وعبدالله بن يزيد المقرئ، وعبدالله ابن المبارك ".
وقال ابن حبان: " سبرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه! فوجب التنكيب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه " (١).
٣. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون بعض أسباب الجرح الظاهرة في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) " (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل، عن جابر، عن أبي بكر عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يتابع عليه الوساوسي هذا ضعيف. وغيره يرويه عن شرحبيل ابن سعد مرسلاً ولا يذكر فيه جابراً ولا أبا بكر" (٣).
قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب البحر الزخار مسند البزار قال: " وروى عبدالرحمن بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، وهذا الحديث إنَّما حدث به رجل كان بالبصرة، عن زيد بن الحباب وكان
стр. 107
متهما فيه، يقال: أن ليس له أصل من هذا الوجه فأمسكنا عن ذكره " (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمر عن أبي بكر ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ : ((وإنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)) (٢) الحديث بطوله.
فقال - الدارقطني -: رواه مالك بن أنس وأبو أويس وزياد بن سعد، عن الزهري عن مالك بن أوس، عن عمر، عن أبي بكر حدث به عن مالك كذلك جماعة منهم: بشر بن عمر، وعمرو بن مرزوق، وإسحاق بن محمد الفروي، والهيثم بن حبيب غزوان فأسندوا هذه الألفاظ عن عمر، عن أبي بكر. وغيرهم يرويه عن مالك فيسندها عن عمر عن النَّبيِّ ﷺ .
وروى هذا الحديث: معمر، وابن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزه، وأسامة بن زيد وغيرهم، فأسندوا هذه الألفاظ عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وذكروا في الحديث عن عمر، عن أبي بكر الصديق ﵃ أنَّه قال: ((أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله ﷺ أَعْمَلُ كَمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ))، ورواه عبدالملك بن عمير، عن الزهري فأسنده عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي بكر أن النَّبيَّ ﷺ قال: ((لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ))، لم يذكر بينهما عمر بن الخطاب ... حدث به عن عبد الملك بن عمير كذلك تَلِيدُ بن سليمان وحده، ولم يكن بالقوي في الحديث - كان يشتم - عثمان بن عفان وأبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما " (٣).
قلتُ: وتَلِيدُ بن سليمان هو المحاربى، أبو سليمان، ويقال أبو إدريس، الكوفى، وهذا رافضي خبيث يشتم الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم، قال المزِّي: " قال أبو داود: رافضى
стр. 108
خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر. قال النَّسائى: ضعيف. ... وقال يعقوب بن سفيان: رافضى خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمد: أليس قد قلت لك، لا تكتب حديث تَلِيد هذا. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان سيىء الخلق، وكان أصحاب الحديث يسمونه: بَلِيدُ بن سليمان، لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شىء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حدثنا تَلِيدُ بن سليمان، وهو عندي كان يكذب " (١).
والحديث في البحر الزَّخار مسند البزار: " حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: نا حماد يعني ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ".
وحدثناه إبراهيم بن زياد قال: نا عبد الوهاب بن عطاء قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر رحمة الله عليهما نحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحداً، رواه فوصله إلا حماد بن سلمة وعبدالوهاب، وغيرهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً " (٢).
مما سبق يتضح:
أنَّ الدارقطني عند ذكره للمرويَّات الضعيفة كشاهد في الترجيح بين المرويَّات المختلفة، كان يتبع في ذلك منهج المتقدمين من المحدثين النقاد في التعليل وهو أوسع وأدق.
وأنَّ مذهب المتأخّرين في مفهوم العلة من جهة الإسناد يختلف عن المتقدمين في عدة أمور:
أولاً: أنَّ المتأخّرين لا يعتبرون مخالفة الضعيف علة، لاعتبارهم أنَّ العلة أو الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة للثقات، دون اعتبار لروايَّات الضعفاء مما ضيق
стр. 109
واسعاً، وهو قول الحاكم وابن الصلاح والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فأنهم يعتبرون في الترجيح بكل الرِّوايات الواردة في الحديث بما في ذلك الضعيفة.
ثانياً: أنَّ النقاد المتأخّرين يشترطون في العلة أن تكون خفية غامضة، وهو قول ابن الصلاح، والعراقي، والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فإنهم كانوا يعتبرون بالعلل كلها الغامضة والظاهرة على السواء.
نتائج هامة:
- أنَّ النّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بخطأ الضعيف في تعليل الرواية، لمعرفة الراجح من الاختلاف بين المرويّات، بخلاف المتأخرين فإنهم لا يعتبرون برواية الضعيف في التعليل.
- أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد.
- أنَّ منهجهم في معرفة الراجح في الخلاف، أو الاضطراب هو جمع جميع المرويَّات التي رويت في هذا الحديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة من جهة السند.
- أنَّ الدارقطني مثل غيره من النقاد المتقدمين، كان يعتبر الأسباب الغامضة والظاهرة في بيان العلة التي قد تطرأ على المرويَّات في الحديث.
- العلة في مفهومِ المتقدمين من جهة الإسناد أعم مِنْها عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناها اللغوي والاصطلاحي عند المحدثين.
стр. 110
المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن .
وأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة.
ولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: " مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون "، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله ﷺ مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث.
منهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث:
ومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (١) حين قال:
وَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا
وقال أيضاً:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (٢)
стр. 111
ولا يشك عاقل فضلاً عن مثقفٍ، أنَّ لكل أهل فن أساليبهم وشروطهم الخاصة، لمعرفة ما هو صحيح عندهم أو ضعيف، فمن أراد نقد الأحاديث فعليه بطريقة القوم لا يخرج عنها، ويجب أن يكون ذا تيقظ وفهم، مع الدين والتقوى والإنصاف، وإلا فلا قيمة لما يقول، ولا يُلْتفَت إليه البتة، وقد أتعب نفسه بلا غاية.
كما قال فيهم الإمام الذهبي ﵀ في تذكرة الحفاظ (١):
فَدَعْ عَنْكَ الكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْها ... وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ
ولقد أوضح النُّقاد المحدّثون من أين لهم بذلك العلم، في القصة الطويلة التي فيها سؤال الرجل للإمام أبي حاتم: " من أين علمت هذا؟، أخبرك الراوي بأنَّه غلط أو كذب؟!، فقال أبو حاتم: "إنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم" (٢). وقال أيضاً: "وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا" (٣).
وقال أبو عبدالله الحاكم: "والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (٤).
وقال الخطيب البغدادي: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (٥).
وقال ابن الصلاح ﵀: " ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه
стр. 112
ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (١).
قلتُ: ويتضح من النصوص سالفة الذكر مدى اهتمام النُّقاد ببيان الطرق التي أوصلتهم للحكم على الأحاديث بأنها معلولة، ولم يكن مجرد هاجس عقل أو هوى، وقد أفرد النقاد المتقدّمون مصنفات في نقد المتون، منها على سبيل المثال: عَقَدَ الإمامُ مسلم في كتابه التمييز أبواباً لنقد المتون، وإصلاح غلط المحدثين للإمام الخطابي (ت:٣٨٨هـ) وللخطيب البغدادي (ت:٤٣٦هـ): الفصل للوصل المدرج في النقل وغيرهم، ويتجلى ذلك بضرب بعض الأمثلة في طريقة القوم ومناهجهم، وكيف كانوا يكتشفون الخطأ أو الوهم في الرواية؟، ويمكن تحديد المحاور التي كان يُدندن حولها النقاد كالآتي:
- معرفة مدى التفرد في الرواية، وترجيح الصحيح منها.
- معرفة المخالفة في الرواية، وترجيح الثابت منها.
- سبر المتابعات والشواهد والقرائن التي تؤيد ترجيح رواية على أخرى.
أمثلة نقد الدارقطني لمتون الأحاديث:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ)) (٢).
стр. 113
فقال - الدارقطني - اختلف فيه على الزهري، فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس، واختلف عنه: فقال خالد بن خداش عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ)).
وفي هذا الحديث وهم في المتن والإسناد، فأما الإسناد فإنمَّا رواه خالد بن خداش، عن
حماد بن زيد، عن مالك بموافقة أصحاب الموطأ، وكذلك رواه ابن عيينة، وابن جُرَيج والوليد بن كثير، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أبي عبلة، وثابت بن ثوبان، وأيوب بن عتبة.
واختلف عن الأوزاعي: فرواه الحفاظ عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَلاَةِ رَكْعَةً))، وقال محمد بن عبدالله بن ميمون الأسكندراني، عن الوليد عنه: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً)) ووهم في هذا القول، وقال أبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم في ذكر سعيد.
واختلف عن يونس، فرواه ابن المبارك (١)، وعبدلله بن رجاء، وابن وهب، والليث ابن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة على الصواب. وخالفهم عمر بن حبيب، فقال عن يونس بهذا الاسناد: ((مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ))، فقال ذلك محمد بن ميمون الخياط عنه، ووهم في ذلك والصواب، ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ ...)).
ورواه بقية بن الوليد، عن يونس، فوهم في إسناده ومتنه، فقال عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً))، والصحيح قول ابن المبارك ومن تابعه.
стр. 114
واختلف عن معمر فرواه ابن المبارك عن جماعة فيهم معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...)).
وتابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخالفهما وهيب بن خالد في الإسناد دون المتن، فقال عن معمر، عن الزهري، واختلف عن يزيد بن الهاد في إسناده. فرواه: حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...)).
وتابعه الليث، عن ابن الهاد من رواية يونس المؤدب عنه، وقال ابن بكير، عن الليث عن ابن الهاد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، ورواه قرة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وزاد فيه: ((قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ)).
ورواه ياسين بن معاذ الزيات، واختلف عنه فقيل عن وكيع، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً))، وقيل عن وكيع أيضاً، عن سعيد أو أبي سلمة بالشك.
وكذلك رواه أسيد بن عاصم، عن بكر بن بكار، وقال الزعفراني، عن بكر، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد وحده بلا شك. وكذلك قال يوسف بن أسباط، عن ياسين وقال الأبيض بن الأغر، عن ياسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده.
ولم يختلف عن ياسين أنه قال من أدرك من الجمعة، وروي عن الزبيدي، وأسامة بن زيد، وصالح بن أبي الأخضر، وعمر بن قيس عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ...)).
وخالفهم الحجاج بن أرطاة في الإسناد دون المتن، وعبدالرزاق بن عمر، ويحيى بن أبي أنيسة، وسليمان بن أبي داود، فقالوا عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ ...)).
стр. 115
وكذلك قال نوح بن أبي مريم، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، إلا إنَّه أتى بلفظ آخر، فقال: ((مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسَاً قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ أَي الصَّلاةَ وَفَضْلَهَا))، ونوح متروك، ورواه عمر بن حبيب، عن الزهري، عن سعيد " الجمعة ".
والصحيح قول عبيدالله بن عمر، ويحيى الأنصاري، ومالك ومن تابعهم على الإسناد والمتن، وحدث معمر بهذا الحديث أيضا، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَمِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)) ... " (١).
قلتُ: والعلة التي في هذا المثال هي: الوهم في السند والمتن معاً، فأما العلة التي في المتن فهي الاضطراب في لفظ الحديث، فقد رواه جماعة بلفظ: " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسَاً قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ "، وقد تعذر الجمع بين الألفاظ.
وقد رجح الإمام الدارقطني اللفظ الصحيح المحفوظ من طريق ابن المبارك، وعبدالله بن رجاء، وابن وهب، والليث بن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ رَكْعَةً ...))، على الألفاظ الأخرى، وذلك لعدة أدلة وقرائن منها:
الأول: أنَّ مدار الحديث على الزهري فرواه عبدالله بن المبارك على الوجه المحفوظ، وتابعه جمع من طريق معمر بن راشد عن الزهري، وتابع معمر الإمام مالك بن أنس، وهما من أثبت الناس في الزهري (٢)، كما أخرج الشيخان الحديث من طريق مالك عن الزهري، ثم إنَّ الذين خالفهم، قد اشتهر عنهم الخطأ والوهم في الرواية.
стр. 116
الثاني: أنَّ عدد من تابع ابن المبارك من طريق معمر، ومالك، عن الزهري، أكثر ممن خَالَفُهم، فظهر بذلك مدى دقة نقد الدارقطني، وهو يشير إلى علة متن الحديث، ويذكر الأدلة والقرائن بالأسانيد على ما ذهب إليه من الترجيح.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((كَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ)).
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو حصين واختلف عنه فرواه: سلام بن سليمان، عن
إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس وهو الصحيح.
وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي غسان، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس. ورواه أبو جعفر الرازي: عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ آخر، وهو: قال رسول الله ﷺ : ((لَمَا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدكَ))، والصحيح حديث أبي الضحى، عن ابن عباس (١).
قلتُ: والذي أشار إليه الإمام الدارقطني في نقد هذا المتن أنَّ الصحيح ما رواه أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس موقوفاً، بلفظ " ((﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾)) (٢)، والألفاظ الأخرى مرفوعة، ولكنها معلولة كما هو واضح من النَّص ونرى أن ما ذهب إليه الدارقطني لم يتفرد به، بل
стр. 117
سبقه إليه البخاري حيث لم يخرج إلا الموقوف وترك المرفوع، على الرغم أن أصل كتابه في المرفوع، والله أعلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : " ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصَاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)) (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه.
فأما الخلاف في إسناده فإنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم وأبان العطار وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁.
وخالفهم الحجاج بن أرطاة، رواه عن قتادة، عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس
ووهم، وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة وحجاج بن حجاج وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجاً في حديث النبي ﷺ ، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه.
وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي ﷺ .
ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام.
ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. " (٢).
стр. 118
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أن لفظة " الاستسعاء " مدرجةٌ في الحديث، وليست من لفظ رسول الله ﷺ ، وقد فصلت الكلام فيها وبينت العلة في الحديث والراجح في الخلاف، وذلك في المبحث السادس من الباب الأول (ص٨٢) من الدراسة فارجع إليها إن شئت.
نتائج هامة:
- أنَّ كُتُبَ النُّقاد المتقدمين قد احتوت على الكثير من أمثلة نقد المتون، لا كما ادعى المستشرقون، وإنمَّا أتي ذلك من قبل جهلهم بمصنفات أهل الحديث.
- أنَّ كثيراً من المسائل العلمية الخاصة بعلل المتون في مصنفات أهل الحديث لم تدرس دراسة علمية دقيقة تحقق الراجح فيها والمرجوح.
- أنَّ نسبة ما تكلم فيه الدارقطني من نقد المتون في كتابه العلل لا يقل بحال عن (عشرة في المائة) من مجموع الكتاب.
- ولقد ظهرت لي بعض المسائل العلمية أثناء بحثي، ولم تكن من أصل دراستي، وأحببت أن أذكرها لعل غيري يقوم بها:
١ - دراسة وسبر جميع الأحاديث التي تكلم فيها المتقدمون من أهل الحديث في مصنفات العلل فيما يخص نقد المتون وبيان الراجح والمرجوح منها.
٢ - دراسة وتخريج الأحاديث المعلولة في الكتب الستة والتي تكلم فيها أئمة العلل والراجح فيها.
٣ - دراسة علاقة إعلال الأئمة متون الحديث بعلل الأسانيد من نفس مخرج الحديث.
٤ - جمع وسبر أجناس العلل في المتون من مصنفات أهل الحديث في العلل.
٥ - تحقيق الراجح من الزيادات في المتون التي وردت في أحاديث الكتب الستة.
стр. 119
الفصل الثاني
أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني.
المبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني.
المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون.
المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.
стр. 120
الفصل الثاني
أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون
سنتعرض في هذا الفصل لمختلف أجناس العلل الخفية في الإسناد، والتي لا يمكن أن يتعرف عليها الباحث إلا بعد معرفةٍ ثاقبة في علم الرجال، ومقارنة الأسانيد، وتحديد مَدَى اعتبار المخالفة أو التفرد، وجهد جهيد في جمع وسبر الأدلة والبراهين التي ترجح رواية على أخرى، وسوف نسوق أجناس العلل التي ذكرها الإمام أبو عبدالله الحاكم في مصنفه " معرفة علوم الحديث "، ثم أُمثِّل لكل جنس من كتاب العلل للدارقطني، وبعد ذلك نقوم بدراسة وسبر أقوال الإمام الدارقطني في العلل لمعرفة الأنواع التي لم يذكرها الحاكم وهي في كتاب العلل.
المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني:
في هذا المبحث سوف يتم دراسة أجناس العلل المختلفة التي كان نُقَّاد الحديث يشيرون إليها في أحكامهم على الأحاديث المعلَّلة، ولقد جمع الإمام أبو عبدالله الحاكم من مصنفات أهل الحديث في العلل والسؤالات وغيرها عشرة أجناس للعلل المذكورة في مصنفات أهل العلم على سبيل المثال وليس الحصر.
وقد قام جمع من العلماء بعده بذكر هذه العشرة أجناس في مصنفاتهم في علم المصطلح فلم يزيدوا عما ذكره الحاكم من أجناس العلل، فأوهم صنيعهم هذا أنها على سبيل الحصر فمنهم البلقيني في محاسن الاصطلاح (١)، والسيوطي في تدريب الراوي (٢)، والعلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث (٣)، وأصلُ كلام الحاكم يدل على أنَّ هذه الأجناس، هي مجرد أمثلة
стр. 121
لأنواع العلل عند النُّقاد المحدثين، حيث قال: " وبقيت أجناس لم نذكرها وإنَّما جعلناها مثالاً لأحاديث معلولة ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم " (١).
الأجناس التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل
الجنس الأول: أن يَكُون السَّند ظاهر الصِّحة , وفيه من لا يُعرف بالسَّماع ممَّن روى عنه، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث روي عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّة ...)) (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه سليمان التيمي واختلف عنه فرواه: معاذ بن معاذ، عن سليمان التيمي، عن مكحول، عن أبي هريرة. وقيل عنه، عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبي هريرة، ومكحول (٣) لم يسمع من أبي هريرة " (٤).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أنَّ السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع مكحول من أبي هريرة ﵁، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أنَّ مكحول وهو الشامي لم يثبت سماعه من أبي هريرة ﵁ على الصحيح الراجح، وقد صرح بذلك الأئمة النقاد ومنهم الترمذي، حيث قال: " ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك وأبي هند الداري، ويقال إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النَّبي ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة. ومكحول شامي يكنى أبا عبدالله وكان عبداً فأُعتق ". (٥)، ولقد أعلَّ النُّقاد المحدثون هذا
стр. 122
الحديث بنفس العلة.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث طاووس، عن معاذ ﵁: ((أنَّه أُتِيَ وَهُو بِالْيَمَنِ بِأَوْقَاصِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: لَمْ يَامُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِمَا بِشَيْءٍ)) (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة. فرواه: ابن عيينة والحسن بن أبي جعفر، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ. وكذلك رواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة. واختلف عن الثوري فرواه: ابن وهب، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل. ورواه وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس أنَّ معاذاً لَمَّا أَتَى اليمن قال: لم أُومَرْ فيها بشئ فأرسله، ومن قال عن معاذ فهو أيضا مرسل؛ لأنَّ طاووساً لم يسمع من معاذ " (٢).
قلتُ: ووجه العلة في الحديث التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع طاووس (٣) من معاذ. وحجة الدارقطني في ذلك التاريخ، فبين معاذ وطاووس مفاوز تنقطع بها أعناق الإبل، حيث إنَّ طاووس بن كيسان مات ﵀ سنة ست ومائة هجرية (١٠٦هـ) (٤)، ومات معاذ بن جبل ﵁ على الراجح سنة ثمان عشر من الهجرة (١٨هـ) (٥)، وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، فظهر أن طاووس لم يدرك معاذ بن
стр. 123
جبل، أنظر لدقة الحكم، وسعة العلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا)) الحديث (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن سعيد بن أبي هند واختلف عن نافع فرواه: أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى. ورواه سويد بن عبدالعزيز، عن عبيدالله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي موسى ووهم فيه في موضعين: في قوله سعيد المقبري، وإنَّما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعاً في الإسناد. ورواه عبدالله بن عمر العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند عن رجل، عن أبي موسى وهو أشبه بالصواب؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئاً، وقال أسامة ابن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى في حديث النَّهي عن اللعب بالنرد، وهو الصحيح. وهذا يقوي قول العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل والله أعلم " (٢).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع سعيد بن أبي هند (٣) من أبي موسى، وحجة الإمام الدارقطني التاريخ
стр. 124
حيث أنَّ سعيد بن أبي هند مات ﵀ سنة ستة عشر ومائة (١١٦هـ)، أو ما بعدها، وأبو موسى الأشعري وهو عبدالله بن قيس مات ﵁ على الراجح من الأقوال سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَلَى الصَّحِيْح (١)، فكيف سمع سعيد بن أبي هندٍ منه وبينهما هذه المفاوز؟، فظهر أنَّ الأئمة لم يكن قولهم مجرد قول، بل كان معهم براهين ساطعة.
الجنس الثاني: أن يَكُونَ الحديث مُرْسلاً من وجه , رواه الثِّقات الحُفَّاظ , ويُسْند من وجهٍ ظاهره الصِّحة.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي هريرة عن عمر ﵃، عن النَّبيِّ ﷺ : ((أنَّهُ سَأَلَهُ أَنَعْمَلُ فِي شِئٍ نَاتَنِفُهُ أَمْ فِي شَئٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ بَلْ فِي شَئٍ فُرِغَ مِنْهُ)) (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو ضمرة بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن عمر، وخالفه يحيى القطان رواه عن الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر، لم يذكر أبا هريرة. وكذلك يونس بن يزيد، عن الزهري، ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وخالفهم صالح بن أبي الأخضر، رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. ورواه عقيل، عن الزهري مرسلاً عن عمر. والمرسل أصح " (٣).
стр. 125
قلتُ: وهذا النوع من أنواع العلة يعتمد على مخالفة الثقة الذي أسند الحديث (أي رفعه) جمع من الثقات، أو من هو أوثق منه، وفي هذا المثال نجد أنَّ الدارقطني قد أعل الحديث؛ لأنَّ أبو ضمرة بن عياض وهو من الثقات (١)، رواه فأسند الحديث فقال: " عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة "، فأخطأ، وذلك لمخالفته الثقات الذين رووه مرسلاً، منهم يحيى بن سعيد القطان وهو من الحفاظ الأثبات (٢)، وكذلك خالف يونس بن يزيد وهو الأيلي (٣)، عن الزهري، وهو من أثبت الناس في الزهري، فأصبح المرسل أصح من المرفوع، وبهذا صار الحديث معلولاً بالإرسال.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن علي ابن أبي طالب عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاً يَرَى الْغَائِبُ)) (٤).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الثوري، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، فأرسله يحيى القطان، عن الثوري، عن محمد بن عمر، عن جده علي. وأسنده أبو نعيم، عن الثوري، فقال عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي. واختلف عن أبي نعيم، والمرسل أصح " (٥).
стр. 126
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، حيث أنَّ الحديث أسنده أبو نعيم وهو الفضل بن دكين (١) - وهو من الثقات الأثبات - عن الثوري فأخطأ، فرجح الدارقطني المرسل على المسند، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن عمر وهو ابن علي بن أبي طالب لم يدرك جده (٢)، وقد عُلم ذلك بالتصريح وبالتاريخ (٣) ويضاف إلى ذلك مخالفة أبو نعيم ليحي بن سعيد القطان فرواه مرسلاً كذلك، وهو أثبت الناس في سفيان (٤)، فأصبح الحديثُ مُعَلاًّ بالإرسالِ.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ﵁: ((أُتِيَ النَّبي ﷺ بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسُول الله إن هذا سرق، فقال: " اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثُمَّ اتوُنِي بِهِ " فَقَالَ لَهُ: " تُبْ إِلى اللهِ "، قَالَ: تُبْتُ، قَالَ: " تَابَ اللهُ عَلَيْكَ ")) (٥).
стр. 127
فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، واختلف عن الدراوردي فرواه: عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي ويعقوب الدورقي، عن الدراوردي متصلاً، وخالفهما سريج بن يونس وسعيد بن منصور، فروياه عن الدراوردي مرسلاً، لم يذكرا فيه أبا هريرة.
وكذلك رواه ابن عيينة والثوري، وابن جريج وإسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة مرسلاً، ورواه سيف بن محمد، عن الثوري متصلاً، والمرسل أصح (١).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، فهذا على الرغم من أنَّ الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ الدارقطني رجح أنَّه معلول بالإرسال، وحجته في ذلك أنَّ الذين رووه مرسلاً أوثق ممن رواه متصلاً.
الجنس الثالث: أن يَكُون الحديث محفُوظاً عن صحابي , ويروى عن غيره , لاختلاف بلاد رُواته , كرواية المَدنيين عن الكُوفيين.
وأصل سبب هذه العلة الخطأ في رواية قومٍ ضُعِّفُوا في رواية قومٍ ليسوا من أهل بلادهم أو لقرائن أو أسباب تقتضي ضعف رواياتهم، مثل رواية إسماعيل بن عياش (٢)، وهو شامي، فإذا روى عن المدنيين أخطأ، وروايته عن أهل بلده صحيحة، وذلك لأسباب وقرائن ذكرها النُّقاد، وقد يكون العكس مثل رواية أهل البصرة عن معمر بن راشد (٣) وهو بصري الأصل ضعيفة، فإنَّهُ كان يخطأ بالبصرة، ولكن رواية أهل اليمن عنه صحيحة، وعلى هذا قد يروون
стр. 128
حديثاً محفوظاً عن صحابي، فينسبونه لغيره، وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن بن عمر، عن عمر ﵃ أنَّهُ: ((خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأَى حُلَّةٌ سِيَرَاءَ تُبَاعُ ...)) (١).
فقال - الدارقطني -: رواه القاسم بن يحيى المقدمي، وعلى بن مسهر، وابن نمير وسعيد بن بشير، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وغيرهم يرويه عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عُمر خرج إلى السوق، فيصير من مسند ابن عمر، وكذلك رواه مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وأصحاب نافع، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وكذلك رواه سالم، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وهو الصواب. وروى عن ابن سيرين واختلف عنه، فرواه هشام بن حسان وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عمر، واختلف عن أيوب فأرسله حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أنَّ عُمر، لم يذكر ابن عمر. ورواه أبو جميع سالم بن راشد (٢)، عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ عمر ووهم في ذكر أبي هريرة، وحديث هشام وأيوب أصح" (٣)
стр. 129
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: أنَّ الحديث محفوظ عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، ثم أتى أبو جميع سالم بن راشد فرواه عن أبي هريرة وليس هو من مسند أبي هريرة، فكانت هذه الرواية معلولة، وقد رجَّح الدارقطني رواية هشام، وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عُمر به.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵁: ((أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرَاً فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَجْعَلُهَا خَلاَّ؟ قَالَ: لاَ)) (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الثوري وإسرائيل، عن السُّدي، عن أبي هُبَيرة، عن أنس، عن النَّبي ﷺ ، وخالفهما قيس فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، عن النَّبي ﷺ .
وكذلك رواه ليث بن أبي سليم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن أنس عن أبي طلحة والصحيح قول الثوري وإسرائيل (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي أنَّ الحديث محفوظ عن أنس بن مالك رضى الله عنه، وخالفهما قيس وهو ابن ربيع (٣):
فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، فأخطأ، ولذا رجَّح الدارقطني من رواه من مسند أنس وهو الصحيح.
стр. 130
الجنس الرَّابع: أن يَكُون محفُوظًا عن صحابي , فيُروى عن تابعي , يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبتهُ.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة قليلاً من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي قتادة ﵃: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ)) (١).
فقال - الدارقطني -: كذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة وليس بمحفوظ. والحديث مشهور عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن جابر ﵃: ((نَهَى رسُول اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلَهَا)) " (٢).
قلتُ: وواضحٌ من كلام الدارقطني أن الحديث لم يثبت عن أبي قتادة، وإنِّما هو محفوظ من حديث جابر بن عبدالله، وأعله الترمذي كذلك بنفس العلة كما ذكرنا.
المثال الثاني:: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عن النَّبي ﷺ في حديث طويل فيه فضل من اقتصر على أداء الفرائض دون النوافل.
فقال - الدارقطني -: هو حديث اختلف فيه على الزهري، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن أبي الطفيل. وخالفه إبراهيم بن زياد القرشي من أهل الجزيرة، فرواه: عن الزهري، عن أنس بن مالك. وخالفهما معمر وغيره، فرووه: عن الزهري مرسلاً وهو
стр. 131
المحفوظ. قال - الدارقطني -: أبي الطفيل (١) رأي النَّبي ﷺ وصحبه، فأما السَّماع فالله أعلم " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي عدم ثبوت سماع أبو الطفيل عامر بن واثلة هذا الحديث من النَّبي ﷺ رغم أنه رآه، والحجة في ذلك أنَّ أبا الطفيل ليس له تحديث عن النَّبي ﷺ من غير واسطة إلا أحاديث تعد، وبعد سبر أحاديثه في دواوين السنة المشهورة، لم أجد منها إلا ستة أحاديث صحيحة ولا تزيد على ذلك، والله أعلم.
وأما الحديث الذي ذكره الإمام الدارقطني فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند فقال: "حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: ((أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا ﵇ فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ أَمَا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ، قُمْ يَا فُلانُ رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَخْبِرْهُ، قَالَ: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلانٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُمْ، أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلانًا قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا الرَّجُلَ فِي اللَّهِ فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلَى مَا يُبْغِضُنِي، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِمَ تُبْغِضُهُ؟، قَالَ: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَالَ: الرَّجُلُ سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَآنِي قَطُّ أَخَّرْتُهَا عَنْ وَقْتِهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الْوُضُوءَ لَهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الرُّكُوعَ
وَالسُّجُودَ فِيهَا؟، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لاَ ...)) " الحديث بطوله (٣).
стр. 132
وقد أشار الدارقطني أنَّه معلول بعلة عدم سماع أبي الطفيل من النَّبي ﷺ هذا الحديث، ولم يتفرد الدارقطني بهذا الحكم، بل سبقه إليه عبدالله بن الإمام أحمد فقال: " بلغني أنَّ إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه وقال: عن أبي الطفيل حدث به ابنه يعقوب عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل فأحسبه وهم، والصحيح رواية يعقوب، والله أعلم " (١).
الجنس الخامس: أن يكُون رُوِي بالعنعنة , وسقط منه رجل دلَّ عليه طريق أخرى محفوظة.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث ابن عباس عن عمر ﵃، عن النَّبي ﷺ ((فِي التَّغْليِظِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ)) (٢).
فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عمرو بن دينار واختلف عنه، فرواه محمد بن مسلم الطائفي وورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن عمر قصراً بإسنادهِ؛ لأنَّ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، وإِنَّما سمعه من ابن أبي مليكة عنه، كذلك رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر، وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبد الملك بن جريج، ونافع بن عمر أبو عامر الخزاز، ورباح بن أبي معروف، وعبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، عن عمر، وهو حديث صحيح من رواية عمرو بن دينار، وأيوب وابن جريج، ونافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة.
стр. 133
حدثنا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبدالله بن أبي مليكة، قال: كنَّا في جنازة أم أبان بنت عثمان فبكى النساء، فقال: ابن عمر لا تبكين فإنَّ بكاء الحي على الميت عذاب للميت فقال: ابن عباس سرنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلمَّا كنَّا بالبيداء إذا نحن نزول، فقال: عمر أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال جئت فإذا صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مُرْهُ فليلحق بنا، فلمَّا قدمنا المدينة طُعِنَ عمر، فقال: صهيب وأخاه واصاحباه! فقال: عمر مه يا صهيب! إنَّ بكاء الحي على الميت عذاب عليه، فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فَقَالتْ: رحم الله عمر إنَّما قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : ((إنَّ الْكَافِرَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ لَقَدْ قَضَى اللهُ أن لاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) " (١)
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني واضحة في عدم ثبوت سماع عمرو بن دينار هذا الحديث من ابن عباس، بل ثبت العكس من وجه صحيح، أنَّه سمعه بواسطة ابن أبي مليكة، فصار معلولاً بهذا الجنس الذي ذكره أبو عبدالله الحاكم، وحجة الدارقطني في ذلك، الرواية التي أوردها عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة به.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن يعقوب، عن أبي سعيد ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُنَّ)) (٢).
стр. 134
فقال - الدارقطني -: حدث به عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه: عبدة بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، حدث به الحسن بن سهل الحناط، عن عبدة هكذا.
وخالفه عبدالله بن نمير، فرواه: عن عبيدالله بن عمر، عن صيفي (١)، عن أبي سعيد الخدري، وصيفي لم يسمعه من أبي سعيد.
ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان فقال: عن صيفي مولى أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو وهم، والصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، عن ابن عجلان عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وكذلك رواه مالك بن أنس، عن صيفي عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو الصواب " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هو الوهم والخطأ الذي وقع فيه عبيدالله بن عمر والحمل فيه عليه كما نبه غير واحد، أنَّه قال: " عن صيفي، عن أبي سعيد "، والصحيح أنَّه رواه بواسطة أبي السائب، عن أبي سعيد، وحجة الدارقطني الرواية التي أوردها عن مالك بن أنس، عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهي أصح من رواية عبيدالله بن عمر.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث كميل بن زياد عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَثَا بِكَفِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ...))، فذكر الحديث، وفيه
стр. 135
أَتَدْرِي مَا حَقُ اللهِ عَلَى العَبْدِ ... "الحديث (١)
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فرواه إسرائيل، وأبو الأحوص، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش، وأبو أيوب الأفريقي، عن أبي إسحاق، عن كميل، عن أبي هريرة والأول أصح. وروى هذا الحديث عبدالرحمن بن عابس سمعه من كميل بن زياد (٢)، عن أبي هريرة ويشبه أن يكون أبو إسحاق لم يسمعه من كميل، وإنَّما أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني وهي عدم ثبوت سماع أبي إسحاق وهو السبيعي هذا الحديث من كميل بن زياد مباشرةً، بل أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه وحجة الدارقطني أنَّ الحديث ثبت من طريق أخرى محفوظة عن عبدالرحمن بن عابس عن كميل بن زياد، وبهذا أعلَّ الحديث.
وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة عدة أحاديث أخرى، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع من باب الفائدة (٤).
الجنس السَّادس: أن يختلف على رجل بالإسْنَاد وغيره , ويكُون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد.
كذا قال أبو عبدالله الحاكم، وهذا كلامٌ غامضٌ إلا أنَّ المثال الذي ضربه أوضح ما قصده في هذه العلة: أنَّ الحديث قد يُروى مرةً بإسنادٍ يُوهِم الاتصال، والصحيح المحفوظ أنَّهُ
стр. 136
منقطعٌ أو معضلٌ أو مرسلٌ، وهو معنى قوله: " ويكُونُ المحفوظ عنه ما قابل الإسناد " أي أنَّ الصحيح المحفوظ عند الثقات غير المسند.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي بكر بن حزم، عن أبي سعيد ﵁: ((سَأَلُوا رسُول اللهِ ﷺ فَقَالُوا: إنَّا لَنَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا شَيْئَاً لأَنْ يَهْوي أَحَدَنَا مِنَ الرُّبَا أَحَبُ إِلَيهِ أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ، فَقَالَ: رسُول اللهِ ﷺ : وَذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)) (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النبي ﷺ ، ورواه عنه جماعة من أصحابه.
ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، فزاد فيه رجلا وجعله مسنداً، فقال عن الزهري، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن، عن عمه، عن النَّبي ﷺ وعمه عمرو بن أبي حسن وله صحبة ... " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن الزهري، فرواه عنه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النَّبي ﷺ ، أي أنَّه غير متصل، وتابعه على هذا الوجه جماعة من أصحاب الزهري، ثم رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد فزاد فيه رجلاً وجعله مسنداً، والمحفوظ خلاف ذلك، وهذا ما رجَّحه الدارقطني لهذا السبب.
стр. 137
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر ﵁ ((أَنَّ النَّبِي ﷺ كَنَّى الْمُغِيرَةَ أَبَا عِيسَى)) (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه خالد بن الحارث عن حبيب بن الشهيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مسنداً، وخالفه حماد بن سلمة وغيره فرووه عن زيد بن أسلم مرسلاً عن عمر والأشبه قول من أرسله (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن زيد بن أسلم فرواه حبيب بن الشهيد مسنداً، وخالفه حماد بن سلمة فرواه مرسلاً، وتابعه جماعة على المرسل، فرجَّح الدارقطني أنَّ المحفوظ هو المرسل (أي غير المسند).
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن علي ﵁ قال: كنت عند النَّبيِّ ﷺ إذ جيء بهذا الغلام يعني ابن الزبير إلى أبيه وهو عند النَّبيِّ ﷺ وفيه: عن النَّبيِّ صَلَّى ﷺ : ((مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ المِسْلِمِينَ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ...)) الحديث (٣).
стр. 138
فقال - الدارقطني -: رواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي تفرد به إسحاق بن الضيف (١)، عن أبي عاصم، عن هشام متصلاً مسنداً، وأرسله غيره عن هشام، ورواه يونس بن عبيد من رواية عبدالحكيم بن منصور عنه، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن ابن الزبير، عن النَّبي ﷺ ، والمرسل هو الصحيح " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن هشام بن حسان، أسنده إسحاق بن الضيف فأخطأ، والصحيح أنّهُ مرسل.
والفرق بين هذا الجنس وبين الجنس الثاني هو أنَّه أخص منهُ، فإنَّك ترى الجنس الثاني خاص بالمرسل الصحيح، والجنس السادس أعم، فيخص كل انقطاع في الإسناد، سواء كان بالإعضال أو مجرد انقطاع أو إرسال أو بلاغ أو غير ذلك.
الجنس السَّابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه، أو تجهيله.
وهذا النوع عبارة عن قسمين:
القسم الأول: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه: وهذه العلة تنشأ عن خطأ الراوي في تسمية شيخه، وهي كثيرة في كتب العلل، ولا سيما في كتاب العلل للدارقطني، والأمثلة الآتية نصوص من الإجابات سوف توضح نوع هذا القسم:
المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " قال ابن بكير: ابن أبي أويس، قال أبو بكر: أخطأ أبو صالح في قوله: ابن أبي أنس، وإنَّما هو ابن أبي أويس، واسمه نافع، عم مالك ابن أنس " (٣).
стр. 139
المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " وقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ .
وقيل لسفيان: إنَّ معمراً يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال: ذلك الحميدي عن ابن عيينة.
ورواه عباس البحراني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وهذا خطأ من عباس " (١).
المثال الثالث: قال الإمام الدارقطني: " واختلف عن هشام فقيل عنه، عن أبي معاوية عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بكر، وذكر الشعبي وهم، وإنمَّا هو أبو إسحاق السبيعي، وأما رواية أبي أسامة، عن زكريا ورواية أشعث بن عبدالله عن زكريا فإنهما اتفقا على زكريا، عن أبي إسحاق، عن مسروق بن الأجدع، عن أبي بكر قال ذلك إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن زكريا " (٢).
المثال الرابع: قال الإمام الدارقطني: " وخالفه سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، عن أبي بكر. وقول ابن عيينة أصح على أنَّه قد وهم في قوله سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع (٣) " (٤).
стр. 140
المثال الخامس: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن عمر في المتظاهرين، فقال - الدارقطني -: حدَّث به مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر، ووهم في نسبه، وإنما هو عبيدالله بن عبدالله بن أبي ثور، كذلك رواه الحفاظ عن الزهري ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عباس، عن عمر صحاح " (١).
قلتُ: وهذا القسم عِلَّته واضحة، وقد وقع في هذه الأخطاء أجِلَّةٌ كبارٌ من الحفاظ والأئمة، ولا ضير فإنَّ جميع البشر بحكم بشريتهم يقع منهم الوهم والخطأ والنسيان، ولكن متى نُضَعِّفُ الضعيف، ونُثْبِت ثقة الثقة؟، لا يكون ذلك إلا بالقرائن والأدلة، ومدى كثرة وقلة المخالفة أو الخطأ أو الوهم أو التفرد عند الراوي، وهذا هو المعيار الذي يدل على ضعف الراوي وعدم حفظه من ثباته وحفظه.
القسم الثاني: الاختلاف على رجل في تجهيله:
الاختلاف على رجل في تجهيله: وهذه العلة تنشأ عن رواية الحديث من طريق ثابت وفيه رجل مبهم لم يُسَمَّ، ثم يُروى من طريق أخرى فيسمَّى الرجل، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر بعضها:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ...)) الحديث (٢).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه فيه، فرواه ابن جريح، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد شيخ له، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر
стр. 141
الصديق، خالفه عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال عبدالرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن رفيع، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو جعفر الرازي، عن ليث، عن رجل غير مسمَّى، عن معقل، عن أبي بكر. وقال جرير بن عبدالحميد، عن ليث، عن من حدثه، عن معقل ابن يسار عن أبي بكر. وقيل عنه عن ليث، عن شيخ من غنزة، عن معقل، عن أبي بكر. وقال عبدالوارث بن سعيد، عن ليث، قال: حدثني صاحب لي عن معقل، عن أبي بكر وروى هذا الحديث شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير أبي النضر، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر الصديق ﵁، عن النَّبي ﷺ ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث " (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق ﵁ قوله للجدة: ((مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَأَسْألُ النَّاسَ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ...)) الحديث (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده: فقال مالك بن أنس عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة (٣)، عن قبيصة بن ذؤيب وتابعه أبو أويس عن
стр. 142
الزهري، وقال ابن عيينة عن الزهري عن رجل لم يسمِّه، عن قبيصة بن ذؤيب، فقوي هذا القول مالك وأبو أويس، ورواه يونس بن زيد وعقيل بن خالد، ومعمر والأوزاعي وأسامة بن زيد الأشعث، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، لم يذكروا بينهما أحداً، ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه " (١).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي: اضطراب ابن شهاب الزهري في الحديث، فإنّه مرةً يسمي عثمان بن إسحاق بن خرشة، ومرة يرويه عن رجل، ومرة يرويه عن قبيصة بن ذؤيب، ثم رجح الدارقطني رواية مالك وأبي أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه، والله أعلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث رُوِيَ عن ابن عثمان، عن عثمان ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ بِاللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ)) (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو جعفر الرازي، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن بن عثمان، عن عثمان، قاله بقية، عن أبي جعفر، وخالفه أبو النضر هاشم ابن القاسم، فرواه عن أبي جعفر، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ويشبه أن يكون هذا أصح " (٣).
стр. 143
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا أنَّ الحديث رُوِيَ من طريق عن صالح ابن كيسان، عن ابن عثمان، عن عثمان بن عفان، ثم ثبت من طريق أخرى عن صالح ابن كيسان، عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ثم رجح الدارقطني الطريق الثاني، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث أخرى كثيرة، أحببت أن أشير إلى أرقام سؤالاتها لزيادة النفع بها (١).
الجنس الثَّامن: أن يكُون الرَّاوي عن شخص أدركهُ وسَمعَ منهُ , لكنَّه لم يسمع منهُ أحاديث مُعينة , فإذا رواها عنه بلا واسطة فعِلَّتها أنَّه لم يسمعها منه.
وهذه العلة تدخل في معنى التدليس إلا أنها أدق منه، وقد سمّاها الحافظ ابن حجر بالمرسل الخفي، وهي رواية معاصر لم يلق، أو أنها نوع خفي من أنواع التدليس، ولقد حصر الدارقطني جملة من أحاديث قوم لم يسمعوها من شيوخهم، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث قليلة، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة منها:
المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " وحدثنا النيسابوري، ثنا أبو الأزهر، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، وثنا أحمد بن عيسى بن السكين، ثنا عبدالله بن سعد قال: ثنا عمر، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (٢)، قال: ذكر محمد بن مسلم بن شهاب، قال: حدثني ابن
стр. 144
أبي أنس، أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) (١).
وفي حديث حجاج عن ابن أبي أنس، قال النيسابوري: أصحاب الحديث يقولون: ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الزهري " (٢).
قلتُ: ومحمد بن إسحاق وهو ابن يسار صاحب السير، سمع من شيخه الزهري أحاديث كثيرة، ولكن لم يسمع هذا الحديث من الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك النقل عن أصحاب الحديث كما تقدم، وكون أنَّ ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن شهاب الزهري، والله أعلم.
المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " أخبرنا علي بن الفضل، أخبرنا أبو يحيى البلخي عبدالصمد بن الفضل، أن شداد بن حكيم حدثهم عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما محمد بن علي عن علي ﵁، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ)) (٣). قال الشيخ - الدارقطني -: كذا قال
стр. 145
عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى لم يسمع هذا من الزهري، إنَّما سمعه من مالك بن أنس، عن الزهري، قال ذلك عبدالوهاب الثقفي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن زيد " (١).
قلتُ: ويحيى بن سعيد وهو ابن قيس الأنصاري (٢)، سمع من شيخه الزهري، إلا أنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من الزهري، ورجح الدارقطني ذلك لقول جمع من أهل
الحديث، وذلك لثبوت سماعه هذا الحديث من مالك بن أنس عن الزهري، كما أخرجه الإمام النَّسائي في السنن فقال: " أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ))، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ " (٣) وهذا دليلٌ على أنَّ كلام أهل الحديث لا يكون بمجرد التخرص بل بالأدلة الثابتة التي لهم فيها عند الله برهان.
الجنس التاسع: أن يُروى الحديث بطريقة معروفة مشهورة , ثم يَروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق، فيقع من رواه في الوهم ظناً منه أنَّها الطريقة المشهورة.
وأصل هذه العلة: أن يكون هناك إسناد معروف مشهور، لا يختلف الرواة الثقات في هذا الإسناد، ثم يأتي راوٍ فيروي حديثاً ما بالإسناد المشهور وهماً منه أنّه هو الإسناد لهذا الحديث، وليس كذلك بل يكون لهذا الحديث إسناد خاص به مخالف للمشهور أو طريق