← Акыда

Акыда · id 13277

التوضيح الرشيد في شرح كتاب التوحيد

خلدون نغوي

Полный текст (1 328 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)) (١).

стр. 842

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ. الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَتُهُ أَذًى للهِ. الثَّالِثَةُ: التَّأَمُّلُ فِي قَولِهِ: ((فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)). الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَابًّا -وَلَو لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ-!

стр. 843

الشَّرْحُ - إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ يُنَافي كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، وَيَعُودُ عَلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِالإِيذَاءِ؛ لِأَنَّه سَبٌّ لِمَنْ تَصَرَّفَ بِهَذَا الدَّهْرِ. وَفِي الحَدِيثِ: ((مَنْ لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهْلٍ؛ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيهِ)) (١). - الآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ نِسْبَةَ الأَشْيَاءِ إِلَى الدَّهْرِ اسْتِقْلَالًا هِيَ مِنْ خِصَالِ المُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ التَّوحِيدِ، وَمِنْهُ قَولُ ابْنِ المُعْتَزِّ (٢): "يَا دَهْرُ وَيحَكَ مَا أَبْقَيتَ لِي أَحَدًا … وَأَنْتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الوَلَدَ" (٣). فَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ الإِهْلَاكِ إِلَى الدَّهْرِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَيسَ لَهُ تَصَرُّفٌ لَا فِي غَيرِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ أَصْلًا! بَلِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَقْضِي فِيهِ بِمَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنَّ الأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ عَودَةُ مَسَبَّةِ الدَّهْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ العَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوتٍ أَو هَرمٍ أَو تَلَفٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا يُهْلِكُنَا الدَّهْرُ -وَهُوَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ-! وَهُمَا الفَنَتَانِ (٤) وَالجَدِيدَانِ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيهِمْ، فَيَجْعَلُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ

стр. 844

اللَّذَينِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ! فَيَذُمُّونَ الدَّهْرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُفْنِينَا وَيَفْعَلُ بِنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)) عَلَى أَنَّهُ يُفْنِيكُمْ وَالَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ!! فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّمَا تَسُبُّون اللَّهَ ﵎؛ فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ" (١). وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيُّ ﵀: "وَرُبَّمَا جَعَلُوا اللهَ الدُّنْيَا، وَيَقُولُونَ: فَعَلَتْ وَصَنَعَتْ"! وَ "كَذَلِكَ لَعْنُ جَمِيعِ الحَيَوَانَاتِ وَالجَمَادَاتِ؛ فَكُلُّهُ مَذْمُومٌ" (٢). - إِنَّ سَبَّ الدَّهْرِ -أَو وَصْفَهُ- يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (٣): ١ - أَنْ يَقْصِدَ الخَبَرَ المَحْضَ دُونَ اللَّومِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، ومِنْهُ قَولُ لُوطٍ ﵊: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُود: ٧٧] (٤). ٢ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ عَلَى أَنَّه هُوَ الفَاعِلُ؛ كَأَنْ يَعْتَقِدَ بِسَبِّهِ الدَّهْرَ أَنَّ الدَّهْرَ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ الأُمُورَ إِلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ! فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ مَعَ اللهِ خَالِقًا، وَلِأَنَّهُ نَسَبَ إِيجَادَ الحَوادِثِ إِلَى غَيرِ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الضَّلَالِ نِسْبَةُ الإِمَاتَةِ إِلَى الدَّهْرِ فِي قَولِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤]. ٣ - أَنْ يَسُبَّ الدَّهْرَ لَا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ هُوَ الفَاعِلَ؛ بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الفَاعِلُ لَكِنْ يَسُبُّهُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِهَذَا الأَمْرِ المَكْرُوهِ عِنْدَهُ؛ فَهَذَا مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَقْصُودُ المُصَنِّفِ فِي هَذَا البَابِ.

стр. 845

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ الدَّهْرُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى؟ كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ -وَأَنَا الدَّهْرُ- أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ)) (١). الجَوَابُ: الدَّهْرُ لَيسَ هُوَ نَفْسُ اللهِ، وَلَيسَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - أَنَّ سِيَاقَ الحَدِيثِ يَأْبَاهُ، بَلْ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ المَقْصُودَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُتَصَرِّفُ بِالدَّهْرِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: ((بِيَدِي الأَمْرُ؛ أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ))، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ هُوَ الزَّمَنُ، وَهُوَ الدَّهْرُ نَفْسُهُ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُهُما (٢). ٢ - أَنَّ الزَّمَنَ مَخْلُوقٌ كَالمَكَانِ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يُونُس: ٦٧]، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ

стр. 846

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٣]. فَالإِخْبَارُ عَنِ الجَعْلِ -وَهُوَ الخَلْقُ هُنَا- وَالتَّسْخِيرِ دَلِيلٌ عَلَى كَونِهِ مَخْلُوقًا مِنْ جُمْلَةِ المَخْلُوقَاتِ (١). ٣ - أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا حُسْنَى، أَي: بَالِغَةٌ فِي الحُسْنِ أَقْصَاهُ، وَهِيَ مُتضمِّنةٌ لِصِفَاتِ الكَمَالِ، أَمَّا الدَّهْرُ فَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنًى يَتَفَاضَلُ أَصْلًا! فَلَيسَ فِيهِ مَدْلُولٌ لِلحُسْنِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى. ٤ - أَنَّهُ لَو كَانَ الدَّهْرُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ؛ لَمْ يَكُنْ قَولُ الكُفَّارِ: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ خَطَأً! فَتَأَمَّلْ.

стр. 847

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ يَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ ابْنَ آدَمَ يُؤْذِي اللهَ تَعَالَى؛ مَعَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! الجَوَابُ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الأَذِيَّةِ الضَّرَرُ! فَالإِنْسَانُ يَتَأَذَّى بِسَمَاعِ القَبِيحِ أَو مُشَاهَدَتِهِ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَأَيضًا يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ كَالبَصَلِ وَالثُّومِ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الأَذِيَّةَ فِي القُرْآنِ وَنَفَى الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأَحْزَاب: ٥٧]، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ أَيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٧]. وَأَيضًا أَثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الأَذِيَّةَ للهِ كَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ (١)، وَأَخْبَرَ أَيضًا عَنْ نَفْي الضَّرَرِ عَنْهُ تَعَالَى كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدُسيِّ: ((يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي)) (٢). وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١١١] (٣).

стр. 848

قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١): "فَلَيسَ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنْهُم ضَرَرٌ فِي أَدْيَانِهِم وَلَا أَبْدَانِهِم، وَإنَّمَا غَايَةُ مَا يَصِلُونَ إِلَيهِ مِنَ الأَذَى؛ أَذِيَّةُ الكَلَامِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا مِنْ كُلِّ مُعَادِي" (٢).

стр. 849

بَابُ التَّسَمِّي بِقَاضِي القُضَاةِ وَنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَالَ: ((إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ)) (١). قَولُهُ: ((أَخْنَعَ)) يَعْنِي: أَوضَعَ. قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ.

стр. 850

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: النَّهْيُ عَنِ التَّسَمِّي بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُهُ -كَمَا قَالَ سُفْيَانُ-. الثَّالِثَةُ: التَّفَطُّنُ لِلتَّغْلِيظِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ مَعَ القَطْعِ بِأَنَّ القَلْبَ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ. الرَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ أَنَّ هَذَا لِأَجْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ.

стр. 851

الشَّرْحُ - قَولُهُ: ((إِنَّ أَغْيَظَ اسْمٍ عَلَى اللهِ)) الغَيظُ هُنَا لَا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِالاسْمِ المُجَرَّدِ بَلْ بِمَنْ تَسَمَّى بِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: ((أَغْيَظَ رَجُلٍ عَلَى اللهِ)). - قَولُهُ: ((أَغْيَظَ)) الغَيظُ: الغَضَبُ، أَو أشَدُّهُ (١)، وَهِيَ من الصِفَاتِ الَّتِي تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ (٢). - أَخَذَ المُصَنِّفُ ﵀ النَّهْيَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِـ (قَاضِي القُضَاةِ) وَهُوَ مِمَّا اشْتَهَرَ بَينَ النَّاسِ وَيَعْنُونَ بِهِ: أَعْلَمَ القُضَاةِ مِنْ مَعْنَى قَولِهِ: ((مَلِكَ الأَمْلَاكِ))، وَحَيثُ أنَّ اللهَ هُوَ المَالِكُ الحَقِيقِيُّ وأنَّ مُلْكَهُ كَامِلٌ؛ وأَنَّ العِبَادَ مُلْكُهُم قَاصِرٌ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُم إِلَّا مَا فِي يَدِهِ؛ صَارَ من نَفْسِ المَعنى أَنَّ التَّسَمِّي بِقَاضِي القُضَاةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَعْلَمَ مَنْ يَقْضِي بَينَ النَّاسِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، فَاللهُ حُكْمُهُ حَقٌّ بِلَا شَكٍ، وَهُوَ يَقْضِي بَينَ الجَمِيعِ -بِمَنْ فِيهِم القُضَاةُ أَنْفُسُهُم-، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النَّمْل: ٧٨]، وكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يُونُس: ٩٣]، وَالقَاضِي مِنَ البَشَرِ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ، وَقَضَاؤهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بَينَ مَنْ هُم فِي بَلَدِهِ وَتَحْتَ إِمْرَتِهِ؛ لِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ قَاضِي القُضَاةِ عَلَى البَشَرِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى، وَيُمْكِنُ إِطْلَاقُهَا مُقَيَّدَةً كَقَولِك: قَاضِي قُضَاةِ دِمَشْقَ.

стр. 852

- المَلِكُ وَالمَالِكُ لُغَةً: المَلِكُ مِنَ المُلْكِ؛ وَهُوَ الَّذِي يَنْفُذُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، أَمَّا المَالِكُ فَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ المِلْكِ، وَمَلَكَ الشَّيءَ يَعْنِي: اقْتَنَاهُ وَصَارَ مُخْتَصًّا بِهِ (١). - مَنْ قَصَدَ بِتَسْمِيَةِ نَفْسِهِ مَلِكَ الأَمْلَاكِ رِفْعَةً وَعُلُّوًّا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُجَازِيهِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَيَجْعَلُهُ وَضِيعًا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: ((يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولُسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَونَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ؛ طِينَةِ الخَبَالِ)) (٢)، وَذَلِكَ مُعَامَلَةً لَهُم بِنَقيضِ قَصْدِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القَصَص: ٨٣]، وَفِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ)) (٣). - شَرْحُ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَينَةَ- ((مَلِكِ الأَمْلَاكِ)) بِـ: (شَاهَان شَاه) إنَّمَا هُوَ لِبَيانِ أَنَّ المَنْهِيَّ لَيسَ اللَّفْظَ المُجَرَّدَ بَلِ المَعْنَى، وَ" شَاهَان شَاه" كَلَامٌ فَارِسِيٌّ مَعْنَاهُ مَلِكُ الأَمْلَاكِ.

стр. 853

مَسَائِلُ عَلَى البَابِ - مَسْأَلَةٌ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣] الَّتِي فِيهَا نَفيُ التَّمَلُّكِ عَنِ البَشَرِ؛ وَبَينَ غَيرِهَا مِنَ النُّ صُوصِ الَّتِي فِيهَا إِثْبَاتُ التَّمَلُّكِ مِثْلَ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الأَكْلِ مِنَ البُيُوتِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النُّور: ٦١]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ [المُؤْمِنُون: ٦]؟ الجَوَابُ: إِنَّ مِلْكَ العَبْدِ لِلشَّيءِ هُوَ مِلْكٌ قَاصِرٌ وَلَيسَ تَامًّا، وَهَذَا القُصُورُ هُوَ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ: ١ - مِنْ جِهَةِ القَدَرِ. فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لِعَبْدِي المَرِيضِ: اِبْرَأْ؛ فَيَبْرَأُ! وَلَا أَسْتَطِيعُ إِرْجَاعَ دِرْهَمٍ أَنْفَقْتُهُ! وَلَا شَيئًا أَحْرَقْتُهُ! ٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِي كَمَا أَشَاءُ -إِذَا خَالَفَ الشَّرْعَ- كَالتَّعَامُلِ بِالرِّبَا، أَوِ القِمَارِ! ٣ - مِنْ جِهَةِ الشُّمُولِ. أَنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ مَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا يَمْلِكُ مَا تَحْتَ يَدِ غَيرِهِ. ٤ - مِنْ جِهَةِ الزَّمَنِ.

стр. 854

فَاللهُ تَعَالَى مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ الَّذِي وَرَّثَ الشَّيءَ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، فَالعَبْدُ -وَلَو كَانَ مَالِكًا لِشَيءٍ فِي الحَاضِرِ- وَلَكِنَّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ! وَقَبْلَ خَلْقِهِ -أَي: الشَّخْصِ- لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ، وَبَعْدَ مَوتِهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا سُرِقَ مِنْهُ كَذَلِكَ. فَالمِلْكُ وَالمَالُ كُلُّهُ للهِ يُورِثُهُ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧] (١).

стр. 855

بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَتَغْيِيرِ الِاسْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا الحَكَمِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيهِ الحُكْمُ))، فَقَالَ: إِنَّ قَومِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ أَتَونِي؛ فَحَكَمْتُ بَينَهُمْ؛ فَرَضِيَ كِلَا الفَرِيقَينِ، فَقَالَ: ((مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ))؟ قُلْتُ: شُرَيحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: ((فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟)) قُلْتُ: شُرَيحٌ، قَالَ: ((فَأَنْتَ أَبُو شُرَيحٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ (١). فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: احْتِرَامُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَلَو لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ. الثَّانِيَةُ: تَغْيِيرُ الِاسْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: اخْتِيَارُ أَكْبَرِ الأَبْنَاءِ لِلْكُنْيَةِ.

стр. 856

الشَّرْحُ - يُوصَفُ اللهُ بِأَنَّهُ الحَاكِمُ وَالحَكَمُ. وَ (الحَكَمُ): اسْمٌ لَهُ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (١). - اسْمُ (أَبِي الحَكَمِ) فِيهِ مُخَالَفَةٌ مِنْ وَجْهَينِ: ١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الحَكَمُ، فَفِيهِ مُنَازَعَةٌ للهِ تَعَالَى فِي اسْمِهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيهِ الحُكْمُ))، خَاصَّةً أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِأَلِّ التَّعْرِيفِ الدَّالَّةِ عَلَى الاسْتِغْراقِ (٢). ٢ - أَنَّ قَولَهُم: (أَبَا الحَكَمِ) هُنَا يُفِيدُ عُلُوَّ وَكَمَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ. - الكُنْيِةُ مَا صُدِّرَ بَأَبٍ أَو أُمٍّ أَو ابْنٍ أَو ابْنَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَاللَّقَبُ مَا لَيسَ كَذَلِكَ،

стр. 857

كَزَينِ العَابِدِين وَنَحْوِهِ. وَتَكُونُ الكُنيَةُ لِلمَدْحِ كَمَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلذَّمِّ كَأَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ تَكُونُ لِمُصَاحَبَةِ الشَّيءِ مِثْلِ أَبِي هُرَيرَةَ، وَقَدْ تَكُونُ لِمُجَرَّدِ العَلَمِيَّةِ كَأَبِي بَكْرٍ ﵁. - حُكْمُ اللهِ تَعَالَى أَنْوَاعٌ: ١ - قَدَرِيٌّ (كَونِيٌّ). كَمَا فِي قَولِ أَخِي يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يُوسُف: ٨٠]. ٢ - شَرْعِيٌّ. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ١٠]. ٣ - جَزَائِيٌّ. كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٣]. - فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَهلِ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ وَالنُّصْحِ إِذَا أَغْلَقوا بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يُبَيِّنُوا للنَّاسِ المُبَاحَ مِنْهُ. - أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ -مِنْ حَيثُ جَوَازِ التَّسْمِيَةِ-: ١ - مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا للهِ؛ فَهَذَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، وَإِنْ سُمِّيَ وَجَبَ تَغْيِيرُهُ، مِثْلَ: اللهُ، الرَّحْمَنُ، رَبُّ العَالَمِين، وَمَا أَشْبَهَ ذَلكَ.

стр. 858

٢ - مَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهِ غَيرُ اللهِ، مِثْلَ: الرَّحِيمُ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، فَإِنْ لُوحِظَتِ الصِّفَةُ مَعَهَا مُنِعَ مِنَ التَّسَمِّي بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُلَاحَظِ الصِّفَةُ جَازَ التَّسَمِّي بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ مَحْضٌ (١). وَدِلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ اسْمُهُ: (الحَكَمُ، وَحَكِيمٌ) وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا غَيَّرَ اسْمَ أَبِي الحَكَمِ! وَذَلِكَ لِأَنَّه عَلَمٌ مَحْضٌ (٢). - قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَأَمَّا الأَسْمَاءُ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَيهِ وَعَلَى غَيرِهِ -كَالسَّميعِ وَالبَصِيرِ وَالرَّؤُوفِ وَالرَّحِيمِ- فَيَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ بِمَعَانِيهَا عَنِ المَخْلُوقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَسَمَّى بِهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؛ بِحَيثُ يُطْلَقُ عَلَيهِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى" (٣). وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀: "وَأَمَّا الرَّبُّ فَهِيَ كَلِمَةٌ -وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً؛ وَتَقَعُ عَلَى غَيرِ الخَالِقِ لِقَولِهِمْ: (رَبُّ الدَّابَّةِ، وَرَبُّ الدَّارِ) وَيُرَادُ صَاحِبُهَا-؛ فَإِنَّهَا لَفْظَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ فِي الأَغْلَبِ وَالأَكْثَرِ، فَوَجَبَ أَلَّا تُسْتَعْمَلَ فِي المَخْلُوقِينَ؛ لِنَفْيِ اللهِ الشَّرِكَةَ بَينَهُمْ وَبَينَ اللهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ غَيرِ اللهِ (إلَهٌ) وَلَا (رَحْمَنٌ)، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ (رَحِيمٌ) لِاخْتِصَاصِ اللهِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ، فَكَذَلِكَ الرَّبُّ لَا يُقَالُ لِغَيرِ اللهِ" (٤).

стр. 859

بَابُ مَنْ هَزَلَ بِشَيءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ وَقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التَّوبَة: ٦٥]. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَتَادَةَ -دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ-: أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَينَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ؛ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ -يَعْنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ-، فَقَالَ لَهُ عَوفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ؛ وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَهَبَ عَوفٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ؛ نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ! قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التَّوبَة: ٦٥ - ٦٦] مَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيهِ" (١).

стр. 860

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: وَهِيَ العَظِيمَةُ؛ أَنَّ مَنْ هَزَلَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرُ الآيَةِ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ. الثَّالِثَةُ: الفَرَقُ بَينَ النَّمِيمَةِ وَبَينَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. الرَّابِعَةُ: الفَرَقُ بَينَ العَفْوِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَبَينَ الغِلْظَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ. الخَامِسَةُ: أَنَّ مِنَ الِاعْتِذَارِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ.

стр. 861

الشَّرْحُ - مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكتَابِ التَّوحِيدِ ظَاهِرَةٌ؛ وهيَ أَنَّ الهَزلَ وَالاسْتِهْزَاءَ بِاللهِ أَو بِالرَّسُولِ ﷺ أَو بِالقُرْآنِ مُنَافٍ لِأَصلِ التَّوحِيدِ وَكُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ. - المُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَذْكُرِ (الدِّينَ) فِي جُمْلَةِ قَولِهِ: (اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الهَزْلَ بِالدِّينِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الهَزْلَ بِالدِّينِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ تَدَيُّنُ الرَّجُلِ نَفْسِهِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ المَنْهَجُ الدِّينِيُّ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيهِ الشَّخْصُ المَذْمُومُ، وَالحُكْمُ لَيسَ وَاحِدًا. - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٧] (١). هَذِهِ السُّوَرةُ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَ الصَّحَابَةِ بِالفَاضِحَةِ؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَتِ المُنَافِقِينَ وَعَلَامَاتِهِم وَأَقْوَالَهُم.

стр. 862

- فِي البَابِ ضَرُورَةُ مُرَاقَبَةِ الإِنْسَانِ لِلِسَانَهُ، كَمَا فِي أَحَادَيثَ مِنْهَا: ١ - ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ -لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا- يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ -لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا- يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) (١). ٢ - ((وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَو قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ)) (٢). - الاسْتِهْزَاءُ بِآيَاتِ اللهِ يَشْمَلُ الآيَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كَالقُرْآنِ، وَالآيَاتِ الكَونِيَّةَ كَتَقْدِيرِ اللهِ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَ … الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صُنْعِ اللهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ وَحِكْمَتِهِ. - إِنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُم اسْتِهْزَاءٌ أَصْلًا، وَلَو صَدَرَ لَعَلِمْنَا أَنَّهُم غَيرُ مُعَظِّمِينَ للهِ تَعَالَى؛ وَأَنَّ تَوحِيدَهُم ذَهَبَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الاسْتِهْزَاءَ يُنَافِي التَّعْظِيمَ (٣). - لَا يَقَعُ الكُفْرُ الأَكْبَرُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيءٍ مِنَ الإِسَاءَةِ لِلشَّرِيعَةِ إِنْ كَانَ غَيرَ قَاصِدٍ لِمَا يَقُولُ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ: ١ - قَالَ عَلِيٌّ: (بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ (٤)، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ (٥)؛ مُحْمَرَّةٌ عَينَاهُ؛ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟! فَعَرَفَ

стр. 863

النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ) (١). ٢ - ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبْدِهِ -حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ- مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَينَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا -قَائِمَةً عِنْدَهُ- فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ -مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ-: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ)) (٢) (٣). - قَولُهُ: (وَالحِجَارَةُ تَنْكُبُ رِجلَيهِ): أَي: يَمْشِي وَالحِجَارَةُ تَضْرُبُ رِجلَيهِ، وَكَأَنَّهُ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يُحِسُّ فِي تِلْكَ الحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَذِرَ. - الغَضَبُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ، كَمَا قَالَ ﵊: ((لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي غِلَاقٍ)) (٤)، لَكِنَّ الغَضَبَ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ وَعْيُهُ فَلَا

стр. 864

يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الغَضَبُ قَلِيلًا يَعِي مَعَهُ صَاحِبُهُ مَا يَقُولُ فَهَذَا يُؤَاخَذُ بِعَوَاقِبِهِ (١). - مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى فإِنَّهُ تُقْبَلُ تَوبَتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالخَطَأ، وَوَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ التَّعْظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣]. أَمَّا مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ فَلَهُ تَوبَةٌ أَيضًا وَلَكِنْ يَجِبُ قَتْلُهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ تَوبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَهَذا لَيسَ لِأَنَّ حَقَّ اللهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الرَّسولِ ﷺ ! بَلْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا بِعَفْوِهِ عَنْ حَقِّهِ إِذَا تَابَ العَبْدُ إِلَيهِ؛ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، أَمَّا سَبُّ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ رَاجِعٌ لِحَقِّهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَنْهُ أَنَّهُ عَفَا، لِذَلِكَ نُنْفِذُ مَا نَرَاهُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، فَيُقْتَلُ السَّابُّ بَعْدَ تَوبَتِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا قُتِلَ؛ غَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَصَلَّينَا عَلَيهِ وَدَفَنَّاهُ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَكَذَا لَو قَذَفَهُ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا

стр. 865

يُجْلَدُ، وَذَلِكَ لِحَقِّ النُّبُوَّةِ لَا لِمُجَرَّدِ حَدِّ القَذْفِ (١). وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتْرُكُ قَتْلَ بَعْضِ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ ظَهَرَ كُفْرُهُم لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ (٢)، وَلَكِنَّ هَذَا فِي حَيَاتِهِ فَقَط. قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَأَمَّا تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ مَنْ قَدَحَ فِي عَدْلِهِ بِقَولِهِ: (اعْدِلْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ)! وَفِي حُكْمِهِ بِقَولِهِ: (أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟) وَفِي قَصْدِهِ بِقَولِهِ: (إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) أَو فِي خَلْوَتِهِ بِقَولِهِ: (يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الغَيِّ وَتَسْتَخْلِي بِه)! وَغَيرِ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ أَنَّ الحَقَّ لَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوفِيَهُ وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَيسَ لِأُمَّتِهِ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقَّهِ ﷺ . وَأَيضًا؛ فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ حَيثُ كَانَ ﷺ مَأْمُورًا بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ. وَأَيضًا؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْفُو عَنْ حَقَّهِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَجَمْعِ الكَلِمَةِ، وَلِئَلَّا يَنْفُرَ النَّاس عَنْهُ، وَلِئَلَّا يَتَحَدَّثُوا أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! وَكُلُّ هَذَا يَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ ﷺ " (٣). قُلْتُ: وَيَشْهَدُ لِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ﷺ مَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ -بَابُ الحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ؟ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: (لَيسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٤). وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ أَعْمًى كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -

стр. 866

وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ-، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللهِ وَتَسُبُّهُ، فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَذَكَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَوَقَعَتْ فِيهِ، قَالَ: فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى المِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا فَاتَّكَأْتُ عَلَيهِ فَقَتَلْتُهَا؛ فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَجَمَعَ النَّاسَ وَقَالَ: ((أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا لِي عَلَيهِ حَقٌّ فَعَلَ مَا فَعَلَ؛ إِلَّا قَامَ))، فَأَقْبَلَ الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا صَاحِبُهَا! كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً رَفِيقَةً، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَينِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الوَقِيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ، فَأَنْهَاهَا؛ فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا؛ فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتِ البَارِحَةَ ذَكَرَتْكَ؛ فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى المِغْوَلِ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا؛ فَاتَّكَأْتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدْرٌ)) (١). - ذَكَرُوا فِي التَّفَاسِيرِ أَنَّهُم كَانُوا ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ، اثْنَانِ مِنْهُم يَسْتَهْزِؤُونَ وَالثَّالِثُ كَانَ يَضْحَكُ وَلَا يَخُوضُ، وَكَانَ يَمْشِي مُجَانِبًا لَهُم وَيُنْكِرُ بَعضَ مَا يَسْمَعُ -وَهوَ الَّذِي عُفيَ عَنْهُ-، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذهِ الآيةُ تَابَ مِنْ نِفَاقِهِ. فَهَذَا الَّذِي حَضَرَ هُوَ مِثْلُ الَّذِي اسْتَهْزَأَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٠].

стр. 867

- إِنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُنَافِقُونَ؛ هُمْ أَولَى بِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ: الكَذِبُ، وَالجُبْنُ، وَالشَّرَاهَةُ فِي الأَكْلِ. - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (الفَرْقُ بَينَ النَّمِيمَةِ، وَالنَّصِيحَةِ للهِ وَلِرَسُولِهِ): النَّمِيمَةُ: هِيَ نَقْلُ الكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الوِشَايَةِ وَالإِفْسَادِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((أَتَدْرُونَ مَا العَضْهُ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((نَقْلُ الحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ؛ لِيُفْسِدُوا بَينَهُمْ)) (١)، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ؛ فَلَا يُقْصَدُ بِهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا احْتِرَامُ شَعَائِرِ اللهِ ، وَإِقَامَةُ حُدُودِهِ، وَحِفْظُ شَريعَتِهِ. - قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: (الفَرَقُ بَينَ العَفْوِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ، وَبَينَ الغِلْظَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ): الفَرْقُ هوَ أَنَّ العَفْوَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ إِصْلَاحٌ، لِأَنَّ اللهَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي العَفْوِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] أَي: كَانَ عَفْوُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى الإِصْلَاحِ، أَمَّا مَنْ كَانَ عَفْوُهُ إفِسْادًا لَا إِصْلَاحًا؛ فَإِنَّهُ آثِمٌ بِهَذَا العَفْوِ، فَإِنَّ هَذَا يَحُضُّ الظَّالِمَ عَلَى التَّمَادِي، وَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ دِينَهُ وَيُظْهِرُونَ العَدَاوَةَ؛ الأَصْلُ فِي مُعَامَلَتِهِم الشِّدَّةُ وَالغِلْظَةُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩]، فَلَا يَكُونُ الرِّفْقُ مَعَهُم إِلَّا فِي جَانِبِ الدَّعْوَةِ وَتَأْلِيفِ القُلُوبِ، فَالغِلْظُ وَالرِّفْقُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ رَاجِعٌ إِلَى مُنَاسَبَةِ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ هُوَ الرِّفْقُ بِلَا رَيبٍ- (٢).

стр. 868

- فِي الحَديثِ اسْتِعْمَالُ الغِلْظَةِ فِي مَحَلِّهَا، وَإِلَّا فَالأَصْلُ أَنَّ مَنْ جَاءَ يَعْتَذِرُ فَإِنَّهُ يُرْحَمُ، لَكِنْ هُنَا فإنَّ هَذَا الهَازِلَ لَيسَ أَهْلًا للرَّحْمَةِ. - الاسْتِهْزَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذهِ الثَّلَاثَةِ المَذْكُورَةِ فِي الآيَةِ هوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، أَمَّا الاسْتِهْزَاءُ بِالدِّينِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَد يَكُونُ المَقْصُودُ بِالدِّينِ هُوَ الإِسْلَامَ نَفْسَهُ؛ وَهَذَا يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ، أَمَّا لَو كَانَ المَقْصُودُ هوَ تَدَيُّنَ الرَّجُلِ المَسْبُوبِ وَلَيسَ شَرِيعَتَهُ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيهَا أَصْلًا؛ فَهَذَا لَا يَكْفُرُ؛ وَإِنَّمَا يُزْجَرُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ المُوهِمِ. وَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀: "سُئِلَ الشَّيخُ -مُفْتِي الدِّيَارِ السَّعَودِيَّةِ ﵀ عَنْ حُكْمِ سَبِّ دِينِ رَجُلٍ. مِنْ مُحَمِّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى فَضِيلَةِ الأَخِّ المُكَرَّمِ الشَّيخِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -رَئِيسِ عَامِّ هَيئَاتِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ فِي الحِجَازِ. السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحَمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وبَعْدُ فَقَدِ اطَّلَعْنَا عَلَى المُعَامَلَةِ الوَارِدَةِ مِنْكُم بِرَقَم .... الخَاصَّةِ بِاعْتِرَافِ سَعْدِ بْنِ … بِسَبِّ الدِّينِ، وَالمُثْبَتِ اعْتِرَافُهُ لَدَى فَضِيلَةِ رَئِيسِ المَحْكَمَةِ الكُبْرَى بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، وَأَنَّه لَمْ يَثْبُتْ لَدَى فَضِيلَتِهِ مَا يُوجِبُ إِقَامَةَ حَدِّ الرِّدَّةِ بِقَتْلِ سَعْدٍ المَذْكُورِ، … إِذْ إنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِسَبِّ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا سَبِّ دِينِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ تَدَيُّنَ

стр. 869

الرَّجُلِ رَدِيٌّ، وَالحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَبِهَذَا تَكُونُ إِحَالَةُ المَذْكُورِ إِلَى القَاضِي المُسْتَعْجَلَةُ لِتَقْرِيرِ التَّعْزِيزِ اللَّازِمِ عَلَيهِ وَجِيهًا. أَمَّا سَجْنُهُ؛ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِمَا مَضَى لَهُ فِي السِّجْنِ، وَاللهُ يَحْفَظُكُم" (١). وَفِي فَتْوى أُخْرَى أَيضًا قَالَ ﵀: "مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى فَضِيلَةِ مُسَاعِدِ قَاضِي مَحْكَمَةِ صَامِطَة سَلَّمَهُ اللهُ. السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَبَعْدُ فَقَد جَرَى اطْلَاعُنَا عَلَى خِطَابِكُم رَقَم … بِخُصُوصِ مَسْأَلَةِ مُعَوَّضِ بْنِ .... وَمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ لَعْنِهِ دِينَ مُحَمَّدِ بْنِ المَهْدِيّ، وَمَا قَرَّرْتُمُوهُ فِي حَقِّهِ مِنْ جَلْدِهِ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ تَعْزِيرًا، وَاسْتِتَابَتِهِ، ثُمَّ تَوبَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَطَلَبِكُم مِنَّا الإِحَاطَةَ بِذَلِكَ، وَنُفِيدُكُم أَنَّ سَبَّهُ دِينَ مُحَمَّدِ بْنِ المَهْدِيِّ -وَالحَالُ أَنَّ مُحَمَّدَ المَهْدِيَّ مُسْلِمٌ- هُوَ سَبٌّ لِلدِّينِ الإِسْلَامِيِّ، وَسَبُّ الدِّينِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيكُم ارْتِدَادٌ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ-، وَعَلَيهِ فَيَلْزَمُكُم -علَاوَةً عَلَى مَا أَجْرَيتُم- إِحْضَارُ المَذْكُورَ، وَأَمْرُهُ بِالاغْتِسَالِ، ثُمَّ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَينِ، وَتَجْدِيدُهُ التَّوبَةَ بَعْدَ إِخْبَارِهِ بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ مِنَ الإِقْلَاعِ عَنْ مُوجِبِ الإِثْمِ، وَالنَّدَمِ عَلَى صُدُورِهِ مِنْهُ، وَالعَزْمِ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ إِلَيهِ.

стр. 870

وَنَظَرًا لِمَا ذَكَرْتَهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ جَاهِلٌ بِمَدْلُولِ مَا صَدَرَ مِنْهُ؛ فَيُكْتَفَى بِمَا قَرَّرْتُمُوهُ عَلَيهِ تَعْزِيرًا. وَفَّقَكُمُ اللهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم. مُفْتِي الدِّيَارِ السَّعَودِيَّةِ" (١). - قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الزَّوَاجِرُ عَنِ اقْتِرَافِ الكَبَائِرِ) (٢): "الكَبِيرَةُ الأُولَى: الشِّرْكُ بِاللهِ [في سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى مَا يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ ]: .... أَو يَلْعَنُهُ أَو يَسُبُّهُ أَو يَسْتَخِفُّ أَو يَسْتَهْزِئُ بِهِ أَو بِشَيءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ؛ كَلَحْسِ الأَصَابِعِ، أَو يُلْحِقُ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَو نَسَبِهِ أَو دِينِهِ أَو فِعْلِهِ، أَو يُعَرِّضُ بذَلِكَ، أَو يُشَبِّهُهُ بِشَيءٍ عَلَى طَرِيقِ الإِزْرَاءِ أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوِ الغَضِّ مِنْهُ. أَو تَشَبَّهَ بِالعُلَمَاءِ أَوِ الوُعَّاظِ أَوِ المُعَلِّمِينَ -عَلَى هَيئَةٍ مُزْرِيَةٍ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ- حَتَّى يَضْحَكُوا، أَو يَلْعَبُوا اسْتِخْفَافًا، أَو قَالَ: قَصْعَةُ ثَرِيدٍ خَيرٌ مِنَ العِلْمِ -اسْتِخْفَافًا أَيضًا-" (٣).

стр. 871

بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فُصِّلت: ٥٠]. قَالَ مُجَاهِدٌ: (هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ) (١). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُرِيدُ: مِنْ عِنْدِي) (٢). وَقَولِهِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القَصَص: ٧٨]. قَالَ قَتَادَةُ: (عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ) (٣). وَقَالَ آخَرُونَ: (عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ)، وَهَذَا مَعْنَى قَولِ مُجَاهِدٍ: (أُوتِيتُهُ عَلَى شَرَفٍ) (٤). وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: لَونٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَونًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ:

стр. 872

فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوِ البَقَرُ -شَكَّ إِسْحَاقُ (١) - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ. فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أَوِ الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا. فَأُنْتَجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ؛ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ (٢) فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغِ لِيَ اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ؛ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا؛ فَأَعْطَاكَ اللهُ المَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.

стр. 873

قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَومَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى؛ فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ؛ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَومَ بِشَيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ؛ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ)). أَخْرِجَاهُ (١).

стр. 874

فِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ. الثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟ الثَّالِثَةُ: مَا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؟ الرَّابِعَةُ: مَا فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ مِنَ العِبَرِ العَظِيمَةِ.

стр. 875

الشَّرْحُ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فُصِّلَت: ٤٩ - ٥٠]. - وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِمْ وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القَصَص: ٧٦ - ٧٨]. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النَّحْل: ٥٣]. - وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٩ - ٥٠]. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالَةِ الإِنْسَانِ وَطَبِيعَتِهِ؛ أَنَّهُ حِينَ يَمَسُّهُ ضُرٌّ مِنْ مَرَضٍ أَو شِدَّةٍ أَو كَرْبٍ ﴿دَعَانَا﴾ مُلِحًّا فِي تَفْريجِ مَا نَزَلَ بِهِ

стр. 876

﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ فَكَشَفْنَا ضُرَّهُ وَأَزَلْنَا مَشَقَّتَهُ؛ عَادَ بِرَبِّهِ كَافِرًا، وَلِمَعْرُوفِهِ مُنْكِرًا! وَ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أَي: عِلْمٍ مِنَ اللهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ، وَأَنِّي مُسْتَحِقٌّ لَهُ، لِأَنِّي كَرِيمٌ عَلَيهِ، أَو عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِطُرُقِ تَحْصِيلِهِ! ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ يَبْتَلِي اللهُ بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ مَنْ يَشْكُرُهُ مِمَّنْ يَكْفُرُهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَلِذَلِكَ يَعُدُّونَ الفِتْنَةَ مِنْحَةً، وَيَشْتَبِهُ عَلَيهِم الخَيرُ المَحْضُ بِمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلخَيرِ أَو لِلشَّرِّ، ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَي: قَولَهُم ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فَمَا زَالتْ مُتَوَارَثَةً عِنْدَ المُكَذِّبِينَ، لَا يُقِرُّونَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِم، وَلَا يَرَونَ لَهُ حَقًّا، فَلَم يَزَلْ دَأْبُهُم حَتَّى أُهْلِكُوا، وَلَم يُغْنِ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حِينَ جَاءَهُم العَذَابُ" (١). - هَذَا البَابُ كَالأَبْوَابِ الَّتِي قَبْلَهُ فِي بَيَانِ وُجُوبِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى فِي الأَلْفَاظِ، وَأَنَّ النِّعَمَ يَجِبُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيهِ، وَأَنْ يُشْكَرَ عَلَيهَا؛ فَتُعْزَى إِلَيهِ، وَيَقُولُ العَبْدُ: هَذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ بِهِ. وَالكَذِبُ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ أَو أَنْ يَتَكَلَّمَ المَرْءُ بِكَلَامٍ لَيسَ مُوَافِقًا للحَقِيقَةِ أَو هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَد أَنْعَمَ عَلَيهِ بِذَلِكَ؛ فَهَذَا يُؤَدِّيهِ إَلى المَهَالِكِ، وَقَد يَسْلُبُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ النِّعْمَةَ بِسَبَبِ لَفْظِهِ. - دَخَلَ فِي هَذَا البَابِ نَوعَانِ مِنَ النَّاسِ: ١ - مَنْ يَنْسِبُ النِّعْمَةَ إِلَى نَفْسِهِ أَو إِلَى أَسْبَابِهَا وَلَا يَنْسِبُهَا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا أَصْلًا! فَهَذَا مُسِيءٌ مِنْ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (يُرِيدُ مِنْ عِنْدِي)، وَكَمَا فِي قَول قَتَادَةَ: (عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ).

стр. 877

٢ - مَنْ يَنْسِبُ النِّعْمَةَ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ، وَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ الشَّيءَ عَلَى اللهِ ؛ فَهَذَا مُسِيءٌ مِنْ جَانِبِ العُبُودِيَّةِ، كَمَا فِي قَولِ مُجَاهِدٍ: (هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ)، وقَولِهِ أَيضًا: (أُوتِيتُهُ عَلَى شَرَفٍ)، فَجَعَلَ تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى اسْتِحْقَاقًا لَهُ وَلَيسَ تَفَضُّلًا مِنْهُ ! - قَولُهُ: (أَبْرَصَ): البَرَصُ مَرَضٌ جِلْدِيٌّ مِنَ الأَمْرَاضِ المُسْتَعْصِيَةِ عَلَى البَشَر، لِذَلِكَ كَانَ الشِّفَاءُ مِنْهُ آيَةً عَلَى صِدْقِ المَسِيحِ ﵇، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ٤٩]. - قَولُهُ: (يَبْتَليَهُم): أَي: يَخْتَبِرَهُم؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النَّمْل: ٤٠]. - قَولُهُ: ((قَذَرَنِيَ)) أَي اسْتَقْذَرَنِي وَكَرِهَ النَّاسُ مُخَالَطَتي مِنْ أَجْلِهِ. - قَولُهُ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا)) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُبَارَكَةٌ مِنَ اللهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنْشَاءٌ؛ فَهوَ يَدْعُو لَهُ. - قَولُهُ: ((فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ)) لَمْ يَطْلُبْ بَصَرًا حَسَنًا كَمَا طَلَبَهُ صَاحِبَاهُ، وَإنَّمَا طَلَبَ بَصَرًا يُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ فَقَط؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قَنَاعَتِهِ بِالكِفَايَةِ.

стр. 878

وَطَلَبُهُ لِلغَنَمِ دَلِيلٌ عَلَى سَكِينَتِهِ؛ لِأَنَّ ((السَّكِينَةَ فِي أَهْلِ الغَنَمِ)) (١). - قَولُهُ: ((فَأُعُطْيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ)) العُشَرَاءُ: هِيَ الحَامِلُ الَّتِي تَمَّ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَهِيَ أَنْفَسُ الأَمْوَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التَّكْوِير: ٤] (٢). - قَولُهُ: ((فَأُنْتَجَ)) مَعْنَاهُ: تَوَلَّى الوِلَادَةَ. - قَولُهُ: ((في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ)) الصُّورَةُ فِي الجِسْمِ، وَالهَيئَةُ فِي الشَّكْلِ وَاللِّبَاسِ. - قَولُهُ: ((ابْنُ سَبِيلٍ)) أَي: مُسَافِرٌ؛ وَقَد نَفِدَ مَا مَعَهُ مِنَ الزَّادِ، وَقَد جَعَلَ اللهُ لَهُ حَقًّا فِي الزَّكَاةِ؛ وَلَو كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ. وسُمِّيَ ابْنَ سَبِيلٍ لِكَونِهِ مُلَازِمًا لِلسَّبِيلِ وَهوَ الطَّرِيقُ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ ابْنُ سُوقٍ، وَابْنُ مَصْلَحَةٍ. - قَولُهُ: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ)) فِيهِ التَّذْكِيرُ بِالنِّعْمَةِ وَالمُنْعِمِ؛ لِيَكُونَ أَحْرَى إِلَى الإِجَابَةِ وَلِدَفْعِ الغَفْلَةِ. - قَولُهُ: ((الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ)) أَي: هَذَا المَالُ الَّذِي عِنْدِي مُتَعَلِّقٌ بِهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ؛ لَيسَ حَقَّكَ أَنْتَ فَقَط! - قَولُهُ: ((لَا أَجْهَدُكَ)) الجَهْدُ: المَشَقَّةُ، والمَعْنَى: لَا أَشُقُّ عَلَيكُم بِمَنْعٍ وَلَا مِنَّةٍ.

стр. 879

- الظَّاهِرُ أَنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ قَدِ انْتَشَرَ وَذَلِكَ لِابْتِدَاءِ قَولِ المَلَكِ: ((أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ))، وَلِقَولِهِ: ((كَأَنِّي أَعْرِفُكَ))، وَلِقَولِهِ فِيمَا بَعْدُ: ((فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ)). - الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ: "بَابُ لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟ " (١)، وَالحَدِيثُ دلَّ عَلَى الجَوَازِ (٢). - فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الإِرَادَةِ للهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنْوَاعِهَا فِي بَابِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]. - فِي الحَدِيثِ أَيضًا أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللهِ -أَي: بِالمَقْضِيِّ-،

стр. 880

لِأَنَّ هَؤلَاءِ الَّذِينَ أُصِيبُوا قَالُوا: أَحَبُّ إِلَينَا كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا. - وَفِيهِ أَيضًا جَوَازُ التَّمْثِيلِ لِلمَصْلَحَةِ، وهوَ أَنْ يَتَمَثَّلَ الإِنْسَانُ بِحَالٍ لَيسَ هُوَ عَلَيهَا فِي الحَقيقَةِ، مِثْلَ أَنْ يَأتيَ بِصُورَةِ مِسْكِينٍ -وَهو غَنِيٌّ- وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ؛ وَأَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ إِنْسَانًا بِمِثْلِ هَذَا مَثَلًا؛ فَلَهُ ذَلِكَ (١).
следующие страницы →