← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 13281

منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل

يوسف بن جودة الداودي

Полный текст (378 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقد أيَّد هذا الحكم الإمام أحمد لما سئل عن الحديث نفسه، فقال عَبْدُاللهِ بْن أحمد بن حنبل: " سَألت أبِي عَنْ حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي، قال حدثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبي ﷺ : ((لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ)). فَقَالَ أَبِي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ " (١). قلتُ: فظهر بذلك مدى أهمية ودقة قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان، وكيف كان النُّقادُ يعتمدون على التعليل بها، ولاشك أنَّ معرفة ذلك للباحث في مناهج المتقدمين من أهم المهمات للوقوف على القرائن المعتمدة عند أهل النقد. المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال . وهذه القرينة من أدق وأهم الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتحدث هذه القرينة عندما يكون الراوي الثقة قوياً وثبتاً في الرواية في أحوال معينة دون غيرها، كالمختلطين لهم أحكام من روى عنهم قبل الاختلاط ومن روى عنهم في زمن الاختلاط، أو كمن احترقت كتبه له حكمان كذلك، وغيرها من الأحوال التي قد تدل على خلل في الراوي أو المرويَّات، ولذا اهتم المؤرخون بمثل هذه الأحداث وأَرَّخُوا لها، ليتمكن النُّقاد من معرفة أحوال الرجال وبالتالي الحكم على الأحاديث والآثار، وسوف أجتهد في توضيح ذلك بضرب الأمثلة الآتية: المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث روي عن أبي عبدالرحمن السلمي عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ ذَكَرَ الله فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ اللهُ فِي

стр. 317

نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي مَلأ)) (١)، الحديث وفيه تقرب إلى الله ... الحديث. فقال - الدارقطني -: يرويه عطاء بن السائب، واختلف عنه فرواه جرير، عن عطاء عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر (٢)، عن أبي هريرة. هذا من عطاء بن السائب؛ لأنَّه اختلط في آخر عمره " (٣). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: اختلاط عطاء بن السائب في آخر عمره، وثبت أنَّ جرير، وحماد بن سلمة سمع منه بآخرٍ، وأبو عبدالرحمن وهو عبد الله ابن حبيب السلمي، ولم يرجح الدارقطني رواية جرير وهو ابن عبدالحميد بن قرط، ولا رواية حماد بن سلمة؛ لأن جرير وحماد سمعا من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، قال أبو سعيد العلائي: " وذكر العقيلي أن حماد بن سلمة ممن سمع منه بعد الاختلاط. قال ابن القطان: وكذلك جرير وخالد بن عبد الله وابن علية وعلي بن عاصم وبالجملة أهل البصرة فإنَّ أحاديثهم عنه مما سمع بعد الاختلاط لأنَّه قدم عليهم في آخرة عمره" (٤) وقال أيضاً: " وثقه أحمد بن حنبل مطلقاً، وأحمد بن عبدالله العجلي وقال: من سمع منه بأخرةٍ فهو مضطرب الحديث. منهم: هشيم، وخالد بن عبدالله " (٥).

стр. 318

المثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -:" عن حديث روي عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة عنه، واختلف عنه فرواه مسعر عنه موقوفاً، واختلف عن المسعودي فرفعه عنه قوم، ووقفه وكيع عنه، وقيل عن ابن عيينة عن مسعر مرفوعاً ولا يثبت " (٢). قلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ المسعودي وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة الكوفي (٣)، اختلط قبل موته، وكان ممن سمع منه قبل الاختلاط وكيع ابن الجراح، فالقوم الذين رفعوا الحديث عن المسعودي أخطئوا في رفعه، وقد رجَّح الدارقطني الموقوف. قَالَ عبدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: " سمعت أبي يقول سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد " (٤). وقال ابن رجب في ترجمة المسعودي: " وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة يعني أن سماع من سمع منه بالكوفة صحيح،

стр. 319

ومن سمع منه ببغداد كيزيد بن هارون، وحجاج فهو بعد الاختلاط " (١). ولقد علّل النُّقاد قبل الدارقطني أحاديث بعلة تغير الأحوال منهم الأئمة: أحمد بن حنبل والبخاري، والترمذي وغيرهم في مصنفاتهم، وسنضرب بعضاً منها على سبيل المثال: المثال الأول: قَالَ الترمذي: "حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمر عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: ((كَانَ لِنَعِلِ رسُول اللهِ قِبَالاَنِ (٢)) (٣). سألت مُحمدًا - يعني البخاري -: عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: قلتُ كيف صالح مولى التوأمة (٤)؟، قال: قد اختلط في آخر أمره من سمع منه قديماً سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديماً يروي عنه مناكير " (٥). قلتُ: والعلة التي صرح بها البخاري وهي اختلاط صالح مولى التوأمة في آخر أمره، وقد رواه عنه ابن أبي ذئب وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، فصار هذا الإسناد معلول بهذه العلة، وإلا فمتن الحديث صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن، والله الموفق. المثال الثاني: قال البزار: " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، رَجُلٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ.

стр. 320

قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمِ الْعَضَبُ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ" (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها البزار هي اختلاط سعيد بن أبي عروبة قبل موته، وقد ثبت أنَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ سمع منه بعد الاختلاط، قال الحافظ ابن رجب: " قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: كتبت عن سعيد، جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة بآخره يعني وهو مختلط " (٢). وقد أرَّخ الإمام أحمد لتاريخ الاختلاط فقَالَ عبدُاللهِ بن أحمد: " قال أبي ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد ومن سمع بعد الهزيمة (٣)، كأن أبي ضعفهم. فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر، وعبدة فهو جيد، ثم قال قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة " (٤). قلتُ: وليس كل من اختلط أو تغير حاله أرَّخ له النُّقاد، بل يوجد بعض ممن طرأ على حاله الاختلاط أو التغير، ولم يحدد النُّقاد تاريخ ذلك التغير، إلا إنَّ لهم مؤشرات أخري يعتمدون عليها لتحديد من سمع قبل الاختلاط، ومن سمع بعده، وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث القرائن الإسنادية، يظهر لنا أهمية معرفة أحوال الرواة عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، والله الموفق.

стр. 321

نتائج هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في استعمال القرائن الإسنادية بغيره من أئمة النقد المتقدمين نجده لا يختلف كثيراً عنهم، فإنَّه كثيراً ما كان يستند للقرائن والدلائل التي كان النُّقاد يستعملونها في إعلال المرويَّات من جهة الإسناد. - ولا شك أنَّ قرائن التعليل الإسنادية كثيرة ومتعددة، ولا يمكن حصرها إلا بعد جهد كبير وسبر لأقوال الأئمة النُّقاد، ودراسة الدلائل التي كانوا يستندون عليها ولم أرَ أنَّ أحداً جمع مثل هذا في مصنف واحد، والله أعلم. - إنَّ دراسة أحوال الرواة من أهم الوسائل والدلالات لمعرفة العلل الكامنة في الآثار والأخبار، ولقد اهتم النُّقاد بتحقيق وتحديد أنواع الخلل الذي قد يطرأ على الرواة والمرويّات، لاستخراج الأدلة على بطلان الأخبار الضعيفة والمكذوبة.

стр. 322

المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية . وقرائن التعليل المتنية هي الأدلة والبراهين التي كان يستند إليها أئمة النُّقاد في تعليل الأحاديث من جهة المتن، ولقد اهتم النُّقاد بالكلام على علل متون الأحاديث كاهتمامهم بعلل الإسناد، ولم يقتصر اهتمامهم على فحص الأسانيد ودراستها، بل تجاوز ذلك إلى دراسة المتون ونقدها، واستخراج الدلالات على ضعف المتن ونكارته تبعاً لقواعد ثابتة وقرائن، بخلاف زعم المستشرقين الذين قالوا: أنَّ نُّقاد الحديث لا يهتمون بنقد المتون، وسوف نثبت بالأدلة الواضحة إن شاء الله فساد هذا الزعم، والله هو الهادي سبحانه. المطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسُنّة الثابتة المشهورة . لقد اهتم النُّقاد بقرينة مخالفة الحديث للسنة الصحيحة الثابتة المتفق عليها بين الأئمة، ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى بردة ﵁، قال رسول الله ﷺ : ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلاَ تَسْكَرُوا)) (١). فقال - الدارقطني -: يرويه أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن القاسم، عن أبيه، عن أَبِي بُرْدَةَ، واختلف عن أَبِي الأَحْوَصِ، فقال عنه سعيد بن سليمان، عن سماك عن أبي بردة عن أبيه، ووهم فيه على أبي الأحوص (٢)، ووهم فيه أبو الأحوص على سِمَاكٍ أيضاً وإنَّما روى هذا الحديث سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه، ووهم أيضاً في متنه، في قوله ولا تسكروا، والمحفوظ عن سِمَاكٍ أنَّه قال: وكل مسكر حرام " (٣).

стр. 323

قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة أَبِي الأَحْوَصِ الثقات في متن الحديث؛ لأنَّ الحديث غير معروف عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد والمتن، والمحفوظ عن سِمَاك أنَّه قال: وكل مسكر حرام، فخالف المشهور الثابت من الأحاديث، وهذه القرينة كثيراً ما يعلّ بها النُّقاد الأحاديث، وهي من أظهر القرائن، والله أعلم. المثال الثاني: قَالَ الدارقطني في العلل: " وحدَّثَ الحسن بن بسطام الأيلي من حفظه عن ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد فخلط في متنه. قال: عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، قال رسولُ الله ﷺ : ((جَاءَكُم أَوْ أَظَلَكُمْ شَهْرُ رَمَضّانَ افْتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ صِيَامَهُ، وَسَنَنْتُ عَلَيكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ ...)) الحديث حَدَّثَنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا محمد بن منصور الطوسي والعباس بن محمد قالا: ثنا إبراهيم بن أبي العباس، قال: أخبرنا أبو أويس، عن الزهري أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسُول اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (١) " (٢). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث المتفق عليه: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وهو المحفوظ عن الثقات، وبهذه القرينة أُعلّ الحديث. وقد أعلَّ النُّقاد بدلالة هذه القرينة جملة من الأحاديث نذكر منها بعض النماذج:

стр. 324

المثال الأول: قَالَ صَالِحُ بْنُ أحمد بن حنبل: " قال: حدثني أبي، قال: أنبأنا الوليد ابن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ)) (١). قال أبي - يعني أحمد بن حنبل - فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن مهدي فذكر، عن ابن المبارك، عن ثور، قال: حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة، قال أبي: ولا أرى الحديث يثبت وقد روى عن سعد وأنس أنهما مسحا أعلى الخفين" (٢). قال الترمذي: "وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ ﵁ " (٣). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام أحمد هي مخالفة المتن المعلول للمتن المتفق عليه من حديث المغيرة في مسح أعلى الخفين وليس أسفله، فظهرت علة الحديث. المثال الثاني: قَالَ ابن عَدى في الكامل: " قال البخاري: فذكر نحوَ هذا الكلام سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه (يعني وهو حاضر) حديث أبي هريرة ﵁: ((إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ يَصَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى يَصَوْمَ رَمَضَانُ)) (٤).

стр. 325

قَالَ: ذَاكَ أي ضَعِيفٌ، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس، عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل عن من كان يرويه؟، قال: عن زهير ثم قال: ((إنَّ رسُول اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ)) " (١). وقَالَ أَبو دَاود: " وَكَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ - يعني ابن مهدي - لاَ يُحَدِّثُ بِهِ قُلْتُ: لأَحْمَدَ لِمَ قَالَ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ))، وَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَهُ. قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام ابن مهدي وهي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث الثابت المشهور: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ))، فوضحت كيفية إعلال الأئمة بهذه القرينة، وهي من أقوى الدلائل التي كانوا يستندون إليها في إعلال المرويَّات من جهة المتن، ولقد أكثر الأئمة النُّقاد من استعمال هذه القرينة في مصنفات العلل، وصرحوا بها في مواضع ليست بقليلة، فظهر بوضوح بطلان قول المستشرقين السالف الذكر. المطلب الثاني: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه كلام النبوة . لقد اهتم النُّقاد بقرينة عدم مشابهة الحديث أو الخبر كلام النَّبي ﷺ ، وهذه القرينة لا تأتي إلا بعد طولِ باعٍ في معرفة الحديث وأهله، وتمييز قول النَّبي ﷺ من قول غيره، فإنهم إذا وجدوا حديثاً لا يشبه كلام النّبُوةِ، وكان ظاهر الإسناد الصحة حكموا عليه بالبطلان، أو بالنكارة، أو ذكروا له علة ما كعدم السماع أو غيرها من العلل التي غالباً ما يكون الخلل منها في الحديث. قال ابن رجب في شرح العلل: ومن ذلك: أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ ، من الكلام الذي لا يشبه كلامه.

стр. 326

قال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: " تُعْلَم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون مثله كلام النّبُوةِ، ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم " (١). ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر نموذجاً منها: المثال: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّّبي ﷺ : ((قَالَ مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَاسَ بِهِ وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ)) (٢). فقال - الدارقطني -: يَرْوِيه سَعِيد بْن بَشِير، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَاهُ عُبَيْد بْن شَرِيك عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَوَهَمَ فِي قَوْله قَتَادَةُ، فَغَيْره يَرْوِيه عَنْ هشام فَيَقُول: عَنْ الزُّهْرِيِّ، بَدَل قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَحْمُود بْن خَالِد وَغَيْره عَنْ الْوَلِيد. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ قيل للشيخ أبي الحسن فَإِنَّ الْحُسَيْن بْن السَّمَيْدَع رَوَاهُ عَنْ مُوسَى بْن أَيُّوب عَنْ الْوَلِيد عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: غَلَط، بَلْ هُوَ اِبْن بَشِير " (٣). وقال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ)). قَالَ أَبِي - يعني أبي حاتم -: هَذَا خَطَأٌ، لَمْ يَعْمَلْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ بِشَيْءٍ، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وأحسن أحواله أن يكون عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قوله، وقد رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد،

стр. 327

عَنْ سَعِيد قوله " (١). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني قد صرح بها أبو حاتم: فقال: "، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "، وقد ذكر الدارقطني رواية سفيان بن حسين عن الزهري وأنها المحفوظة أي المشهورة بين الحفاظ، ولا يعني أنها صحيحة بل أشار إلى وجه العلة في الحديث من هذه الجهة، وهي أنَّ الطريق الأخرى ضعيفة وغير مشهورة. فإنَّ أهل العلم يضعفون سفيان بن حسين في الزهري كما سبق بيانه، وهي قرينة العلة التي أعلَّ بها الدارقطني الحديث، وطريق ابن بشير ضعيفة، فقد قال ابن معين في سعيد بن بشير: " ليس بشئ "، وضعفه أحمد والنَّسائي، وقال ابن نُمَيرٍ: "منكر الحديث ليس بشئ" (٢)، فدل ذلك على أنَّ الحديث معلول ولا يصح من الوجهين، والله أعلم. المطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان . وهذه القرينة من أشهر وأقوى القرائن والدلالات التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد في تعليل الأحاديث، وقد أثبت التاريخ بهذه القرينة أروع القصص مما يدل على اصطفاء الله لهذه الأمة، فحفظ الله الدين بهؤلاء الأفذاذ الذين قلَّ أن يجود بهم الزمان، فكانوا كالجبال الشُّمِ في حفظهم وإتقانهم لمتون حديث رسُول الله ﷺ . قال ابنُ رجب: قاعدةٌ مهمةٌ: حُذّاق النقادِ من الحفّاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فَهْمٌ خاصٌ يفهمون به أنَّ هذا الحديثَ يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديثَ بذلكَ، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنّما يرجعُ فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع " (٣).

стр. 328

ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : ((الرِّكَازُ الذَّهَبُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ)) (١). فقال - الدارقطني -: يَرويه حبان بن علي (٢)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ . وهو وهم؛ لأنَّ هذا ليس من حديث الأعمش ولا من حديث أبي صالح، وإنَّما يرويه رجل مجهول عن آخر عن أبي هريرة " (٣). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)) (٤). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. ووهم فيه، وتابعه على ذلك أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة من رواية صلة بن سليمان عنه، وأشعث من الثقات الحفاظ ولكن صلة ضعيف الحديث، وكذلك روي عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ . وسلمة من الثقات الحفاظ لم يرو عنه غير محمد بن أبي الشمال ولم يكن بالقوي، وكلها وهم على ابن سيرين؛ لأنَّ هذا ليس من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة؛ لأنَّ أيوب

стр. 329

السختياني، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق وغيرهم من الحفاظ الأثبات رووه عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلاً، عن النَّبي ﷺ " (١) قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني في هذا المثال أنّ الحديث ليس من حديث محمد بن سيرين، والبرهان أنَّه محفوظ عند الثقات الأثبات برواية غيره، وإنَّما رواه ابن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلاً، فظهر استعمال الدارقطني لقرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان. ولقد أعلّ النُّقاد المتقدمون بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قال عَبْدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: " سمعته يقول سعد بن سنان تركت حديثه ويقال سنان بن سعد حديثه حديث مضطرب، وسمعته مرة أخرى يقول يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس " (٢). قال ابن رجب تعليقاً على نص الإمام أحمد: " ومراده أنَّ الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة، إنَّما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله. وقال الجوزجاني: " أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث النَّاس عن أنس " (٣). المثال الثاني: قال عبدالله بنِ أحمد: " سمعتُ رَجُلاً يقولُ ليحيى- ابن معين -: تحفظُ عن عبدِالرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحَاق، عن عَاصِم بنِ ضَمْرةَ، عن علي ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((أَنَّه مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ))؟ فَقَالَ: باطلٌ، ما حدّثَ به مَعْمَر قَط. سمعتُ يحيى - ابن معين - يقول: عَليهِ مائةُ بَدَنة مُقلدة مُجَللة إنْ كَانَ مَعْمَر حَدّثَ بهذا قَط، هذا باطل، ولو حدّثَ بهذا عبدُالرزاق كَانَ حَلالَ الدّم، مَنْ حدّثَ بهذا عن عبد الرزاق؟، قالوا له: فلانٌ.

стр. 330

قالَ أبو عبدالرحمن - عبدالله بن أحمد بن حنبل -: وهذا الحديثُ يَرْوونَهُ عن إسرائيلَ عن عَمْرو بنِ خَالد، عن زَيد بنِ علي، عن آبائه، عن علي: ((أنَّ النَّبي ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ)) وعَمْرو بنُ خَالد لا يسوي حديثه شيئاً " (١). المثال الثالث: قال البرذعي قال لي أبو زرعة: " خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما ". قال: وقال لي أبو حاتم: ... " أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان " (٢). قال ابن رجب شارحاً قول أبي حاتم: " ومعنى ذلك أنَّه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم فخاف أن يكون أخذا حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان ودلساه عن شيوخهما " (٣). وبنهاية هذا المبحث نكون قد انتهينا من الفصل الأول من الباب الرابع بفضل الله ومعونته ، وبهذا نكون قد استعرضنا بعض قرائن التعليل الدقيقة، والدلالات التي كان نقاد الحديث يستعملونها في إعلال المرويَّات، ولا يشك عاقل فضلاً عن عالم بأمور هذا الشأن أنَّ هناك ثَمَّ قرائن تعليل أخرى كثيرة لم تذكر في هذا الفصل، وأظن أنها لو جُمِعَت بمفردها لكانت عدة مجلدات كبيرة، وإنَّما اجْتَهَدتُ في استخراج منهج الدارقطني منها مقارناً بمنهج النقاد المتقدمين؛ لنلتمس طريقة القوم في استعمالهم للدلائل والأسباب التي بنوا عليها أحكامهم في تعليل الأخبار.

стр. 331

نتائج هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في استعماله قرائن التعليل المتنية، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه القوم، إلا أنه كان يصرح بالعلَّة أحياناً ويُرجح، وكان لا يخرج عن منهج النُّقاد المتقدمين. - من الملاحظ أنَّ غالب النُّقاد يستعملون قرائن التعليل المتنية، للدلالة على سببٍ قادح في الحديث، وبيان بطلانه من جهة المتن وإن كان ظاهر السند الصحة. - المستقرئ لمنهج النُّقاد المتقدمين يجد منهم غاية في الإتقان والمعرفة، ودقة الأمانة العلمية، لإثبات الرواية الصحيحة وإن جاءت من الضعيف، وفي المقابل تقرير الوهم أو الخطأ في الرواية وإن جاءت من الحفاظ الكبار.

стр. 332

الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني وفيه: مبحثان. المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: تعريف المتابعات لغة واصطلاحاً. المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني. المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ. المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ. المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ.

стр. 333

الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني تمهيد إنَّ دراسة قَرائن االترجيح عند النُّقاد المتقدمين من أهم المباحث في علل الحديث، فهي بمثابة الثمرة الناضجة من الشجرة الطيبة في معرفة العلل، وبها يعرف مصير الأخبار، وهي الدلائل التي يرجح بها النُّقاد بين المرويَّات، فيعرف الغث من السمين، ولا يخفى على أحد أهمية معرفة تلك القرائن، كالمتابعات والشواهد وغيرهما، وقد فرَّق قوم من أهل العلم بينهما فخصوا الشاهد بمجيئ الحديث من جهة صحابي آخر، والمتابعة بما يأتي من جهة غير الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: " وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ، سواءٌ كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ أَم لا، والشاهدَ بما حصلَ بالمَعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المُتابعةُ على الشَّاهدِ وبالعكسِ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ " (١). وحقيقة الأمر أنَّ غالب استعمال النُّقاد المتقدمون للفظةِ "المتابعة" على كل هذه المعاني، ولا فرق بين المتابعة والشاهد عندهم كما فعل المتأخرون، بل قد يطلقون المتابعة على الشاهد والعكس، ولا شك أنَّ هناك ثَمَّ قرائن ترجيح أخرى كثيرة استعملها النُّقاد في ترجيح المرويَّات، ولذا سأُحَاول في هذا الفصل استعراض بعض هذه القرائن التي كان الدارقطني والنُّقاد المتقدمون يستعملونها، وبيان أثرها في الترجيح عندهم بالأمثلة التطبيقية والله الموفق سبحانه لا رب سواه.

стр. 334

المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح . المطلب الأول: تعريف المتابعات لغةً واصطلاحاً وحكمها: أولاً: تعريف المتابعة لغة: والمتابعة من تَتَبُّعِ الشئ بمعنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت تَبَعاً وتَباعةً، قال ابن منظور في اللسان: " (تبع) تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً في الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً سِرْت في إِثْرِه واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعاً له، وكذلك تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعاً، قال القُطامي: وخَيْرُ الأَمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ منه ... وليس بأَن تتَبَّعَه اتِّباعا وضَع الإتِّباعَ موضع التتبُّعِ مجازاً، قال: سيبويه تتَبَّعَه اتِّباعاً لأَن تتَبَّعْت في معنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت القوم تَبَعاً وتَباعةً بالفتح إِذا مشيت خلفهم، أَو مَرُّوا بك فمضَيْتَ معهم، وفي حديث الدعاء: ((تابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم عَلَى الْخَيْرَاتِ))، أَي اجْعَلْنا نَتَّبِعُهم على ما هم عليه والتِّباعةُ مثل التَّبعةِ والتِّبعةِ. قَالَ الشَّاعِرُ: أَكَلَت حَنِيفةُ رَبَّها زَمَنَ التقَحُّمِ والمَجاعهْ ... لم يَحْذَرُوا من ربِّهم سُوء العَواقِبِ والتِّباعهْ لأَنهم كانوا قد اتخذوا إِلهاً من حَيْسٍ فعَبَدُوه زَماناً ثم أَصابتهم مَجاعة فأَكلوه وأَتْبَعه الشيءَ جعله له تابعاً وقيل أَتبَعَ الرجلَ سبقه فلَحِقَه وتَبِعَه تَبَعاً واتَّبَعه مرَّ به فمضَى معه. وفي التنزيل في صفة ذي القَرْنَيْنِ: ﴿ثُمَّ اتَّبَع سَبَبَاً﴾ بتشديد التاء ومعناها تَبِعَ وكان أَبو عمرو بن العلاء يقرؤُها بتشديد التاء وهي قراءة أَهل المدينة، وكان الكسائي يقرؤُها ﴿ثُمَّ أَتبع سَبَبَاً﴾ بقطع الأَلف أَي لَحِقَ وأَدْرك " (١).

стр. 335

ثانياً: تعريف المتابعة اصطلاحاً وحكمها: ومعنى المتابعة في الاصطلاح مطابق لمعناها في اللغة، وهي موافقة الراوي برواية الحديث عن شيخه، أي مشاركة الراوي في شيخِهِ، بنقل الحديث نفسه أو معناه، ولا يشترط في المتابعة ثقة الْمُتَابع، بل تُقْبَل حتى ولو كان ضعيفاً ضعفاً مُحتملاً. قال ابن الصلاح: " ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدوداً في الضعفاء. وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به " (١). وقال الحافظ ابن حجر: " وَما تقدَّم ذِكرُه مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ؛ إِنْ وُجِدَ - بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْداً - قد وافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ، بكسرِ الباءِ الموحَّدةِ. والمُتابَعَةُ على مراتِبَ: لأنَّها إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ؛ فهِي التَّامَّةُ. وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ؛ فهِيَ القاصِرةُ. ويُستفادُ منها التَّقويةُ " (٢). وقال ابن الصلاح في معرفةُ الاعتبار والمُتَابعات والشَّوَاهد: " هذه أُمور يتداولها أهل الحديث يتعرَّفُونَ بها حال الحديث ينظرون هل تفرَّد به رَاويه أم لا؟، وهل هو معروف أو لا؟. وذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ ﵀ أنَّ طريق الاعتبار في الأخبار مثاله أن يَرْوي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتَابع عليه , عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي ﷺ , فيُنْظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سِيرين فإن وجد علم أنَّ للخبر أصلاً يرجع إليه، وإن لم يُوجد , فثقة غيرُ ابن سِيرين عن أبي هُرَيْرة , وإلاَّ فصَحَابي غير أبي هُرَيْرة ﵁، عن النَّبي ﷺ أي ذلكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لهُ أصْلاً يُرجع إليه , وإلاَّ فلا " (٣).

стр. 336

قلتُ: وما ذكره ابن الصلاح في مقدمته عن ابن حبان يُظهر منهج النُّقاد المتقدمين وكيفية اعتبارهم بالمتابعات والشواهد، مما يثبت أنَّ نظرتهم للمرويَّات كانت شاملة المتن والسند على السواء، وليس كل شاهد أو متابعة تقبل، ولكن يجب أن يتوفر بها شروط منها: صحة سند هذه المتابعة إلى المتابع، وأن لا تكون معلولة أو ثبت خطأ الراوي فيها وغيرها من الدلائل التي تبين أنَّ لهذه المتابعة أصل حتى يعتد بها، ولقد أسرف الناس في هذا العصر بالاعتداد بأي متابعة كانت، ويطيرون بها كل مطار، وظنَّ هؤلاء أنَّ قواعد هذا الفن مطردة مثل الرياضيات، فهم يطبقون القاعدة على كل أثر وخبر، فهم يحسبون كل سوادٍ تمرة، وكل بياضٍ لبن. وليس كذلك فإنَّ لكل حديث ظروفاً خاصةً تختلف عن الآخر، ولقد سبق بيان أنَّ النُّقاد المتقدمين لم يكن لهم قاعدة مطردة في ذلك، يستعملونها دائماً في نقد المرويَّات، بل كان لهم في كل حديث فهم خاص، ونقد مختلف تبعاً لحال الرواية والمروي. كما بيَّن ذلك الإمام مُسْلِم في التمييز، فقال: " فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله " (١). وَقَالَ الترمذي: " وإنَّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنَّه لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (٢). وكذلك قول ابن رجب: " وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (٣).

стр. 337

المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني: لا يخفى على مشتغلٍ بهذا الفن فضلاً على الباحث في علوم الحديث الأهمية البالغة للمتابعات والشواهد في الترجيح بين الروايات المختلفة، ولقد كان أهل الحديث وجهابذة النُّقاد يتهافتون على تلك المتابعات والشواهد؛ وكأنها اللؤلؤ والمرجان، حيث يتقوى بها الحديث المحتمل الضعف، أو تفرد راوٍ عن شيخه لا يحتمل، وخلافه من الأسباب التي قد يحتاج إليها النَّاقد للترجيح، ومعرفة الصواب في هذه المرويَّات، فلا يحتاج إليها إلا عند الحاجة. ولقد بذل أهل الحديث كل غالٍ ونفيسٍ للحصول على تلك المتابعة أو ذلك الشاهد الذي يترجح به كفة رواية على رواية، أو زوال شبهة الخطأ والوهم عن رواية راوٍ، أو ترجيح زيادة متن على نقصانه، وغيرها من أساليب الترجيح بين المرويَّات المختلفة وسوف نضرب بعض الأمثلة التي توضح استعمالهم للمتابعة في الترجيح، والله الموفق. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث نعيم بن ربيعة، عن عمر ﵁، عن النَّبي ﷺ : ((حين جاءه رجل يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فقال ﵇: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ ...)) (١) فقال - الدارقطني -: يرويه زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وجود إسناده ووصله. وخالفه مالك بن أنس فرواه، عن زيد بن أبي أنيسة،

стр. 338

ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله، عن مسلم بن يسار عن عمر. وحديث يزيد بن سنان متصل وهو أولى بالصواب والله أعلم، وقد تابعه عمر بن جعثم فرواه عن زيد بن أبي أنيسة كذلك قاله بقية بن الوليد عنه " (١). قلتُ: هذا الحديث يرويه زيد بن أبي أنيسة، واختلف عليه في الإسناد على وجهين: ١. رواه عنه يزيد بن سنان (٢) مسنداً موصولاً، أي: عن مسلم بن يسار، عن نعيم ابن ربيعة، عن عمر بن الخطاب ﵁. ٢. ورواه عنه مالك بن أنس لم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة بين مسلم بن يسار، ... وعمر بن الخطاب ﵁. ثم رجح الدارقطني أنَّ الأولى بالصواب الوجه الثاني من رواية يزيد بن سنان، بسبب متابعة عُمر بن جُعْثُم وهو القرشي الحمصي (٣) ليزيد بن سنان في شيخه زيد بن أبي أنيسة متابعة تامة (٤). وبهذا الترجيح أعلَّ الدارقطني الحديث، حيث إنَّ الوجه الأول فيه علتان: ضَعْف يزيد ابن سنان، والانقطاع بين مسلم بن يسار، وعمر بن الخطاب ﵁، وقد أشار إلى ذلك الإمام الترمذي فقال: " هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ ومسلم بن يسار لَمْ يَسْمَعْ من عمر وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ

стр. 339

في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رَجُلاً مَجْهُولاً " (١). وأما الوجه الثاني الموصول ففيه نعيم بن ربيعة (٢) مجهول لم يرو عنه إلا مسلم بن يسار الجهني، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فظهر صنيع الدارقطني بهذه المتابعة كقرينة ترجيح لإثبات صواب الوجه الثاني وبالتالي علة الحديث، والله الموفق سبحانه. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: ((لاَ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ حَزَنٍ وَلاَ نَصَبٍ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنهُ مِنْ خَطَايَاهُ)) (٣). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، حدث به عنه الوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق وأسامة بن زيد، واختلف عنه، فرواه يحيى القطان ووكيع وعبيد الله بن موسى وغيرهم عن أسامة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. رواه عبدالله بن وهب عن أسامة فقال: عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة. ووهم فيه، والصحيح قول يحيى القطان ومن تابعه. وكذلك رواه إسماعيل بن جعفر وعقيل بن خالد، وعيسى بن عبد الله العدوي، وليث ابن أبي سليم عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وهو الصواب.

стр. 340

وفي حديث الوليد بن كثير عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً " (١). قلتُ: هذا الحديث يرويه مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، واختلف عليه علي وجهين: ١. رواه عنه جماعة منهم يحيى القطان ووكيع وعبيدالله بن موسى، فقالوا: عن أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. ٢. ورواه عنه عبدالله بن وهب، فقال: عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة. ثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الأول، حيث فيه جمع كثير تابع بعضهم بعضاً، وعلى رأسهم يحيى القطان وهو إمام ثبت، وقد تابعه جمع منهم وكيع، وعبيدالله بن موسى وغيرهم، فصارت زيادة محمد بن عمرو بن حلحلة في الإسناد هذا خطأ من عبدالله بن وهب، وأصل هذا الوهم أنَّ الحديث له إسناد أخر صحيح فيه رواية مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أخرجه البخاري كما أشرنا سالفاً، فاختلط ذلك على عبدالله بن وهب، والله أعلم، وعلى كلٍّ فقد ظهر كيف استفاد الدارقطني بالمتابعات في ترجيح الرواية الصحيحة. وقد استعمل الأئمة النُّقاد المتابعات في ترجيح المرويَّات وسنضرب هنا بعض الأمثلة منها: قال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ ، حَدَّثَهُم ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهَا إِلاَ إِلَى عُظْمِ صَلاَةٍ)) (٢).

стр. 341

قَالَ أَبِي: يروي هَذَا الحديث أَبُو هلال (١)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان (٢)، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحديث عَبْدِاللهِ ابْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث " (٣). قلتُ: وأصلُ العلةِ التي أشار إليها أبو حاتم هي: أنَّ أبا هلال روى الحديث من طريق حَسَنِ بْنُ مُوسَى، وَعَفَّانَ قَالاَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هِلاَلٍ، قَالَ عَفَّانُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَقَالَ حَسَنٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ يَقُومُ إِلاَ لِعُظْمِ صَلاَةٍ)) (٤). وقد خالفه سَعِيدُ بْنِ بَشِيرٍ (٥) في الإسناد فقال: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو عن النَّبِيَّ ﷺ . ومعلوم أنَّ أبا هلال صدوق فيه لين، وسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ قد ضعفه أحمد ووثقه آخرون، فكأنَّ الوجهين متساويان في الدرجة والمرتبة، فلا يمكن ترجيح أحد الأوجه إلا أنَّ يأتي متابع لأحدٍ منهما، ثُمَّ جاء هشام الدستوائي (٦) فتابع سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أخرجه الإمام أحمد كذلك كما ذكرنا سالفاً، فظهر أنَّ الوجه الأول مرجوح، والثاني راجح، وهو ما رجحه أبو حاتم بقوله: " وحديث عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد

стр. 342

تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث". وذلك؛ لأنَّ هشام الدستوائي أوثق من أبي هلال. المثال الثاني: قال البخاري في الجامع الصحيح: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنَا شَاذَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِالْعَزِيزِ. قال الحافظ في الفتح: " وَكَأَنَّ البُخَارِي أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة إثبات الطريق إلى عبدالعزيز ابن أبي سلمة؛ لأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيّ رَوَى هذا الحديث عن شَاذَان فَقَالَ: " عَنْ الْفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع " فَكَأَنَّ لِشَاذَان فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " (١). قلتُ: وهذا دأب البخاري في جامعه كله، فإنَّهُ يأتي بالرواية التي قد تكون فيها شبهة عدم السماع مثلاً، ثم يأتي بمتابعة ليثبت السماع على مذهبه المشهور، وقد أخذ البخاري هذا عن شيوخه منهم شيخ شيوخه يحيى بن سعيد القطان، فإنَّه كان ينكر على همام بن يحيى العَوْذِي حديثه فلمَّا تابعه معاذ بن هشام الدستوائي سكت عنه، نقل هذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فقال: " قال: عمر بن شبة قال: سمعت عفان يقول: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلمَّا قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره عليه فكف يحيى بعد عنه " (٢) فظهر لك كيف كان منهج الأئمة النُّقاد في استعمال المتابعة وأثرها في ترجيح المرويَّات، لم يختلف فيهم أحد في طريقة الترجيح بالمتابعات، والله أعلم.

стр. 343

المثال الثالث: قال الحافظ ابن حجر في النكت: " ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ)) (١). قال - يعني الترمذي -: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قلتُ - ابن حجر -: وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي. وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي الله تعالى عنهم " (٢). قلتُ: وهكذا قوى الحافظ ابن حجر الحديث الضعيف بسبب عنعنة هشيم وهو ابن بشير أبو معاوية السُلمي (٣)، وهو ثقة ثبت كثير التدليس، بمتابعة أبي يحيى التيمي (٤) وهو ضعيف، فظهر لك أثر المتابعة في تقوية الحديث عند النُّقاد وهو مسلك اتخذه أهل الحديث على اختلاف مذاهبهم. وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث المتابعات وأثرها في الترجيح، وقد ظهر جلياً أثر المتابعات في الترجيح عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، وأنَّ منهج النُّقاد في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد واحد لم يختلف من إمام لغيره، وقد ظهر لك أنَّ الدارقطني وغيره من النُّقاد كانت نظرتهم للحديث في النقد شمولية من جهتي السند والمتن على السواء، وليس من جانب الإسناد ورجاله فحسب.

стр. 344

المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح . المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ: سبق وأن ذكرنا أنَّ منهج الدارقطني والنُّقاد في ترجيح المرويَّات قد يكون بقرينة الأحفظ للرواية والمتقن لها، وتعد هذه القرينة من أشهر القرائن التي كان يستعملها النُّقاد للدلالة على صحة الرواية، أو إعلال وجه من الوجوه، أو ترجيح زيادة على نقصان أو العكس وغيرها، والجدير بالذكر أنَّ هذه القرائن متعددة وكلها تدل على أنَّ الراوي قد حفظ الحديث وضبطه، فمثلاً كونه أعلم الناس بحديث فلان، أو أنَّ في حديثه قصة يسردها قبل المتن كسبب رواية الحديث وهكذا، فإنَّ هناك عدة قرائن تدل دلالة واضحة وقوية على أنَّ الراوي قد حفظ ذلك المروي، وضبطه ضبطاً لا شك فيه، وسنعرض هنا بعض النماذج التي توضح كيفية استعمال الدارقطني والنُّقاد لهذه القرينة في الترجيح: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا وَلاَ يُعَيِّرْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدَهَا، ثُمَّ لِيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ " (١). فقال - الدارقطني -: يرويه عبيدالله بن عمر، واختلف عنه، فرواه معتمر بن سليمان، وأبو أسامة، وعبدالله بن نمير عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة. واختلف عن محمد بن عبيد الطنافسي، فرواه عنه جماعة، فقالوا: عن عبيدالله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة بمتابعة الأموي، ورواه آخرون بمتابعة معتمر ومن وافقه، لم يذكروا فيه أبا سعيد المقبري. وكذلك رواه عبدالعزيز بن جريج، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأسامة بن زيد،

стр. 345

وعبدالرحمن بن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومحمد بن عجلان، وعبدالله بن عمر العمري وأبو معشر. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد وهو أحفظ الجماعة عن المقبري. ورواه عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وهو المحفوظ؛ لأنَّ الليث بن سعد ضبط عن المقبري ما رواه عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة " (١). قلتُ: هذا الحديث مداره على سعيد بن أبي سعيد المقبري كيسان، واختلف عليه علي وجهين: ١. رواه عنه جماعة ثقات أثبات منهم ابن جريج، وإسماعيل بن أمية (٢)، وابن أبي ذئب وغيرهم، فقالوا: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً، لم يذكروا فيه أبا سعيد المقبري. ٢. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد (٣) فرواه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً. ثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الثاني، حيث إنَّ اللَّيْثُ بن سعد أحفظ الناس بحديث سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة، وقد ضبط ما رواه سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، وهذه قرينة الأحفظ للحديث، فعلى الرغم من أنَّ جمعاً من ثقات قد خالفوه، كانت روايةُ اللَّيْثِ بن سعد هي الصواب ورواية غيره خطأ، مما يظهر أمانة ودقة الدارقطني في ترجيحه بين المرويَّات، ومن هنا يُعلم سر إخراج البخاري ومسلم للحديث من طريق اللَّيْثِ بن سعد، وليس من طريق غيره بسبب العلة التي ذكرها

стр. 346

الدارقطني هنا في بقية الأوجه الأخرى، وهو الخطأ الذي طرأ على الإسناد فيها بإسقاط أبي سعيد المقبري من الإسناد، والله هو الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)) (١). فقال - يعني الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد عن الحسن عنه واختلف عن يونس وهشام فروي، عن حماد بن زيد عنهما، عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى ومحبوب بن الحسن فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة، وخالفه أيضا في روايته عن هشام الثوري وزائدة، فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة، وكذلك قال أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد عن هشام. ولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة ومعروف الأعور، وجسر ابن فرقد عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف، والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر " (٢). قلتُ: ومن القرائن التي جعلت حديث أيوب الذي حدث به حماد بن زيد، ومعمر بن راشد راجحاً ومحفوظاً أنَّ حديث أيوب فيه قصة سؤال الأحنف بن قيس أبي بكرة رضى الله عنه، وهي

стр. 347

دليل على أنَّ صاحب الرواية قد حفظ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: " إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه، والله أعلم " (١). لقد رجَّح النُّقاد المتقدمون بهذه القرائن عدة أحاديث نذكر منها نموذجاً علي سبيل المثال: قال ابن أبي حاتم في العلل: " سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ، عن حديثٍ، رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن عياش، عن ابن أَبْجَر عن الأسود عن عمر: ((أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ))، هل هو صحيح؟ أو يَرْفَعُهُ حديث الثوري عن الزبير بن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر: ((أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي افْتِتَاحِ الْصَّلاَةِ حَتَى تَبْلغُا مِنْكَبَيهِ)) فقط؟، فقالا سفيان أحفظ، وقال أبو زُرْعَةَ هذا أصح، يعنى حديث سفيان عن الزبير ابن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر " (٢). قلتُ: والعلة التي أشار إليها ابن أبي حاتم هنا هي الأثر ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريق الحسن بن عياش (٣) وهو ثقة بلفظ: " أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ "، وهذا مخالف الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع اليدين عند الركوع وبعده. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر الرواية: " قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فهذا عمر لم يكن يرفع يَدَيْهِ أَيْضًا إلاَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُوَ ثقة حجة ذكر ذلك يحيى بن معين عنه انتهى، وَاعْتَرَضَهُ الْحَاكِمُ: بِأَنَّ هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة ولا تعارض بها الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ طَاوُسٍ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ

стр. 348

يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: لَمْ يَعُدْ، ثم رواه الحاكم وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ، انْتَهَى. " (١). فقول أبي حاتم وأبي زُرْعَةَ: " سفيان أحفظ "، يدل على أنَّهما رجحا رواية سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: " لَمْ يَعُدْ "، واعتبرت هذه اللفظة معلولة كما أشار إلي شذوذها الحاكم في النص السابق، مما يظهر كيف كان الأئمة النُّقاد يستدلون بقرينة الأحفظ للرواية من غيره، وقد تكلف قوم الجمع والرواية خطأ في الأصل فلا يصح الجمع بين ما هو ثابت صحيح، وبين رواية لم تثبت، والله أعلم. المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ: تعتبر قرينة الترجيح بالأقوى في الشيخ من أهم وأشهر القرائن التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد المتقدمين في الترجيح بين المرويَّات؛ وذلك لأنَّ الرواة ليسوا على مرتبة واحدة في الضبط والإتقان عن الشيخ ولاسيما إذا كان الشيخ مكثراً، فالرواةُ يتفاوتون في ملازمة الشيخ، فمنهم من يلازم الشيخ مدة طويلة، وقد سمع الحديث مرراً واستوعب حديثه، ومنهم من لم يسمع الحديث إلا مرة واحدة، ولم يلازم الشيخ إلا مدة يسيرة، لذا اهتم النُّقاد بهذه القرينة في الترجيح وأثبتوا طبقات الرواة عن الشيوخ والمفاضلة بينهم. وقد قَسَّم النُّقاد الرواة عن الزهري مثلاً إلي خمسِ طبقاتٍ، قال الحافظ أبو بكر الحازمي: " وهو أن نعلم مثلا أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة وهو مقصد البخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلا أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة

стр. 349

للزهري حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الأولى وهم شرط مسلم. ثُمَّ ذكر الثالثة والرابعة والخامسة وهي ضعيفة. ثم مثل لطبقات الرواة فقال: الطبقة الأولى: بيونس بن يزيد، وعقيل بن خالد الأيليين، ومالك بن أنس، وسفيان ابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة. والطبقة الثانية بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. والطبقة الثالثة نحو جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والطبقة الرابعة نحو زمعة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنى بن الصباح. والطبقة الخامسة نحو عبدالقدوس بن حبيب، والحكم بن عبدالله الأيلي، ومحمد بن سعيد المصلوب " (١). وقال ابن رجب في شرح العلل للترمذي: " أصحاب ثابت البُناني: وفيهم كثرة، وهم ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: الثقات: كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة ومعمر. وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حماد بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: " ما أحد روى عن ثابت أثبت من حماد بن سلمة ". وقال ابن معين: " حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني ". وقال أيضاً: " حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد ".

стр. 350

وقال ابن المديني: " لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم من بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح "، يعني أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت. وقال أبو حاتم الرَّزاي: " حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إلىّ من همام، وهو أحفظ الناس، وأعلم بحديثهما، بيَّن خطأ الناس ". يعني أن من خالف حماداً في حديث ثابت وعلي بن زيد قدم قول حماد عليه، وحكم بالخطأ على مخالفه. وحكى مسلم في كتاب التمييز: " إجماع أهل المعرفة على أنَّ حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين وأحمد وغيرهم من أهل المعرفة. وقال الدارقطني: " حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت ". الطبقة الثانية: الشيوخ: مثل الحكم بن عطية وقد ذكر أحمد الحكم بن عطية فقال: " هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت "، وذكر للحكم بن عطية عن ثابت عن أنس أحاديث مناكير. وقال أيضاً: " سهيل ابن حزم يروي عن ثابت منكرات ". وقال في عمارة بن زاذان: " يروي عن ثابت أحاديث مناكير، ثم قال: هؤلاء الشيوخ رووا عن ثابت، وكان ثابت جل حديثه عن أنس، فحملوا أحاديثه عن أنس، قال: ويوسف بن عبدة يروي عن حميد وثابت أحاديث مناكير بالتوهم، ليس هي عندي من حديث حميد ولا ثابت " انتهى. ومنهم حماد بن يحيى الأبح: له أوهام عن ثابت، منها حديثه عنه وعن أنس مرفوعاً حديث: " مثل أمتي مثل المطر ". والصواب عن ثابت عن الحسن مرسلاً، كذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الأمثال. الطبقة الثالثة: الضعفاء والمتركون: وفيهم كثرة، كيوسف بن عطية الصفّار. قال ابن هاني: قال أحمد: " كان حماد ثبتاً في حديث ثابت البناني، وبعده سليمان بن المغيرة،

стр. 351

وكان ثابت يحيلون عليه في حديث أنس، وكل شيء لثابت روي عنه يقولون: ثابت عن أنس ". وقال أحمد في رواية أبي طالب: " أهل المدينة إذا كان الحديث غلطاً يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما ". ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيء الحفظ والمجهولين منهم، فإنَّه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب فوقعت المنكرات في حديثه، وإنَّما أتي من جهة من روى عنه من هؤلاء، وذكر هذا المعنى ابن عدي وغيره " (١). قلتُ: قد ذكرت هذه النصوص على طولها لما لها من أهمية بالغة في فهم مراتب وطبقات الرواة وتفاضلهم في شيوخهم، وبيان أنَّ الدارقطني والنُّقاد المتقدمين كانت نظرتهم فاحصة ودقيقة للرواة والمرويَّات، وقامت على أسس قوية بنوا عليها أحكامهم في الترجيح بين الروايات التي يطرأ عليها الخلاف أو التفرد وغيرهما، ولم يكن مجرد تخرص أو اتباع للأهواء، ولا شك أنَّ هذه النصوص قد أظهرت لك أهمية قرينة الأثبت في الشيوخ من غيره. ولقد استعمل الدارقطني هذه القرينة في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجاً تطبيقياً منها لتوضيح منهجه: المثال: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث الأسود بن يزيد عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ: ((لا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ - يعني فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- فَجَعَلَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ)) (٢).

стр. 352

فقال - الدارقطني -: رواه أشعث بن سوار عن الحكم، وحماد، عن إبراهيم، عن الأسود. ورواه الْمُحَارِبِيُّ عن الأَعْمَشِ عن إبراهيم عن الأسود. ورواه أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن الأسود، وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة وهي قوله: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "؛ لأنَّ جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود أنَّ عمر قال: ((لاَ نُجِيزُ فِي دِينِنَا قَوْلَ امْرَأَةٍ))، وَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا. وكذلك رواه يحيى بن آدم وهو أحفظ من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ وأثبت منه عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر لم يقل فيه " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، وهو الصواب. وكذلك رواه أبو كريب ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ، عن حفص بن غياث، عن الأعمش. وخالفهم طلق بن غنام فرواه عن حفص، عن الأعمش فقال فِيهِ: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، ووهم على حفص في ذلك؛ لأنَّ محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ، وأبا كريب أحفظ منه وأثبت، روياه عن حفص عن الأعمش ولم يذكرا ذلك والله أعلم " (١). قلتُ: هذا الأثر مداره على الأَعْمَشِ وأبي إسْحَاقٍ، واختلف في متنه علي وجهين: الوجه الأول: من قال لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا ". ١. رواه من طريق الأَعْمَشِ جماعة منهم: الْمُحَارِبِيُّ (٢)، وطلق بن غنام (٣)، عن حفص بن غياث عنه.

стр. 353

٢. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ (١)، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق السبيعي. الوجه الثاني: من لم يقل لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا ". ١. رواه من طريق الأعمش جماعة منهم: أبو كريب (٢)، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ عن حفص بن غياث عنه. ٢. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: يحيى بن آدم (٣)، عن عمار بن رزيق (٤)، عن أبي إسحاق السبيعي. ثُمَّ صرح الدارقطني بترجيح الوجه الثاني؛ لأنَّ من رواه من طريق الأعمش هما: أبو كريب، وابن نُمَيرٍ وهما أثبت في حفص بن غياث من طلق بن غنام، وأما من رواه من طريق أبي إسحاق: يحيى بن آدم وهو أثبت وأقوى في عمار بن رزيق من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ، وبهذا رجح الدارقطني شذوذ لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، وأنها زيادة معلولة؛ لأنَّ من لم يرو اللفظة أوثق وأقوى في شيخه ممن روى اللفظة، والله الموفق. ولقد استعمل النُّقاد المتقدمون هذه القرينة كذلك في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجاً تطبيقياً منها لتوضيح منهجهم:

стр. 354

قال البخاري في التاريخ الكبير: " سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ البصري سمع، منه شعبة، وحماد ابن زيد، قال ابن أبي الأسود حدثنا ابن عيينة: كان سَلَمَةُ أحفظ لحديث محمد (١) من خالد (٢)، وكان ابن عون يزيد اللفظ فيغلب، يقال التميمي أبو بشر " (٣). قلتُ: ولهذا أخرج البخاري في صحيحه حديثاً واحداً في الأصول (٤) من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين، وأخرج من طريق سَلَمَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ عن ابن سيرين أحاديث عدة في الأصول، مما يوضح أثر قرينة ترجيح أحاديث سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ في ابن سيرين، عند البخاري في اختياره الصحيح، والله تعالى أعلى وأعلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُنَاجِي جِبْرِيلَ ... ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (٥). قَالَ أَبِي - أبو حاتم -: وَرَوَى الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ حَارِثَةَ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ... مُرْسَلٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، الزُّبَيْدِيُّ (٦) أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ، فَقِيلَ لأَبِي: الزُّبَيْدِيُّ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ؟ قَالَ: أَتْقَنُ مِنْ مَعْمَرٍ فِي الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِمْلاءً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الرَّصَافَةِ فَسَمِعَ أَيْضًا مِنْهُ " (٧).

стр. 355

قلتُ: هذا الحديث مداره على الزُّهْرِيِّ، واختلف عنه على وجهين: ١. رواه مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ مسنداً. ٢. ورواه الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ مُرْسَلاً. تُمَّ رجح أبو حاتم الوجه الثاني؛ لأنَّ الزُّبَيْدِيُّ أوثق من مَعْمَرٍ في الزُّهْرِيِّ، فصار الحديث معلولاً بالإرسال بعد هذا الترجيح، وبهذا ظهر لك أنَّ الدارقطني والنقاد المتقدمين كانوا يستعملون هذه القرينة في الترجيح بين المرويَّات، ومنهجهم فيها. المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ: إنَّ معرفة السير والتواريخ وزمن الغزوات من أهم أنواع القرائن التي اعتمد عليها النُّقاد في ترجيح الصحيح من الباطل، ولقد سَطَّرَ لنا التاريخ لهم أروع المثل في دقة التحقيق، وثقابة الفهم، مما لا يدع شكاً أنَّ الله قد قيد لهذه الأمة أولئك النفر من جهابذة النُّقاد ليرسموا لنا الطريق الصحيح، والمنهج القويم في معرفة الصحيح من السقيم، ولا أدل على ذلك من أنهم كانوا يكتشفون بتحديد التاريخ زيف الأخبار، وتمييز ما هو خطأ ووهم محض، أو كذب وافتراء، ولهم في كل حكم على الحديث قرينة يستندون إليها تثبت صحة قولهم، ودقة منهجهم. وما أروع ما حكاه الحسينِ المروزيُّ فقال: " سمعتُ عبدالرحمن بن مهديّ يقولُ: كنتُ عند أبي عَوانةَ فَحدَّثَ بحديثِ الأعمش، فقلتُ: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تفعل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هاتِ الدَّرْج (١) فأخرجه فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقتَ يا أبا سعيد، صدقتَ يا أبا سعيد، ومَنْ أينَ أُتيتُ بهِ؟ قلتُ: ذُوكِّرتَ بهِ وأنت شابٌ فعَلَقَ بِقَلبك فظننتَ أنَّك سمعتَهُ " (٢).
следующие страницы →