القطواني، وخالد العبد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله. وكذلك قال إسحاق الأزرق عن شريك، ورواه أبو أحمد الزُّبيري، وعبيد الله بن موسى، وعيسى بن جعفر القاضي الرَّازي، ووكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله.
ورواه الحميدي عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، وخالفه زيد بن المبارك الصنعاني، ومحمد بن الصباح الجرجرائي وغيرهما، فرووه عن ابن عيينة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله لم يذكر فيه إسرائيل.
وكذلك رواه الفضل بن موسى السناني، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن يزيد عن عبدالله، وخالفه عبدالرحيم بن سليمان، وإسحاق الأزرق، وإسماعيل بن أبان فرووه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن الأسود عن عبدالله. واختلف عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في روايته لهذا الحديث عن أبيه، فقال: سهل بن عثمان عن يحيى بن زكريا عن أبيه عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن ولم ينسبه، عن الأسود، عن عبدالله. وقال منجاب: عن يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. وقيل عن منجاب عن يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله. فلم يذكر بين أبي إسحاق وبين الأسود أحداً، وروي عن ابني صالح بن حيي، ومالك بن مِغْول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله. وكذلك منجاب عن شريك، عن أبي إسحاق عن الأسود، وكذلك قال: سلمة بن رجاء عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود، واختلف عن يونس بن أبي إسحاق في روايته لهذا الحديث عن أبيه فقال هارون بن عمران، عن يونس، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن عبدالله. وقال الحسن ابن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه عن أبي عبيدة وأبي الأحوص عن عبدالله.
стр. 72
فأشبه أن يكون القولان عن يونس بن أبي إسحاق صحيحين، ورواه أبو سنان سعيد ابن سنان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبدالله. فأمَّا حديث زهير بن معاوية ومن تابعه ممن رواه عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله.
فحدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم البزار قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغائط وأَمَرَني أَنْ آتيه بثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوجَدتُ حَجَرين وَلم أَجِدُ الثَالثَ فَأخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيتُ بهنَّ النَّبي ﷺ فَأخَذَ الحجَرَين وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ)) (١).
وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرج البخاري عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله: ((أتيت النَّبي ﷺ بحجرين وروثة))،أحسنها إسناداً الأول الذي أخرجه البخاري، وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق، والله أعلم " (٢).
قلتُ: وخلاصة القول أنَّ وجه انتقاد الإمام الدارقطني لهذا الحديث بسبب الاختلاف الشديد على أبي إسحاق السبيعي كما تقدم، فصار الحديث بهذا الاختلاف مضطرباً عنده، ولم يرجح رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق التي رجحها الإمام البخاري في صحيحه، وقد أعل الحديث غيره بذلك أيضاً، فقال الإمام الترمذي في السنن: " وهذا حديثٌ فيه اضطراب، حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبدالله هل تذكر من عبدالله شيئاً؟ قال: لا سألت عبدالله بن عبدالرحمن
стр. 73
أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا؟ فلم يقض فيه بشيء وكأنَّه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله أشبه ووضعه في كتاب الجامع " (١).
ثم قال الإمام الترمذي: "وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع وسمعتُ أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبدالرحمن ابن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنَّه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بآخِرةٍ قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد ابن حنبل يقول إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الهمذاني، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه، قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع" (٢)
والجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: " وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأنَّ الترمذي تبعهما في ذلك والذي يظهر أنَّ الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام الأئمة مشعر بأنَّ الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن أبيه.
وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، أو رواية زهير وهي عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن
стр. 74
مسعود فيكون متصلا وهو تصرف صحيح؛ لأنَّ الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأنَّ الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنَّه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير , والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأنَّ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيراً، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق وليث، وإن كان ضعيف الحفظ فإنَّه يعتبر به ويستشهد فيعرف أنَّ له من رواية عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أصلاً، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأنَّ أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة عن أبيه، ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبدالرحمن ابن الأسود عن أبيه، فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرا للسندين جميعا عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبدالرحمن وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإمَّا أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة أو كان سمعه منه وحدث به عنه ثم عَرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد
منقطعا، فأعلمهم أن عنده فيه إسناداً متصلاً، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلساً له ولم يكن سمعه منه، فإن قيل إذا كان أبو إسحاق مدلسا عندكم فلم تحكمون لطريق عبدالرحمن بن الأسود بالاتصال مع إمكان أن يكون دلسه عنه أيضاً، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني فيما حكاه الحاكم في علوم الحديث عنه قال: في قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبدالرحمن عن أبيه ولم يقل حدثني عبدالرحمن،
стр. 75
وأوهم أنه سمعه منه تدليس، وما سمعت بتدليس أعجب من هذا انتهى كلامه. فالجواب أنَّ هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدثني عبدالرحمن فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث، وبين حفيده عنه أنَّهُ صرح عن عبدالرحمن بالتحديث، ويتأيد ذلك بأنَّ الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن زهير استدل بذلك على أنَّ هذا مما لم يدلس فيه أبو إسحاق قال: لأنَّ يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه، وكأنَّه عرف هذا بالاستقراء من حال يحيى، والله أعلم.
وإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل، وزهير لا تعارض بينهما إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنَّها اقتضت الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل فترجحت رواية زهير، وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإنَّ شريكا القاضي تابع زهيراً، وشريك أوثق من قيس على أنَّ الذي حررناه لا يرد شيئاً من الطريقين إلا أنَّه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه والله أعلم، وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فازداد قوة بذلك، فانظر إلى هذا الحديث كيف حَكم عليه بالمرجوحية مثل: أبي حاتم وأبي زرعة وهما إماما التعليل، وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشاذكوني ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أنَّ الصواب في الحكم له بالراجحية فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النُّقاد من العلل، هل يسوغ أن يقبل منهم في حق مثل هذا الإمام مُسلماً؟ كلا والله، والله الموفق " (١).
قلتُ: وكلام الحافظ ابن حجر غايةٌ في بابه، وكأنه ذهب خالص، ولؤلؤ مرصوص ومحض توفيق من الباري عليه، ليضع الأمر في موضعه الصحيح، وينتظم مع ما أقره أهل
стр. 76
العلم، مع أنَّ البخاري كان متقدماً على أهل زمانه في معرفة العلل، فإنهم كانوا لا يختلفون أن الإمام علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهلي كانا من أعلم الناس بعلل الحديث، وقد أخذ البخاري عنهما، إلى حد قول شيخه ابن المديني لما بلغه أن البخاري يقول: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني"، قال: " دعوا قوله فإنَّه ما رأى مثل نفسه " (١)، ومعلوم أن مجرد الخلاف لا يعني الاضطراب في الحديث وهذا لا خلاف عليه بين المحدثين، فقد قَالَ الحافظ العراقي: " وإنّما يُسَمَّى مضطرباً إذا تساوتِ الروايتان المختلفتانِ في الصحةِ بحيثُ لم تترجَّحْ إحداهُما على الأخرى، أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح؛ فإنَّه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه، والحكم حينئذ للوجه الراجح " (٢).
الحديث الثاني: قال البخاري في كتاب الجمعة: " حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ حَدَّثَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)) " (٣).
قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث المقبرى عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلَ الرَّجُلُ، وَغَسَّلَ رَاسَهُ وَتَطَيبَ وَلَبِسَ مِنْ صَالِح ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلِى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ واسْتَمَعَ مِنَ الإمَامِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَة ثَلاثَة
стр. 77
أَيَّامٍ)). فقال - يعني الدارقطني -: اختلف فيه على سعيد المقبري، واختلف عنه، فرواه صالح بن كيسان، عن سعيد المقبرى، عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه عبدالله بن سعيد المقبري، واختلف عنه فرواه معارك بن عباد عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، وخالفه زفر بن الهذيل، فرواه: عن عبدالله بن سعيد عن جده وهو أبو سعيد. ورواه ابن جريج عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة وعن عمارة بن عامر الأنصاري، عن النَّبي ﷺ .
ورواه عبيدالله، وعبدالله ابنا عمر، وعمر بن بكر مديني، وأبو أمية بن يعلي الثقفي، كلهم عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وخالفهم محمد بن عجلان، فرواه عن سعيد المقبري عن أبيه، عن عبدالله بن وديعة، عن أبي ذر قاله يحيى القطان وإسماعيل بن عياش عن ابن عجلان، واختلف عن ابن عيينة، فقال الحميدي: عنه عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، أراه عن أبيه، وقال أبو عبيد الله المخزومي، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن ابن وديعة ولم يقل عن أبيه. ورواه ابن أبي ذئب عن المقبري، واختلف عنه، فقال: حماد بن مسعدة، عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن عبد الله ابن وديعة عن سلمان الفارسي، وخالفه عثمان بن عمر، وعبد الله بن نافع وشبابة بن سوار رووه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبيه عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان الفارسي.
وكذلك رواه الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبيه، وزاد الضحاك في آخر الحديث قال المقبري: فحدث بذلك عمارة بن عمرو بن حزم وأنا معهم. فقال عمارة: أوهم ابن وديعة، سمعته من سلمان يقول: وزيادة ثلاثة أيام. والحديث عندي حديث ابن أبي ذئب، والضحاك بن عثمان لأن للحديث أصلا محفوظا عن سلمان يرويه أهل الكوفة، ووهم ابن جريج في قوله عن المقبري عن أبي هريرة، وعمارة بن عامر، وإنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم كما قال الضحاك بن عثمان" (١).
стр. 78
وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرج البخاري، عَن آدم، عَن ابن أبي ذئب، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن سلمان، عَن النَّبي ﵌ في غسل الجمعة، قال: وقد اختلف، عَن ابن أبي ذئب فيه أيضًا. وقال ابن عجلان، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن أبي ذر وقيل، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن أبي هريرة، قاله، عبد الله بن رجاء، وروى الدراوردي، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن النَّبي ﵌، وقال الضحاك بن عثمان، عَن المقبري، عَن أبي هريرة وقال أبو معشر، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن النَّبي ﵌ " (١).
والجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: " ورواه البخاري أيضا من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذئب به، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب أيضا، فقال: أبو علي الحنفي فيما رويناه في مسند الدارمي عنه مثل رواية آدم، وكذا رويناه في صحيح ابن حبان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في مسنده عن أبي النضر وحجاج بن محمد جميعا عن ابن أبي ذئب كذلك وقال: أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن سلمان وهذه رواية شاذة، لأن الجماعة خالفوه؛ ولأنَّ الحديث محفوظ لعبدالله بن وديعة لا لعبيدالله بن عدي، وأما ابن عجلان فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ، ولا تعلل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه، ولو كان ابن عجلان حافظاً لأمكن أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان، ومن أبي ذر فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا.
وقد اختار ابن خزيمة في صحيحه هذا الجمع، وأخرج الطريقين معاً: طريق ابن أبي ذئب من مسند سلمان، وطريق ابن عجلان من مسند أبي ذر ﵄، وأما أبو معشر فضعيف لا معنى للتعليل بروايته، وأما رواية عبيدالله بن عمر فهو من الحفاظ إلا أنَّهُ اختلف عليه كما ترى فرواية الدراوردي لا تنافي رواية ابن أبي ذئب؛ لأنَّها قصرت عنها فدل على أنَّه لم يضبط إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاء إن كانت محفوظة، فقد سلك الجادة في أحاديث
стр. 79
المقبري فقال: عن أبي هريرة فيجوز أن يكون للمقبري فيه إسناد آخر، وقد وجدته في صحيح ابن خزيمة من رواية صالح بن كيسان، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، وإذا تقرر ذلك عرف أنَّ الرواية التي صححها البخاري أتقن الروايات، والله أعلم" (١).
الحديث الثالث: قال البخاري في كتاب الجمعة: " حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ))، تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃) " (٢).
قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : ((لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)).
فقال - يعني الدارقطني -: يرويه ابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، واختلف عنهم، فرواه: أبو عاصم النبيل، وابن عيينة، ويحيى القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ ، وخالفهم خالد بن الحارث، فرواه: عن ابن عجلان موقوفاً، وقال ابن عيينة من بينهم في حديثه: لا تسافر المرأة فوق ثلاث، والباقون لم يقرروا وأطلقوا السفر، وأما ابن أبي ذئب فرواه: عنه يحيى القطان، وموسى بن داود، ووكيع بن الجراح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
وخالفهم ابن أبي إياس، فرواه: عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة وكذلك قال: علي بن حرب، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، أما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن، وابن المبارك، وخالفهم عبد الله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني،
стр. 80
وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك روي عن أبي جعفر الثقفي، عن مالك إلا أنه قال فيه: أحسب عن أبيه، وقيل عنه: أحسبه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا يصح هذا القول.
ورواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختلف عن كثير ابن زيد فرواه أبو علي الحنفي، عن كثير، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وخالفه أبو أحمد الزبيري فرواه: عن كثير، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواه يونس بن عبيد، واختلف عنه، فرواه ابن علية، وأبو همام محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن يونس عن رجل من أهل المدينة لم يسمياه، عن المقبري، عن أبي هريرة.
وسماه عنبسة بن عبدالواحد، عن يونس فقال: عن محمد رجل من أهل المدينة وقيل عنه: محمد بن زياد ولا يصح، ورواه أبو مروان الغساني، عن يونس فقال: عن محمد بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ووهم في هذا القول، والصحيح قول ابن علية، عن يونس.
ورواه سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال فيه: ((لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ بَرِيداً)).
ورواه سُهيل بإسنادٍ آخر أيضاً عن أبيه عن أبي هريرة: ((لاَ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيداً))، فقد وهم على سهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((لاَ تُسَافِرُ امرأةٌ ثلاثاً)).
كذلك رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أيضاً، واختلف عن الأعمش في الإسناد، فقال: عثام بن علي، ومالك بن سعير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفهما أبو معاوية فقال: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ... " (١).
стр. 81
وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرجا جميعاً حديث ابن أبي ذئب، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن أبي هريرة، عَن النَّبي ﷺ : ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُسَافُرُ وَلَيسَ مَعَهَا مَحْرَمٍ)) الحديث. وزاد مسلم، عَن ليث، عَن سعيد مثله فقال: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل، عَن سعيد، عَن أبي هريرة " (١).
قلتُ: وخلاصة العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أن سعيد المقبري رواه مرة عن أبيه عن أبي هريرة، ومرة عن أبي هريرة ولم يدخل أبيه، فأشكل أن سعيداً لم يحفظ الحديث.
الجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: "لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني فإنَّ سعيداً المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحاً، وقد اختلف فيه على مالك فرواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بشر بن عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وقال بعده: لم يقل أحد من أصحاب مالك في هذا الحديث عن سعيد عن أبيه غير بشر بن عمر انتهى. وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من حديث بشر بن عمر أيضاً وصحح ابن حبان الطريقين معاً، والله أعلم " (٢).
ثانياً: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها مسلم في أصل صحيحهٍ:
الحديث الأول: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الصيام: " وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ، عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: ((لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلاَ تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)) " (٣).
стр. 82
قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث ابن سيرين عن أبي هريرة: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُفْرَد يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)).
فقال - يعني الدارقطني -: يرويه عوفٌ الأعرابي، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قاله هوذة بن خليفة عنه، واختلف عن أيوب السختياني، فرواه الحسن بن عيسى الحربي عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ .
وخالفه عبد الله بن محمد المسور الزهري، فرواه عن ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي ﷺ ، وخالفه الحميدي، فرواه: عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين مرسلاً عن النَّبي ﷺ ، واختلف عن ابن عون فرواه المسيب بن شريك عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي ﷺ ، وغيره يرويه عن ابن عون عن ابن سيرين مرسلاً.
أخرجه مسلم في صحيحه ولا يصح، والصواب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان
وهو مرسل عنهما؛ لأنَّ ابن سيرين لم يسمع من واحد منهما " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أنَّ الإمام مسلم أورد الحديث من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضى الله عنه، والصحيح ما رواه غيره عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان وهو مرسل عنهما، فصار معلولاً بالإرسال.
والجواب: قال أبو مسعود الدمشقي: " وحسين الجعفي من الأثبات الحفاظ، وقول معاوية عن زائدة، عن هشام، عن محمد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ومما يقوي حديث حسين، وحديث الصوم فله أصل عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ أخرجه مسلم والبخاري من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة.
وقد أخرجا حديث النبي ﷺ : نهى عن صوم يوم الجمعة من حديث جابر، وهذا ما يبين أن الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فإن له أصلاً وإنَّما أراد مسلم إخراج حديث هشام عن
стр. 83
محمد بن سيرين لتكثر طرق الحديث (١).
الحديث الثاني: قال الإمام مسلم في كتاب الأيمان: " وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِ عِيسَى ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" (١). (٢)
قال الإمام البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ : ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصَاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
فقال - يعني الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه، فأما الخلاف في إسناده: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم، وأبان العطار، وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، وخالفهم الحجاج بن أرطاة رواه: عن قتادة عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس ووهم. وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج ابن حجاج وأبان العطار، وجرير بن
стр. 84
حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجاً في حديث النبي ﷺ , وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه، وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي ﷺ ، ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبد الرحمن المقرئ وهو من الثقات عن همام، ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أن الإمام مسلم أورد الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، وخالفه هشام الدستوائي فرواه عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر النضر بن أنس فيه، والجوابُ عن ذلك: فأما ذكرهُ خلاف حجاج بن أرطاة الفقيه فليس بشيء لأنه وصف بقلة الحفظ، والضعف، قال الذهبي في السير: " كان من بحُورِ العلمِ، تُكُلِّمَ فِيْهِ لِبَاوٍ فِيْهِ، وَلتَدليسِه، ولِنَقصٍ قَلِيلٍ فِي حِفْظِه، ولم يُترك " (٢). وقال الحافظ ابن حجر " قال أبو حاتم: إذا قال حدثنا فهو صالح وليس بالقوي " (٣). وأما مخالفة هشام الدستوائي فمرجوحة لمخالفته سعيد بن أبي عروبة وهو أوثق الناس في قتادة، قال يحيى بن معين: " سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة " (٤)، فتبين أن إخراج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة أرجح من غيره وأصوب، فعلم تقدم الإمام مسلم على غيره في معرفة العلل.
стр. 85
وأما من جهة المتن: فقد اعتبر الدارقطني لفظة " الاستسعاء " (١) هذه زيادة مدرجة في المتن من قول قتادة، وما قاله هو الصواب، فقد قال الإمام النووي في شرح مسلم: " قال القاضي عياض: وقال الأصيلى وابن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها , لأنها ليست في الأحاديث الأُخر من رواية ابن عمر وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكروها , وقال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبى عروبة عن قتاده فتارة ذكرها وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره , وهذا آخر كلام القاضى والله أعلم " (٢).
الحديث الثالث: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجمعة: " وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ح وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ ((يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ)) " (١). (٣)
قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النَّبي ﷺ ((فِي السَّاعَةِ الَتِي فِي يَومِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمَامِ إِلِى أَنْ تَنْقَضِي الصَّلاَةَ)).
стр. 86
فقال - الدارقطني -: يرويه مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النَّبي ﷺ تفرد به عبد الله بن وهب عنه، وهو صحيح عنه. ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، واختلف عنه: فرواه إسماعيل بن عمرو، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ .
وخالفه النعمان بن عبد السلام فرواه: عن الثوري بهذا الاسناد موقوفا، وخالفهما يحيى القطان، فرواه عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله، وتابعه عمار بن رزيق فرواه: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله.
وكذلك رواه معاوية بن قرة، ومجالد، عن أبي بردة من قوله، وحديث مخرمة بن بكير أخرجه مسلم في الصحيح والمحفوظ من رواية الآخرين عن أبي بردة قوله غير مرفوع حدثنا أحمد بن محمد بن مسعد الفزاري، قال ثنا عبدالله بن محمد بن زكريا، ثنا إسماعيل ابن عمرو ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((السَّاعَةُ الَتِي يُرْجَى فَيَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَندَ نُزُولِ الإِمَامِ))، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن الأصبهاني، قال حدثنا أبو سفيان صالح بن مهران، ثنا النعمان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: الساعة التي تذكر في الجمعة ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة موقوف" (١).
الجواب: قال الإمام محي الدين النووي في الشرح: " قوله عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة.
ورواه جماعة: عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنَّه من قول أبي بردة كذلك. رواه يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد روياه، عن أبي بردة من قوله.
стр. 87
وقال النعمان بن عبدالسلام، عن الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه موقوفاً، ولا يثبت قوله عن أبيه، وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد قلتُ لمخرمة: سمعت من أبيك شيئا؟ قال: لا، هذا كلام الدارقطني.
وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنَّه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أخر بعدها، وقد روينا في سنن البيهقي، عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج حديث مخرمة هذا فقال مسلم: هو أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة " (١).
قلتُ: وما أشار إليه الإمام النووي من أنَّ الدارقطني يتبع القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، ليس ذلك على الإطلاق، وليست هي قاعدة مطردة عنده، وإنَّما كان الدارقطني يتبع قرائن ترجح الموقوف أو المرسل، ويرجح أو يُعل تبعاً للمتابعات والشواهد والقرائن، وسوف نفرد له فصلاً كاملاً إن شاء الله لبيان منهجه في قرائن الترجيح.
стр. 88
وأختم هذا المبحث المبارك إن شاء الله بكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في رده على الأحاديث التي انتقدها الدارقطني فقال: " ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب، فإن جميعها وارد من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمر بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في مقدمة شرح مسلم له مآخذ عليهما يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول انتهى وهو احتراز حسن" (١).
стр. 89
الباب الثاني
العلة وأجناسها عند الإمام الدارقطني
وفيه فصلان:
الفصل الأول: مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد.
المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن.
الفصل الثاني: أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني.
المبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني.
المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون.
المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.
стр. 90
الفصل الأول
مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني
سنتعرض في هذا الفصل لمفهوم العلة من جهة الإسناد والمتن عند المحدثين المتقدمين وعلى رأسهم الإمام الدارقطني، ودراسة ومقارنة ذلك بمذهب المتأخرين من المحدثين، فإنَّه مما لا شك فيه أنَّ مفهوم العلَّة عند الإمام الدارقطني لم تختلف كثيراً عن مفهوم العلَّة عند المتقدمين من أئمة الحديث أمثال: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام علي بن المديني، والإمام ابن أبي حاتم الرازي، والإمام أبي زُرْعَة الرَّازي، والإمامين البخاري ومسلم، والإمام الترمذي وغيرهم من المحدثين، فإنَّ مذهبهم في العلة واحد لا يختلف من حكم إمام إلى غيره، بل ينتظم في طريقٍ واحد، وفهمٍ ثاقب للعلل بأنواعها وأجناسها المختلفة التي قد تطرأ على الأحاديث والأخبار.
المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد .
مفهوم العلة من جهة الإسناد عند المحدثين المتقدمين يشمل كل ما يطرأ على الإسناد مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ، أومن ضعفٍ وجرحٍ في الراوي، مما يدل على عدم حفظ أو ضَبط الراوي لمرويَّاته، وسواء كانت هذه العلة من ثقةٍ معروفٍ بالإتقانِ، أو كانت من ضعيفٍ مجروح بالاتفاقِ، أو كانت هذه العلَّة ظاهرة واضحة جلية، أو كانت خفية غامضة دقيقة، كل ذلك يسمى عندهم علَّة، إلا أن الغالب مما يطلق عليه علَّة عندهم الأسباب الخفية الغامضة، ونرى في كتب أئمة العلل الشيء الكثير مما يدل على ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقد أطلق بعض المحدثين والفقهاء المتأخرين بعض الألفاظ في مفهوم العلة، مما يوهم خلاف ما بيناه في تعريف مفهوم العلة عند المتقدمين فقالوا: " صحيحٌ معلولٌ " أو " علةٌ غير قادحة "، " وعلةٌ غير مؤثرة "، وما شابه ذلك.
فأما لفظة: " صحيحٌ معلولٌ "، فقد ذكر أبو يعلى الخليلي في بيان العلل: " أنَّ الأحاديث المروية عن رسُولِ الله ﷺ على أقسام كثيرة، صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح
стр. 91
مختلف فيه، وشواذ وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيء الحفظ يُضعَّف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ... ، فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلاً وينفرد به ثقة مسنداً، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (١)
قلتُ: ثم ضرب بعض الأمثلة التي تبين مقصده، والخلاصةُ في ذلك: أنًّ الحديث قد يُروى مرسلاً، ويروى موصولاً كذلك، لكنَّ الموصول أصح عند النَّظر في القرائن والأدلة، ولم يقصد ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الفقهاء من إطلاق الحكم في أنَّ بعض العلل لا تقدح، بل الناظر في الأمثلة التي ضربها تدل على أن مذهبه مثل المتقدمين في أنَّ العلة كلها تقدح في الحديث بلا ريب، إذا ثبتت العلة، أولم يكن ثَمَّ ترجيح بين الرِّوَايات المختلفة.
وأما لفظة: " علةٌ غير قادحة "، فقصدهم فيها العلة التي تقدح في الإسناد، ولا تقدح في متن الحديث لثبوت المتن من رواية أخري صحيحة، كما مَثَّل لذلك السيوطي فقال: " وقد يقدح في الإسناد خاصة ويكون المتن صحيحاً، كحديث يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار حديث: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) (٢)، غلط يعلى إنما هو عبدالله ابن دينار ... هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كأبي نعيم الفضل بن دُكَين، ومحمد ابن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم " (٣).
стр. 92
فظهر أنَّ العلة قدحت في الإسناد، وإن كان الخطأ هو إبدال ثقة مكان ثقة آخر؛ لأنَّ هذا الخطأ يدل على وهم الراوي وعدم ضبطه لهذا الحديث.
وقال ابن الصلاح: " ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعاً، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن " (١).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: " قوله - يعني ابن الصلاح -: " ثم قد تقع العلة في الإسناد وهو الأكثر وقد تقع في المتن ... " إلى آخره قلت: إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح، وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصصه وقد تستلزم القدح في السند، وكذا القول في المتن سواء، فعلى هذا يكون للعلة ستة أقسام:
١ - فمثال ما وقعت في الإسناد ولم تَقْدِح مطلقاً: ما يوجد مثلاً من حديث مدلّس بالعنعنة، فإن ذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإنَّ ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحفُّ الإسناد تبين أنَّ تلك العلة غير قادحة.
٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق، فإن أبدل راوٍ ضعيف براوٍ ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضاً، إن لم يكن له طرق أُخرى صحيحة، كما روى يعلى بن عبيد الطَّنَافِسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبِي ﷺ : ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا))، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنمَّا هو عبد الله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري، يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأنَّ عبد الله وعَمْراً كلاهما ثقة.
стр. 93
٣ - تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقاً للثقة في نعته.
ومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي، أحد الثقات عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنَّه ابن جابر فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.
٤ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تَقْدَح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.
٥ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإنَّ ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد.
٦ - ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس ﵁ وهي قوله: ((لاَيَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا)) (١)،فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين فلفظ البخاري: ((فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) (٢).
стр. 94
وأما لفظة: " علةٌ غير مؤثرة "، فالمراد منها أنَّه ثبت أنَّ الراجح فيها صحة الرواية فلم تؤثر هذه العلة على الحديث حيث زالت شبهة أنه معلول، ومثاله قول الإمام الذهبي: " فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب؛ لأنَّ الحكم للثبت فإن كان الثبت أرسله مثلاً، والواهي وصله، فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه؛ ولأنَّه معلول بإرسال الثبت له.
ثم اعلم أنَّ أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات، وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو أوقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنَّ الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، وإن اختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأولى سَوْقُهما لما اختَلَفا في لفظِهِ إذا أمكن.
ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يسمي أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأمَّا إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أنَّ راويه لم يتقنه، نعم لو حَدَّثَ به على ثلاثِة أوجهٍ تَرجعُ إلى وجهٍ واحد، فهذا ليس بمُعْتَلّ كأن يقول مالك، عن الزهري، عن ابن المسَّيب، عن ... أبي هريرة ويقول عقيل: عن الزهري، عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة: عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة معا " (١).
قلتُ: فأمَّا قولهُ ﵀: " وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب ... "، فليس بصواب؛ لأنَّ ذكر رواية الضعيف من باب ذكر الأوجه التي وردت
стр. 95
في الحديث لتكون قرائن الترجيح أوسع، فإنَّه مما لا شك فيه عند المحدثين أن الثقة قد يخطئ، كما أن الضعيف قد يصيب، غير أنَّ خطأ الضعيف أكثر من الثقة.
والمعيار الذي يُبنى عليه الحكم على خطأ الراوي في الرواية، هو مقارنة المرويَّات والقرائن المرجحة، ومعرفة المخالفة والتفرد، ونحن نرى الكثير من أئمة هذا الشأن يصنعون مثل ما صنع الدارقطني في العلل، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل في كتابه العلل، وابن أبي حاتم في العلل وغيرهم من المحدثين المتقدمين، وهذا المسلك أدق، والله أعلم.
ولقد وصف الحافظ ابن رجب طريقتهم في الحكم على التفرد فقال: " وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد -وإن لم يرو الثقات خلافه-: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه ". (١)، وهذا مما يدل على دقة منهج المحدثين المتقدمين في مفهوم العلة وتعليلهم وتصحيحهم للأحاديث، وسوف أسوق بيان ذلك بالأمثلة والبراهين الدالة عليه:
١. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة لمن هو أوثق في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم بن عمر بن الخطاب، عن عمر ﵃ عن النَّبِيِّ ﷺ في فضل ما يقال عند الأذان.
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عن عمارة، فرواه إسماعيل بن جعفر، عن عمارة، عن خُبَيب، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر ﵃، فوصل إسناده ورفعه إلى النَّبِي ﷺ ، حدث به عنه كذلك إسحاق بن محمد الفروي، ومحمد بن جهضم، ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب بن
стр. 96
عبدالرحمن مرسلاً، عن النَّبِي ﷺ . ووقفه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب، وحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب وإسماعيل بن عياش وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه بعض الثقات متصلاً، ورواه آخرون مرسلاً، والذين رووه متصلاً أوثق ممن أرسلوه.
وقد رجح الشيخان المتصل فأخرجاه، وأما قوله وزيادة الثقة مقبولة، فسوف يأتي الحديث عنها ضمن الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود ﵁ قال: ((إنّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، إِذْ جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ ...)) الحديث، وفيه فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ ...﴾ (٢) الحديث.
стр. 97
قال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختُلِف عنه، فرواه الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله، وتابعه عبدالله بن بشر الرَّقي، عن الأعمش، ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله. قال قطبة: قلتُ للأعمش أنَّ سفيان الثوري يقول هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق ثم همهم ساعة، ثم رفع رأسه فقال: صدق سفيان هو وهب بن ربيعة، وخالفهم أبو مريم عبدالغفار فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد ابن وهب الجهني، عن عبدالله. رواه الحسن بن عمارة والمسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله. ووهما فيه، ورواه شعبة، عن الأعمش، عن رجل، عن عبدالله والقول قول سفيان الثوري وعبدالله بن بشر، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدالله.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْزٍ، ... وأبو علي محمد ابن سليمان بن علي المالكي بالبصرة قالا: ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان الثوري، حدثني الأعمش، عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ قُرَشِيٌّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ أَوْ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنَا هَذَا فَقَال الْآخَرُ إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أَصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ فَقَال عَبْدُاللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلِ اللَّهُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾،حَتَى بَلَغَ ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾))] فصلت الآيات: (٢١ - ٢٣) [.
ولفظ ابن نَيْرُوْزٍ: حدثنا محمد بن سليمان المالكي، ومحمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْز، قالا: أنبأ أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله نحوه. تفرد به يحيى القطان، عن سفيان، عن منصور أخرجه البخاري عن عمرو بن علي، عن يحيى. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى، حدثنا أبو علي بن الصواف، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن عبدالله ابن نمير، ثنا قبيصة،
стр. 98
عن قطبة، قال: قال رجل للأعمش حين حَدَّثَ بحديث عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله: ((كُنْتُ مُسْتَتِراً)) إنِّ سفيان يحدث به عنك عن وهب بن ربيعة، قال: فهمهم الأعمش ساعة، ثم قال: هو كما قال سفيان " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله. أدخل فيه وهب بن ربيعة بين عمارة بن عمير وعبدالله بن مسعود. وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله، فأدخل عبدالرحمن بن يزيد بدلاً من وهب بن ربيعة، وخالفه كذلك غيره، وخلاصة الأمر أنَّ أصحاب الأعمش على سبعِ طبقات، وسفيان الثوري من الطبقة الأولى وهو على رأسهم، ثم يأتي أبو معاوية في الطبقة الثالثة، لذا كانت رواية سفيان مقدمة على كلِّ من روى هذا الحديث؛ لأنَّه أوثق الناس في الأعمش، قال الحافظ ابن رجب: " قال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول: أحفظ أصحاب الأعمش الثوري ". وقال أيضاً: " قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري " (٢).
المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي، عن عمر ﵁ عن النبَّي ﷺ : ((أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ منْ جِيرَانِهِ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) (٣).
стр. 99
فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة عن ابن بريدة، واختُلِف عن داود فقال: يعقوب الحضرمي، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ عن داود منهم: عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطَّيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحداً. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود كرواية الجماعة عن داود. ورواه عمر بن الوليد، عن عبدالله بن بريدة مرسلاً، عن عمر لم يذكر بينهما أحداً. والمحفوظ من ذلك ما رواه عفان ومن تابعه عن داود بن أبي الفرات، وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح مثل ما رواه عفان، عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، والله أعلم " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ يعقوب الحضرمي أدخل في الإسناد يحيى بن يعمر بين عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وأَبِي الأَسْوَدِ، وهو وهم؛ لأنَّه خالف رواية جماعة من الثقات منهم عفان بن مسلم وغيره، كما أخرجه البخاري فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: ((قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا وَثَلاثَةٌ قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ)).
стр. 100
وفيه ترجيح رواية الثقات على رواية الثقة إذا خالفهم في الإسناد، وأما قوله وأخرجه مسلم فوهم من الدارقطني ﵀، فإن مسلم لم يخرج الحديث، وإنَّما أخرجه البخاري في صحيحه، والنَّسائي في السنن كما ذكرنا آنفاً.
٢. الدليل على أنَّهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة للضعيف في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قالَ رسولُ الله ﷺ : ((فَضَلُ العَالمِ عَلَىَ العَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضَر جُوادٍ مِائَةَ عَامٍ)) " (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه: هشام بن سعد، عن الزهري مرسلاً عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال مبشر بن إسماعيل، عن عبدالله بن محرر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ والمرسل أصح" (٢).
قلتُ: ووجه ذلك أنَّ الحديث مداره على الزهري، رواه عبدالله بن محرر، عن الزهري مرفوعاً، ورواه هشام بن سعد، عن الزهري مرسلاً. وقد رجَّح الدارقطني حديث هشام بن سعد المرسل على مرفوع عبدالله بن محرر وهو ضعيف، فقد قال ابن معين: ليس بثقة وضعفه (٣)، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبا زُرعة عن عبدالله بن محرر؟ , فقال ضعيف الحديث , وامتنع من قراءة حديثه , وضَرَبْنَا عليه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث منكر الحديث , ضعيف الحديث ترك حديثه عبدالله بن المبارك (٤)، أما هشام بن سعد فمختلف فيه
стр. 101
والخلاصة أنه حسن الحديث، وأخرج له مسلم متابعات في الصحيح.
المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ : ((إنِّمَا الأَعْمَالُ بِالْنِّياتِ)) الحديث ... ... فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو حديث صحيح عنه.
وحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة يقال له: سهل بن صقير، عن الدراوردي وابن عيينة وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النَّبِيِّ ﷺ .
ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه وإنَّما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري لا عن محمد بن عمرو، وإنِّمِا رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه، والصحيح حديث يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وروى عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. قال: ذلك زيد بن بكر بن خنيس، عن حجاج.
وروى هذا الحديث مالك بن أنس، واختلف عنه فرواه: عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه، وأمَّا أصحاب مالك الحفاظ عنه فرووه: عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو الصواب.
حَدَّثَنَا أبو وهيب يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن الوليد، قال: ثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: سمعت علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
стр. 102
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) " (١).
قلتُ: انظر كيف ذكر وهم وخطأ سهل بن صقير، وهو أبو الحسن الخلاطي بصري الأصل ضعيف قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني: " قال ابن عدي: حدثنا عنه القاسم ابن عبدالرحمن الفارقي بأحاديث فيها بعض الإنكار، وسهل ليس بالمشهور وأرجو أنَّه لا يتعمد الكذب، وإنَّما يغلط أو يشتبه عليه الشيء فيرويه، وقال أبو بكر الخطيب: يضع الحديث، وقال ابن ماكولا: فيه ضعف" (٢).
المثال الثالث: قال الإمام ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ عَنِ الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثوري، وشريك، عَن الأعمش، عَن الحكم بْن عُتيبة، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي المسح عَلَى الخفين. قَالا: وَرَوَاهُ أَيْضًا عِيسَى بْن يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وابن نُمير، عَن الأعمش، عَن الحكم عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجرة، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَاهُ زائدة، عَن الأعمش، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن البراء، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قلت لَهما: فأيُّ هَذَا الصَّحِيحُ؟
قَالَ أَبِي: الصحيح من حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، قُلْتُ لأَبِي: فمن غير حَدِيث الأعمش قَالَ: الصحيح ما يَقُولُ شُعْبَة، وأبان ابْن تغلب، وزيد بْن أَبِي أنيسة أَيْضًا، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَقَالَ أَبِي: الثوري، وشعبة أحفظهم.
قُلْتُ لأَبِي: فإن ليث بْن أَبِي سليم يُحدّث فيضطرب، يحدث عَنْهُ يَحْيَى بْن يعلى، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أَبِي بَكْرٍ، وعمر
стр. 103
فِي المسح. وَرَوَاهُ معتمر، عَنْ لَيْثٍ، عَن الحكم، وحبيب بْن أَبِي ثابت، عَن شريح بْن هانئ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الصحيح حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ، عَن بلال، قَالَ أَبِي وأَبُو زُرْعَةَ: ليث لا يُشْتَغَل بِهِ فِي حَدِيث مثل ذي كثير هُوَ مضطرب الحديث.
قُلْتُ لأَبِي زُرْعَةَ: أليس شُعْبَة، وأبان بْن تَغْلِب، وزيد بْن أَبِي أنيسة، يَقُولُونَ عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب؟
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الأعمش حافظ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وعيسى بْن يُونُسَ، وابن نُمير، وهؤلاء قد حفظوا عَنْهُ، ومن غير حَدِيث الأعمش، والصحيح عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَرَوَاهُ منصور، وشعبة، وزيد بْن أبي أُنيسة، وغير واحد، إِنَّمَا قلت من حَدِيث الأعمش " (١).
قلتُ: والظاهر من كلام ابن أبي حاتم أن رواية ليث بْن أَبِي سليم، معلولة بالاضطراب، على الرغم من أنَّه ضعيف، فقد ذكر الحافظ ابن حجر كلام أهل الحديث فيه، فقال: " قال معاوية بن صالح عن ابن معين: "ضعيف"، إلا أنَّهُ يُكتب حديثه، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
وكذا قال عمرو بن علي وابن المثنى وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى بن معين: مجالد أحب إلي من ليث وحجاج بن أرطاة، وقال: أبو المعتمر القطيعي كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم " (٢). ولم يُنظر لكون أنَّه ضعيف، لاحتمال إصابته في الرواية، كما يحتمل خطأ الثقة، ولم يكن أَبُو حَاتِم وأَبُو زُرْعَةَ ليدركا خطأه لمجرد أنَّه ضعيف، بل كان الحكم عليه بعد
стр. 104
مقارنة مرويَّاته، بغيره ومعرفة الموافقة والمخالفة للثقات الأثبات، ولا يكون ذلك إلا بعد السبر الحثيث لمرويَّات الحديث.
المثال الرابع: قال الإمام مسلم في التمييز: " حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة قال: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت ﵁: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ)). قلت لابن لهيعة: مسجد في بيته؟ قال: مسجد الرَّسُول ﷺ .
قال مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا وابن لهيعة الْمُصَحِّفُ في متنه الْمُغَفَّل في إسنادهِ. وإنَّما الحديث: ((أنَّ النَّبِي ﷺ احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُوصَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ يُصَلِّي فِيهَا)) (١)، وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله " (٢).
ثم قال أيضاً: " الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب وذكرنا عن عبدالله بن سعيد، عن أبي النضر، وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث، أو عرض عليه، فإذا كان أحد هذين - السماع أو العرض - فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح، وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله. وأما الخطأ في
стр. 105
إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: كتب إلي موسى ابن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد وموسى، إنِّما سمع هذا الحديث من أبي النضر يرويه عن بسر بن سعيد" (١)
قلتُ: ومعلوم أن ابن لهيعة: وهو عبدالله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي (ت: ١٧٣ - ١٧٤هـ)، مختلف في توثيقه وتجريحه (٢)، والراجح فيه أنَّه ضعيف مختلط، فمن حدث عنه قبل احتراق كتبه (٣)، فهو صحيح، ومن حدث عنه بعد ذلك فهو ضعيف، والذين حدثوا عنه قبل احتراق كتبه قليل وهم العبادلة عبدالله ابن المبارك، وعبدالله بن وهب، وعبدالله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: " وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقرئ، كذا قال الفلاس وغيره، وقاله ابن معين في رواية عنه.
ومنهم من قال: "حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف"، وهو المشهور عن يحيى ابن معين، وأنكر أن تكون كتبه احترقت وقال: " لا يحتج به ".
وقال أبو زُرعة: " سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به ".
وقال ابن مهدي: " ما أَعْتَدُ بشيءٍ سمعته من حديث ابن لهيعة، إلا سماع ابن المبارك ونحوه ".
وروى عن أحمد أنَّه قال: " سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح: عبدالله بن وهب
стр. 106
وعبدالله بن يزيد المقرئ، وعبدالله ابن المبارك ".
وقال ابن حبان: " سبرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه! فوجب التنكيب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه " (١).
٣. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون بعض أسباب الجرح الظاهرة في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) " (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل، عن جابر، عن أبي بكر عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولم يتابع عليه الوساوسي هذا ضعيف. وغيره يرويه عن شرحبيل ابن سعد مرسلاً ولا يذكر فيه جابراً ولا أبا بكر" (٣).
قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب البحر الزخار مسند البزار قال: " وروى عبدالرحمن بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، وهذا الحديث إنَّما حدث به رجل كان بالبصرة، عن زيد بن الحباب وكان
стр. 107
متهما فيه، يقال: أن ليس له أصل من هذا الوجه فأمسكنا عن ذكره " (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمر عن أبي بكر ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ : ((وإنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)) (٢) الحديث بطوله.
فقال - الدارقطني -: رواه مالك بن أنس وأبو أويس وزياد بن سعد، عن الزهري عن مالك بن أوس، عن عمر، عن أبي بكر حدث به عن مالك كذلك جماعة منهم: بشر بن عمر، وعمرو بن مرزوق، وإسحاق بن محمد الفروي، والهيثم بن حبيب غزوان فأسندوا هذه الألفاظ عن عمر، عن أبي بكر. وغيرهم يرويه عن مالك فيسندها عن عمر عن النَّبيِّ ﷺ .
وروى هذا الحديث: معمر، وابن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزه، وأسامة بن زيد وغيرهم، فأسندوا هذه الألفاظ عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، وذكروا في الحديث عن عمر، عن أبي بكر الصديق ﵃ أنَّه قال: ((أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله ﷺ أَعْمَلُ كَمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ))، ورواه عبدالملك بن عمير، عن الزهري فأسنده عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي بكر أن النَّبيَّ ﷺ قال: ((لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ))، لم يذكر بينهما عمر بن الخطاب ... حدث به عن عبد الملك بن عمير كذلك تَلِيدُ بن سليمان وحده، ولم يكن بالقوي في الحديث - كان يشتم - عثمان بن عفان وأبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما " (٣).
قلتُ: وتَلِيدُ بن سليمان هو المحاربى، أبو سليمان، ويقال أبو إدريس، الكوفى، وهذا رافضي خبيث يشتم الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم، قال المزِّي: " قال أبو داود: رافضى
стр. 108
خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر. قال النَّسائى: ضعيف. ... وقال يعقوب بن سفيان: رافضى خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمد: أليس قد قلت لك، لا تكتب حديث تَلِيد هذا. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان سيىء الخلق، وكان أصحاب الحديث يسمونه: بَلِيدُ بن سليمان، لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شىء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حدثنا تَلِيدُ بن سليمان، وهو عندي كان يكذب " (١).
والحديث في البحر الزَّخار مسند البزار: " حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: نا حماد يعني ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ".
وحدثناه إبراهيم بن زياد قال: نا عبد الوهاب بن عطاء قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر رحمة الله عليهما نحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحداً، رواه فوصله إلا حماد بن سلمة وعبدالوهاب، وغيرهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً " (٢).
مما سبق يتضح:
أنَّ الدارقطني عند ذكره للمرويَّات الضعيفة كشاهد في الترجيح بين المرويَّات المختلفة، كان يتبع في ذلك منهج المتقدمين من المحدثين النقاد في التعليل وهو أوسع وأدق.
وأنَّ مذهب المتأخّرين في مفهوم العلة من جهة الإسناد يختلف عن المتقدمين في عدة أمور:
أولاً: أنَّ المتأخّرين لا يعتبرون مخالفة الضعيف علة، لاعتبارهم أنَّ العلة أو الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة للثقات، دون اعتبار لروايَّات الضعفاء مما ضيق
стр. 109
واسعاً، وهو قول الحاكم وابن الصلاح والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فأنهم يعتبرون في الترجيح بكل الرِّوايات الواردة في الحديث بما في ذلك الضعيفة.
ثانياً: أنَّ النقاد المتأخّرين يشترطون في العلة أن تكون خفية غامضة، وهو قول ابن الصلاح، والعراقي، والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فإنهم كانوا يعتبرون بالعلل كلها الغامضة والظاهرة على السواء.
نتائج هامة:
- أنَّ النّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بخطأ الضعيف في تعليل الرواية، لمعرفة الراجح من الاختلاف بين المرويّات، بخلاف المتأخرين فإنهم لا يعتبرون برواية الضعيف في التعليل.
- أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد.
- أنَّ منهجهم في معرفة الراجح في الخلاف، أو الاضطراب هو جمع جميع المرويَّات التي رويت في هذا الحديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة من جهة السند.
- أنَّ الدارقطني مثل غيره من النقاد المتقدمين، كان يعتبر الأسباب الغامضة والظاهرة في بيان العلة التي قد تطرأ على المرويَّات في الحديث.
- العلة في مفهومِ المتقدمين من جهة الإسناد أعم مِنْها عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناها اللغوي والاصطلاحي عند المحدثين.
стр. 110
المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن .
وأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة.
ولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: " مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون "، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله ﷺ مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث.
منهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث:
ومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (١) حين قال:
وَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا
وقال أيضاً:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (٢)