). ٢ - أَنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ حَيثُ أَنَّ أَصْلَ الكِتَابَةِ هِيَ بِدَونِ تَنْقِيطٍ؛ فَتَشَابَهَ رَسْمُ (أَبِيهِ - أَبِيكَ) مَعَ رَسْمِ (اللهِ).

стр. 827

٣ - أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَرَبِ؛ وَلَا تَقْصِدُ حَقِيقَتَهُ (١). ٤ - أَنَّهُ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ؛ ثُمَّ نُسِخَ بِأَحَادِيثِ النَّهْي، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ لَمْ يُنْهَ عَنْ أَشْيَاءَ مِثْلِ (مَا شَاءَ اللهُ وشَاءَ مُحَمَّدٌ) ثُمَّ نُهيَ عَنْهَا بَعْدُ، وَهِيَ مِنَ الشِّرْكِ اللَّفْظِيِّ (٢). ٥ - أَنَّ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ مُقَدَّرٍ، وَالتَّقْدِيرُ: (أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ).

стр. 828

بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ؛ فَلَيسَ مِنَ اللهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ (١). فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: النَّهْيُ عَنِ الحَلِفِ بِالآبَاءِ. الثَّانِيَةُ: الأَمْرُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ بِاللَّهِ أَنْ يَرْضَى. الثَّالِثَةُ: وَعِيدُ مَنْ لَمْ يَرْضَ.

стр. 829

الشَّرْحُ - الرِّضَى عِنْدَ مَنْ حُلِفَ لَهُ باللهِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ المَحْلُوفِ بِهِ، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟! قَالَ: كَلَّا؛ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَينِي)) (١). - قَولُهُ: ((مَنْ حُلِفَ لَهُ باللهِ فَلْيَرْضَ)) لَهُ جِهَتَانِ: ١ - مِنْ جِهَةٍ شَرعِيَّةٍ: يَجِبُ القَبُولُ؛ لِأَنَّه مِنَ الرِّضَى بالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَخَاصَّةً عِنْدَ القَاضِي. وَلَعَلَّ هَذَا الوَجهَ هُوَ المَقْصُودُ مِنَ البَابِ لِقَولِهِ: (مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ) فَمَطْلُوبُهُ إِظْهَارُ القَنَاعَةِ، وَهُوَ دَلِيلُ تَعْظِيمِ المَحْلُوفِ بِهِ (٢). ٢ - مِنْ جِهَةٍ حِسِّيَّةٍ: إِنْ كَانَ الحَالِفُ مَوضِعَ ثِقَةٍ؛ فَيَجِبُ الرِّضَى وَإلَّا فَلَا يَجِبُ، كَمَا لَو كَانَ كَافِرًا أَو مَعْرُوفًا بِكَذِبِهِ (٣).

стр. 830

- قَولُهُ: ((وَمَنْ لَمْ يَرْضَ؛ فَلَيسَ مِنَ اللهِ)) أَي: فَقَدْ بَرِءَ اللهُ مِنْهُ، أَو فَقَدْ بَرِءَ هُوَ مِنْ كَونِهِ مِنْ حِزِبَ اللهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنَ الكَبَائِرِ (١). - أَنْوَاعُ اليَمِينِ: ١ - يَمِينُ اللَّغُوِ. وَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى شَيءٍ أَنَّهُ كَذَا وَيَكُونُ مُخْطِئًا فِيهِ؛ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَيسَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ. ٢ - اليَمِينُ الغَمُوسُ. وَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى شَيءٍ أَنَّهُ كَذَا وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ؛ فَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ، وَلَيسَ لَهُ كَفَّارَةٌ (٢). وَفِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: ((الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ)) (٣). ٣ - اليَمِينُ المُنْعَقِدُ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ أَو تَرْكِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الكفَّارَةُ المَوصُوفَةُ بِالآيَةِ.

стр. 831

قَالَ الإِمَامُ مَالِكُ ﵀ فِي (المُوَطَّإِ) -بَابُ اللَّغْوِ فِي اليَمِينِ-: "أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا: أَنَّ اللَّغْوَ: حَلِفُ الإِنْسَانِ عَلَى الشَّيءِ يَسْتَيقِنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُوجَدُ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ اللَّغْوُ (١). وَعَقْدُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يَبِيعَ ثَوبَهُ بَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ، أَو يَحْلِفَ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ ثُمَّ لَا يَضْرِبُهُ، وَنَحْوَ هَذَا، فَهَذَا الَّذِي يُكَفِّرُ صَاحِبُهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيسَ فِي اللَّغْوِ كَفَّارَةٌ. فَأَمَّا الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ، وَيَحْلِفُ عَلَى الكَذِبِ وَهُوَ يَعْلَمُ لِيُرْضِيَ بِهِ أَحَدًا، أَو لِيَعْتَذِرَ بِهِ إِلَى مُعْتَذَرٍ إِلَيهِ، أَو لِيَقْطَعَ بِهِ مَالًا! فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ" (٢).

стр. 832

بَابُ قَولِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) عَنْ قُتَيلَةَ (١)؛ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! وَتَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: ((وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢). وَلَهُ أَيضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: ((أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)) (٣). وَلِابْنِ مَاجَه عَنِ الطُّفَيلِ -أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا-؛ قَالَ: رَأَيتُ كَأَنِّي أَتَيتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ؛ قُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ! قَالُوا: وَأَنْتُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ! قَالُوا: وَإِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ القَومُ لَولَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ! فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ

стр. 833

أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: ((هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طُفَيلًا رَأَى رُؤْيَا؛ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)) (١).

стр. 834

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: مَعْرِفَةُ اليَهُودِ بِالشِّرْكِ الأَصْغَرِ. الثَّانِيَةُ: فَهْمُ الإِنْسَانِ إِذَا كَانَ لَهُ هَوًى. الثَّالِثَةُ: قَولُهُ ﷺ : ((أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟!)) فَكَيفَ بِمَنْ قَالَ: ((يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ)) وَالبَيتَينِ بَعْدَهُ؟! (١) الرَّابِعَةُ: أَنَّ هَذَا لَيسَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، لِقَولِهِ: ((يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا)). الخَامِسَةُ: أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ مِنْ أَقْسَامِ الوَحْي. السَّادِسَةُ: أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِشَرْعِ بَعْضِ الأَحْكَامِ.

стр. 835

الشَّرْحُ - هَذَا البَابُ هُوَ فِي بَيَانِ نَوعٍ مِنْ شِرْكِ الأَلفاظِ، وَأَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي بَعْضِهَا (١) بِالوَاوِ دُونَ -ثُمَّ- يُعَدُّ شِرْكًا لَفظِيًّا. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانيُّ ﵀: "وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ قَولَ الرَّجُلِ لِغَيرهِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) يُعَدُّ شِرْكًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ شِرْكِ الأَلفَاظِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ فِي دَرَجَةِ مَشيئَةِ الرَّبِّ ، وَسَبَبُهُ القَرْنُ بَينَ المَشِيئَتَينِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَولُ بَعْضِ العَامَّةِ وأَشْبَاهِهِم -مِمَّنْ يَدعي العِلْمَ-: (مَا لِي غَيرُ اللهِ وَأَنْتَ)! وَ (تَوَكَّلْنَا عَلى اللهِ وَعَلَيكَ)! وَمِثْلُهُ قَولُ بَعْضِ المُحَاضِرِينَ: (بَاسْمِ اللهِ وَالوَطَنِ)، أَو (بَاسْمِ اللهِ وَالشَّعْبِ)، وَنَحوِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ الانْتِهَاءُ عَنْهَا وَالتَّوبَةُ مِنْهَا أَدَبًا مَعَ اللهِ ﵎. وَلَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا الأَدَبِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ وَغَيرُ قَلِيلٍ مِنَ الخَاصَّةِ الَّذِينَ يُسَوِّغُونَ النُّطْقَ بِمِثْلِ هَذهِ الشِّرْكِيَّاتِ! كَمُنَادَاتِهِم غَيرَ اللهِ فِي الشَّدَائِدِ! والاسْتِنْجَادِ بِالأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ! وَالحَلِفِ بِهِم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى! وَالإِقْسَامِ بِهِم عَلَى اللهِ ! فَإِذَا مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيهِم عَالِمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنهَّمُ بَدَلَ أَنْ يَكُونُوا عَونًا عَلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ، عَادُوا بِالإِنْكَارِ عَلَيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ نِيَّةَ أُولَئِكَ -المُنَادِينَ غَيرَ اللهِ- طَيِّبَةٌ؛ وَإِنَّهَا (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ!!) كَمَا جَاءَ فِي الحِدِيثِ. فَيَجْهَلُونَ أَو يَتَجَاهَلُونَ -إِرْضَاءً لِلعَامَّةِ- أَنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ وَإِنْ وُجِدَتْ عِنْدَ المَذْكُورِينَ؛ فَهيَ لَا تَجْعَلُ العَمَلَ السَّيِّءَ صَالِحًا! وَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ المَذْكُورِ:

стр. 836

إِنَّمَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِالنِّيَّاتِ الخَالِصَةِ، لَا أَنَّ الأَعْمَالَ المُخَالِفَةَ لِلشَّرِيعَةِ تَنْقَلُب إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِسَبَبِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ بِهَا! ذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ أَو مُغْرِضٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَو صَلَّى تُجَاهَ القَبْرِ؛ لَكَانَ ذَلكَ مُنْكَرًا مِنَ العَمَلِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الاسْتِقْبَالِ -بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهي الشَّرْعِ عَنْهُ-: إِنَّ نِيَّتَهُ طَيِّبَةٌ وَعَمَلَهُ مَشْرُوعٌ؟! كَلَّا ثُمَّ كَلَّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْسَونَهُ تَعَالَى فِي حَالَةٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهَا إِلَى عَونِهِ وَمَدَدِهِ؛ لَا يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ نِيَّاتُهُم طَيِّبَةً؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُم صَالِحًا، وَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى هَذا المُنْكَرِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (١). - قَولُهُ: ((فَلَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ)) لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً فِي المَشِيئَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨]. - قَولُهُ: ((لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ)) فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا (٢). - فِي الحَدِيثِ قَبُولُ الحَقِّ أَينَمَا كَانَ، كَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيرَةَ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: (وَأُحَذِّرُكُمْ زَيغَةَ الحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ المُنَافِقُ كَلِمَةَ الحَقِّ)، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي -

стр. 837

رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ؛ وَأَنَّ المُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الحَقِّ؟ قَالَ: (بَلَى؛ اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الحَكِيمِ المُشْتَهِرَاتِ (١) الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الحَقِّ نُورًا) (٢). - فِي لَفْظِ أَحْمَدَ: ((كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ)) (٣)، حَيَاؤُهُ ﷺ مِنْهُم لَيسَ عَلَى وَجْهِ الحَيَاءِ مِنَ الإِنْكَارِ عَلَيهِم! بَلْ كَانَ ﷺ يَكْرَهُهَا، وَلَكِنَّهُ يَستَحْيِي أَنْ يَذْكُرَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِنْكَارِهَا؛ فَلَمَّا جَاءَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِالرُّؤيَا الصَّالِحَةِ أَنْكَرَهَا وَلَم يَستَحْي فِي ذَلكَ. - هَذِهِ المَسَائِلُ لَيسَتْ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَإِنَّمَا مِنَ الأَصْغَرِ -كَمَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي مَسَائِلِهِ-، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: ((وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا)) وَتَحْرِيمُ الشِّرْكِ فِي الأَلْفَاظِ أَتَى بِالتَّدْرِيجِ فِي تَارِيخِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﵊ وَتَبْلِيغِهِ أُمَّتِهُ بِالأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَمَّا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ -الجَلِيُّ- فَقَدْ نَفَاهُ مِنْ أَوَّلِ الرِّسَالَةِ.

стр. 838

وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ لِفِقْهِ الدَّعْوَةِ فِي تَبْلِيغِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ، وَفِيهِ بَيَانُ فِقْهِ الدَّاعِيَةِ؛ أَنَّه يَنْبَغِي عِنْدَ تَغْيِيرِ الشَّيءِ وَالنَّهْي عَنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ إِلَى شَيءٍ قَرِيبٍ مِنْهُ كَقَولِهِ ﵊ هُنَا (الكَعْبَة - رَبِّ الكَعْبَة) وَ (وَشِئْتَ - ثُمَّ شِئْتَ). - قَولُ: ((مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)) أَكْمَلُ فِي الإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ عَنِ الشِّرْكِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: (ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَيضًا.

стр. 839

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: يُشْكِلُ جَوَازُ العَطْفِ فِي حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ -الَّذِي فِيهِ قَولُهُم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أعلمُ) - مَعَ حَدِيثِ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَا شَاءَ اللهُ وشِئْتَ. فَقَالَ: ((جَعَلتَ للهِ نِدًّا؟! مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ)) (١)؟ الجَوَابُ: إِنَّ إِقْرَارَهُ لِقَولِهِم: (اللهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ) الَّذِي فِيهِ العَطْفُ بِالوَاوِ؛ هُوَ لِأَنَّ عِلْمَ الرَّسُولِ هَذَا -الشَّرْعِيَّ- هُوَ مِنْ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ الَّذِي يُعلِّمُهُ مَا لَا يُدْرِكُهُ البَشَرُ. وَكَذَلِكَ فِي المَسَائِلِ الشَّرْعيَّةِ الأُخْرَى يُقَالُ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ ﷺ أَعْلَمُ الخَلْقِ بِشَرْعِ اللهِ، وَعِلْمُهُ بِهِ هُوَ مِنْ تَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، وَمَا قَالَهُ ﷺ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ كَقَولِ اللهِ تَعَالَى، وَلَيسَ هَذَا كَقَولِهِ: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ)! لِأَنَّ هَذَا فِي بَابِ القَدَرِ وَالمَشِيئَةِ؛ وَمَشِيئَةُ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الرَّسُولُ ﷺ مَقْرُونًا مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ (٢)، بَلْ يُقَالُ: مَا شَاءَ اللهُ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ بِـ (ثُمَّ)، فَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ يَصِحُّ فِيهَا العَطْفُ بِالوَاوِ، وَأَمَّا الكَونِيَّةَ، فَلَا. قُلْتُ: وَبِمِثْلِهِ أَيضًا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) وَالَّذِي فِيهِ الهِجْرَةُ ((إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ)) وَلَمْ يَقُلْ: (ثُمَّ رَسُولِهِ)، وَالجَوَابُ فِيهِ أَيضًا: أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ

стр. 840

بِالشَّرِيعَةِ يَصِحُّ أَنْ يُعبَّرَ عَنْهُ بِالوَاوِ؛ لِأَنَّ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّسَاء: ٨٠]، وَأَمَّا الأُمُورُ الكَونِيَّةُ -كَالمَشِيئَةِ مَثَلًا- فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَنَ مَعَ اللهِ أَحَدٌ بِالوَاوِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ، فَكُلُّ شَيءٍ تَحْتَ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٩]، وَكَذَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠] (١).

стр. 841

بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)) (١).

стр. 842

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ. الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَتُهُ أَذًى للهِ. الثَّالِثَةُ: التَّأَمُّلُ فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)). الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَابًّا -وَلَو لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ-!

стр. 843

الشَّرْحُ - إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ يُنَافي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَيَعُودُ عَلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِالإِيذَاءِ؛ لِأَنَّه سَبٌّ لِمَنْ تَصَرَّفَ بِهَذَا الدَّهْرِ. وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ؛ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ)) (١). - الآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ نِسْبَةَ الأَشْيَاءِ إِلَى الدَّهْرِ اسْتِقْلَالًا هِيَ مِنْ خِصَالِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ التَّوحِيدِ، وَمِنْهُ قَولُ ابْنِ المُعْتَزِّ (٢): "يَا دَهْرُ وَيحَكَ مَا أَبْقَيتَ لِي أَحَدًا … وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الوَلَدَ" (٣). فَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ الإِهْلَاكِ إِلَى الدَّهْرِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَيسَ لَهُ تَصَرُّفٌ لَا فِي غَيرِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ أَصْلًا! بَلِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَقْضِي فِيهِ بِمَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّ الأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ عَودَةُ مَسَبَّةِ الدَّهْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ العَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوتٍ أَو هَرمٍ أَو تَلَفٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا يُهْلِكُنَا الدَّهْرُ -وَهُوَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ-! وَهُمَا الفَنَتَانِ (٤) وَالجَدِيدَانِ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيهِمْ، فَيَجْعَلُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ

стр. 844

اللَّذَينِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ! فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُفْنِينَا وَيَفْعَلُ بِنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)) عَلَى أَنَّهُ يُفْنِيكُمْ وَالَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ!! فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا تَسُبُّون اللَّهَ ﵎؛ فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ" (١). وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيُّ ﵀: "وَرُبَّمَا جَعَلُوا اللهَ الدُّنْيَا، وَيَقُولُونَ: فَعَلَتْ وَصَنَعَتْ"! وَ "كَذَلِكَ لَعْنُ جَمِيعِ الحَيَوَانَاتِ وَالجَمَادَاتِ؛ فَكُلُّهُ مَذْمُومٌ" (٢). - إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ -أَو وَصْفَهُ- يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (٣): ١ - أَنْ يَقْصِدَ الخَبَرَ المَحْضَ دُونَ اللَّومِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، ومِنْهُ قَولُ لُوطٍ ﵊: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُود: ٧٧] (٤). ٢ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ عَلَى أَنَّه هُوَ الفَاعِلُ؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ بِسَبِّهِ الدَّهْرَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ الأُمُورَ إِلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ مَعَ اللهِ خَالِقًا، وَلِأَنَّهُ نَسَبَ إِيجَادَ الحَوادِثِ إِلَى غَيرِ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الضَّلَالِ نِسْبَةُ الإِمَاتَةِ إِلَى الدَّهْرِ فِي قَولِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤]. ٣ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ لَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلَ؛ بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الفَاعِلُ لَكِنْ يَسُبُّهُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِهَذَا الأَمْرِ المَكْرُوهِ عِنْدَهُ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَقْصُودُ المُصَنِّفِ فِي هَذَا البَابِ.

стр. 845

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ الدَّهْرُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى؟ كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ)) (١). الجَوَابُ: الدَّهْرُ لَيسَ هُوَ نَفْسُ اللهِ، وَلَيسَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - أَنَّ سِيَاقَ الحَدِيثِ يَأْبَاهُ، بَلْ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ المَقْصُودَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُتَصَرِّفُ بِالدَّهْرِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: ((بِيَدِي الأَمْرُ؛ أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ))، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ هُوَ الزَّمَنُ، وَهُوَ الدَّهْرُ نَفْسُهُ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُهُما (٢). ٢ - أَنَّ الزَّمَنَ مَخْلُوقٌ كَالمَكَانِ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٦٧]، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ
следующие страницы →