← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 13281

منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل

يوسف بن جودة الداودي

Полный текст (378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢. رباعيات أبي بكر الشافعي انتقاء أبي الحسن الدارقطني وهي جزء لطيف جمعه الحافظ الدارقطني من الجزء الرابع والثامن من فوائد الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي المتوفي سنة ٣٥٤ هـ، من رواية المحاملي عنه، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية حديث برقم: (٣٥٩)، ولدي مصورة منها، ولها نسخة مصورة بمكتبة المسجد النبوي الشريف برقم (٥٢١٩)، وتقع في ٣٠ ورقة، نسخها سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي سنة ٦٩٠ هـ، نوع الخط نسخ معتاد، وعدد الأسطر (١٤)، مقاس ٢٦: ١٩، وقد ووهم الدكتور عبدالله الرحيلي في رسالته للدكتوراه (١) فذكر المخطوطة باسم رباعيات الإمام محمد بن إدريس الشافعي وليس كذلك فإنَّه الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي كما تقدم. ٣. فوائد أبي علي حامد بن محمد الهروي، انتخاب الدارقطني، وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية تقع في ٢٥ ورقة (٥أ _ ٣٠أ) ضمن مجموع رقم (٤٥). ٤. كتاب الأسخياء والأجواد، الأصل في مكتبة خدابخش بتنه (بانكيبور) الهند، وتوجد مصورة ورقية في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٦ ورقة ضمن مجموع رقم (٨٢)، عدد الأسطر ١٧ مقاس ٣٠: ٢١، بخط نسخي معتاد، والنسخة بها طمس وسواد كثير لسوء التصوير. ٥. أمالي المحاملي تصنيف أبي الحسن الدارقطني، وهو من مخطوطات الظاهرية، وله مصور ورقي في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث ويقع في ٣ أوراق (٨٢أ _ ٨٤ب) ضمن مجموع رقم (٨٠)، عدد الأسطر ١٧ مقاس ٤٢: ٣٠ بخط نسخي معتاد.

стр. 37

٦. فضائل الصحابة ومناقبهم، الأصل في المكتبة الظاهرية، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٣ ورقة (٤٤ - ٥٧) ضمن مجموع رقم ١٨٨، عدد الأسطر (١٨) مقياس ٢٨: ٢١، الناسخ محمد بن حمزة بن عمر، بخط نسخي جيد، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم ٤٥٩٥٠ الحديث وعلومه. ٧. الأحاديث التي رواها الإمام مالك عن الزهري، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٦ ورقة (٢٨أ-٤٤ب) ضمن مجموع رقم ٣٤ عدد الأسطر (٢٠) مقياس ٣٠: ٢٠، الناسخ عيسى محمد الجير سنة ٩٩٥هـ بخط نسخي جيد. ٨. أحاديث الكناني برواية الصيرفي أبي الحسين محمد، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية، من مخطوطات القرن السادس الهجري، عدد أوراقه ١٣ق، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية عدد أوراقه ١٣ق حديث. ٩. جزء فيه من أخبار عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي وكلامه في القرآن وإظهار بدعته الأصل في المكتبة الظاهرية عدد أوراقه ٩ ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (٢٣٤٨٦) عدد أوراقه ٩ق، العقائد. ١٠. معاني الأخبار المسمى بحر الفوائد، الأصل في مكتبة الغازي خسروبيك، سراييفوا البوسنة والهرسك، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (٦٥٣٠) الحديث وعلومه. ١١. جزء في زواج أبي العاص بن الربيع، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه ٨ ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (٢٠٢٨٧/ ١٧) عدد أوراقه ٨ ق (٢٨٤ - ٢٩٠)، متون الحديث وشروحها.

стр. 38

١٢. الأربعون حديثا، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا عدد أوراقه ٣٩ ق، الناسخ: يونس بن حلاج الحسني، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (٢٠٤٣٦/ ٣) عدد أوراقه ٣٩ق (١٣٦ - ١٧٤) متون الحديث وشروحها. ١٣. حديث أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه ـ الجزء (٣ , ٥ , ٦)، مكتبة الأسد الوطنية، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه ٦ ق، متون الحديث وشروحها. ١٤. عشرة أحاديث منتخبة من الجزء (١٣) من الفوائد المنتقاة في الأموال، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه ٣ ق، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية. ١٥. الفوائد المنتخبة العوالي، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا، هي من مخطوطات القرن السادس الهجري، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه ٢٨ ق، متون الحديث وشروحها. ثانياً المطبوعات: ١. كتاب العلل الواردة في الأحاديث النبوية مطبوع دار طيبة، الرياض عام ١٤٠٥هـ، وسيأتي ضمن فصل مُنفرد قريباً، وقد لخصه الإمام شمس الدين محمد السخاوي، وسماه: بلوغ الأمل بتلخيص كتاب الدارقطني في العلل (١). ٢. التتبع والإلزامات: طبعا بتحقيق الشيخ مقبل هادي الوادعي، الناشر: المكتبة السلفية بالمدينة ٣. سؤالات أبي عبد الله بن بكير له: مطبوع بدار عمان بالأردن عام ١٤٠٨هـ. ٤. كتاب الضعفاء والمتروكين: المكتب الإسلامي بيروت، سنة ١٩٩٤م تحقيق محمد الصباغ.

стр. 39

٥. المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال: دار الغرب بيروت سنة ١٩٨٦م، تحقيق موفق عبدالقادر. ٦. ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته: طبع دار الفكر بيروت، وطبع مؤسسة الكتب الثقافية بيروت تحقيق كمال الحوت. ٧. الأحاديث التي خولف فيها الإمام مالك: طبع مكتبة الرشد الرياض سنة ١٩٩٧م، تحقيق: خالد الجزائري. ٨. رؤية الله - جل وعلا: مكتبة القرآن القاهرة تحقيق مبروك إسماعيل سنة ٢٠٠١م ٩. الأخوة والأخوات: دار الراية الرياض عام ١٤١٣هـ، تحقيق: د. باسم فيصل. ١٠. فوائد أبي علي محمد الصواف انتقاء الدارقطني: دارالعاصمة بالرياض ١٤٠٨هـ ١١. السنن: مطبوع عدة طبعات. منها طبعة دار المحاسن، القاهرة، سنة ١٣٨٦هـ تحقيق السيد عبدالله هاشم يماني المدني. ١٢. سؤالات الحاكم له: مطبوع عدة طبعات. ١٣. سؤالات السلمي له: طبع دار العلوم، الرياض، تحقيق: د. سليمان آتش. المبحث السابع: دراسات علمية حول بعض مؤلفاته . قام جمع من العلماء بتلخيص بعض مؤلفات الدارقطني وآخرون قاموا بتقديم أطروحات علمية منها: - مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني: رسالة دكتوراه، عبدالله بن حسن دمفو، مطبوعة في مكتبة الرشد، الرياض سنة ١٤١٨ هـ. - الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج: لإبراهيم بن محمد أبو مسعود الدمشقي، تحقيق إبراهيم بن علي آل كليب، طبع دار الوراق، الرياض سنة ١٤١٩هـ.

стр. 40

- تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني: لأبي بكر الغساني، تحقيق أشرف بن عبدالمقصود طبع في دار عالم الكتب، الرياض سنة ١٤١١ هـ. - أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافاً في كتابه العلل: رسالة دكتوراه، د. خالد محمد باسمح، كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة ١٤٢٣ هـ. - مرويات الإمامين قتادة بن دعامة ويحيي بن أبي كثير المعلة في كتاب العلل: للإمام الدارقطني، رسالة دكتوراه كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة ١٤٢٤ هـ، عادل عبد الشكور الزرقي. - أحاديث الصفات: طبع بتحقيق الشيخ عبدالله الغنيمان، نشرته مكتبة الدار ثم طبع بتحقيق الدكتور علي ناصر الفقيهي سنة ١٤٠٣ هجرية. - الرؤية: رسالة سليم الأحمدي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنيل درجة الدكتوراه. - سؤالات البرقاني للدارقطني: رسالة خليل حسن حمادي في جامعة الإمام محمد بن سعود لنيل درجة الماجستير سنة ١٤٠٣ هـ. - تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان البستي: تحقيق خليل بن محمد العربي، طبع دار الكتاب الإسلامي سنة ١٤١٤هـ. - كتاب الضعفاء والمتركون للدارقطني: رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، تحقيق عبد الرحيم محمد القشقري سنة ١٤٠١هـ.

стр. 41

الفصل الثاني التعريف بكتاب العلل للإمام الدَّارَقُطْني علل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية): سنتعرض في هذا الفصل لدراسة كتاب العلل للدارقطني من جوانب علمية مختلفة من حيث اسمه، ومؤلفه، وقيمة الكتاب العلمية، ومحتوى الكتاب، ومصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة، والطريقة التي كان يسلكها في بيان العلل وغير ذلك مما يعين الباحث على الإفادة منه، والأحاديث التي ذكر الدارقطني إنها معلولة وهي في أحد الصحيحين (البخاري أو مسلم). المبحث الأول: اسم الكتاب ومؤلفه: اسم الكتاب: للكتاب اسمان: العلل للدارقطني، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية، ويرجع هذا الاختلاف في الاسم إلى تصرف النُّساخ بالاختصار لاسم الكتاب على طرة بعض مجلداته وهذا مشاهد في كثير من المخطوطات والنسخ القديمة، فعلى سبيل المثال: مسمَّي العلل الواردة في الأحاديث النبوية فهو كما ثبت على بداية نسخ الكتاب المخطوطة، فمنها نسخة دار الكتب المصرية، كُتب على المجلد الأول: " المجلد الأول من العلل المورودة في الأحاديث النبوية "، وكُتب على المجلد الرابع منها: العلل الواردة في الأحاديث النبوية وكُتب على المجلد الخامس منها "المجلد الخامس من العلل في الأحاديث " وأما تسميته بالعلل فقد سماه كثير من الأئمة كما سنذكر فيما بعد في أهمية الكتاب. مؤلف الكتاب: نُسب الكتاب للدارقطني ولكن اشترك الإمامان الكرخي والبرقاني في وضع هذا التصنيف فقد قال الخطيب البغدادي: " سألت البرقاني قلت له: هل كان أبو الحسن الدارقطني يملى عليك العلل من حفظه فقال: نعم ثم شرح لي قصة جمع العلل فقال: كان أبو

стр. 42

منصور بن الكرخي يريد أن يصنف مسنداً معلَّلاً فكان يدفع أصوله إلى الدارقطني فيعلم له على الأحاديث المعللة ثم يدفعها أبو منصور إلى الوراقين فينقلون كل حديث منها في رقعة فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن ثم أملى علىَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود الحديث الفلاني اتفق فلان وفلان على روايته وخالفهما فلان ويذكر جميع ما في ذلك الحديث فأكتب كلامه في رقعة مفردة وكنت أقول له: لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث؟ فقال: أَتَذَكَّرُ ما في حفظي بنظري، ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع فقلت لأبي الحسن بعد سنين من موته: إني قد عزمت أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء وأرتبها على المسند فأذن لي في ذلك وقرأتها عليه من كتابي ونقلها الناس من نسختي ". وقال أيضاً: " قال أبو بكر البرقاني: وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط في وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود فجئت إلى أبي الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك وإنما قد وضعت عليه فقلت له: نعم فقال: من الذي وضعك على هذه المسألة؟ فقلت: لا يمكنني أن أسميه فقال: لا أجيبك أو تذكره لي فأخبرته فأملى علىَّ أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه وذكر خطأ البخاري فيه فألحقته بالعلل ونقلته إليها أو كما قال " (١). وقال الخطبيب البغدادي: " فنقل البرقاني كلام الدارقطني ورتبه على المسند وقرأه على أبي الحسن وسمعه الناس بقراءته فهو كتاب "العلل" الذي دونه الناس عن الدارقطني" (٢).

стр. 43

ويتضح مما سبق عدة أمور: ١. نسبة كتاب العلل للدارقطني صحيحة، لأنه هو الذي انتقى الأحاديث المعلولة من أصول الكرخي وتكلم عليها كما يظهر من النص السابق. ٢. كتاب العلل مرتب على المسانيد، وقد رتبه الحافظ البرقاني بموافقة الإمام الدارقطني. ٣. أحاديث الكتاب جمعت من الأصول التي جمعها الإمام الكرخي، وسؤالات البرقاني. ٤. جمع الإمام البرقاني للكتاب وأنه هو الذي يصدر السؤال بكلمة " وسئل " ثم يقول: " فقال "، يقصد بها الدارقطني. المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية: الكتاب في غاية الإتقان والنَّفاسة، ودرة ثمينة قلما توجد في هذا الفن، وقد وضع فيه الدارقطني خلاصة علمه، وأبان العلل بأسلوبٍ يجلي العلة ويبرزها، ويمتاز كذلك عن بقية الكتب المطبوعة في هذا الفن ويزيد عليها سعة وشمولا واستيعابا وتنظيما، وقد أثنى عليه العلماء بأجمل الثناء: فقال محمد بن أبي نصر الحميدي: " ثلاثة كتب من علوم الحديث يجب التهمم بها: كتاب العلل، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني ... الخ " (١). وقال ابن الصلاح عند ذكر كتب علل الحديث: " ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد ابن حنبل، وكتاب العلل عن الدارقطني " (٢). وقال الذهبي: " وإذا شئت أن تبين براعة هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك " (٣).

стр. 44

وقال الحافظ ابن كثير: " وقد جمع أزمِّة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه " (١). وقال البلقيني: " وأجل كتاب في العلل: كتاب الحافظ ابن المديني، وكذلك كتاب ابن أبي حاتم، وكتاب العلل للخلال، وأجمعها كتاب الحافظ الدارقطني " (٢). قلتُ: وقد قام الدكتور محفوظ الرحمن بإجراء مقارنة بين علل الدارقطني وكتب الأئمة الآخرين، وأثبت أن أجمعها كتاب الإمام الدارقطني فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابه فإنه بحثٌ نفيسٌ غايةٌ، ولم يسبق إليه (٣). وقال العراقي في ألفيته: " وعلل وخيرها لأحمدا ... والدارقطني وتواريخ عدا " (٤). وقال السخاوي: " هو على المسانيد مع أنه أجمعها " (٥).

стр. 45

المبحث الثالث: محتوى الكتاب: ويحتوي كتاب العلل للدارقطني الذي بين أيدينا الآن على حوالي: " ١٧٧"، مسنداً تقريباً، تضم أكثر من " ٤١٢٨ "، سؤالاً (١)، وقد اشتملت السؤالات على جميع أنواع العلل المختلفة الخفية والظاهرة، فكان منها المتفق والمفترق، والمدرج، والمضطرب والْمُصَحَّف، الْمُدَلَّس، وما فيه الإرسال والانقطاع والضعف وغيره، وقد رتب مادة الكتاب الحافظ البرقاني على المسانيد بعد موافقة الدارقطني على ذلك كما سبق ذكره، وأن السؤالات التي صُدَّرت بها نصوص الدارقطني في العلل من وضع الحافظ البرقاني، وقد ضمَّ الكتاب السؤالات عن تراجم الرواة، كما ضمَّ السؤالات عن الأحاديث إلا أن الأحاديث كانت الغالب من أصل السؤالات. وكتاب العلل إلى اليوم لم يكتمل بعدُ، حيث إنَّ المصادر التي اعتمد عليها الدكتور محفوظ الرحمن ﵀ تدل على النقص في أصل الكتاب، فقد أفاد د. محفوظ الرحمن زين الله (٢) أنَّه: " اعتمد على عشرة نسخ خطية لكن معظمها غير كاملة فبعضها ينقص مجلداً وبعضها ينقص أكثر، وقد يكون المجلد نفسه ناقصاً من أوله أو أثناءه أو آخره، وأكمل هذه الكتب نسخة دار الكتب المصرية التي تقع في خمس مجلدات، ولكنها لم تسلم أيضاً من النقص أو الاضطراب في ترتيبها، فأما المجلدات الأول والثاني والثالث فقد دخلت فيما طبع من الكتاب، وأما المجلد الرابع فقد طبع بعضه، وذكر المحقق أنه اكتفى فيه بالمقابلة على نسختين فقط مما سبق وهما نسخة دار الكتب المصرية، ونسخة " خدا بخش بتنه " القديمة، لأن بقية النسخ إما منقولة عنهما أو لأن النقص كان بعد المجلدين الأول والثاني، وأما المجلد الرابع

стр. 46

من النسخة المصرية فلا يقابله إلا نسخة المكتبة الناصرية " بلكنو "، وأما المجلد الخامس فتنفرد به النسخة المصرية ". والكتاب طبع في أحد عشر مجلداً، وهو القسم الذي طبعه الدكتور محفوظ الرحمن ﵀، ثم قام الشيخ محمد بن صالح الدَّباسي مشكوراً بإتمام بقية التحقيق للمخطوطات المذكورة آنفاً، فخرجت التكملة في خمسة مجلدات مع الفهارس، فيكون إجمالي أجزاء الكتاب ستة عشر جزءاً مع الفهارس. وأخيراً سؤال يطرح نفسه، هل هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الذي جمعه البرقاني في حياة الدارقطني أم اعتراه النقص!؟ والجواب: باستقراء النصوص التي وردت في هذه المسألة نجدها تنقسم على قولين: القول الأول: ذهب إليه ابن القطان ومن تبعه، أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلاً، فقال: " فأما كتاب العلل له - يعني الدارقطني - فإنه لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك جماعة من الصحابة، أراه لم يبلغهم عمله " (١). وقال أيضاً: " وذلك أن الدارقطني لم يجعل في كتاب العلل لابن عباس رسماً، ولا ذكر من حديثه إلا ما عرض في باب غيره من الصحابة، إما لم يبلغه عمله وإما لم يتحصل عنده ما يضع في الكتاب المذكور (٢). واحتج بعضهم بأن كتاب الدارقطني مبني على أصول أبي منصور الكرخي - وهو شيخه - الذي مات ولم يتمه كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٣).

стр. 47

القول الثاني: وهو أنَّ الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ولم يكن الكتاب على أصول الكرخي فحسب، وإنما ضم إليه سؤالات البرقاني من أمثلة ذلك ما ورد من حديث الرضراض بن أسعد عن ابن مسعود , كما حكى البرقاني قصة سؤاله للدارقطني عنه كما نقله الخطيب عنه في تاريخه أنه قال: كنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ , فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط فى وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود؟ فجئت الى أبى الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك ... " (١). القول الراجح: وهو القول الثاني: أن الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ويرجع ذلك إما لخطأ النساخ أو فقدان أجزاء منه، ومن القرائن والشواهد التي تؤيد ذلك عدة نصوص في كتاب العلل للدارقطني، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر: القرينة الأولى: ورد في حديث ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)) (٢)، سؤال رقم (٣٤٨٥) قول الدارقطني: " وحديث أبي بن كعب يجئ في مسنده إن شاء الله. " (٣)، ومعلوم أنَّه ليس هناك مسند لأُبي بن كعب في نسخ الكتاب الذي بين أيدينا، مما يدل على النقصان في النسخة المخطوطة التي وصلت إلينا، وكلام أهل العلم ممن كان له دراسة بهذا المصنف الجليل يدل على ما ذهبنا إليه.

стр. 48

القرينة الثانية: ورد في حديث ((أَلا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟)) (١)، سؤال رقم (٤٠٠٩) قول الدارقطني: " وقد بينا الخلاف في حديث ابن عباس " (٢)، وليس في النسخ الموجودة لدينا أثر لمسند ابن عباس منفرداً، ولم نحصل على الخلاف المشار إليه في كتاب العلل بعد طول تفتيش، وقال الدكتور محفوظ الرحمن: " وكما أن مسند ابن عباس لا يوجد في العلل للدارقطني كذلك لا يوجد مسند عبدالله بن عمرو بن العاص مع أنَّه أيضاً من المكثرين، وغاية ما في الأمر أنَّ الدارقطني لم يفرد مسنداً لابن عباس كما عمل لعبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وغيرهما، ولكنه يذكر أحاديث ابن عباس في مسانيد أخرى. " (٣)، وأما قول القائل: ربما كان الخلاف المذكور في حديث ابن عباس مما أُدخل في بعض المسانيد الأخرى، فاحتمال ظاهر البطلان، لأن أحاديث ابن عباس التي وقعت في كتاب العلل الذي بين أيدينا حوالي (١١٦) ستة عشر ومائة حديثٍ تقريباً، وبعد سبر هذه الأحاديث لم نجد الخلاف المذكور آنفاً في الحديث. ومما سبق يتضح لنا عدة أمور ونتائج: ١ - أنَّ النسخ المخطوطة الموجودة بين أيدينا الآن من كتاب العلل وقع بها النقص إجمالاً ٢ - وأنَّ مسانيد أبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص لا وجود لهما في الكتاب. ٣ - وأنَّ مسند ابن عباس لا يوجد منفرداً بل ذكر في مسانيد أخري تبعاً لا أصلاً. ٤ - وأنَّ قول قائل أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلاً، بعيد من واقع الحجة والبرهان. ٥ - أنَّ كتاب العلل للدارقطني كتاب حافل كثير الفائدة في بابه.

стр. 49

المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة: أولاً: المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه: ذكر الدكتور محفوظ الرحمن المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه العلل، فأحببت أن أذكرها إتماماً للفائدة، وأذكر بعدها بعض التعليقات والاستدراكات تبعاً، فقال ﵀: ١ - كتاب المناسك لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح (ت: ١٥٠ هـ). ٢ - مصنفات سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ أو ١٥٧ هـ). ٣ - الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ). ٤ - الموطأ بروايات: محمد بن الحسن الشيباني (ت: ١٨٩ هـ)، عبدالرحمن بن القاسم بن خالد (ت:١٩١ هـ)، عبد الله بن وهب (ت: ١٩٧ هـ)، معن بن عيسى الأشجعي (ت: ١٩٨ هـ) يحيى بن سعيد القطان (ت: ١٩٨ هـ)، محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، بشر بن عمر (ت: ٢٠٩ هـ)، عبدالملك بن عبدالعزيز بن الماجشون (ت: ٢١٣ هـ) محمد بن المبارك الصوري (ت: ٢١٥ هـ)، عبدالله بن يوسف التنيسي (ت: ٢١٨ هـ) عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي (ت: ٢٢١ هـ)، يحيى بن عبدالله بن بكير ... (ت: ٢٣١ هـ)، يحيى بن يحيى الليثي (ت: ٢٣٤ هـ)، قتيبة بن سعيد (ت: ٢٤٠ هـ)، أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري (ت: ٢٤٢ هـ)، أيوب بن صالح. ٥ - كتاب عبدالوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤هـ)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (ت: ١٤٤ هـ). ٦ - كتاب الطهارة لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ). ٧ - المسند لعلي بن المديني (ت: ٢٣٤ هـ). ٨ - كتاب أحمد بن منيع (ت: ٢٤٤ هـ). ٩ - الجامع الصحيح لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ).

стр. 50

١٠ - الصحيح لمسلم بن حجاج (ت: ٢٦١ هـ). ١١ - كتاب الأدب لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: ٢٨٥ هـ). ١٢ - كتاب الطهارة لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: ٢٨٥ هـ). ١٣ - كتاب أبي بكر محمد بن عبدالله الشافعي (ت: ٣٥٤ هـ) " (١). استدراك: لم يذكر الدكتور محفوظ الرحمن ﵀، ثمانية وستين مصدراً تقريباً، وقد صرح الدارقطني بالاستفادة منها، فمنها على سبيل المثال لا الحصر (٢): ١ - أصل نهشل بن دارم، وهو بن مالك بن حنظلة، من تميم، من عدنان (ت:؟) (٣) ٢ - الجنائز ليزيد بن هارون، وهو بن زاذان بن ثابت الواسطي (ت: ٢٠٦هـ) (٤). ٣ - العين للخليل بن أحمد، وهو ابن عمرو بن تميم الفراهيدي (ت: ١٧٠هـ) (٥) ٤ - كتاب إبراهيم بن نصر الكنديّ، أبو إسحاق الرازي (ت: ٢٨٠هـ) (٦). ٥ - كتاب أحمد بن محمد بن عبد الكريم، وهو ابن سهل الكاتب، أبو العباس (ت: ٢٧٠هـ) صاحب كتاب (الخراج) (٧)،قال ابن خلكان: "لم أعلم من حاله شيئا، وكتابه مشهور، وما ذكرته إلا لأجل كتابه فقد يَتَشَوَّف الواقف عليه إلى معرفة زمانه" (٨)

стр. 51

٦ - كتاب أزهر، وهو ابن سعد الباهلي بالولاء، أبو بكر السمان (ت: ٢٠٣هـ) (١) ٧ - كتاب إسحاق الفروي، ابن محمد بن إسماعيل بن أبي فروة (ت: ٢٢٦هـ) (٢). ٨ - كتاب الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، الهمداني الحلبي (ت:٣٧١هـ) (٣). ٩ _ كتاب الليث، الإمام ابن سعد الفهمي بالولاء، أبو الحارث (ت: ١٧٥هـ) (٤). ١٠ - كتاب المفضل بن فضالة، ابن عبيد، أبو معاوية، القتباني المصري (ت:١٨١هـ) (٥). ١١ - كتاب خلف بن محمد، وهو كردوس (ت: ٢١٦ أو ٢١٧ هـ) (٦). ١٢ - مسند البزار، هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر (ت: ٢٩٢ هـ) (٧). ثانياً: المصادر التي لم يصرح بها الدارقطني في كتابه: ذكر الحافظ الذهبي في السير: " قال أبو بكر البرقاني: كان الدارقطني يملي عليَّ العلل من حفظه. قلت: إن كان كتاب " العلل " الموجود، قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلت عليه هذه الحكاية، فهذا أمر عظيم، يقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن، وقد جَمع قبله كتاب " العلل " علي بن المديني حافظ زمانه " (٨). وذكر الحافظ البرقاني _عن طريقة إملاء الدارقطني للعلل - قوله: " فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن، ثم أملى عَلَيَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث

стр. 52

الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في الحديث " (١). وقيل للدارقطني: " حديث ابن مخلد عن أحمد بن منصور، عن النضر هل سمعته منه؟ قال: لا أحفظه الساعة وهو حديث باطل، ذهب عبدالرحمن بن مهدي وأبو داود إلي زياد بن ميمون فأنكر عليه هذا الحديث، فقال: اشهدوا علىّ أني رجعتُ عنه " (٢). قلتُ: ويتضح لنا من النصوص السالفة الذكر أن مصادر الدارقطني في التعليل كالآتي: أولاً: أنَّ الدارقطني كان يعتمد على حفظه الأحاديث المعلولة عن مشايخه، وعلى استحضار الطرق في الحديث، فقد كانوا يتعلمون المعلول من الحديث كما يتعلمون الصحيح السالم من العلل، وهذا معلوم ومشاهد بالاستقراء وبالتواتر. ثانياً: أنَّ الدارقطني اعتمد على بعض مصنفات أئمة الحديث والتي صرح بها كما سبق، واعتمد على مصادر لم يذكرها ربما استفاد منها، ومثال ذلك: كتاب العلل للإمام ابن أبي حاتم الرازي، وكتاب علل الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الإمام الترمذي وغيرهم ممن كانت لهم كتبٌ مشهورة صنفت في العلل قبل الدارقطني، قفد ذكر ابن أبي شيبة اهتمام السلف بكتب أئمة الفن قبلهم فقال:" سمعت علياً _ ابن المديني _ يقول أبو عوانة باع كتابه، سمعت علياً يقول: كنت إذا قدمت الى بغداد منذ أربعين سنه كان الذي يذاكر أحمد بن حنبل فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيُخرِّجه" (٣). وقال الدكتور محفوظ الرحمن في مقدمة العلل: " والحقيقة أن الدارقطني استفاد كثيراً من مشايخه تلقياً ومشافهة ومن مصنفاتهم منهم: محمد بن مخلد، ويحيى بن صاعد، والمحاملي

стр. 53

وابن أبي داود، وأبو بكر الشافعي وغيرهم، كما أنه استفاد من مؤلفات المتقدمين - وإن لم يصرح بها - مثل مؤلفات سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وابن المبارك ووكيع، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منصور الرمادي، وعمر بن شبَّة، ويعقوب بن شيبة، والترمذي والبزار وغيرهم - ممن يصعب إحصاؤهم - الذين يذكر أسماءهم في الأسانيد التي ساقها في هذا الكتاب، ولا نستطيع أن نحدد، لأنَّه كان يملي العلل من حفظه، فيجوز أن تكون استفادته من مؤلفاتهم، أو مما تلقاه من مشايخه الأفذاذ، والله أعلم " (١). قلتُ: والتحقيق أنَّ الدارقطني صرح بأنَّهُ استفاد من كتب حماد بن سلمة، وكذلك من مسند البزار، فأما حماد بن سلمة فقد قال الدارقطني: " ولا يثبت هذا الحديث لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات " (٢)، وأما البزار فقد قال الدارقطني: " رواه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو الصواب، وحدث به أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في المسند في حديث مالك عن المقبري " (٣)، وعلى كل حال يمكن حصر احتمالات المصادر التي استفاد منها الدارقطني من كتب الأولين ولم يصرح بها في ثلاثة احتمالات: ١ - احتمال أن الدارقطني كان يحفظ الطرق، وعلة الحديث من مشايخه بالاستيعاب الذي ليس فيه شك فيستحضر الطرق والعلة من الذاكرة والحافظة، ولا ينظر إلى مرجع. ٢ - واحتمال أنَّه كان يحفظ لكنه غير مستوعب للطرق في الحديث فينظر في المصادر التي عنده فيستحضر بقية الطرق في الحديث ثم يملي الطرق والعلة بعد ذلك. ٣ - واحتمال أنَّه لم يكن يستحضر الطرق والعلة في الحديث، فينظر في المصادر.

стр. 54

ويدل على ذلك على سبيل المثال لا للحصر عدة قرائن، وإلا فهي كثيرة نذكر منها: القرينة الأولى: أنَّ الدارقطني ذكر حديث " أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ : ((مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ)) (١)، فقال الدارقطني: وقال أحمد بن حنبل حدث به ابن جريج عن موسى بن عقبة وفيه وهم والصحيح قول وهيب، وقال وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه، والقول كما قال أحمد " (٢). قلتُ: والمعلوم أن الدارقطني لم يدرك الإمام أحمد، فإنَّ الإمام أحمد توفي سنة ٢٤١ هجرية، وكان مولد الدارقطني سنة ٣٠٦ هجرية فبينهما رجلين على أقل تقدير، وكون أنَّهما من بغداد، فلا شك أنه استفاد من بعض كتبه، فقد نقل الإمام الدارقطني في العلل ما يقارب ثلاثة وعشرين قولاً للإمام أحمد بن حنبل. والقرينة الثانية: قال الإمام البرقاني: " قلت له فإنَّ البخاري فيما ذكره أبو عيسى عنه حكم بحديث الحسن بن عُبيد الله على حديث الأعمش قال الشيخ - يعني الإمام الدارقطني -: وقول الحسن بن عبيدالله عن قرثع غير مضبوطٍ، لأن الحسن بن عبيدالله ليس بالقوي ولا يقاس بالأعمش وروى هذا الحديث أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود عن أبي بكر وعمر" (٣).

стр. 55

قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب العلل الكبير للترمذي فقد قال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَاهُ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)) (١)، سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث عبدالواحد، عن الحسن بن عبيدالله، قال محمد - يعني البخاري -: والأعمش يروي هذا عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، ولا يذكر فيه قرثعا، وعبد الواحد بن زياد يذكر عن الحسن بن عبيد الله هذا الحديث ويزيد فيه: عن قرثع. قال محمد -يعني البخاري-:وحديث عبدالواحد عندي محفوظ " (٢). والقرينة الثالثة: قال الإمام البرقاني: "وسئل عن حديث محارب بن دثار عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : ((أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلى اللهِ الطَّلاَقُ)) (٣). فقال - الدارقطني -: يرويه عبيد بن الوليد الوصَّافي، عن محارب كذلك، ورواه مُعَرَّف ابن واصل، واختلف عنه: فرواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن مُعَرَّف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ ، ورواه أبو نعيم، عن معرف عن محارب مرسلاً، عن النَّبي ﷺ " (٤). قلتُ: الحديث ضعيف مُعلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح، وهو بعينه في علل الإمام ابن أبي حاتم قال: " وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن الوصافي عن محارب بن دثار، عن عبدالله بن عمر، عن النَّبي ﷺ قال: ((أَبْغَضُ الْحَلاَلِ عِندَ اللهِ الطَّلاَقُ))، ورواه أيضاً محمد بن خالد الوهبيّ عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر عن النَّبي ﷺ مثله، قال أبي إنَّما هو محارب عن النَّبي ﷺ مرسلاً (٥).

стр. 56

والقرينة الرابعة: قال الإمام البرقاني في العلل: " سئل عن حديث يروى عن مكحول عن أبي أيوب قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ)) (١)، فقال - الدارقطني -: يُروى عن ابن لهيعة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مكحول هكذا، ورواه سعيد بن عبد العزيز والنعمان، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة وهو المحفوظ " (٢). قلتُ: والحديث بعينه عند الترمذي في العلل الكبير قال: " حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، حدثنا أبو مسهر، حدثني الهيثم بن حميد، حدثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ)). وسألتُ محمداً عن هذا الحديث فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل، عن عنبسة، عن أم حبيبة: ((مَنْ صَلى فِي يَوْمٍ وَلَيلةَ ثِنْتي عَشَرةَ رَكْعَةَ)). وسألت أبا زُرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه، ورأيته كأنه يعده محفوظا " (٣). مما سبق يتضح لنا عدة نتائج هامة: ١ - أنَّ الدارقطني كان واسع الاطلاع والمعرفة، اعتمد على كثير من مصنفات الأولين. ٢ - أنَّهُ كان يضم إلى حفظه من مشايخه الخلاف والمتون، حفظ مصنفات أهل الحديث. ٣ - أنَّهُ كان دقيق العبارة، مُلمًّا بطرق الحديث، متوسّعاً في التخريج ومعرفة العلل.

стр. 57

المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل: لم يكن للدارقطني طريقة واحدة يسير عليها في بيان العلل، بل كان ذلك بحسب ما اتفق له في المجلس، فكان يسلك الطريقة التي يراها مناسبة لبيان علة الحديث الذي يُسأل عنه، ولذا اختلفت الطرق التي كان يسلكها على ثلاث طرق، وسوف أجمل هذه الطرق (٢): (١) أولاً: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني غالباً في بيان العلة: ١ - كان الدارقطني يذكر العلل الموجودة في إسناد الحديث من، الوقف والرفع، أو الاتصال والإرسال، أو الانقطاع والاضطراب أو إبدال راوٍ براوٍ وغيرها من العلل، فمثال علة الموقوف والمرفوع، ما قاله لما سئل عن حديث: " الأغَّر بن سليك عن علي عن النَّبي ﷺ : ((وَثَلاَثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ ولا يُحِبُّهُمْ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ)) (٢). فقال: يرويه سماك بن حرب واختلف عنه فرواه شعبة عن سماك بن حرب، واختلف عن شعبة فرواه روح بن عبادة، عن شعبة عن سماك وعلي ابن الأقمر عن الأغرَّ بن سليك عن علي ورفعه إلى النَّيي ﷺ ، وخالفه غندر ومسلم بن إبراهيم وغيرهما، فرووه عن شعبة عن سماك عن الأغرَّ

стр. 58

عن علي موقوفاً، وكذلك رواه أبو الأحوص، عن سماك، عن الأغرَّ، عن علي موقوفاً وهو أصح، حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا روح ثنا شعبة، ثنا سماك بن حرب، وعلي بن الأقمر أنهما سمعا الأغرَّ بن سليك يقول: سمعت علياً يقول: قال رسول الله ﷺ : قال أحدهما: ثلاثة لا يحبهم الله، وقال الآخر: ثلاثة يبغضهم الله ولا يحبهم، الشيخ الزاني، والغني الظلوم، والفقير المختال " (١). ومثال علة الموصول والمرسل، قوله لما سئل عن حديث: " أسماء بنت عميس عن أبي بكر حين نفست بمحمد بن أبي بكر فقال: رسول الله ﷺ : ((مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثَّمَ لِتُهِلْ)) (٢). فقال: حديث يرويه القاسم بن محمد بن أبي بكر واختلف عليه فيه فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن أبيه عن أبي بكر قال ذلك سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، وخالفه ابن عيينة ويحيى القطان وغيرهما فقالوا عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلا " (٣). ومثال ما وصف بعلةِ الانقطاع، قوله لما سئل عن حديث: " عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵃ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ((أَقْرَأَهُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ ...﴾)) (٤) فقال - الدارقطني -: حدث ابن محمد بن سنان القزاز، عن عثمان بن عمر، عن شعبة عن خالد، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ ، ووهم فيه، وإنما رواه أصحاب شعبة، عن شعبة، عن خالد أنه سمع عبد الرحمن بن أبي بكرة فقط لم يتجاوز به ولم يرفعه والمنقطع أصح " (٥).

стр. 59

ومثال علة الاضطراب، قوله لما سئل عن حديث: " سعيد بن المسيب، عن عمر ﵃ عن النَّبي ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَا)). فقال - يعني الدارقطني -: هو حديث يرويه أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، رواه عنه منصور بن المعتمر والثوري، وعمرو بن أبي قيس، وخلاد الصفار وغيرهم، فقال سيف بن محمد: عن منصور والثوري، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقال جرير: عن منصور، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن بلال. وقيل عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال. وقال عمرو بن أبي قيس وخلاد: عن أبي حمزة عن سعيد بن المسيب، عن عمر الحديث ... والاضطراب في الإسناد من قِبَلهِ " (١). قلتُ: الحديث لم أجده في الكتب الستة من طريق أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال بهذا اللفظ لكن أخرجه الطبراني في الكبير بلفظٍ آخر فقال: " حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بن الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁، عَنْ بِلالٍ، قَالَ: ((كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي تَمْرٌ، فَتَغَيَّرَ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى السُّوقِ، فَبِعْتُهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَلَمَّا قَرَّبْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: مَهْلا، ارْدُدِ الْبَيْعَ، ثُمَّ بِعْ تَمْرًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ تَمْرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلا بَاسَ وَاحِدٌ بِعَشَرَةٍ)) " (٢). ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني الاضطراب في رواية الإسناد: عن عمر، عن بلال مرة، ومرة عن عمر وحده، ومرة عن بلال وحده، وقد حكم الدارقطني أنَّ الاضطراب

стр. 60

من أبي حمزة ميمون (١). ومثال علة إبدال راوٍ براوٍ، قوله لما سئل عن حديث: " الحسن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) (٢). الحديث، فقال: حدث به أحمد بن عبدالصمد النَّهرواني وهو مشهور لا بأس به عن ابن عيينة، عن أيوب عن الحسن، ووهم فيه وإنَّما رواه ابن عيينة، عن أبي موسى إسرائيل، عن الحسن عن أبي بكرة " (٣). ومثال آخر كذلك لما سئل عن حديث: " ابن جُوشَن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال رَسُولُ الله ﷺ : ((لاَ يَقْضِيَنَّ أَحَدٌ فِي قَضَاءٍ بِقَضَاءَيْنِ وَلاَ يَقْضِي أَحَدٌ بَيْنَ خَصْمَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)) (٤). فقال - الدارقطني -: يرويه سفيان بن حسين، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن ابن جُوشَن، وهو عبدالرحمن بن جُوشَن الغطفاني من أصحاب أبي بكرة قاله عيينة بن عبدالرحمن، رواه إبراهيم بن صدقة البصري صاحب سفيان بن حسين عن سفيان بن حسين قيل للشيخ - يعني الدارقطني - فقد قال بعض الناس سفيان بن عيينة بدلاً من سفيان بن حسين، فقال: هذا غلط قبيح " (٥).

стр. 61

٢ - كان لا يذكر الأحاديث بالسند، بل يكتفي بذكر ما فيها من علة، ثم يبين الخلاف أو سبب العلة الموجودة في السند أو المتن، ومثال ذلك: قوله في حديث " عبدالله بن سلمة، عن معاذ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : ((إنَّ أَخْوفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم ثَلاثٌ: جِدَالُ مُنَافِقٌ بالقُرْآنِ، وَزَلَّةُ عَالمٍ، وَدُنيا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ)) (١)، فقال- الدارقطني -: يرويه عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ. ورواه الأعمش: عن عمرو بن مرة مرفوعاً، تفرد به عنه معمر بن زائدة وكان قائد الأعمش عنه، ووقفه شعبة وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن سلمة عن معاذ والموقوف هو الصحيح " (٢). ٣ - كان إذا انتهى من ذكر الطرق والاختلاف في الإسناد يحكم على الحديث، ويبيّن العلة فيه، ومثال ذلك: قوله: " حديث معاذ حيث بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال له: ((كَيْفَ تَقْضِي؟ فَقَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)). الحديث ... (٣)، فقال - الدارقطني -: يرويه شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ حدث به، كذلك عن شعبة ويزيد بن هارون ويحيى القطان ووكيع وعفان وعاصم بن علي وغندر، وأرسله عبدالرحمن بن مهدي وأبو الوليد والرصاصي، وعلي بن الجعد، وعمرو بن مرزوق، وقال أبو داود عن شعبة قال مرة عن معاذ وأكثر ما كان يحدثنا عن أصحابنا معاذ أنَّ رسول الله ﷺ ... ، وروى عن مسعر عن أبي عون مرسلا والمرسل أصح " (٤).

стр. 62

٤ - كان يذكر الراوي الذي يقع اختلاف الإسناد عنه، ثم يذكر أوجه الخلاف فيه، كما في الأحاديث المذكورة سابقاً. ٥ - إذا كان الحديث مداره على بعض المكثرين ذكرهم وذكر الاختلاف في أوجه الرواية عنهم، ومثال ذلك حديث: " شريح بن هانئ، عن علي بن أبي طالب عن النَّبي ﷺ : ((فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ)) (١)، والحديث مداره على الأعمش وأبي إسحاق السبيعي، فذكر الخلاف، ثم ذكر أوجه الخلاف عن كلٍ منهما. ٦ - كان يقتصر في ذكر طبقة رواة الأوجه للرواة المكثرين، أو الطبقة التي دونها إذ العلة لا تخرج عنهما، ومثال ذلك قوله في حديث: " أبى سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : ((في رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)) (٢)، فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه، فرواه سلمة بن كلثوم وهو شامي يهم كثيراً عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ووهم فيه والصحيح عن الزهري عن سالم عن أبيه " (٣). ٧ - غالباً لا يذكر من أخرج الحديث من أصحاب السنن أو المسانيد أو الأجزاء، وهو معلوم بالاستقراء، إذ كان يُشير إلى الخلاف في الحديث المعلول، ثم أوجه الاختلاف عن الرواة ولا يذكر المرجع أو المصدر، بل يكتفي بذكر الطرق والخلاف في الحديث، وقد سبق بيان ذلك في الأمثلة السابقة.

стр. 63

ثانياً: الطريقة التي كان الدارقطني أحياناً ما يسلكها في بيان العلة: لم يسلك الدارقطني في الإجابة على المسائل طريقة واحدة بل سلك طُرقاً عدة كثيرة التنوع، وسوف أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: ١ - أحياناً إذا كان الحديث عن أكثر من راوٍ يذكرهم، ثم يذكر الاختلاف عنهم، ومثال ذلك قوله لما سئل عن حديث: " عبدالله بن زرير الغافقي، عن علي قال: ((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَباً بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ فَقَالَ هَذَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي)) (١)، فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن أبي حبيب واختلف عنه رواه الليث ابن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالعزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني عن ابن زرير عن علي، واختلف عن ابن إسحاق فقال: ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح ولم يذكر بينهما عبدالعزيز ابن أبي الصعبة، ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير أسقط من الإسناد رجلين بين ابن أبي الصعبة وأبا أفلح، وقال ابن عيينة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن آخر لم يسمهما عن علي، ورواه عمر بن حبيب عن ابن إسحاق بإسناد آخر عن سعيد بن أبي هند، عن عبدالله بن شداد عن عبد الله بن مرة عن علي، ووهم في هذا الإسناد عمر بن حبيب وكان سيء الحفظ والصحيح عن ابن إسحاق قول يزيد بن هارون وجرير عنه لمتابعة عبدالحميد بن جعفر والليث إياهما " (٢) ٢ - وأحياناً يقول: حدث به فلان عن فلان ووهم والصواب كذا وكذا، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ

стр. 64

فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ)) (١). فقال - الدارقطني -: حدث به إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، ووهم فيه على مالك، والصحيح عن مالك عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، وكذلك رواه أصحاب الموطأ والحفاظ عن مالك، عن الزهري، وكذلك رواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد، وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق وهو عبَّاد، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يصح فيه سعيد، والصحيح ما ذكرنا " (٢). ٣ - وأحياناً يتكلم في الراوي جرحاً وتعديلاً، ومثال ذلك: " حديث عطاء بن يزيد عن أبي أيوب ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ وَجَدَ طِيبًا فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السِّوَاكِ)) (٣). فقال - الدارقطني -: يرويه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب قاله إسحاق بن سليمان الرازي عنه، وهو وهم وإنما رواه الزهري عن عبيد ابن السباق مرسلاً عن النَّبي ﷺ ، قال ذلك مالك بن أنس وغيره، ومعاوية الصدفي ضعيف

стр. 65

حدثهم بالرَّي بأحاديث من حفظه وهم فيها على الزهري وأما روايته عن الزُّهري فهي من غير طريق إسحاق مستقيمة يشبه أن يكون من كتابه " (١). قلتُ: والحديث فيه إعلالٌ بعلةٍ ظاهرة وهي ضعف معاوية الصدفي، وفيه علة خفية كذلك وهي علة الإرسال، وهذا دليل على أنَّ الدارقطني كان يُعِلُّ الحديث ببعض العلل الظاهرة ليشير إلى علة خفية كما كان يفعل المتقدمين من أهل الحديث، وسوف نبين ذلك بالتفصيل. ٤ - وأحيانا يذكر أن فلاناً لقى فلاناً، ولم يسمع منه شيئاً ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " الحسن عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ : ((أن الله تعالى يقول انظروا إلى عبدي نام ساجدا وروحه عندي)) (٢). فقال - الدارقطني -: يرويه عباد بن راشد، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ

стр. 66

وقال: حزم بن أبي حزم عن الحسن بلغنا أن رسول الله ﷺ ، ولا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة، وقيل للشيخ أبي الحسن - الدارقطني - فقد قال موسى بن هارون إنَّه سمع منه، فقال: شعبة أعلم قال ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، وحكي لنا عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: لم يسمع منه " (١). ٥ - وأحياناً يذكر اسم الراوي أو كنيته وإذا كان فيه خلاف فيبين وجه الصواب، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عبدالرحمن عن أبي هريرة: ((سَجَدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)) (٢). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري وصفوان بن سليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعمر بن صبح، عن صفوان بن سليم، عن عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبيَّن نسبه قرة بن عبدالرحمن رواه عن الزهري وصفوان بن سليم، عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حميد وليس بعبدالرحمن الأعرج صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبدالرحمن بن هرمز يكنى أبا داود وهما أعرجان وجميعاً يرويان عن أبي هريرة، وأما عبدالرحمن بن هرمز فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ))، روى ذلك عنه مالك ومعمر ويونس وغيرهم، عن الزهري حدث به عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن مالك عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة: ((أنَّ النَّبي اللهِ ﷺ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ))، ووهم فيه عمر بن شبة وهماً قبيحاً، والصواب عن مالك ما رواه الثقات عنه عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر سجد ... " (٣).

стр. 67

ثالثاً: الطريقة التي كان الدارقطني نادراً ما يسلكها في بيان العلة: ١ - لا يذكر أسماء الرواة الذين اختلفوا في الحديث، أو سنده بل يقول: من روى هذا الحديث فقد وهم وقال ما لم يَقُلهُ أحد من أهل العلم، ومثال ذلك ما قاله في حديث: " أنس عن عمر أنَّه سأل عن قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبَّا﴾ فما الأبّ؟ ثم قال هذا لعَمْرُ الله التكلف فخذوا أيها النَّاس بما تبين لكم فيه فما عرفتم فخذوا به وما لم تعرفوا فكِلُوا علمه إلى الله تعالى (١). قال - الدارقطني -: من روى هذا الحديث فكِلُوه إلى خالقه فقد وهم، وقال ما لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، فإنه لا يعرف فيه إلا قوله فكِلُوه إلى عالمه، أوكِلوا علمه إلى الله أو فدعوه " (٢). ٢ - قد يجمل ذكر بعض الرواة بعبارة من العبارات التي تدل على الإجمال كأن يذكر بعض رواة أحد الأوجه ثم يعقب بقوله: " وغيرهم " أو " آخرين "، ومثال ذلك ما قاله في حديث: " عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عثمان أن النَّبي ﷺ قال: ((اجْتَنِبُوا أُمَّ الْخَبَائِثَ فِإنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ...)) الحديث (٣).

стр. 68

فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن أبيه واختلف عنه فأسنده عمر بن سعيد بن سريح عن الزهري، ووقفه يونس ومعمر وشعيب ابن أبي حمزة وغيرهم، عن الزهري والموقوف هو الصواب، وروى هذا الحديث عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحسن بن عمارة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن النَّبي ﷺ " (١). ٣ _ قد يذكر حديثاً ويسوق الاختلاف الذي حصل في إسناده، والحديث في أساسه لا يعتد به لأن متنه منكر فلا فائدة من معرفة نتيجة الاختلاف الذي حصل في الإسناد، ومثال ذلك: " حديث ابن المسيب عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) (٢). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه من رواية سفيان بن حسين عن الزُّهري عنه، فرواه محمد بن يزيد الواسطي وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواه أبو أمية الطرسوسي، عن بشر بن آدم عن عبَّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة جمع بينهما وليس أبو سلمة بمحفوظ في هذا الحديث، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: ثنا داود بن رشيد ثنا عبَّاد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) " (٣). قلتُ: وأصل العلة في هذا الحديث هي أن سفيان بن حسين (٤) روى هذا الحديث من طريق الزهري وهو ضعيف فيه، ثقة فيما عداه، قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (ج٤/ص٩٦): " قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقة في غير الزُّهري ".

стр. 69

المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين: سنتعرض في هذا المبحث لبعض نماذج الأحاديث التي انتقدها الإمام الدارقطني في كتابه العلل على صحيح البخاري أو مسلم، ودراسة وتحليل ذلك، ثم نسوق رد الحفاظ والأئمة عليها والراجح فيها، وقد انتقد الدارقطني على البخاري إحدى وتسعين حديثاً على التحقيق فيما استوعبه الحافظ ابن حجر في هدي الساري، منها ما وافقه مسلم على تخريجه (١)، وعدة ما اجتمع لنا فيما انتقده الدارقطني على البخاري في كتابه العلل ستةً وثلاثين حديثاً (٢)، رد غالبها الحافظ ابن حجر العسقلاني، وانتقد على مسلم فيما يربو عن مائتي حديث (٣)، رد غالبها الإمام محيي الدين يحيي بن زكريا النووي في شرحه لصحيح مسلم، والإمام أبو مسعود الدمشقي في كتابهِ المفيد " الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج ". أولا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها البخاري في أصل صحيحه: الحديث الأول: قال البخاري في كتاب الطهارة: " حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللَّهِ يَقُولُ: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ

стр. 70

فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ)) " (١). قال الإمام البرقاني في العلل: " سئل عن حديث الأسود وعلقمة عن عبدالله في النهي عن الحجر والروثة في الاستنجاء، فقال - الدارقطني -: يرويه علقمة وغيره عن عبدالله فرواه عن علقمة عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبدالله، ورواه ليث بن أبي سليم عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود، عن عبدالله حدَّث به عنه كذلك زائدة وعبدالرحيم بن سليمان، وابن فضيل، وعبدالوارث، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث وجرير بن عبدالحميد، ورواه زهير عن ليث، فقال: عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه وعبدالرحمن بن يزيد، ورواه جابر الجعفي، ومحمد بن خالد الضبي، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن عبدالرحمن بن الأسود، واختلف على أبي إسحاق، والاختلافُ عنه مذكور فيما بعد ... ذكر الخلاف على أبي إسحاق في ذلك: روى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فيه اختلافا شديداً، فرواه زهير بن معاوية وأبو حماد الحنفي وأبو مريم، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله، وتابعهما شريك من رواية الحماني عنه وزكريا بن أبي زائدة من رواية ابنه يحيى عنه، واختلف عن يحيى واختلف عن زكريا وشريك، ورواه يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبدالله، ورواه عمار بن رزيق، وورقاء بن عمر ومعمر بن راشد، وسليمان بن قرم، وإبراهيم الصائغ، وعبدالكبير بن دينار الصائغ، وأبو شيبة وإبراهيم بن عثمان، ومحمد بن جابر، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبد الله. وكذلك رُوي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله، وكذلك قال عباد بن ثابت

стр. 71

القطواني، وخالد العبد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله. وكذلك قال إسحاق الأزرق عن شريك، ورواه أبو أحمد الزُّبيري، وعبيد الله بن موسى، وعيسى بن جعفر القاضي الرَّازي، ووكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله. ورواه الحميدي عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، وخالفه زيد بن المبارك الصنعاني، ومحمد بن الصباح الجرجرائي وغيرهما، فرووه عن ابن عيينة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله لم يذكر فيه إسرائيل. وكذلك رواه الفضل بن موسى السناني، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن يزيد عن عبدالله، وخالفه عبدالرحيم بن سليمان، وإسحاق الأزرق، وإسماعيل بن أبان فرووه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن الأسود عن عبدالله. واختلف عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في روايته لهذا الحديث عن أبيه، فقال: سهل بن عثمان عن يحيى بن زكريا عن أبيه عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن ولم ينسبه، عن الأسود، عن عبدالله. وقال منجاب: عن يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. وقيل عن منجاب عن يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله. فلم يذكر بين أبي إسحاق وبين الأسود أحداً، وروي عن ابني صالح بن حيي، ومالك بن مِغْول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله. وكذلك منجاب عن شريك، عن أبي إسحاق عن الأسود، وكذلك قال: سلمة بن رجاء عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود، واختلف عن يونس بن أبي إسحاق في روايته لهذا الحديث عن أبيه فقال هارون بن عمران، عن يونس، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن عبدالله. وقال الحسن ابن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه عن أبي عبيدة وأبي الأحوص عن عبدالله.

стр. 72

فأشبه أن يكون القولان عن يونس بن أبي إسحاق صحيحين، ورواه أبو سنان سعيد ابن سنان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبدالله. فأمَّا حديث زهير بن معاوية ومن تابعه ممن رواه عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. فحدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم البزار قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغائط وأَمَرَني أَنْ آتيه بثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوجَدتُ حَجَرين وَلم أَجِدُ الثَالثَ فَأخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيتُ بهنَّ النَّبي ﷺ فَأخَذَ الحجَرَين وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ)) (١). وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرج البخاري عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله: ((أتيت النَّبي ﷺ بحجرين وروثة))،أحسنها إسناداً الأول الذي أخرجه البخاري، وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق، والله أعلم " (٢). قلتُ: وخلاصة القول أنَّ وجه انتقاد الإمام الدارقطني لهذا الحديث بسبب الاختلاف الشديد على أبي إسحاق السبيعي كما تقدم، فصار الحديث بهذا الاختلاف مضطرباً عنده، ولم يرجح رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق التي رجحها الإمام البخاري في صحيحه، وقد أعل الحديث غيره بذلك أيضاً، فقال الإمام الترمذي في السنن: " وهذا حديثٌ فيه اضطراب، حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبدالله هل تذكر من عبدالله شيئاً؟ قال: لا سألت عبدالله بن عبدالرحمن

стр. 73

أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا؟ فلم يقض فيه بشيء وكأنَّه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله أشبه ووضعه في كتاب الجامع " (١). ثم قال الإمام الترمذي: "وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع وسمعتُ أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبدالرحمن ابن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنَّه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بآخِرةٍ قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد ابن حنبل يقول إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الهمذاني، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه، قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع" (٢) والجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: " وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأنَّ الترمذي تبعهما في ذلك والذي يظهر أنَّ الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام الأئمة مشعر بأنَّ الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن أبيه. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، أو رواية زهير وهي عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن

стр. 74

مسعود فيكون متصلا وهو تصرف صحيح؛ لأنَّ الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأنَّ الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنَّه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير , والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأنَّ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيراً، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق وليث، وإن كان ضعيف الحفظ فإنَّه يعتبر به ويستشهد فيعرف أنَّ له من رواية عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أصلاً، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأنَّ أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة عن أبيه، ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبدالرحمن ابن الأسود عن أبيه، فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرا للسندين جميعا عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبدالرحمن وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإمَّا أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة أو كان سمعه منه وحدث به عنه ثم عَرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، فأعلمهم أن عنده فيه إسناداً متصلاً، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلساً له ولم يكن سمعه منه، فإن قيل إذا كان أبو إسحاق مدلسا عندكم فلم تحكمون لطريق عبدالرحمن بن الأسود بالاتصال مع إمكان أن يكون دلسه عنه أيضاً، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني فيما حكاه الحاكم في علوم الحديث عنه قال: في قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبدالرحمن عن أبيه ولم يقل حدثني عبدالرحمن،

стр. 75

وأوهم أنه سمعه منه تدليس، وما سمعت بتدليس أعجب من هذا انتهى كلامه. فالجواب أنَّ هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدثني عبدالرحمن فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث، وبين حفيده عنه أنَّهُ صرح عن عبدالرحمن بالتحديث، ويتأيد ذلك بأنَّ الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن زهير استدل بذلك على أنَّ هذا مما لم يدلس فيه أبو إسحاق قال: لأنَّ يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه، وكأنَّه عرف هذا بالاستقراء من حال يحيى، والله أعلم. وإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل، وزهير لا تعارض بينهما إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنَّها اقتضت الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل فترجحت رواية زهير، وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإنَّ شريكا القاضي تابع زهيراً، وشريك أوثق من قيس على أنَّ الذي حررناه لا يرد شيئاً من الطريقين إلا أنَّه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه والله أعلم، وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فازداد قوة بذلك، فانظر إلى هذا الحديث كيف حَكم عليه بالمرجوحية مثل: أبي حاتم وأبي زرعة وهما إماما التعليل، وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشاذكوني ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أنَّ الصواب في الحكم له بالراجحية فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النُّقاد من العلل، هل يسوغ أن يقبل منهم في حق مثل هذا الإمام مُسلماً؟ كلا والله، والله الموفق " (١). قلتُ: وكلام الحافظ ابن حجر غايةٌ في بابه، وكأنه ذهب خالص، ولؤلؤ مرصوص ومحض توفيق من الباري عليه، ليضع الأمر في موضعه الصحيح، وينتظم مع ما أقره أهل
следующие страницы →