← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 13281

منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل

يوسف بن جودة الداودي

Полный текст (378 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الصديق، خالفه عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال عبدالرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن رفيع، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو جعفر الرازي، عن ليث، عن رجل غير مسمَّى، عن معقل، عن أبي بكر. وقال جرير بن عبدالحميد، عن ليث، عن من حدثه، عن معقل ابن يسار عن أبي بكر. وقيل عنه عن ليث، عن شيخ من غنزة، عن معقل، عن أبي بكر. وقال عبدالوارث بن سعيد، عن ليث، قال: حدثني صاحب لي عن معقل، عن أبي بكر وروى هذا الحديث شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير أبي النضر، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن النَّبي ﷺ ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث " (١). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق ﵁ قوله للجدة: ((مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَأَسْألُ النَّاسَ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ...)) الحديث (٢). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده: فقال مالك بن أنس عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة (٣)، عن قبيصة بن ذؤيب وتابعه أبو أويس عن

стр. 142

الزهري، وقال ابن عيينة عن الزهري عن رجل لم يسمِّه، عن قبيصة بن ذؤيب، فقوي هذا القول مالك وأبو أويس، ورواه يونس بن زيد وعقيل بن خالد، ومعمر والأوزاعي وأسامة بن زيد الأشعث، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، لم يذكروا بينهما أحداً، ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي: اضطراب ابن شهاب الزهري في الحديث، فإنّه مرةً يسمي عثمان بن إسحاق بن خرشة، ومرة يرويه عن رجل، ومرة يرويه عن قبيصة بن ذؤيب، ثم رجح الدارقطني رواية مالك وأبي أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه، والله أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث رُوِيَ عن ابن عثمان، عن عثمان ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ بِاللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ)) (٢). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو جعفر الرازي، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن بن عثمان، عن عثمان، قاله بقية، عن أبي جعفر، وخالفه أبو النضر هاشم ابن القاسم، فرواه عن أبي جعفر، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ويشبه أن يكون هذا أصح " (٣).

стр. 143

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا أنَّ الحديث رُوِيَ من طريق عن صالح ابن كيسان، عن ابن عثمان، عن عثمان بن عفان، ثم ثبت من طريق أخرى عن صالح ابن كيسان، عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ثم رجح الدارقطني الطريق الثاني، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث أخرى كثيرة، أحببت أن أشير إلى أرقام سؤالاتها لزيادة النفع بها (١). الجنس الثَّامن: أن يكُون الرَّاوي عن شخص أدركهُ وسَمعَ منهُ , لكنَّه لم يسمع منهُ أحاديث مُعينة , فإذا رواها عنه بلا واسطة فعِلَّتها أنَّه لم يسمعها منه. وهذه العلة تدخل في معنى التدليس إلا أنها أدق منه، وقد سمّاها الحافظ ابن حجر بالمرسل الخفي، وهي رواية معاصر لم يلق، أو أنها نوع خفي من أنواع التدليس، ولقد حصر الدارقطني جملة من أحاديث قوم لم يسمعوها من شيوخهم، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث قليلة، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة منها: المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " وحدثنا النيسابوري، ثنا أبو الأزهر، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، وثنا أحمد بن عيسى بن السكين، ثنا عبدالله بن سعد قال: ثنا عمر، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (٢)، قال: ذكر محمد بن مسلم بن شهاب، قال: حدثني ابن

стр. 144

أبي أنس، أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) (١). وفي حديث حجاج عن ابن أبي أنس، قال النيسابوري: أصحاب الحديث يقولون: ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الزهري " (٢). قلتُ: ومحمد بن إسحاق وهو ابن يسار صاحب السير، سمع من شيخه الزهري أحاديث كثيرة، ولكن لم يسمع هذا الحديث من الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك النقل عن أصحاب الحديث كما تقدم، وكون أنَّ ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن شهاب الزهري، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " أخبرنا علي بن الفضل، أخبرنا أبو يحيى البلخي عبدالصمد بن الفضل، أن شداد بن حكيم حدثهم عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما محمد بن علي عن علي ﵁، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ)) (٣). قال الشيخ - الدارقطني -: كذا قال

стр. 145

عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى لم يسمع هذا من الزهري، إنَّما سمعه من مالك بن أنس، عن الزهري، قال ذلك عبدالوهاب الثقفي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن زيد " (١). قلتُ: ويحيى بن سعيد وهو ابن قيس الأنصاري (٢)، سمع من شيخه الزهري، إلا أنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من الزهري، ورجح الدارقطني ذلك لقول جمع من أهل الحديث، وذلك لثبوت سماعه هذا الحديث من مالك بن أنس عن الزهري، كما أخرجه الإمام النَّسائي في السنن فقال: " أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ))، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ " (٣) وهذا دليلٌ على أنَّ كلام أهل الحديث لا يكون بمجرد التخرص بل بالأدلة الثابتة التي لهم فيها عند الله برهان. الجنس التاسع: أن يُروى الحديث بطريقة معروفة مشهورة , ثم يَروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق، فيقع من رواه في الوهم ظناً منه أنَّها الطريقة المشهورة. وأصل هذه العلة: أن يكون هناك إسناد معروف مشهور، لا يختلف الرواة الثقات في هذا الإسناد، ثم يأتي راوٍ فيروي حديثاً ما بالإسناد المشهور وهماً منه أنّه هو الإسناد لهذا الحديث، وليس كذلك بل يكون لهذا الحديث إسناد خاص به مخالف للمشهور أو طريق

стр. 146

الجادة أو طريق المجرة، كما يطلق أهل الحديث على الطرق المشهورة للأحاديث، وهو معنى قول الحاكم: " فيقع من رواه من تلك الطريق بناءً على الجادة في الوهم"، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: لما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسُول الله ﷺ : ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)) (١). فقال - الدارقطني -: "وأما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن وابن المبارك. وخالفهم عبدالله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني، وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ... ورواه سُهيل بن أبي صالح (٢)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، قال فيه: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيداً))، ورواه سُهيل بإسناد آخر أيضاً، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيداً))، فقد وهم على سُهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاَثَاً)) " (٣). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، ما وقع فيه سُهيل بن أبي صالح من الوهم في إتخاذ الطريق المشهورة (الجادة) على أنها إسناد الحديث، وليس كذلك بل الصحيح

стр. 147

عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ الحديث رواه الثقات من أصحاب الإمام مالك وغيرهم: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ذكر الدارقطني أنَّ سبب وقوع سُهيل في هذا أنَّ المعروف من الإسناد المحفوظ عنده عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فأوهم أنه إسناد الحديث، والله الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: ولما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث عكرمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ)) (١). فقال - الدارقطني -:"وهم فيه بعض الرواة، والصحيح عن شعبة، وعن غيره، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وهو المحفوظ عن غندر، وعن غيره (٢). قلتُ: والعلة التى أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: وهم بعض الرواة في جعل إسناد الحديث الطريق المشهورة (الجادة) عكرمة عن أبي هريرة، بدلاً من الإسناد الصحيح: خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ عكرمة وهو مولى ابن عباس (٣)، يروي كثيراً عن أبي هريرة بخلاف روايته عن أبي سعيد الخدري - واسمه سعد بن مالك بن سنان - فإنها تعد قليلة، فوقع الوهم من بعض الرواة بسبب معرفتهم كثرة رواية عكرمة عن أبي هريرة الطريق المشهورة.

стр. 148

الجنس العاشر: أن يُروى الحديث مرفوعًا من وجه , وموقوفًا من وجه. وأصل هذه العلة أن: يَروي راوٍ الحديث مسنداً موصولاً، ثم يخالفه غيره فيرويه موقوفاً على الصحابي ويكون هو الراجح بين المرويَّات لهذا الحديث، ويسمى عند أهل الحديث مُعلٌّ بالوقف، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني- عن حديث سلمان الأغر عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ صَدَقَ عَبْدِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي ...)) (١) الحديث. فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن الأغر مسنداً، وكذلك قال أبو قتيبة والنضر بن شميل: عن شعبة، عن أبي إسحاق مرفوعاً، وروى سعد بن شعبة، عن أبيه بعض هذا الحديث مرفوعاً لم يذكره بتمامه. ورواه معاذ بن معاذ (٢) عن شعبة موقوفاً، وهو المحفوظ. ورواه عبد الجبار بن العباس وإسحاق بن عبد الله المخولي عن أبي إسحاق مرفوعاً، والموقوف هو الأشبه " (٣).

стр. 149

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا، أنَّ الحديث قد رُوي مرفوعاً عن جماعة من طريق شعبة عن أبي إسحاق، ثم رواه معاذ بن معاذ وهو العنبري عن شعبة عن أبي إسحاق، فرجح الدارقطني رواية معاذ بن معاذ على رواية الجماعة بقوله " وهو المحفوظ " وحجته في ذلك أنَّ معاذ بن معاذ العنبري هو أوثق من هؤلاء الجمع في الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد، فقد قال ابن عدي: " أصحاب شعبة: معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغُندر، وأبو داود خامسهم " (١)، انظر كيف رجَّح رواية رجلٍ واحدٍ على رواية جماعة خالفوه!، وذلك للأدلة والقرائن سالفة الذكر، فدل ذلك على أنَّ العبرة ليست بعدد من رَوى الحديث ولو كانوا كثرة في جميع الأحوال، بل بقرائن أخرى لها تأثير أقوى في ترجيح المرويَّات، وهي في هذا المثل مدى تَثَبُّتْ ودقة الراوي في شيخه، وهذا المعيار من أدق معايير نقاد الحديث، وبهذا الحكم يكون الحديث قد أُعلَّ بالوقف، لصحة الرواية الموقوفة على المسندة، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((إنَّ العَبْدَ الْفَاجِرَ إِذَا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَيْلِه أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي)) (٢).

стр. 150

فقال - الدارقطني -: يرويه طلحة بن مصرف، عن أبي حازم حدث به ابن عيينة، واختلف عنه، فرفعه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت (١)، عن ابن عيينة، عن مالك ابن مغول، عن طلحة، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ. ورواه محمد بن جحادة، وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفاً " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، أنَّ الحديث رواه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت مرفوعاً، ورواه آخرون موقوفاً، ثم رجَّح الدارقطني الموقوف، وحجته في ذلك متابعة محمد بن جحادة وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفاً، ثم أشار إلى أنَّ الوهم في رفعه من أبي يعلى التوزي محمد بن الصلت، لمخالفتة أصحاب طلحة بن مصرف الذين رووه موقوفاً، ولهذا السبب حُكم على هذا الإسناد من هذا المخرج أنَّهُ معلول بالوقف، والله تعالى أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن باباه، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَاوِي إِلَى فِرَاشِهِ: لاَ إِلِهَ إِلاَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٍ ...)) (٣).

стр. 151

فقال - الدارقطني -: يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه، فرواه مسعر عن حبيب، واختلف عن مسعر، فرواه إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفارسي، عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدالله بن باباه (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وخالفه خلاد بن يحيى وأبو معاوية الضرير ومصعب بن المقدام، رووه عن مسعر موقوفا، وكذلك رواه الثوري والأعمش عن حبيب، وهو المحفوظ موقوف " (٢). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أنَّ الحديث رواه إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الفارسي (٣)، عن مسعر بن كدام مرفوعاً، وخالفه جمع من الأثبات منهم: خلاد بن يحيى، وأبو معاوية الضرير، ومصعب بن المقدام، فرووه موقوفاً، وكذلك تابع مسعر بن كدام الثوري والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت على روايته موقوفاً، فلذلك رجَّح الإمام الدارقطني الموقوف على المرفوع، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة في كتابه العلل أشير إلى بعض سؤالاتها في العلل لزيادة النفع بها (٤).

стр. 152

المبحث الثاني: الأجناس التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الأخرى من جهة الإسناد عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، والتي لم يذكرها أبو عبدالله الحاكم، وهذه الأجناس جاءت نتيجة للسبر ولدراسة الأنواع المختلفة التي في إجابات السؤالات في كتاب العلل، ولا أدعي أنَّي قد حصرت جميع الأجناس في العلل، وإنَّما هي محاولة لبيان منهج الدارقطني في هذه الأجناس الجنس الأول: علة إبدال جزء من الإسناد أو إبدال راوٍ مكان آخر. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة في القراءة خلف الامام (١). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك، ومعمر، ويونس والزبيدي، وابن جريج، وعبد الرحمن بن إسحاق، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن عيينة عن الزهري، عن ابن أكيمة (٢)، عن أبي هريرة، وخالفهم الأوزاعي رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم فيه، وإنَّما هو عن الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، كذلك قال: يونس وابن عيينة عن الزهري حديثهما، وكذلك روي عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد عن أبي هريرة ... " (٣).

стр. 153

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: خطأ الإمام الأوزاعي في رواية هذا الحديث، فإنَّه خالف يونس وابن عيينة في إبدال راوٍ مكان آخر، فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم في ذلك؛ لأنَّ الحديث معروف ومشهور من طريقين عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة، وكذلك عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند الثقات، وكلا الطريقين ثابت عند المحدثين، وحجة الإمام الدارقطني أنَّ يونس وابن عيينة قد رَويا الطريقين عن الزهري، وهما من أثبت الناس في الزهري كما بينَّا من قبل، والله الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث الحارث عن علي ﵁: ((أُمِرْتُ بِأَرْبَعٍ أَنْ لاَ يَقْرَبَ الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)) (١). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي ورواه ابن عيينة وأبو شيبة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي هو المحفوظ، حدثنا أحمد ابن محمد بن الجراح، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي قال: ((لَمَّا بَعَثَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ إِلَى مَكْةَ أَمَرَنِي أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَحُجُّ مُشْركٌ بَعَدَ عَامِهِ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ)) " (٢).

стр. 154

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال الحارث وهو ابن عبدالله الهمداني الخارفي الأعور وهو متهم بالكذب (١)، بدلاً من زيد بن يثيع وهو من الثقات (٢)، وقد رجح الإمام الدارقطني رواية سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي، وحجته في ذلك رواية جمع من الثقات الحديث بهذا الإسناد. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ حَفِظَهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَّارِ)) (٣). فقال - الدارقطني -: يرويه عمارة بن زاذان، وقد اختلف عنه. فرواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عن عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، ووهم فيه. وإنَّما رواه عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة. وكذلك رواه مالك بن دينار، وليث بن أبي سليم، وسعيد بن راشد، والعلاء بن خالد عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وهو المحفوظ.

стр. 155

وكذلك رواه حماد بن سلمة عن علي بن الحكم عن عطاء، وهو المحفوظ " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال محمد بن زياد (٢)، بدلاً من عطاء بن أبي رباح (٣) في الإسناد، وقد رجح الإمام الدارقطني عن عطاء بن أبي رباح، وحجته مخالفة يحيى بن إسحاق السيلحيني وهو ثقة (٤)، وذلك لرواية جمع من الثقات عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة كما هو واضح في المثال، والله سبحانه الموفق. الجنس الثاني: علة الخطأ في تسمية الصحابي خلاف الصحيح الثابت: وهذه العلة تنشأ عن الوهم والخطأ في اسم الصحابي، ولقد اهتم النقاد بهذا النوع كثيراً وربما يستغرب البعض لماذا كل هذا الاهتمام وجميع الصحابة عدول؟، والجواب: ليس كل التابعين أدرك الصحابة، فإنَّ طاوساً تابعي جليل، لكنه لم يدرك معاذ بن جبل ﵁ كما ذكرنا من قبل، وكذلك ليس كل من أدرك الصحابة سمع منهم، فمثلاً سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه غير صحيح على الرغم من أنَّه أدركه، وكذا سلمة بن دينار لم يسمع من أبي هريرة شيئا، والحسن البصري لم يسمع من أسامة ابن زيد شيئاً، فلهذا السبب كان معرفة الصحابي المقصود في الإسناد على غاية من الأهمية للحكم على صحة الحديث فانظر لدقة نظر هؤلاء القوم، وثاقب فهمهم. وقد أعل الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي بن حراش عن عبدالله ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((قَالَ ثَلاَثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ،

стр. 156

وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ ...)) (١) الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود، ووقع في وهم، وليس هذا من حديث ابن مسعود وإنَّما هو من حديث أبي ذر ﵁ ... ، ورواه شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، وقال جرير عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان أو غيره عن أبي ذر وهو المحفوظ" (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني الوهم الذي وقع من أبي بكر بن عياش (٣)، حيث جعل الحديث من رواية ابن مسعود ﵁، وليس كذلك بل هو من حديث أبي ذر ﵁، وحجة الدارقطني في ذلك رواية شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، والحديث مخرجه واحد، وقد سبق الدارقطني إلى إعلال الحديث الترمذي فقال: " هذا حديث غريب من هذا الوجه وهو غير محفوظ والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي ﷺ وأبو بكر بن عياش كثير الغلط " (٤). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر ﵁، قالَ رسُولُ الله ﷺ : ((يَقُولُ اللهُ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ ...)) الحديث (٥).

стр. 157

فقال - الدارقطني -: يرويه شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم حدَّث به عبدالحميد بن بهرام، وليث بن أبي سليم، وموسى بن المسيب، وسيار وأبو الحكم عن شهر بن حوشب، واختلف عن موسى بن المسيب، فرواه عن منصور بن المعتمر عن شهر بن حوشب، عن ابن غنم عن أبي ذر مسنداً ... ، واختلف عن ليث بن أبي سليم فرواه شيبان، عن ليث عن شهر، وخالفه أبو عصمة نوح بن أبي مريم، فرواه عن ليث عن موسى بن المسيب عن شهر، عن ابن غنم، عن أبي ذر وأبي الدرداء، عن النَّبي ﷺ . وليس ذكر أبي الدرداء بمحفوظ والله أعلم، قيل للشيخ فإنَّ معتمر بن سليمان يرويه عن أبي جعفر، عن شهر، عن ابن غنم عن أبي ذر مسنداً، من أبو جعفر هذا؟ فقال: هو موسى بن المسيب " (١). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني قد رجح عدم صحة الرواية التي ذكر فيها أبي الدرداء، وذلك أنَّ الحديث قد رواه جمع من الحفاظ بدون ذكر أبي الدرداء، وإن كانت هذه العلة لا تضر فإنَّ عبدالرحمن بن غنم (٢) حدث عن أبي الدرداء بأحاديث قليلة وهو شامي مختلف في صحبته، وكان أبو الدارداء ﵁ يقيم في الشام، فهي علة غير مؤثرة في واقع الأمر لهذه القرائن التي ذكرنا. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالله بن الزبير عن الزبير ﵃، عن النَّبي ﷺ : ((لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلاً الْمَصَّتَانِ)) (٣).

стр. 158

فقال - الدارقطني -: تفرد به محمد بن دينار الطاحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن الزبير، عن الزبير ووهم فيه، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النَّبي ﷺ ، لا يذكرون فيه الزبير ورواه ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ وهو الصحيح لأنَّه زاد وهو المحفوظ عن عائشة " (١). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني رجَّح الرواية التي فيها عبدالله بن الزبير، عن عائشة، بدون ذكر الزبير، وحجة الدارقطني هي: تفرد محمد بن دينار الطاحي (٢)، وهو ضعيف لا يحتمل تفرده، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير لا يذكرون فيه الزبير، فكان الحمل عليه من محمد بن دينار الطاحي، ولقد أشرنا من قبل إلى مسألة تفرد الراوي برواية الحديث خلاف أقرانه عن شيخه، ويعتبر التفرد من المعايير التي يقيس عليها النقاد المحدثين مدى حفظ الراوي لمرويَّاته من عدمه، وهنا تفرد محمد بن دينار الطاحي بذكر الزبير في الإسناد فأخطأ، وقد أحصى عليه النقاد أخطاء أخرى تدل على عدم حفظه لمروياته فضعفوه، والله أعلم. الجنس الثالث: علة نقص راوٍ أو زيادة راوٍ في الإسناد. وتنشأ هذه العلة عند رواية بعض الرواة الحديث بإسناد فيه زيادة راوٍ، ثم يرويه البعض الآخر بنقص راوٍ، وهذا الجنس مشهور في كتب العلل، وهو من أخفى أجناس العلل ولا يدركه إلا الجهابذة، وأصل هذه العلة أن يكون للحديث طريقين في أحدهما زيادة راوٍ، والآخر فيه نقص في الإسناد، وقد ترجح الزيادة على النقص أو يرجح النقص على الزيادة وقد يجمع بين الطريقين على أنَّه رواه مرة بواسطة، ومرة من غير واسطة كل ذلك إذا كان للحديث مخرجاً واحداً، وإلا فلا يمكن الجمع مع اختلاف مخرج الحديث.

стр. 159

ولا يكون الترجيح إلا بالقرائن التي تدل على عدم الوهم أو الخطأ، كمقارنة الزيادة بمرويَّات الثقات الأثبات للحديث، أو عدد من روى الزيادة أو النقص، ولتوضيح هذا النوع سوف نضرب هنا بعض الأمثلة من كتاب العلل: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث علي بن الحسين عن عمر ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَ سَبَبِي وَنَسَبِي)) (١). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه محمد بن إسحاق عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن عمر، وخالف الثوري وابن عيينة ووهيب، وغيرهم فرووه عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ " (٢). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجَّح الإسناد الناقص على الزيادة، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن إسحاق خالف الأثبات منهم الثوري وابن عيينة وغيرهم، فأعلَّ الرواية الزائدة والتي فيها " عن جده وهو علي بن الحسين " بذلك، وقال: " عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ "، وبهذا يكون الحديث معلٌّ بالانقطاع، لأنَّ جعفر بن محمد لم يلق عمر. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم يقال عاصم بن أبي المشجر الجحدري بصري عن أبي بكرة ﵁: ((أنَّ النَّبِي ﷺ قَرَأَ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَاذِبيِنَ﴾)) (٣).

стр. 160

فقال - الدارقطني-: يرويه عبدالله بن حفص أبو محمد الأرطباني عن عاصم عن عبدالله ابن أبي بكرة عن أبيه وغيره يرويه عنه لا يذكر فيه ابن أبي بكرة وهو المحفوظ " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ زيادة ابن أبي بكرة غير محفوظة ممن رووا هذا الحديث، ويعتبر الإسناد الناقص هو المحفوظ، والوهم في الزيادة من عبدالله بن حفص الأرطباني (٢)، والحمل عليه فيه، وبهذا أعلَّ الحديث حيث إنَّ الإسناد منقطع ما بين عاصم وهو الجحدري، وأبي بكرة وهو نفيع بن الحارث بن كلدة، صحابي جليل ﵁، والله أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن عوف، عن أبي بكر الصديق ﵁: ((ثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلتُ رسُول ﷺ عَنْهَا وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرَ؟،فَلاَ يُنَازِعُهُ أَهْلَّه، وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ هَلْ للأَنْصَارِ فِي هَذا الأَمْرَ شَيءٌ؟ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَابْنَةَ الأُخْتِ)) (٣) فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له علوان بن داود واختلف عليه فيه، فرواه عنه سعيد بن عفير، عن علوان بن داود عن حميد بن عبدالرحمن ابن عوف عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه عن أبي بكر الصديق، وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان بهذا الإسناد إلا أنَّه لم يذكر بين علوان وبين صالح حميد بن عبدالرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنَّه زاد فيه رجلا، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات" (٤).

стр. 161

قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجح الزيادة في الإسناد، وهي إدخال حميد بن عبدالرحمن بين علوان وصالح، لأنَّ سعيد بن عفير (١) من الحفاظ الثقات. المثال الرابع: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن عبدالله ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً ...)) (٢). الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش ومنصور، واختلف عن الأعمش، فرواه منصور عن إبراهيم عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أبو معاوية الضرير، وقتادة بن الفضيل أبو حميد عن الأعمش، ورواه عبدالواحد بن زياد عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة وعبيدة عن عبدالله زاد فيه علقمة قاله عفان عنه وأرجو أن يكون محفوظاً " (٣). الجنس الرابع: الوهم بإدخال إسناد حديث لمتن حديث آخر بخلاف إسناده. وأصل هذه العلة أنَّ يكون للحديث إسناد محفوظ، فيقع الوهم من الراوي فيدخل إسناد حديث آخر لمتن آخر بخلاف إسناده المحفوظ، وقد وقع ذلك من بعض الثقات الحفاظ، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الإمام الدارقطني في كتابه جملة منها نذكر منها على سبيل المثال:

стр. 162

المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نهار العبدي عن أبي سعيد ﵁، قال رسول الله ﷺ : ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ...)) (١). فقال - الدارقطني -: رواه مؤمل بن إسماعيل عن حماد، وحماد ووهيب وسفيان عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن أبي صعصعة، عن نهار العبدي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، ووهم في ذكر نهار العبدي في هذا الحديث، وإنما روى هذا الحديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد. وحديث نهار إنَّما هو: ((أنَّ الله يسأل العبد يوم القيامة: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟)) (٢). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ مؤمل بن إسماعيل (٣)، وَهِمَ فأدخل حديث نهار العَبْدِي: أنَّه سمعه يحدث عن أبي سعيد ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: ((إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ تُنْكِرُهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ وَثِقْتُ بِكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ)) (٤)، في حديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد ﵁ قال: رَسُّولُ اللهِ ﷺ : ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) الذي رواه البخاري في صحيحه كما بيينَّا من قبل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ

стр. 163

نَسِيتَ؟ ...)) (١). الحديث فقال - الدارقطني -: حدث به عنه أيوب السختياني، عبدالله بن عون، وحميد الطويل، وقتادة، وحبيب بن الشهيد، وسلمة بن علقمة، ويحيى بن عتيق، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وأشعث بن عبد الملك، ويزيد بن إبراهيم ... وأمَّا ما ذُكر في متنه، فإنَّ كل من رواه عن أيوب وعن غير أيوب عن ابن سيرين قال: إنَّ النَّبي ﷺ قال لأصحابه: ((أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْن؟ قَالُوا: نَعَم)). إلا حماد بن زيد، فإنه رواه عن أيوب، وقال فيه: ((فأومئوا نعم)). ثم قال - الدارقطني -: وقال سفيان بن حسين في هذا الحديث: عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ النَّبي ﵌ قال في آخره: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ)) (٢)، ووهم في هذا القول، وهذا الكلام ليس من حديث ابن سيرين، ولا من حديث أبي هريرة، وإنَّما رواه علقمة، عن عبدالله " (٣).

стр. 164

الجنس الخامس: عدم وجود الحديث في كتب الراوي له. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي رافع عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((فِي الوضُوءِ بِالْنَبِيذِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو سعيد مولى بنى هاشم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود، وتابعه عبد العزيز بن أبي رزمة ولا يثبت هذا الحديث لأنَّه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات وعلي بن زيد ضعيف وأبو رافع لا يثبت سماعه من ابن مسعود ... " (١). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت؛ لأنَّه من رواية حماد بن سلمة وليس في كتبه المصنفات، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسُئِل - الدارقطني -: عَن حَدِيثِ المَقبُرِيِّ، عَن أَبِي هُرَيرة ﵁، قال رَسُولُ الله ﷺ : مَن كانَت لَهُ عِند أَخِيهِ مَظلِمَةٌ فِي عِرضِهِ أَو مالِهِ فَليَتَحَلَّلهُ قَبل أَن يُؤخَذ مِنهُ لا دِينارٌ ولا دِرهَمٌ، إِن كان لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذ مِنهُ بِقَدرِ مَظلِمَتِهِ وإِلاّ أُخِذَت مِن سَيِّئاتِهِ فَجُعِلَت عَلَيهِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه ابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ورواه مالك بن أنس، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن طهمان وإسماعيل بن عياش، وخالد بن حميد، وصدقة بن عبدالله، وابن وهب، ويحيى القطان ومعنى بن عيسى وابن أبي أويس، وعبد العزيز بن يحيى، عن مالك، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وليس في الموطأ ... حدثنا علي بن مبشر، ثنا أحمد بن سنان القطان، حدثني يحيى بن سعيد القطان عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((من كانت له مظلمة قبل أخيه في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ ليس ثم دينار ولا درهم، إن كانت حسنات

стр. 165

أخذت من حسناته فأعطيها هذا، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات هذا فالقي عليه)). حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا صالح بن أحمد بن حنبل ثنا علي بن المديني ثنا يحيى عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه. قال علي - يعني المديني -: فذكرته لعبدالرحمن فقال: ليس هو في كتاب مالك ويحيى ابن يحيى، قال علي: فسألت عنه معنىً فقال: هو عند مالك حدثه به ثم تركه " (١). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت لأنَّه من رواية مالك وليس في كتابه " الموطأ "، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له من رواية مالك. الجنس السادس: علة عدم ثبوت صحة السماع المتوهم من العنعنة. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث علي بن ربيعة الوالبي الأسدي، عن علي ﵁ في ركوب الدَّابة، وما يقال عند ذلك؟. فقال - الدارقطني -: حدث به أبو إسحاق السبيعي (٢)، عن علي بن ربيعة (٣) رواه، عن أبي إسحاق كذلك منصور بن المعتمر وعمرو بن قيس الملائي، وسفيان الثوري وأبو الأحوص وشريك، وأبو نوفل علي بن سليمان والأجلح بن عبد الله، واختلف عنه فقال مصعب بن سلام، عن الأجلح وأبو يوسف القاضي، عن ليث جميعاً عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ووهما، والصواب ما رواه شيبان، عن الأجلح عن أبي إسحاق عن علي بن

стр. 166

ربيعة، وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه. وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يُبِّينُ ذلك ما رواه عبدالرحمن ابن مهدي، عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب عن رجل عنه. وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة، عن علي بن ربيعة، ورواه المنهال بن عمر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، عن علي بن ربيعة، فهو من رواية أبي إسحاق مرسلا، وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، والله أعلم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن علي بن ربيعة حدثنا القاضي حسين بن إسماعيل، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الباهلي، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان، حدثني أبو إسحاق، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النَّبي ﷺ ، قال: ((يَتَعَجْبُ الرَّبُ أَوْ رَبُّنَا إِذَا قَالَ العَبْدُ: سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَ أَنْتَ)) " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع أبي إسحاق هذا الحديث من علي بن ربيعة، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك تصريح أبي إسحاق نفسه بهذا، وهو من أصح الأدلة على عدم السماع. ولقد سبق أبو حاتم الدارقطنيَّ في الحكم على هذا الحديث، فذكر في العلل تصريح أبي إسحاق بعدم السماع من رواية أخرى، فقال ابن أبي حاتم: " سألتُ أبي، عن حديثٍ، رواه الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن علي ابن ربيعة قال: كنت رِدْف على ... ! فقال: حين ركب الحمد لله ثلاثا، سبحان الذي سخر لنا هذا ... ، وذكر الحديث؟

стр. 167

فقال أبي: حدثني أبو زياد القطان عن يحيى بن سعيد قال كنت أعجب من حديث على بن ربيعة: " كنت رديف على "، لأنَّ علىَّ بن ربيعة كان حَدَثاً في عهد على، ومِثْلَهُ أَنكرتُ أن يكونَ رِدْفَ عليَّ، حتى حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قلت لسفيان سمعه أبو إسحاق من على بن ربيعة؟، فقال: سألتُ أبا إسحاق عنه فقال: حدثنى رجل، عن علي بن ربيعة " (١). وبهذه العلة صار الإسناد معلول بعدم السماع وهي علة غاية في الدقة والإتقان، ولا يفطن إليها إلاَّ جهابذة النُّقاد في علل الحديث. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن نجي عن علي ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ تِمْثَالٌ)) (٢). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الحارث العكلي (٣)، واختلف عنه فرواه مغيرة بن مقسم وعمارة بن القعقاع واختلف عنهما، عن الحارث العكلي فأما حديث المغيرة فرواه جرير بن عبد الحميد عنه عن الحارث العكلي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عبدالله بن نجي، وخالفه أبو بكر بن عياش، فرواه عن المغيرة عن الحارث، عن عبدالله بن نجي لم يذكر بينهما أبا زرعة. واختلف عن عمارة بن القعقاع: فرواه عبدالواحد بن زياد عن عمارة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة عن عبدالله بن نجي حدث به عنه أبو سعيد مولى بني هاشم،

стр. 168

وإسحاق بن عمر بن سليط، وقال مسدد، عن عبدالواحد عن عمارة عن أبي زرعة لم يذكر بينهما الحارث، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الحارث العكلي عن أبي زرعة، عن عبدالله بن نجي، عن علي وروي، عن أبي إسحاق السبيعي، وجابر الجعفي، عن ابن نجي وهو غريب عنهما، ويقال أن عبدالله بن نجي (١) لم يسمع هذا من علي وإنَّما رواه عن أبيه عن علي، وليس بقوي في الحديث " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع عبدالله بن نجي من علي، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أقوال أهل العلم، قد نقله الحافظ ابن حجر في ترجمة عبدالله بن نجي: " قال البخاري وأبو أحمد بن عدي فيه نظر وقال النسائي: ثقة ... ، قلت: قال ابن معين لم يسمع من علي بينه وبينه أبوه، وقال البزار: سمع هو وأبوه من علي وكناه النَّسائي أبا لقمان " (٣). الجنس السابع: قلب جزء من الإسناد أو إبدال رُواة مكان رُواة. وتنشأ هذه العلة عند حدوث الوهم أو الخطأ من الراوي فيبدل جزءاً من الإسناد ليس من أصل الإسناد، ويبقى بقية الإسناد بنفس السياق، وهذه العلة من العلل الدقيقة التي لا يتفطن إليها إلا كبار وجهابذة النقاد من أهل العلم، وقد وقع الكثير من هذا النوع في كتب العلل، وعلى رأسهم كتاب العلل للإمام الدارقطني، وهذه أمثلة منه: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ﵁: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ

стр. 169

رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان واختلف عنه: فرواه الوليد ابن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل وخالفهم زيد بن يحيى (٢): فرواه عن ابن ثوبان واختلف عنه فقال سلمة بن شبيب عنه عن ابن ثوبان عن أبيه عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ لم يذكر في الإسناد مكحولاً، وكذلك قال كثير بن عبيد عن الوليد، عن ابن ثوبان، وقال عباس الترقفي: عن زيد بن يحيى، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن ابن جبير بن نفير، عن أبيه، عن معاذ. لم يذكر في الإسناد مكحولاً ولا مالك بن يخامر، وزاد فيه عبدالرحمن بن جبير، والصحيح قول من قال عن ابن ثوبان، عن مكحول، عن جبير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ " (٣). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ زيد بن يحيى وهو الخزاعي، أبو عبدالله الدمشقي خالف جمعاً من الثقات منهم الوليد بن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن

стр. 170

عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، فأبدل جزءاً من الإسناد فقال "عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه" بدلاً من "عن مكحول، عن جبير، عن مالك ابن يخامر"، ثم رجح الدارقطني طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل ﵁، وذلك لرواية الثقات الحديث بهذا الإسناد وهم أوثق من زيد بن يحيى الخزاعي وأكثر عدداً. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه جماعة من الثقات الحفاظ عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل ابن جعفر وغيرهم، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه حفص بن غياث عن يحيى عن أخيه سعد بن سعيد، وخالفه إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، وعبد الملك بن أبي بكر الحضرمي فروياه، عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت لم يذكر في إسناده سعد بن سعيد. ورواه إسحاق بن أبي فروة (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء ووهم فيه وهماً قبيحاً، والصواب حديث أبي أيوب: حدثنا محمد بن مخلد، قال: ثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: ثنا عمرو بن عبد الغفار، عن الحسن بن حي وسفيان بن سعيد الثوري،

стр. 171

عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبى أيوب الأنصاري، قال: رسول الله ﷺ : ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)) " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ إسحاق بن أبي فروة وهو الفروي القرشي، أبدل جزءاً من الإسناد من بعد يحيى بن سعيد الأنصاري فقال "عن عدي بن ثابت، عن البراء"، بدلاً من " عمر بن ثابت عن أبى أيوب الأنصاري"، وقد ذكر الدارقطني فحش هذا الغلط في الإسناد، ثم روي بالإسناد الصحيح الراجح الحديث، وحجته في ذلك الرواية التي ساقها، وكذلك مخالفة إسحاق بن أبي فروة للثقات الحفاظ الذين رووا الحديث عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. الجنس الثامن: شك الراوي في الحديث أو اضطرابه فيما يرويه. وتنشأ هذه العلة بسبب شك الراواي في حديثه، واضطرابه فيه فهو يرويه على أوجه مضطربة لا تصح، وهذه الظاهرة تدل على عدم حفظ الراوي لحديثه، فيعل النقاد الحديث بالاضطراب، وقد وقع هذا من بعض الحفاظ الكبار، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ قال: ((قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ فُلاَنًا يَقُولُ خَيْرًا ذَكَرَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ دِينَارَيْنِ، قَالَ: لَكِنْ فُلَانٌ لاَ يَقُولُ ذَلِكَ وَلاَ يُثْنِي بِهِ، لَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْمِائَةِ ...)) (٢) الحديث.

стр. 172

فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش (١)، واختلف عنه، فرواه أبو بكر بن عياش عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. وخالفه زياد البكائي وجرير بن عبد الحميد، فروياه عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد ورواه حبان بن علي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر. وقال أبو كريب: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال عبدالله بن بشر: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وليس فيها شئ أقطع على صحته، لأنَّ الأعمش اضطرب فيه، وكل من رواه عنه ثقة إلا حبان " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي اضطراب الأعمش في رواية الحديث فإنَّه يرويه مرة عن أبي سعيد الخدري، ومرة يرويه عن جابر بن عبدالله، ومرة يرويه عن أبي هريرة ﵃ أجمعين، مما أظهر عدم تثبت الأعمش من الحديث، وقد توقف الدارقطني فلم يحكم بصحة أي الأوجه في الحديث، إلا إنَّه يمكن القول أنَّ الأشبه والأقرب للصواب حديث أبي سعيد الخدري، لوجود متابعات لها أكثر من غيرها، وقد أخرج الإمام أحمد بعض المتابعات كما أشرنا إليها من قبل منها: متابعة جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن سمرة ﵁ قَالَ: ((خَطَبَ عُمَرُ ﵁ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي هَذَا فَقَالَ أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبَ)) (٣) الحديث.

стр. 173

فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالملك بن عمير (١)، واختلف عنه في إسناده فقيل عنه فيه عدة أقاويل: ورواه جرير بن حازم، ومحمد بن شبيب الزهراني، وقرة بن خالد، وجرير بن عبدالحميد، وقيل عن شعبة بن الحجاج فقالوا: عن عبدالملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن عمر، وخالفهم جماعة ثقات منهم: عبدالله بن المختار، ويونس بن أبي إسحاق، وابنه إسرائيل ومعمر، وعبدالحكيم بن منصور، وحبان ومندل ابنا علي، وسفيان الثوري. وقيل عن شعبة والمسعودي، وداود بن الزبرقان، والحسين بن واقد، والحصين بن واقد شيخ روى عنه، وأبو بكر بن عياش، وقزعة بن سويد، وأبو عوانة فرووه: عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن الزبير، عن عمر. ورواه شيبان بن عبدالرحمن وشعيب بن صفوان، وعبيدالله بن عمر الرقى، عن عبدالملك بن عمير عن رجل لم يسم عن عبدالله بن الزبير. وقال عبدالحميد بن موسى، عن عبيدالله بن عمرو، عن عبدالملك، عن مجاهد، عن ابن الزبير، عن عمر ولم يصنع شيئا. وقال عمران هو أخو سفيان بن عيينة عن عبدالملك عن ربعي بن حراش عن عمر.

стр. 174

وقال يحيى بن يعلى أبو المحياة، وزهير ومحمد بن ثابت، عن عبدالملك، عن قبيصة بن جابر، عن عمر. وقال حماد بن سلمة والمسعودي، وقيس من رواية محمد بن مصعب عنهم، عن عبدالملك عن رجاء بن حيوة، عن عمر. وقال ابن عيينة، عن عبدالملك، عن رجل لم يسمه، عن عمر. ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد والله أعلم " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي كثرة اضطراب الإسناد ولم يرجح الدارقطني وجهاً على وجهٍ، لتساوي الأوجه في القوة والثبات، ثم جزم أنَّ أصل الاضطراب من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في إسناد الحديث. الجنس التاسع: إنكار المحدث للحديث الذي روي عنه. قال الحافظ ابن كثير: " إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه، بجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنَّه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية. كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ". قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه " (٢). ولم أجد إلا حديثاً واحداً قد أعلَّه الدارقطني في العلل بهذه العلة مع طول بحث وتفتيش:

стр. 175

المثال: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، حدَّث به عنه سليمان بن بلال، واختلف عنه، فرواه القعنبي، وإسماعيل ابن أبي أويس، ويحيى الحماني وزياد بن يونس، وعبدالله بن وهب عن سليمان بن بلال، عن ربيعة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وخالفهم أبو بكر بن أبي أويس، وعمران بن أبان، روياه عن سليمان ابن بلال عن سُهيل لم يذكرا فيه ربيعة. والصحيح: عن سليمان بن بلال عن ربيعة، وقد بيَّن ذلك زياد بن يونس في روايته عن سليمان، فقال فيه: قال سليمان: فلقيت سُهيلاً سألته عنه فلم يعرفه، فقلت: حدثني به عنك ربيعة فقال: فحدث به عن ربيعة عني " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ سُهيل بن أبي صالح لما سئل عن الحديث الذي رواه لم يعرفه!، ولا شك أنَّ هذا من قبيل النسيان وليس الإنكار، فهو حديث صحيح لا غبار عليه، ولا يعكر صفوه ذكر النُّقاد له في مصنفات العلل، وله شاهد من حديث جابر بن عبدالله أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣)، وغيرهما كلاهما من طريق محمد بن بشار حدثنا عبدالوهاب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ))، فدل على أنه ثابت صحيح، والله أعلم.

стр. 176

الجنس العاشر: علة رواية الحديث عن عدد من الشيوخ بلفظ وسياق واحد. وتنشأ هذه العلة عندما يروي أحد الرواة حديثاً واحداً، ثم يأتي به على سياق واحد، ومعلوم أنَّ الرواة يختلفون في السياق، وهذا يعني أنَّه أدخل الأحاديث المختلفة في سياقٍ واحدٍ، وهذه علامة على عدم الحفظ، وهي من أدق أجناس العلل وأصعبها. وقد أوضح الحافظ ابن رجب هذه الظاهرة فقال: "وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه الإرشاد: " ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لِمَ لَمْ يُدخل البخاري حماد بن سلمة في الصحيح؟. قال: لأنَّه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: أخبرنا قتادة، وثابت، وعبدالعزيز بن صهيب عن أنس، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟!. فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ. ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" (١). وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ...)) (٢). الحديث.

стр. 177

فقال - الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه: فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد، عن الحسن عن الأحنف. واختلف عن يونس وهشام: فروي عن حماد بن زيد عنهما عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى، ومحبوب بن الحسن، فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة. وخالفه أيضاً في روايته عن هشام، وزائدة فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة وكذلك قال أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن هشام، ولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة، ومعروف الأعور، وجسر بن فرقد، عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر" (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: "حماد بن زيد جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه ". وليس هذا بصحيح فإنَّ البخاري ذكر قرينة جعلت من جمع حماد بن زيد بين أيوب ويونس حديثاً واحداً، بسياقٍ واحدٍ؛ لأنَّ مجلس التحديث كان واحداً فذكرا فيه الأحنف بن قيس مما جعل البخاري يرجح هذا الجمع لحماد بن زيد، والقرينة التي ذكرها البخاري هي قوله: " قال حماد بن زيد فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به فقالا: إنَّما روى هذا الحديث الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة. حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا " (٢).

стр. 178

فثبت أنَّ إخراج البخاري ومسلم وغيرهما الإسناد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة، بهذا الجمع صحيح لا غبار عليه للقرينة التي ذكرها البخاري في صحيحه. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن شرحبيل عن عبدالله ﵁: ((قَالَ رَجُلٌ يَا رسُول اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ...)) (١). الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبدالله. ورواه الأعمش، واختلف عنه: فرواه الثوري ومعمر، وجرير وعبدالله بن نمير، عن الأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله. وخالفهم أبو شهاب الحناط وأبو معاوية الضرير وشيبان بن عبدالرحمن فرووه: عن الأعمش، عن أبي وائل عن عبدالله. وكذلك رواه واصل الأحدب واختلف عنه فرواه الثوري وشعبة ومهدي بن ميمون عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله. ورواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله، ووهم على الثوري ... ورواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، فجمعا بين واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله. فيشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن، ولابن كثير فجعل إسنادهم واحداً، ولم يذكر بينهم خلافاً وحمل حديث واصل

стр. 179

على حديث الأعمش ومنصور، وفَصَلَهُ يحيى بن سعيد فجعل حديث واصل عن أبي وائل عن عبدالله وهو الصواب؛ لأنَّ شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله كما رواه يحيى عن الثوري عنه، والله أعلم " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: " الوهم الذي وقع فيه سفيان الثوري حيث جمع في هذا الحديث بين رواية ثلاثة وهم: واصل ومنصور والأعمش، ولم يذكر الخلاف بينهم، بل جعل حديث واصل (٢) مثل حديث الأعمش، ومنصور، ثم رجَّح الدارقطني التفصيل الذي رواه يحيى بن سعيد، والذي لم يُذكر في حديث واصل "عمرو ابن شرحبيل"، وذلك؛ لأنَّ أغلب من رواه من الرواة من طريق واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله بغير ذكر عمرو بن شرحبيل، وهو الصحيح الراجح، والله أعلم.

стр. 180

المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون: سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الخفية في المتون عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، وكان كل ما سبق ذكره من قبيل أجناس العلل التي تخص الإسناد دون المتن، وأما في هذا المبحث فسوف نقوم إن شاء الله بدراسة مجموعة من أجناس العلل الخاصة بالمتون ثم نضرب لها أمثلة تُبيّنها وتظهر المقصود من العلة، ومنهج الدارقطني فيها. الجنس الأول: التصحيف والتحريف في متن الحديث. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : ((النَّارُ جُبَارٌ)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، قال إسحاق بن إبراهيم بن هاني: عن أحمد بن حنبل إنما هو البئر جبار، وأهل صنعاء يكتبون النار بالباء على الإمالة للفظهم، فصحفوا على عبدالرزاق البئر بالنار، والصحيح الْبِئْرُ. قال الشيخ: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل وكان ألزم لأحمد من أبيه " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: التصحيف في متن الحديث حيث صحَّفه أهل صنعاء من البئر إلى النار، والرِّوايات كلها تخالف هذا اللفظ، واستدل الدارقطني بقول الإمام أحمد بن حنبل: على أنَّ الصحيح في هذه اللفظة " الْبِئْرُ ".
следующие страницы →