إليها عندالحاجة والإشكال، وخاصة فتح الباري، وقد تعاقب على قراءته الشيخ عبدالعزيز بن عبد اللَّه الراجحي، والشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم القاسم، هذا في درس الفجر؛ حيث خُتِمَ أكثر من مرة، والمرة الأخيرة بلغ الشيخ الراجحي في المجلد الحادي عشر،
ص ٥٦٨، كتاب الأيمان والنذور في ٢٣/ ١١/ ١٤١٩هـ، أما في درس المغرب في جامع سارة يوم الأحد ليلة الإثنين، ويوم الأربعاء ليلة الخميس، فقد قرأ في هذا الكتاب: الشيخ خالد المقرن، ثم الشيخ عبد العزيز السدحان، وكلاهما بدأ، ولم ينهِ القراءة.
٢ - صحيح مسلم، وشرحه للإمام النووي، وتعاقب على قراءته الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز في درس المغرب في جامع سارة يوم الأحد بعد المغرب، ويوم الأربعاء بعد المغرب، والشيخ د. صالح بن عبد العزيز العقيل في درس الفجر في الجامع الكبير، وممن قرأ فيه أيضاً الشيخ عبد اللَّه عامر.
٣ - سنن أبي داود، مع الرجوع لشيء من الشرح عند الإشكال، كعون المعبود وبذل المجهود، وشرح الخطابي، وحاشية ابن القيم، والرجوع إليها عند الحاجة، وتولى القراءة الشيخ د. عمر بن سعود العيد.
٤ - جامع الترمذي، وشرحه تحفة الأحوذي للمباركفوري، وتولى القراءة فيه د. عمر بن سعود العيد، عندما قدمت إلى الرياض عام ١٣٩٩هـ، وقد كان عمر يقرأ في المجلد الخامس الأخير، وأتمَّه، فسألته بعد ذلك: هل قرأت سنن الترمذي من أوله؟ فقال: لا، قُرِئ على الشيخ
стр. 37
في المدينة، وعندما قدم الرياض بدأت في المجلد الخامس، ثم ابتدأ القراءة فيه الشيخ عبد المحسن بن عبد اللَّه الزامل، ولم ينهِ القراءة فيه، وقد بلغ كتاب الجنائز، باب ما جاء في فضل الصلاة على الجنازة، وذلك في المجلد الرابع من تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، الحديث رقم ١٠٤٥، ص ١٣٦، وذلك بتاريخ فجر الخميس ٩/ ١١/ ١٤١٩هـ.
٥ - سنن النسائي، مع حاشيته للسيوطي والسندي، وقد قرأه كاملاً الشيخ عبد العزيزالراجحي (١).
٦ - سنن ابن ماجه، مع ذكر ما يحتاج إليه من تلخيص البوصيري في مصباح الزجاجة، وتولى القراءة الشيخ سلطان بن عبدالمحسن الخميس.
٧ - مسندالإمام أحمد، وما علق عليه، كتعليقات الشيخ أحمد شاكر، أو الطبعة الأخيرة بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وزملائه، وفي الأولى قرأ الشيخ سلطان بن عبد المحسن الخميس، وقرأ المسند كذلك الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللَّه السند (٢).
٨ - الفتح الرباني للساعاتي:، وتولى القراءة الشيخ سليمان الرشودي.
٩ - موطأ الإمام مالك، ابتدأ قراءته الشيخ سعد بن عبد اللَّه البريك.
١٠ - سنن الدارمي، والذي تولى القراءة فيه هو الشيخ سلطان بن
стр. 38
عبد المحسن الخميس.
١١ - السنن الكبرى للنسائي، قرأ منها الشيخ د. عبد العزيز المشعل في الجزء الذي حققه في رسالة الدكتوراه.
١٢ - كتاب التوحيد لابن خزيمة، ابتدأ قراءته الشيخ عبد العزيز الراجحي.
١٣ - العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ممن قرأها الشيخ محمد إلياس عبد القادر، وهو إمام المسجد القريب من بيت سماحة الشيخ، وكان يصلي فيه الشيخ إذا لم يكن عنده دروس.
١٤ - الفتوى الحموية لابن تيمية، أتمها الشيخ ضيدان بن عبدالرحمن اليامي.
١٥ - الاستقامة لابن تيمية، أتمه الشيخ فهد بن حمين الفهد:.
١٦ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، قرأ فيه: د. عبد العزيز المشعل في المجلدات الأولى، وأذكر أن سماحة الشيخ أمره أن يقفز بعض المجلدات الأولى، وقال: القراءة في كلام أهل الكلام تمرض القلوب، وابن تيمية: احتاج لذلك للردّ على أهل الكلام.
١٧ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للعلامة ابن القيم، قرأه الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم القاسم، وابتدأ مرض الشيخ الأخير قبل وفاته بعد بداية كتاب الطب، وذلك في المجلد الرابع، وبلغ فصل في هديه ﷺ في علاج المرضى بتطييب نفوسهم، ص ١١٧، وذلك مغرب يوم الأربعاء، ٢٢/ ١١/ ١٤١٩هـ.
١٨ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير
стр. 39
الأنام ﷺ لابن القيم، قرأه كاملاً أخونا الشيخ فهد المشرف.
١٩ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان للعلامة ابن القيم، قرأه الشيخ فهد بن حمين الفهد:.
٢٠ - مفتاح دار السعادة للعلامة ابن القيم، قرأ فيه الشيخ فهد بن عبد اللَّه الصقعبي.
٢١ - الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب للعلامة ابن القيم، أتمه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٢٢ - الجواب الكافي للعلامة ابن القيم، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٢٣ - كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قرئ مرات متواليات في دروس الشيخ، قرأه عدة مشايخ، منهم الشيخ عبد اللطيف بن عبد المحسن البقماء.
٢٤ - الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرئت مرات كثيرة، وممن قرأها الشيخ محمد المهوس.
٢٥ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع الشيخ ابن قاسم، تولى القراءة فيها الشيخ أحمد بن الشيخ عبد العزيز بن باز.
٢٦ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن، قرأه أكثر من شيخ، منهم ضيدان بن عبد الرحمن اليامي، وسعد بن عبد اللَّه البريك.
٢٧ - مسائل كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرأها
стр. 40
الشيخ تركي بن عبد العزيز العقيل.
٢٨ - كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٢٩ - شروط الصلاة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٣٠ - القواعد الأربع للشيخ محمد بن عبد الوهاب، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٣١ - شرح السنة للحافظ البغوي، ابتدأ قراءته الشيخ عبد اللَّه بن صالح القصير.
٣٢ - إرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل للعلامة الألباني، ابتدأ قراءته الشيخ د. عبد العزيز المشعل.
٣٣ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، قرأه في درس الفجر الشيخ د. عمر بن سعود العيد، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام، الآية: ١٠٣]، وفي درس المغرب الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية: ٣٧]، وكان يُقرأ أيضاً في بيت سماحة الشيخ: بعد صلاة الجمعة، وقرأه الشيخ أحمد بن راشد العرفج، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق، الآية: ٤١]،
стр. 41
وكان بداية قراءة أحمد العرفج من عام ١٣٩٨هـ (١).
٣٤ - الروض المربع، مع حاشيته لابن قاسم عند الإشكال، ابتدأ قراءته الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه الراجحي، وبلغ المجلد الثاني صفحة ٢٣٨، بتاريخ ٢٢/ ١١/ ١٤١٩هـ.
٣٥ - بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، أكمل قراءته الشيخ عبد العزيز الراجحي، وهو أيضاً من دروس سماحته في المسجد القريب من بيته بين الأذان والإقامة لصلاة العشاء، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر، ونسخة الشيخ الخاصة بمكتبته ثرية بالتعليقات، والتحقيقات، والترجيحات النفيسة، وقد أخرجها وحققها الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم القاسم.
٣٦ - رياض الصالحين للإمام النووي: كان يُقرأ بعد صلاة العصر في المسجد القريب من بيت سماحة الشيخ: ثلاثة أيام في الأسبوع. قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٣٧ - عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي كاملاً قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٣٨ - البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، قرأ فيه د. محمد بن سعد الشويعر.
٣٩ - المنتقى من أخبار المصطفى ﷺ لمجد الدين أبي البركات
عبد السلام ابن تيمية الحراني، ابتدأ قراءته الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه
стр. 42
الراجحي بعد أن أنهى قراءة البلوغ، وبلغ آخر كتاب الفرائض في المجلد الثاني صفحة ٧٧٤، حديث رقم ٣٣٥٧ صباح الإثنين
٢٠ - / ١١/ ١٤١٩هـ قبل موت الشيخ بشهر وسبعة أيام، وكان يُقرأ كتاب الصيام منه في رمضان في المسجد القريب من بيت الشيخ، قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر، إمام المسجد.
٤٠ - الإحكام شرح أصول الأحكام للشيخ ابن قاسم، كان الذي يقرؤه أحد مشايخ قبيلة عتيبة، اسمه: الشيخ أبو محماس العتيبي (١)، وكان كبيراً في سنه، جليلاً في قدره:.
٤١ - نزهة النظر شرح نخبة الفكر (في مصطلح الحديث) للحافظ ابن حجر، قرأه الشيخ فهد بن عبد اللَّه الصقعبي.
٤٢ - الألفية في الحديث للحافظ العراقي.
٤٣ - الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، تأليف سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز، قرأه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم القاسم.
٤٤ - وظائف رمضان الملخص من لطائف المعارف للحافظ ابن رجب، لخصه وزاد عليه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: قرأه الشيخ محمد إلياس عبد القادر.
٤٥ - صحيح ابن حبان، قرأ فيه الشيخ عبد الوهاب الطريري (٢)،
стр. 43
ويُضاف إلى ذلك الكتب المساندة مثل تقريب التهذيب؛ حيث يتولى البحث فيه الشيخ عبد اللَّه الشهراني، وكذلك التهذيب، والكاشف للذهبي، والقاموس للفيروزآبادي، وغيرها، وهكذا البحوث العلمية المتعلقة بالدروس، والتي كان الشيخ يكلف أحد طلابه ببحثها، ثم عرضها في درس لاحق، وقد جمع أخونا الشيخ عبد اللَّه بن مانع العتيبي ما كُلِّف به من مسائل، وأصدرها بعنوان: (نفح العبير في دروس الجامع الكبير)، وله بحوث أخرى، ويضاف إلى ذلك أيضاً الكتب التي كان الشيخ يطالعها من المطولات وغيرها عند مراجعته بعض المسائل.
٤٦ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية، قرأه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم رعاه اللَّه.
٤٧ - تفسير البغوي، وقد قرأ فيه معالي الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز حفظه اللَّه (١).
٤٨ - تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن عبد الوهاب، كان من دروس سماحة الشيخ عام: ١٣٩٨، و١٣٩٩هـ.
٤٩ - اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، كان من دروس سماحته عام: ١٣٨٩، ١٣٩٩هـ.
٥٠ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم، كان من الدروس عام: ١٣٩٨، و١٣٩٩هـ.
стр. 44
٥١ - اختصار علوم الحديث، للإمام ابن كثير، كان من الدروس عام: ١٣٩٨، و١٣٩٩هـ (١).
خامساً: زوجات سماحة الشيخ:
تزوج سماحة الشيخ أربع زوجات:
قال سماحة الشيخ ﵀: «أوَّل زوجة كانت في حياة الوالدة رحمها اللَّه، وقد اخترتُها بواسطتها والعارفين بها، وذلك في عام ١٣٥٤هـ، وكان عمري ٢٤ سنة، وهي ابنة عبد اللَّه بن سليمان بن سحمان ﵀، وبقيت حتى عام ١٣٥٧هـ، وبعد وفاة الوالدة بسنة طلقتها»، ولم تلِد له.
ثم تزوَّج هيا بنت عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتيق، من آل عتيق، من أهل الدَّلَم، وكان قد خطبها قبل قدومه الدلم سنة ١٣٥٧هـ، ودخل بها هناك، وولدت منه: عبد اللَّه، وعبدالرحمن، وسارة، والجوهرة، ومضاوي.
وتُوفِّيَت أم عبد اللَّه في الثاني من رمضان سنة ١٤٢٥هـ، رحمها اللَّه تعالى.
ثم تزوَّج ابنة عمِّه طرفة بنت محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن باز - المشهور بالصويتي -، ومكثت عنده ستة أشهر، ثم طلَّقها، ولم تلد له.
ثم تزوج منيرة بنت عبد الرحمن بن حمدالخضير، وولدت منه: أحمد، وخالد، وهيا، وهند، ونوفا، وكان الزواج في بريدة أوائل سنة ١٣٨٦هـ، لما كان سماحته نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية في
стр. 45
المدينة، ولا تزال على قيد الحياة حتى الآن، حفظها اللَّه تعالى (١).
سادساً: أولاده:
للشيخ ﵀ أربعة أبناء من الذكور، وست من الإناث، مجموعهم عشرة، أسبغ اللَّه عليهم النِّعم، ومنعهم من شرور النقم، وأكبرهم: عبد اللَّه، وبه كان يُكنى سماحته، ثم يليه في الترتيب: عبد الرحمن، وثالثهم: أحمد، وهو من طلبة العلم، وقد تخرَّج من كلية الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعمل معيداً، ونال درجة الماجستير في الفقه من الجامعة، وكان مرافقاً لوالده ﵀ في السفر والحضر، وكان يَقرأ عليه في الجامع الكبير كتاب «عمدة الأحكام» بعد العصر، وكتاب «الدرر السنيَّة في الأجوبة النجدية» للشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀، وكان هذا في صباح يوم الخميس، وانتهى من الجزء الأول، وشرع في الثاني ولم يُكمل، ورابعهم: خالد، وهو أصغرهم، تخرَّج من جامعة الملك سعود، حفظهم اللَّه، ووفَّقهم للبرِّ بوالدهم (٢).
стр. 46
سابعاً: الأيام الأخيرة من حياته، ومرضه، ووفاته ﵀ (١):
بدأ سماحة الشيخ يشتكي من سرطان المريء في شهر شعبان ١٤١٩هـ، وبدأ يراجع في المستشفى، ويعاني من الآلام عند الأكل والشرب، ويلاقي تعباً عظيماً، فلا يأكل ويشرب إلا القليل جداً، ويحصل معه التقيؤ، ومع ذلك فقد صام رمضان كاملاً، ومضى على حاله في المعاملات والدروس، والقيام بشؤون الناس، دون أن يُظهر لهم ما هو فيه، بل كان بعد رمضان لا يتناول إلا اليسير من السوائل، ويعتني بضيوفه، فإذا حان الغداء استأذن منهم، واعتذر بأن عنده حمية.
ولما علم كبار المسؤولين بمرض سماحته اهتموا للأمر، وعرضوا عليه العلاج في الخارج، ولكن سماحته لم يرغب بالسفر، واقتصر على مراجعة المستشفى، مع قيامه بأعماله كاملة.
واستمرت صحته تتدنى، حتى قارب الحج، وألحَّ عليه المسؤولون والأطباء أن يترك الحج نظراً لحالته، فوافق بصعوبة، ووجَّه نائبَه وخَلَفه في الإفتاء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يقوم مقامه في الحج، وكان سماحته يتألم ويقول: «اللَّه المستعان! سبعة وأربعون سنة متتابعة لم أترك الحج!» (٢).
стр. 47
قال الشيخ محمد الموسى: «في مرضه الأخير، وقبل وفاته بمدة يسيرة جداً توفي رجل من أهل الرياض اسمه سليمان الغنيم، وكان هذا الرجل مُسنِّاً، محسناً، صالحاً، محبّاً لسماحة الشيخ، وله مكانة عند الشيخ؛ فاتصل أحد أبناء ذلك الرجل بسماحة الشيخ، وقال: إن أبي قد توفي، ونأمل أن تُصلُّوا عليه، وتحضروا جنازته، فقال الشيخ: إن شاء اللَّه نفعل.
وبعد ذلك بقليل جاءه خبر وفاة الشيخ صالح بن غُصون ﵀، فذهب للصلاة على جنازة ابن غصون مع أن سماحته كان تحت وطأة مرضه الأخير، وكان متعباً جداً، وقد سقط في السيارة على من بجانبه، وتقيّأ وهو في الطريق.
وبعد أن صلى على جنازة الشيخ ابن غصون ﵀، وذهب لتعزية أهله، لم ينس الرجل المذكور الذي توفي في ذلك اليوم؛ بل ذهب إلى قبره وهو على تلك الحال من الإعياء، وصلى عليه بعد العصر، وبعد المغرب ذهب إلى أهل المتوفى، وعزّاهم وصبَّرهم!!» (١).
ثم غادر سماحته الرياض في ٢٣ ذي الحجة ١٤١٩هـ إلى مكة، وفي آخر ليلة في الرياض جاء إليه الناس أفواجاً تلو أفواج للسلام عليه وتوديعه، وكانوا بالمئات، وألقى فيهم كلمة مؤثرة، وكانت هذه آخر كلمة له في الرياض.
стр. 48
وفي مكة أدى العمرة، وبقي فيها إلى نهاية ذي الحجة، ثم توجه إلى الطائف.
استمرت صحة سماحته بالتدني، ولكن همته وعزيمته ونشاطه، وعمله لم تتأثر رغم شدة المعاناة، وكان لا يقدر أن يشرب في اليوم إلاكأساً صغيراً من الحليب، وربما شرب ثانياً مع الإلحاح، إضافة إلى ربع كوب من عصير الجزر، وذلك في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عمره، وأما عمله الضخم، فهُو هو! وبدأ سماحته بإلقاء دروسه المعتادة في الطائف، وكان آخر درس صباح الإثنين
١٧ - / ١/ ١٤٢٠هـ لمدة ثلاث ساعات، وهو آخردرس ألقاه سماحته، وكان يوم الثلاثاء التالي آخر أيام سماحته في الدوام الرسمي.
وفي يوم الأربعاء ١٩ محرم شعر سماحته بالإرهاق الشديد، ودخل المستشفى يوم الخميس التالي، وبقي فيه إلى يوم الثلاثاء ٢٥ محرم، وكانت المعاملات تُقرأ عليه وهو مستلقٍ في المستشفى، واتصالات الفتاوى لا تهدأ، ويزوره عدد كبير من الأمراء والعلماء والعامة.
وفي يوم الثلاثاء طلب الخروج من المستشفى، وقد بلغ به الإعياء مبلغه، ولم ينم ليلة خروجه.
وفي ذلك اليوم أصدر سماحة الشيخ البيان الشهير مع اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، في الرد على الأصوات التي بدأت تنادي بإخراج المرأة السعودية من بيتها، وقيادتها للسيارة، ووضع صورتها في البطاقة الشخصية، وما إلى ذلك من خطوات التغريب
стр. 49
والفتنة، فكان ذلك البيان الذي قمع أولئك المنادين في ذلك الوقت، ودفع اللَّه به شرَّاً عظيماً.
وفي يوم الأربعاء كان سماحته منشرح الصدر، ومرتاح البال، وطلب من معاونيه أن تُعرض عليه المعاملات كالمعتاد، وأنجز في منزله بعد الظهر أكثر من خمس وعشرين معاملة، منها معاملات طلاق، ومنها اعتماد بناء عدة مساجد، ومنها معاملة من هولندا بشأن تزكية الشيخ عدنان العرعور، وإنجاح لقاء إسلامي كبير.
ثم تغدى الضيوف عند سماحته، وبعد المغرب تزاحم الناس في مجلسه للسلام عليه، ودخل عليهم يتهلل وجهه بشراً وسروراً وسكينة، وسلَّم الناس عليه أرسالاً تلو أرسال، ومن سلَّم عليه يخرج لامتلاء المكان.
وبعد ذلك بدأ باستعراض المعاملات وسط توافد الناس، ورنين الهاتف، وبعد عشر دقائق من جلوسه تحسس سماعة الهاتف؛ وعلى غير عادته رفعها ووضعها جانباً؛ حتى يتوقف رنين الهاتف، ثم أقبل على الحاضرين وقال: «كيف حال الإخوان، اللَّه يستعملنا وإياكم فيما يرضيه، اللَّه يتوب على الجميع»، ثم دعا لهم، وأطال الحديث والدعاء، وتوصية الناس بتقوى اللَّه، والتمسك بالكتاب والسنة، كانت هذه آخر وصاياه العامة.
وبعد ذلك أرجع سماعة الهاتف إلى وضعها الأول، ويبدأ يرد
стр. 50
على المتصلين، ويستمع إلى عرض المعاملات (١)، وبعد إجابة أذان العشاء سلَّم على الحاضرين، وودَّعهم، ودخل البيت.
وجلس مع أسرته وبعض أقاربه الذين قدموا للسلام عليه من الرياض والمدينة، حيث مكث معهم إلى الثانية عشرة، وهو في أُنْس، وسرور، وراحة بال تامة، ثم انصرفوا عنه؛ لينام، فأخذ يذكر اللَّه ويسبِّحه.
يقول ابنه الشيخ أحمد: «وجلست معه بعد ذلك حتى الساعة الواحدة والنصف، وسألني عن الساعة، فأخبرته، فقال: توكّلْ على اللَّه، نَمْ. وصلَّى ما شاء اللَّه أن يصلي، واضطجع على فراشه، والوالدة كانت جالسة عنده».
وقال: «وفي الساعة الثانية والنصف أو الثالثة ذهب إلى دورة المياه بنفسه ﵀ دون مساعدة، وتوضأ كعادته، ثم صلَّى واضطجع.
قالت الوالدة: ثم جلس وتلفّت يميناً وشمالاً، ثم تبسّم (٢)، وسألَتْه:
стр. 51
هل تريد شيئاً؟ كأنها استغربت من الشيخ، فلم يرد عليها؛ وإنما سألته لأنها لاحظت أن قيامه وتبسّمه لحاجة. قال: فاضطجع مرة أخرى بعد أن توضأ وتبسّم وصلّى، وله نَفَس متزايد بصوت مسموع».
قال الشيخ أحمد: «وبعد ذلك جئت إليه أنا وإخوتي، واستمر على هذه الحال، فاتصلنا بمستشفى الملك فيصل، فأرسلوا سيارة إسعاف، وحُمِل سماحته إلى المستشفى، وعند حمله فاضت روحه إلى بارئها» (١).
وقال لنا الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز: «في الليلة التي توفي فيها كان جالساً في المجلس، وقد عرضت عليه أوراقاً تتعلق بالطلاق، وأنجز منها ما تيسر، وكان ذلك بعد المغرب، وبعد أذان العشاء قبل أن يدخل البيت قلت له: هل آتي غداً الخميس، كالعادة من أجل عرض بعض الأوراق، فقال لي ﵀: لا أدري! وهو دائماً يحب العمل في يوم الخميس من أجل إنجاز بعض المعاملات، ومن هذا أحسست أنه يشعر بمرض داخلي ﵀ رحمة واسعة، ومع هذا جئت صباح الخميس، وقد فجعت بخبر وفاته ﵀» (٢).
وتوفي سماحة الشيخ قبيل فجر الخميس ٢٧ محرم ١٤٢٠هـ في مدينة الطائف بعد أن خُتم عمله بما سبق ذكره من التسبيح والذِّكر، وقيام الليل، والنوم على طهارة، وصلة الرحم، والوصية بالكتاب والسنة، وتقوى اللَّه، وفتيا الناس، وحل مشاكل المسلمين، وبناء
стр. 52
المساجد، والصدقة، والاستبشار، فسبحان من جمع له كل ذلك في الساعات الأخيرة من عمره، كما أنه حديث عهد بعُمرة، ثم كان ما كان من جنازته العظيمة.
بعد ذلك نُقل جثمان سماحة الشيخ إلى منزله بمكة لغسله وتكفينه، ورؤي وقد اكتسى وجهه بعلامات من الضياء والنور الساطع، وكان بياضه شديداً كما يقول من شارك في الغسل (١).
وكانت وفاة سماحة الشيخ ﵀ قُبيل صلاة فجر يوم الخميس السابع والعشرين من محرَّم عام عشرين وأربع مئة وألف من الهجرة، في منزله بمدينة الطائف، ثم نُقل جثمانه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف، ومنه نقل إلى ثلاجة المستشفى العسكري بالهدا؛ بأمر من صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة ﵀.
وفي صباح يوم الجمعة تم نقل جثمانه إلى منزله في مكة المكرمة لتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه في المسجد الحرام، وبعد تجهيزه تقدَّم سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه آل
стр. 53
الشيخ، أمَدَّ اللَّه في عمره، وصلى بأفراد أسرة الشيخ قبل نقله للمسجد الحرام (١).
ثامناً: الجنازة وأصداء الوفاة (٢):
بعد وقت قصير من وفاته انتشر خبره في أقطار الدنيا، وأصيب المسلمون بحزن وأسىً لا يعلمه إلا اللَّه، وصدر بيان من الديوان الملكي، وهذا نصُّه:
«انتقل إلى رحمة اللَّه تعالى: صباح اليوم الخميس الموافق ٢٧/ ١/ ١٤٢٠هـ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاماً إثر مرض ألمَّ به، وسيُصلَّى على سماحته حاضراً في الحرم المكي الشريف، ووجَّه خادم الحرمين الشريفين بأن تقام عليه صلاة الغائب أيضاً في المسجد النبوي الشريف، وجميع مساجد المملكة اليوم بعد صلاة الجمعة، إن شاء اللَّه.
стр. 54
ولقد خسر المسلمون بوفاة سماحته خسارة كبيرة، حيث فقدوا بفقده عالماً جليلاً كرَّس كلّ حياته في سبيل العلم، وخدمة الإسلام والمسلمين على اختلاف أوطانهم في جميع أنحاء المعمورة.
وإن خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني إذ يعزّون أسرة الفقيد، والشعب السعودي، والعالم الإسلامي بوفاته ليسألون اللَّه - جل وعلا- أن يتغمده بواسع رحمته، ومغفرته، ويسكنه فسيح جناته، وينزله منازل الشهداء، إنه سميع مجيب.
والحمد للَّه على قضائه وقدره، إنا للَّه وإنا إليه راجعون».
وبمجرد معرفة زمان ومكان الجنازة توجّه الناس من داخل البلاد وخارجها إلى مكة للصلاة على جنازته، واجتمع عدد عظيم في وقت قصير قُدِّر بين المليون والمليونين (١)، امتلأ بهم المسجد الحرام في مشهد لا يُنسى، وسُمع البكاء والنشيج من أرجاء المسجد الحرام.
وخطب الجمعة ذلك اليوم معالي الشيخ محمد بن عبد اللَّه السبيّل حفظه اللَّه، ومما قال: «لقد أُصيبت أمة الإسلام اليوم بوفاة عالم الأمة، وإمام أهل السنّة والجماعة في هذا العصر، علاّمة زمانه، وفقيه أوانه، الداعية إلى اللَّه تعالى على علم وبصيرة، المجاهد في سبيل الحق والهدى، سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، فإن فقده
стр. 55
مصاب أليم، وحادث جليل على أمة الإسلام، تغمده اللَّه بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته، وبوَّأه منازل الأبرار، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وجزاه اللَّه عما قدَّم للإسلام والمسلمين خير الجزاء، وعوض اللَّه المسلمين بفقده خيراً».
وبعد صلاة الجمعة حُملت جنازة سماحته للصلاة عليها، ورأينا تدافع الناس لحملها، وصارت تموج فوقهم موجاً، إلى أن وُضعت أمام الإمام، وصلّى عليها الشيخ محمد السبيّل، وتقدم المصلين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ﵀، وولي العهد (الملك عبداللَّه حفظه اللَّه)، والنائب الثاني سلطان بن عبد العزيز ﵀، وكبار الأمراء والعلماء والمسؤولين، ثم حُملت الجنازة إلى مقبرة العَدْل بمكة، حيث دُفن بها ﵀ رحمة واسعة.
ونظراً لكثرة الجموع فقد قامت قوات الطوارئ السعودية بتنظيم مسيرة الجنازة، وقد أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ﵀ أمره بأن يُصلَّى على سماحته صلاة الغائب في جميع مساجد المملكة العربية السعودية [بعد صلاة الجمعة].
كما صلّي عليه في بعض إمارات الخليج، وبعض الدول العربية والإسلامية.
كما صلت عليه مساجد أهل الحديث قاطبة في الهند وباكستان وبريطانيا، وغيرهم كثير في مختلف البلدان، كما صُلِّي عليه في الجامع الأزهر وغيره.
فهل يُعلم في التاريخ رجلٌ صلى عليه بضعة عشر مليوناً - أو
стр. 56
أكثر- سوى سماحة الشيخ؟ مما يدل على أنه وُضع له القَبول في الأرض ﵀ رحمة واسعة.
وبعد وفاته توالت وفود العزاء من شتى بقاع المعمورة، من رؤساء، وعلماء، ووجهاء، وغيرهم، حضورياً وبرقياً وعبر الهاتف، وغير ذلك.
وبقي سماحته حديث المجالس والصحف والمجلات مدة طويلة، نُشرت عنه آلاف الكلمات والمقالات من مختلف فئات الناس ومستوياتهم في شتى بقاع المعمورة، وكُتبت عشرات المؤلفات المفردة عن سماحته، وأُلقيت عنه عشرات الخطب والمحاضرات والندوات، ورُثي بمراثٍ كثيرة، حتى ذكر الشيخ ابن جبرين ﵀ أن بعض المشايخ أحصى منها أكثر من ثمانمائة قصيدة (١)، وقال الشيخ عبد العزيز السدحان (٢): «لا أعلم أن أحداً رثي بعد الرسول ﷺ أكثر من سماحة الشيخ ﵀»، والكلُّ مجمع على فضائل ومآثر سماحته، حتى بعض مخالفيه في المنهج أشادوا بمناقبه وباعتداله، فرحمه اللَّه رحمة واسعة، وأخلف على المسلمين من أمثاله (٣).
стр. 57
تاسعاً: مشاهد نادرة من جنازة الشيخ (١):
تولَّى تغسيله وتجهيزه صاحب الفضيلة الشيخ عبد اللَّه بن حمود، أمَدَّ اللَّه في عمره على طاعته، وصاحب الفضيلة الشيخ عبدالرحمن الغيث ﵀، وصاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز الوهيبي ﵀، وقام فضيلة الشيخ الوهيبي بربط جثة الشيخ بالنعش؛ حتى لا تسقط عند حملها مع تدافُع الناس.
وتولّى تجهيز القبر الأخ المكرم الشيخ محمد صادق السيلاني.
وتولَّى دفن الشيخ وإنزاله في قبره الشيخ خالد الشريمي، والشيخ عبد العزيز الشعلان، وشخص آخر لا أعرفه، وذكر لي صاحب الفضيلة الشيخ خالد الشريمي أنه عند فكِّ الأربطة من النعش، وإذا بصاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز، حفظه اللَّه، وأمدّ في عمره على طاعته، يأخذ برأس سماحة الشيخ، ويقبِّله وهو يبكي، مع العلم بأن سموه كان آخرَ من زار سماحة الشيخ بالمستشفى العسكري بالطائف (٢).
ودفن في مقبرة العدل بالأبطح بمكة المكرمة ﵀.
стр. 58
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
قال الشيخُ الحافظُ، تقيُّ الدين: أبو محمد عبدُ الغنيِّ بنُ عبدِ الواحد بنِ علي بن سرور المقدسي ﵀ (١).
الحمد للَّه الملكِ الجبارِ، الواحد القهار، وأشهد أن لا إله اللَّه وحده لا شريك له، ربُّ السَّموات والأرضِ، وَما بينهما العزيزُ الغفَّار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلَّى اللَّه عليه، وعلى آله وصحبه الأخيار.
أما بعد: فإن بعضَ إخواني سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام، مما اتفق عليه الإمامان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيريُّ النيسابوري، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به.
وأسأل اللَّه أن ينفعنا به، ومَن كَتبهُ أو سمِعَهُ، أو قرأهُ، أو حفظه، أو نظر فيه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز لديه في جنات النعيم، فإنه حسبنا ونِعْمَ الوكيل.
стр. 59
قال الإمام المحدث الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد أبو محمد المقدسي ﵀ في كتاب العمدة:
١ - كتاب الطهارة (١)
١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ــ وَفِي رِوَايَةٍ: بِالنِّيَّةِ (٢) ــ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» (٣).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (٤).
٣ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ قالوا: قال رسول اللَّه ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٥).
стр. 60
١ - قال الشارح الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀:
الحمد للَّه، وصلى اللَّه وسلَّم على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالطهارة, والطهارة هي: رفع الحدث، وإزالة النجس, يقال له: طهارة. والوضوء من الأحداث يقال له: طهارة، والغسل من الجنابة والحيض يقال له: طهارة، وإزالة النجاسة من البدن، والثوب، والبقعة تسمى طهارة، فالطهارة في الشرع هي: رفع الأحداث، وإزالة الأخباث.
والطهارة طهارتان: طهارة حسية، وطهارة معنوية.
والطهارة الحسية شطر الإيمان, كما في الحديث, يقول الرسول ﷺ : «الطهور شطر الإيمان» (١)؛ لأنها طهارة ظاهرة حسية في الوضوء، والغسل.
والطهارة المعنوية: التوحيد، والأعمال الصالحات, هي الشطر الثاني.
واللَّه جل وعلا شرع للعباد الطهارتين:
الطهارة من الأحداث والأنجاس فيما شرع من: الوضوء، والغسل، والتيمم عند العجز عن الماء، أو عند فقد الماء.
وشرع لهم الطهارة الثانية بما أمرهم به من الطاعات، وترك المعاصي, هي طهارةٌ لقلوبهم, وصلاحٌ لها, فَفِعْلُ العبدِ للأوامر،
стр. 61
وتركه للنواهي طهارةٌ لقلبه، وصلاحٌ لدينه، وسببٌ لنجاته في الدنيا والآخرة. والأعمال مبنية على أمرين:
[١] صلاح الباطن.
[٢] وصلاح الظاهر. والعمل لا يُقبل إلا بالأمرين:
النية للَّه الخالصة، وهذا يتعلق بالباطن بالقلوب, ويتعلق بهذا حديث عمر ﵁: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا يتعلق بالقلوب، فلا يقبل العمل إلا إذا صدر عن إخلاص للَّه.
ولا بد من أخذ أمر ثانٍ، وهو موافقة الشريعة؛ ولهذا قال جمع من أهل العلم: إن حديث عمر يعتبر شطر الدين؛ لأن مبنى الأعمال على أمرين:
[١] الإخلاص في الباطن.
[٢] وموافقة الشريعة في الظاهر.
فكل عملٍ لا يكون خالصاً للَّه يكون باطلاً.
وكل عمل لا يوافق الشريعة يكون باطلاً.
وحديث عمر فيما يتعلق بالإخلاص، فالأعمال بالنيات, وليس للعبد إلا ما نوى.
وحديث عائشة ﵂ الآتي (١) , وهو قوله ﷺ : «من أحدث في
стр. 62
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١).
وفي لفظ آخر: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) هذا يتعلق بالظاهر.
فلا تقبل الأعمال، ولا تصحّ جميع الأعمال التي يتقرّب بها العباد إلى اللَّه، يتعبدون بها, لا تصحّ إلا بإخلاص للَّه, وموافقة لشريعته التي جاء بها نبيه ﵊.
وقال بعض أهل العلم: إن حديث عمر ربع الدين, وأنشد في ذلك:
عمدة الدين عندنا كلمات أربعٌ ... من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية
فقوله: (واعملن بنية) حديث عمر, فجعله ربع الإسلام.
والأول أظهر, فهو في الحقيقة شطر الإسلام؛ لأنه يتعلق بما يصلح الأعمال في الباطن, وهو الإخلاص للَّه في جميع العبادات, ولابد مع هذا موافقة العمل لشريعة اللَّه, كما قال ﵊: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، «من أحدث في أمرنا
стр. 63
هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي فهو مردود.
وضرب النبي ﷺ مثالاً لهذا, فقال ﵊: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ للَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٢) , وهذا مثال للنية.
فالأعمال في الظاهر قد تكون مستوية متشابهة, لكن تُميِّزها النّيَّات، فالمهاجر إذا أراد وجه اللَّه، والدار الآخرة، فهذا هجرته إلى اللَّه ورسوله، وعمله صالح, وإن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فليس بمهاجر شرعي, إنما هجرته لما هاجر إليه من قصد النكاح، أو الدنيا, وهكذا سفر الإنسان من بلاد إلى بلاد إن كان لطلب العلم، أو للجهاد؛ فله ما نوى, وإن كان للدنيا والتجارة، فله ما نوى.
وهكذا خروجه من بيته، إن كان للمسجد، أو لعيادة مريض، ونحو ذلك، فله ما نوى, وله أعماله الصالحة في ذلك.
وإن كان خروجاً لمعنىً آخر من زيارة، أو أسباب أخرى، فله ما نوى, وله ما قصد.
والحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا
стр. 64
تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (١)، هذا الحديث يدل على أنه لابد من طهارة للصلاة, ولا تقبل إلا بذلك, ومن صلى بغير طهارة فلا صلاة له.
وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور, ولا صدقةٌ من غلول» (٢) خرَّجه مسلم في صحيحه.
فلابد من طهور للصلاة, طهور كامل من الحدث الأكبر: كالجنابة، والحيض، والنفاس، ومن الحدث الأصغر، وهو الذي يوجب الوضوء كالريح والبول، ونحو ذلك.
وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٣)، فلابد من مفتاح, ومفتاحها الطهور. أي التطهر, فمن دخلها بغير مفتاح فلا صلاة له، إلا عند الضرورة، كالذي لا يستطيع طهوراً: لا ماءً، ولا تيمماً؛ فهذا معذور: كالمريض العاجز الذي لا يستطيع.
стр. 65
٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً (١)، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنِ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثاً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟» (٢).
وفي لفظٍ لمسلمٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ» (٣).
وفي لفظ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ» (٤).
٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (٥).
وَلِمُسْلِمٍ: «لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (٦).
стр. 66
٦ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً» (١).
وَلِمُسْلِمٍ: «أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ (٢).
٧ - وله في حديث عبد اللَّه بن مُغَفَّل أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِناءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعاً، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» (٣).
٢ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بأحكام تتعلق بالطهارة.
في الحديث الأول: الدلالة على وجوب الاستنشاق في الوضوء؛ ولهذا قال ﵊: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» (٤) , وفي اللفظ الآخر: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ» (٥).
وهذا يدل على وجوب الاستنشاق، والاستنثار, وأن الواجب على المتوضئ أن يستنشق الماء, وأن ينثره؛ لما فيه من النظافة، والنشاط، وإخراج الأذى.
стр. 67
والواجب مرة واحدة, وإذا كرر ثلاثاً فهو الأفضل, وهكذا بقية فروض الوضوء ما عدا الرأس (١)، السنة ثلاثاً (٢)، والواحدة مجزئة كافية, وإن كرر ذلك ثنتين كان أفضل, والكمال ثلاث. أما الشيء الواجب فهو واحدة: غسلة واحدة لوجهه ويديه, وهكذا المضمضة مرة واحدة, واستنشاق واحد، كله يكفي؛ لأن النبي ﷺ توضأ مرة مرة, وتوضأ مرتين مرتين, وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، فالواجب في الوضوء مرة, والثنتان أفضل, والثلاث أكمل، إلا المسح؛ فإنه يمسح رأسه مرة واحدة مع أُذنيه. هذا هو الأفضل، ولا يكرر.
وفيه دلالة على وجوب غسل اليدين إذا استيقظ من النوم ثلاث مرات؛ لأن الرسول ﵊ أمر بهذا، ونهى عن إدخالهما في الإناء إلا بعد غسلهما ثلاثاً، فدل ذلك على وجوب غسلهما عند قيامه من نوم الليل.
واختلف العلماء: هل يلحق نوم النهار في ذلك، أم هذا خاص بنوم الليل؟ والأقرب - واللَّه أعلم - أنه يَعُمُّ, وأن التعبير: «أين باتت يده» نصٌّ أغلبي؛ لأن الغالب من النوم في الليل, وإلا فالحكم يعمّ الجميع؛ فإذا استيقظ من نومه، وجب عليه غسلهما ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء, كما دل عليه هذا الحديث العظيم الصحيح.
стр. 68
الحديث الثاني: فيه دلالة على أن الجنب لا يغتسل في الماء الدائم، ولا يبول فيه، لا يجوز البول في الماء الدائم مطلقاً، ولا يجوز للجنب أن يغتسل فيه؛ فإن النبي ﷺ نهى عن هذا، وعن هذا:
نهى عن البول في الماء الدائم, وعن الاغتسال فيه من الجنابة, وما ذلك - واللَّه أعلم - إلا لأنه وسيلة إلى تقذيره، وتنجيسه؛ لأنه إذا توالى فيه البول والغسل من الجنابة أفضى إلى تنجيسه, أو على الأقل تقذيره على الناس, حتى لا يُشتهى، ولا يُرغب فيه بسبب ما يحصل فيه من الغسل من الجنابة، والأبوال, التي قد تتكرر، وتكثر، فتؤثر في طعمه، أو لونه، أو ريحه, فيكون نجساً, وهكذا الغسل من الجنابة؛ لأنه قد يؤثر في الماء؛ لأن الجنب يكون عليه آثار من الجنابة مني، أو مذي, فيؤثر ذلك في الماء كدراً، أو تقذيراً, وربما كانت عليه نجاسة, فأثَّر في الماء أيضاً؛ فلهذا نهى النبي ﵊ عن ذلك بالكلية؛ حسماً لمادة إفساد الماء (١) , فلا يبول فيه, ولا يغتسل, ولكن يغترف لحاجته، والمفهوم من ذلك أنه إذا كان جارياً لا يضر الاغتسال في الماء الجاري كالنهر، أو بال فيه، لا يضر ذلك؛ إنما يضر إذا كان الماء دائماً, كالأحواض الدائمة، وأشباهها, فلا يجوز البول فيها، ولا الاغتسال فيها من الجنابة.
والحديث الثالث: حديث أبي هريرة فيه الدلالة على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ
стр. 69
أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (١). هذا الواجب, هذا من خصائص الكلاب, لا يقاس عليها غيرها، فلا يجب غسل الإناء من ولوغ الخنزير، أو الذئب، أو الأسد، أو الحمار، أو البغل, لا، إنما هذا خاص بالكلب, إذ ورد فيه النص وحده، فلا يلحق به غيره.
وفي رواية مسلم: «طَهُورُ إنَاءِ أحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيه الْكَلْبُ أن يَغْسِلَهُ سَبْعَ مرات، أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٢) , دل على أنه لنجاسته، وأن نجاسته مغلظة, لابد فيها من سبع, ولابد فيها من تراب في إحداهن، والأفضل أن تكون الأولى. لقوله: «أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» , حتى يكون ما بعدها من المياه منظفاً للإناء من التراب ومن الولوغ جميعاً.
وفي حديث عبداللَّه بن مغفل «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» (٣) , يعني ليكن إحدى الغسلات فيها تراب, فتكون ثامنة بالنسبة إلى التراب, وإلا فهي سبع بالنسبة إلى الماء.
وظن بعض العلماء: أن المراد ثمان غسلات, وليس الأمر كذلك, وإنما المراد أنَّ الثامنة بالنسبة إلى كونها من التراب، تعتبر
стр. 70
ثامنة, وبالنسبة إلى كونها مخلوطة مع الماء، فهي سابعة، وهذا من باب التنظيف، وإزالة آثار هذا الولوغ تكون سبع غسلات، إحداهن بالتراب, والأفضل أن تكون الأولى, حتى يكون ما بعدها منظفاً للإناء، ومزيلاً لآثار الولوغ, وإذا لم يتيسر التراب فما يقوم مقامه يكفي من أشنان، أو صابون، أو سدر، ونحو ذلك.
وأما إذا تيسّر التراب؛ فينبغي استعماله؛ لأن الرسول ﵊ نصّ على ذلك، فينبغي الأخذ بذلك عند وجوده؛ فإن عدم التراب استعمل ما يقوم مقامه من سدر، أو صابون، أو أشنان، أو نحو ذلك.
٨ - عن حُمْران مولى عثمان بنِ عفان: «أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنِ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَاسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأُ (١) نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَر اللَّه لَهُ (٢) مَا تَقَدَّمَ مِنِ ذَنْبِهِ» (٣).
١٢ - وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» (١).
٣ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالوضوء.
الحديث الأول: حديث عثمان ﵁ وهو عثمان بن عفان القرشي ﵁، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة - رضي اللَّه عن الجميع - يخبر أن الرسول ﷺ كان إذا توضأ غسل يديه ثلاث مرات، وهذا الغسل سنة، فيستحب للمتوضئ أن يبدأ وضوءه بغسل كفيه ثلاث مرات في جميع الأوقات, إلا إذا قام من النوم؛ فإنه يغسلهما وجوباً ثلاث مرات, ثم تمضمض واستنشق واستنثر، في حديث عبد اللَّه بن زيد، وحديث علي ﵁ , وأحاديث أخرى: أنه تمضمض، واستنشق واستنثر ثلاث مرات بثلاث غرفات, هذا السنة: يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات, وإذا اقتصر على واحدة أجزأ ذلك.
لكن الأفضل والأكمل ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، هذا هو الكمال، وإن غسل واحدة كفى؛ لأنها فرض, ثم غسل يديه: اليمنى ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً, كما في حديث عثمان ﵁ غسلهما ثلاثاً، [و] في حديث عبداللَّه بن زيد غسلهما مرتين, وذلك يدلّ على جواز الاقتصار
стр. 74
على ثنتين، وجاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة». رواه البخاري في صحيحه (١) , وهو يدل على جواز الاقتصار على مرة، والثنتان أفضل, والثلاث هي الكمال، ثم مسح رأسه، وفي حديث عبداللَّه بن زيد مرة واحدة، وحديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص، و [في] الأحاديث [الأخرى]: أنه مسح رأسه وأذنيه, ثم غسل رجليه: اليمنى ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أنه غسل ذراعيه حتى أشرع في العضد, وغسل رجليه حتى أشرع في الساق, يعني غسل الكعبين مع الرجلين, وغسل المرفقين مع اليدين؛ فدل ذلك على أن المرافق تُغسل, وهكذا الكعبان يغسلان, وهذا هو معنى قوله جل وعلا: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) يعني مع المرافق، وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣)،
يعني مع الكعبين، كما تقدم، وفي حديث عبداللَّه بن زيد أنه بدأ بمقدم رأسه عند المسح حتى ذهب إلى قفاه, ثم ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه, هذا هو الأفضل أن يبدأ بمقدم الرأس، ثم يذهب بيديه إلى قفاه, ثم يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه, هذا هو الأفضل, وكيفما مسح أجزأ على أي صفةٍ مسح رأسه، أجزأ بيدٍ واحدة، أو باليدين, بدأ بالمقدم، أو بالمؤخر, كله يجزئ, لكن يجب أن يعمّم الرأس على الصحيح,
стр. 75
ولا يجزئ البعض على الصحيح, فالأفضل أن يبدأ بمقدمه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، كما في حديث عبداللَّه بن زيد، ثم غسل ﵊ رجليه مع الكعبين ثلاثاً، هذا هو الأفضل، وإن غسلهما واحدة، أو ثنتين أجزأه ذلك.
وقوله: وَضوء، وطَهور - بالفتح -، وهو الماء المعد للوضوء, وبالضم هو نفس الوضوء, توضأ وُضوءًا - بالضم -: وطَهُرَ طُهوراً - بالضم - هو نفس الفعل، وبالفتح نفس الماء المعدّ للوضوء.
والتور: نوع من الصُّفر, وهو يدل على جواز استعمال الأواني من الصفر كالنحاس، كما يجوز استعمال الأواني من الحديد والحجر والفخَّار، وغير ذلك، ما عدا الذهب والفضة؛ فإنه لا يجوز استعمال الأواني منهما؛ الرسول ﷺ زجر عن ذلك، أما ما سوى ذلك، فلا بأس.
لا يجوز للمسلمين استعمال أواني الذهب والفضة، لا للرجال ولا للنساء.
وفي حديث عثمان الدلالة على شرعية صلاة ركعتين بعد الوضوء, يستحب أن يصلي ركعتين, يقبل عليهما بقلبه وقالبه, ويخشع فيهما لربه, وأن هذا من أسباب المغفرة، يتوضأ الإنسان الوضوء الشرعي, ثم يصلي ركعتين, لا يحدّث فيهما نفسه, غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذا فضل عظيم، هذه يقال لها: صلاة سنة الوضوء، فيستحب للمؤمن إذا توضأ أن يُصلي ركعتين، يُقبل عليهما