← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٩ - عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي الحَسَنِ (١) سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ رسول اللَّه ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنِ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ (٢) ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيهِ (٣)، فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ في التَّوْرِ (٤) فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ (٥)، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيهِ (٦)، فَمَسَحَ بهما (٧) رَاسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (٨). وفي رواية: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَاسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» (٩). وفي رواية: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنِ صُفْرٍ» (١٠).

стр. 72

التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ. ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَانِهِ كُلِّهِ» (١). ١١ - عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنِ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (٣): «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنِ أثَرِ الْوُضُوءِ»، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ (٤) فَلْيَفْعَلْ (٥).

стр. 73

١٢ - وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» (١). ٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالوضوء. الحديث الأول: حديث عثمان ﵁ وهو عثمان بن عفان القرشي ﵁، ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة - رضي اللَّه عن الجميع - يخبر أن الرسول ﷺ كان إذا توضأ غسل يديه ثلاث مرات، وهذا الغسل سنة، فيستحب للمتوضئ أن يبدأ وضوءه بغسل كفيه ثلاث مرات في جميع الأوقات, إلا إذا قام من النوم؛ فإنه يغسلهما وجوباً ثلاث مرات, ثم تمضمض واستنشق واستنثر، في حديث عبد اللَّه بن زيد، وحديث علي ﵁ , وأحاديث أخرى: أنه تمضمض، واستنشق واستنثر ثلاث مرات بثلاث غرفات, هذا السنة: يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات, وإذا اقتصر على واحدة أجزأ ذلك. لكن الأفضل والأكمل ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، هذا هو الكمال، وإن غسل واحدة كفى؛ لأنها فرض, ثم غسل يديه: اليمنى ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً, كما في حديث عثمان ﵁ غسلهما ثلاثاً، [و] في حديث عبداللَّه بن زيد غسلهما مرتين, وذلك يدلّ على جواز الاقتصار

стр. 74

على ثنتين، وجاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة». رواه البخاري في صحيحه (١) , وهو يدل على جواز الاقتصار على مرة، والثنتان أفضل, والثلاث هي الكمال، ثم مسح رأسه، وفي حديث عبداللَّه بن زيد مرة واحدة، وحديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص، و [في] الأحاديث [الأخرى]: أنه مسح رأسه وأذنيه, ثم غسل رجليه: اليمنى ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أنه غسل ذراعيه حتى أشرع في العضد, وغسل رجليه حتى أشرع في الساق, يعني غسل الكعبين مع الرجلين, وغسل المرفقين مع اليدين؛ فدل ذلك على أن المرافق تُغسل, وهكذا الكعبان يغسلان, وهذا هو معنى قوله جل وعلا: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) يعني مع المرافق، وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣)، يعني مع الكعبين، كما تقدم، وفي حديث عبداللَّه بن زيد أنه بدأ بمقدم رأسه عند المسح حتى ذهب إلى قفاه, ثم ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه, هذا هو الأفضل أن يبدأ بمقدم الرأس، ثم يذهب بيديه إلى قفاه, ثم يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه, هذا هو الأفضل, وكيفما مسح أجزأ على أي صفةٍ مسح رأسه، أجزأ بيدٍ واحدة، أو باليدين, بدأ بالمقدم، أو بالمؤخر, كله يجزئ, لكن يجب أن يعمّم الرأس على الصحيح,

стр. 75

ولا يجزئ البعض على الصحيح, فالأفضل أن يبدأ بمقدمه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، كما في حديث عبداللَّه بن زيد، ثم غسل ﵊ رجليه مع الكعبين ثلاثاً، هذا هو الأفضل، وإن غسلهما واحدة، أو ثنتين أجزأه ذلك. وقوله: وَضوء، وطَهور - بالفتح -، وهو الماء المعد للوضوء, وبالضم هو نفس الوضوء, توضأ وُضوءًا - بالضم -: وطَهُرَ طُهوراً - بالضم - هو نفس الفعل، وبالفتح نفس الماء المعدّ للوضوء. والتور: نوع من الصُّفر, وهو يدل على جواز استعمال الأواني من الصفر كالنحاس، كما يجوز استعمال الأواني من الحديد والحجر والفخَّار، وغير ذلك، ما عدا الذهب والفضة؛ فإنه لا يجوز استعمال الأواني منهما؛ الرسول ﷺ زجر عن ذلك، أما ما سوى ذلك، فلا بأس. لا يجوز للمسلمين استعمال أواني الذهب والفضة، لا للرجال ولا للنساء. وفي حديث عثمان الدلالة على شرعية صلاة ركعتين بعد الوضوء, يستحب أن يصلي ركعتين, يقبل عليهما بقلبه وقالبه, ويخشع فيهما لربه, وأن هذا من أسباب المغفرة، يتوضأ الإنسان الوضوء الشرعي, ثم يصلي ركعتين, لا يحدّث فيهما نفسه, غُفر له ما تقدم من ذنبه، هذا فضل عظيم، هذه يقال لها: صلاة سنة الوضوء، فيستحب للمؤمن إذا توضأ أن يُصلي ركعتين، يُقبل عليهما

стр. 76

بقلبه، وقالبه ويخشع فيهما، وأن هذا من أسباب المغفرة. وفي حديث عائشة ﵂ الدلالة على أن السنة التّيامن في الوضوء وغيره, ولهذا قالت عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يعجبه التَّيمُّن» وفي لفظ الآخر (١): «يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ» , أي تطهره, وفي شأنه كله، وهذا يدل على شرعية التيمن في الوضوء، والغسل, وتقدم ذلك أنه يبدأ باليمين قبل اليسار، هل هذا واجب أم لا؟ على قولين لأهل العلم: منهم من رآه واجباً في الوضوء. ومنهم من رآه مستحباً, وهم الجمهور. وهكذا يستحب في الغسل، يبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر, وهكذا في لباسه، يستحب أن يبدأ باليمين, يدخل كمه الأيمن قبل الأيسر، في القميص، والسراويل، والبشت عند اللُبس يبدأ بالأيمن, وعند الخلع يبدأ باليسار, هذا هو الأفضل, وبالنعلين والخفين كذلك. وفي الحديث الرابع: حديث أبي هريرة، وهو العاشر من كتاب الطهارة، الدلالة على أن هذه الأمة لها علامة يوم القيامة, وأنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء, هذه علامة أمة محمد ﵊ يوم القيامة, يُحشرون غُرّاً محجلين من آثار الوضوء،

стр. 77

الغرة في الوجه, والتحجيل في اليدين والرجلين، أي لهم أنوار في وجوههم، وفي أيديهم، وأرجلهم من آثار الوضوء الذي فعلوه في الدنيا. في الحديث الذي رواه مسلم: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» (١)، يحلّون بحلية مما أعدّ اللَّه لهم من الجنة إلى نهاية الوضوء مواضع الوضوء، وفي رواية مسلم: أن أبا هريرة كان يبالغ في الوضوء من أجل هذا الحديث, فكان إذا غسل يديه بالغ حتى يكاد يصل المنكبين, وهكذا في الرجلين, يبالغ في غسل الساق, يرتفع في الوضوء. وهذا الذي فعله أبو هريرة اجتهاد منه, والصواب خلاف ذلك، الصواب أنه يكتفي بغسل المرفقين والكعبين, ولا حاجة إلى أن يزيد إلى المنكب أو إلى الركبة، لا، فالسنة الاكتفاء بفعل النبي ﷺ يغسل الرجلين مع الكعبين واليدين مع المرافق، فلا يطول إلى المنكب أو إلى الركبة، لا، وأما قوله: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» هذا فيه اختلاف بين أهل العلم: هل هو من كلام النبي ﷺ مرفوع، أو من كلام أبي هريرة موقوف مدرج، وقد رجَّحَ جمعٌ من الأئمة في الحديث أنه مدرج, وأنه من كلام أبي هريرة استنباطاً من الأحاديث، فلا يستحب للمؤمن أن يزيد على الوضوء الشرعي, فيغسل ذراعيه مع المرفقين, ويغسل رجليه مع الكعبين, ويكفي ذلك، فلا يُشرع له الإطالة إلى

стр. 78

المنكب، أو فوق المنكب, ولا يشرع له الإطالة في غسل الرجلين إلى الركبتين، أو ما حولهما, هذا خلاف السنة. بل السنة أن يغسل الرجلين مع الكعبين, واليدين مع المرفقين من غير إطالة فوق ذلك، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا غسل يديه أشرع في العضد, وإذا غسل رجليه أشرع في الساق» (١). معنى أشرع: يعني أخذ بعض العضد حين غسل اليدين, وهكذا بعض الساق حين غسل الرجلين, وذلك لإدخال المرافق وإدخال الكعبين في الوضوء. فيكون معنى الآية: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) يعني مع المرافق، و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣) يعني مع الكعبين، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤) يعني مع أموالكم، وهذا هو الصواب. ١ - بابُ دخولِ الخلاءِ والاستطابةِ (٥) (٦) ١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء

стр. 79

قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (١). (٢). ١٤ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قال: أبو أيوب: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ » (٣). (٤). ١٥ - عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: «رَقِيْتُ يَوْماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» (٥).

стр. 80

٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بآداب قضاء الحاجة، والرسول ﵊ بعثه اللَّه للدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنهي عن سفساف الأخلاق، وسيئ الأعمال، فهو ﷺ يدعو إلى كل خير, وينهى عن كل شر، وقد دعا إلى الآداب الشرعية في قضاء الحاجة، والصلاة، والصوم، والصدقات، والحج، والجهاد، وغير هذا من سنن الإسلام، وقد دعا إلى كل خلق كريم، ونهى عن كل ما يخالف ذلك. ومن ذلك أنه كان ﵊ إذا أراد دخول الخلاء قال: «أعوذ باللَّه من الخبث والخبائث» (١)، عند دخول محل قضاء الحاجة لبول أو غائط, يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (٢)، وفي بعضها: «بسم اللَّه أعوذ باللَّه من الخبث والخبائث» (٣). الخبث: جمع خبيث, والمراد بذلك ذكور الشياطين. والخبائث: جمع خبيثة, والمراد بذلك إناث الشياطين. يعني من الشياطين: ذكورهم، وإناثهم.

стр. 81

قال آخرون من أهل العلم: معنى ذلك من الشر وأهله. فالخبث بالتسكين الشر، والخبائث أهله. ومعنى هذا: الاستعاذة باللَّه من الشر وأهله من الشياطين وغيرهم. هذا هو السنة لمن أراد أن يقضي حاجته عند دخول الخلاء: أن يقدم رجله اليسرى عند الدخول, ويقول: بسم اللَّه, أعوذ باللَّه من الخبث والخبائث، وإن كان في الصحراء عندما يريد قضاء الحاجة، إذا أراد المكان الذي يمكث فيه لقضاء الحاجة, قال عند ذلك: بسم اللَّه أعوذ باللَّه من الخبث والخبائث، وعند الخروج يقدم رجله اليمنى, ويقول: «غفرانك» (١)، أي أسألك غفرانك؛ لأن قضاء الحاجة من نعم اللَّه, والعبد من شأنه التقصير في شكر اللَّه، فيقول عند خروجه [...] (٢): «غفرانك»، أي أسألك غفرانك عما قصرت فيه من شكر نعمك، وعما قدمت من الذنوب. والحديث الثاني: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «إذا أتيتم الغائط» أي محل قضاء الحاجة: «فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ

стр. 82

غَرِّبُوا» (١). هذا بالنسبة للمدينة, ومن كان على سمتها يشرِّق أو يغرِّب، وهكذا في الجنوب, أما إن كان في الشرق أو الغرب, فإنه يجنب أو يشمل حتى لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها عند قضاء الحاجة. قال أبو أيوب ﵁: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة, فننحرف عنها ونستغفر اللَّه . أبو أيوب حمل الحديث على العموم, وأنه عام للمباني والصحراء: أنه يشرع للمؤمن في قضاء حاجته سواءً في المباني أو في الصحراء: أن ينحرف عن القبلة ويجعلها عن يمينه أو شماله عند قضاء الحاجة؛ لعموم الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ : «لا تستقبلوها لا بغائط ولا بول» , وأنه حديث عام، فالأولى والأفضل للمؤمن حتى في بيته أن يجعل محل قضاء الحاجة إلى غير القبلة, حتى إذا جلس يقضي حاجته, فإذا القبلة عن يمينه أو شماله, هذا هو المشروع وهذا الذي ينبغي، لكن في البناء يُتساهل في ذلك ليس بلازم في البناء, إنما هذا في الصحراء عن جمع من أهل العلم؛ لحديث عبداللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه قال: «رقيت يوماً» رقيت: صعدت. يوماً على بيت حفصة: يعني بهذا أخته حفصة ﵂: «رأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة»، هذا يدل على أن الاستدبار والاستقبال في المبنى، أو في محل مستور، ليس بلازم، وإنما ذلك

стр. 83

في الصحراء، وهذا حجة جمع من أهل العلم على أنه لا بأس أن يستقبل ويستدبر في المبنى, وهو قول البخاري، وجماعة من أهل العلم؛ لهذا الحديث: حديث عبداللَّه بن عمر. لكن الأفضل والأولى بالمؤمن أن لا يستقبلها مطلقاً؛ لأن حديث عبداللَّه بن عمر يحتمل أنه كان قبل النهي، ويحتمل أنه خاص كما قال جماعة, فالأولى بالمؤمن أن تكون مراحيضه منحرفة عن القبلة, فلا يستقبلها ولا يستدبرها, عملاً بحديث أبي أيوب العام، وما جاء في معناه، ولكنه في المبنى أسهل وأقل, يعني تَبِعَة, بسبب حديث عبداللَّه بن عمر المذكور، فيكون خاصاً, وحديث أبي أيوب عاماً. والقاعدة: أن الخاص يقضي على العام في النصوص. ١٦ - عن أنس بن مالك ﵁ أنه (١) قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي معي (٢) إدَاوَةً مِنِ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» (٣). العنزة: الحربة الصغيرة. والإداوة: إناء صغير من جلد (٤).

стр. 84

١٧ - عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ, وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ, وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (٢). ١٨ - عن عبداللَّه بن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (٣). ٥ - قال الشارح ﵀: هذا الحديث الصحيح حديث أنس ﵁ عن النبي ﵊: أنه كان يدخل الخلاء, فيحمل أنس، قال: وغلام معه. وفي رواية أخرى: «من الأنصار إدَاوَةً مِنِ مَاءٍ وَعَنَزَةً» (٤) , فيستنجي بالماء ﵊. هذا يدل على فوائد:

стр. 85

[١] منها: شرعية الاستنجاء بالماء في غسل الدبر، والذكر من آثار البول، والغائط. وأن النبي ﵊ كان يستعمله في بعض الأحيان, وكان في بعض الأحيان يستجمر ﵊ , وكلاهما جائز، إن شاء المؤمن استجمر بالحجارة ونحوها, وإن شاء استنجى بالماء, وإن شاء جمع بينهما، الاستنجاء بالماء أنقى، وأذهب لآثار النجاسة, والاستجمار بالحجارة، واللَّبِن، والمناديل الطاهرة الخشنة، ونحوها مما يزيل الأذى جائز أيضاً عند أهل العلم, وقد دلت عليه أحاديث كثيرة: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (١)، قال سلمان ﵁: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار» (٢). فإذا استنجى الإنسان بثلاثة أحجار، أو أكثر، أو لبن، أو أخشاب، أو غير هذا مما يزيل الأذى، أو مناديل، أو تراب، أو نحو ذلك مما يزيل الأذى، حتى ينقى المحل ثلاثة فأكثر، أجزأه ذلك عن الماء، وإن

стр. 86

جمع بينهما كان أكمل: الاستنجاء بالحجارة، ثم إتباعها الماء. [٢] وفيه من الفوائد: جواز خدمة الشخص لحمل الماء معه لحاجته، أو الحجارة, لحديث عبداللَّه بن مسعود: لا بأس أن يأمر الإنسان بعض أولاده، أو خدامه أن يتبعوه بما يحتاج إليه من ماء أو حجارة, ليستنجي بذلك. [٣] وفيه من الفوائد أيضاً: استصحاب العنزة, وهي عصا صغيرة لها حربة تركز أمامه، إذا جاء يصلي ﵊. العنزة: حربة صغيرة، يعني عصا لها حربة, تركز أمام المصلي, سترة كان يستعملها في السفر ﷺ ، إذا أراد أن يصلي ركزت أمامه سترة له، والصلاة بالسترة سنة مؤكدة، قال ﵊: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا» (١). والحديث الثاني: حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ, وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ, وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (٢). الحديث فيه مسائل، والحديث متفق على صحته عند البخاري ومسلم.

стр. 87

المسألة الأولى: أنه لا يجوز للمسلم أن يمسك ذكره بيمينه وهو يبول؛ لأنه قد يناله شيء من النجاسة، واليمنى يجب أن تبعد عن هذا, لأن اليمنى للمصافحة، والأكل، والأخذ، والعطاء, فينبغي أن تكون بعيدة عن التلطخ بالنجاسة، وإذا أراد أن يمسك ذكره يمسكه باليسرى لا باليمنى. والمسألة الثانية: ليس للمؤمن والمؤمنة أن يتمسح في الخلاء باليمين، بل باليسار، يستجمر بها، ويستنجي بها. وهذا من الآداب الشرعية، والرسول ﷺ علم أمته الآداب الشرعية في الوضوء، وفي الاستجمار، وفي الصلاة، وفي غير ذلك ﵊، فقد دعا الأمة إلى كل خلق كريم, ونهاها عن كل خلق ذميم، واللَّه جل وعلا شرع لعباده مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ونهاهم عن سفاسف الأخلاق، وسيئ الأعمال. ومن الآداب الشرعية في الشرب: أن يشرب بيمينه, وأن لا يتنفس في الإناء، والأفضل أن يكون بثلاثة أنفاس، يفصل الإناء عن فمه، ويتنفس ثلاثاً إذا شرب الماء، أو اللَّبن، ولا يتنفس في الإناء؛ لأنه قد يُشرب منه، أو يخرج من فمه شيء يقذر الماء، والسنة الفصل يفصل الإناء عن فمه، ويتنفس. والحديث الثالث: حديث ابن عباس ﵁: هو عبداللَّه بن عباس بن عبدالمطلب ابن عم النبي ﵊ يقول: إنه ﷺ مر بقبرين

стр. 88

, فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، وفي رواية قال: «بلى إنه لكبير»: «أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ»، وفي اللفظ الآخر: «لايستنزه من البول»، وَأَمَّا الآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (١)، هذا فيه دلالة على: [١] تحريم النميمة. [٢] وتحريم التساهل بالبول. وأن الواجب العناية بالنزاهة من البول، والتطهر من البول، في بدنه وثيابه، فلا يتلطخ بشيء من ذلك. وفي الحديث الآخر: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» (٢). النميمة فيها فساد عظيم؛ لأنها تثير الفتن بين الناس والشحناء، والنميمة: نقل كلام زيد إلى عمرو, كلاماً سيئاً، ينقل كلاماً من زيد إلى عمرو، أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة, كلاماً سيئاً, ويورث الشحناء، ويثير العداوة، ويفتح باب الشحناء، هذا يقال له نميمة، كل كلام تنقله من قوم إلى قوم، أو من شخص إلى شخص, لا يرضى به المنقول إليه, فيسبب فتنة، هذا يسمى النميمة.

стр. 89

في الحديث الصحيح يقول النبي ﵊: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» (١)، والنميمة من الكبائر؛ ولهذا استحق العقاب من تعاطاها في قبره مقدماً على عقاب النار، نعوذ باللَّه. والتنزه من البول أمرٌ واجب, والتلطخ به أمرٌ محرم. ولهذا استحق من تلطخ بالبول ولم يتنزه منه استحق العذاب في القبر مقدماً, نسأل اللَّه السلامة. وفيه: أنه أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرس على كل قبرٍ واحدة قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». هذا خاصٌّ بالقبرين, ولا يُشرع أن يفعل مع القبور؛ لأن الرسول ﵊ ما فعلها إلا مع القبرين الذين أطلعه اللَّه على عذابهما, لم يفعل هذا مع القبور الأخرى. دل ذلك على أنه لا يشرع أن تغرز الجرائد أو الأغصان أو الشجر أو غيرها على القبور لأن الرسول ﵊ ما فعل هذا, إنما هذا بشأن هذين القبرين اللذين أطلعه اللَّه على عذابهما، فلا يشرع غرس الجرائد على القبور لعدم الدليل؛ لأن الرسول ما فعله مع قبور أهل البقيع ولا مع غيرهم, وإنما فعله مع القبرين. نعم لو اطلع الإنسان على عذاب صاحب القبر وغرز عليه هذا يمكن له أن يفعل كما فعل الرسول ﷺ لكن اللَّه جل وعلا أخفى عنا عذاب القبور رحمة من اللَّه لنا، ولم يطلعنا على ذلك رحمة منه

стр. 90

سبحانه، فلو أُطلع الناس على عذاب أهل القبور لما تهنؤوا بنوم ولا راحة. نسأل اللَّه السلامة. ٢ - بابُ السواكِ ١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي (١) ﷺ قال: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» (٢). ٢٠ - عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (٣). (٤). ٢١ - عن عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (٥) ﵄ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ, فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ، وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ, فَمَا رَأَيْتُ

стр. 91

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قطُّ (١) أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَفَعَ يَدَهُ ــ أَوْ إصْبَعَهُ ــ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى ــ ثَلاثاً ــ ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي» (٢). وَفِي لَفْظٍ «فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ, فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَاسِهِ: أَنْ نَعَمْ» (٣) هَذَا (٤) لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٥). ٢٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ (٦)، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ (٧) يَقُولُ: أُعْ، أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ» (٨). ٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالسواك, والسواك سنة،

стр. 92

وقربة في مواضع كثيرة, منها: الوضوء, ومنها الصلاة, ومنها عند دخول المنزل, وعند القيام من النوم (١). ويُستحب للمؤمن التسوك عند إرادة الوضوء في أول الوضوء, وهكذا في أول الصلاة قبل أن يكبّر؛ لأنه ﷺ كان يفعله، ويقول: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» (٢)، وفي لفظ: «مع كل وضوء» (٣) , وهذا يدل على شرعية السواك عند الوضوء وعند الصلاة. والسواك: العود الذي يستن به أيضاً يقال له السواك، ويقال للعمل سواك، وتسوّك، ويكون بالأراك، وبغيره من الأعواد المناسبة, التي تلين

стр. 93

عند التسوك بها, وتزيل الأوساخ, وتشد اللثة وأحسنها الأراك. وكان النبي ﵊ يحب السواك, ويستعمله ويحث عليه، وسئلت عائشة ﵂ عن الشيء الذي يبدأ به إذا دخل المنزل؟ قالت: بالسواك (١)، وفي حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كَانَ النبي ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (٢) يعني: يدلكه بالسواك. هذا يدل على شرعية السواك وتأكده عند الوضوء، وعند الصلاة, وعند دخول المنزل, وعند القيام من النوم, وهكذا يستحب عند تغير الفم، إذا طال السكوت وتغير الفم؛ لأنه يطيِّب النكهة, ويشد اللثة، وينظف الأسنان، وينشط، ويطرد النعاس، وله فوائد كثيرة. وفي حديث عائشة ﵂ أنه ﵊ «استاك عند الموت»، ودخل عبدالرحمن صِهْر النبي ﷺ أخو عائشة ومعه سواك, والنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه, وكانت ﵂ قد أسندته إلى صدرها, فلما رأته ينظر إلى السواك أشارت إليه. آخذه لك؟ قال: «نعم»، وعرفت أنه يحب السواك، وطلبته من عبدالرحمن فأعطاها عبدالرحمن إياه، فقضمته ودفعته إلى النبي ﷺ فاستن به استناناً حسناً. ثم رفع بصره إلى السماء، فقال: «في الرفيق الأعلى» (٣). ثلاث مرات، يطلب ربه أن يكون: «في

стр. 94

الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين» ﵊ , ثم قضى ﵊، أي ثم توفي ﵊ في تلك الساعة, فكان من آخر عمله التسوك. فدل ذلك على شرعية السواك في كل وقت, ولاسيما عند الأمور المذكورة: الوضوء، والصلاة، والاستيقاظ من النوم، ودخول المنزل، وتغير الفم ونحو ذلك. في حديث عائشة عند النسائي بسند صحيح يقول النبي ﵊: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (١). وهذا يدل على شرعيته دائماً. السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب. وحديث أبي موسى يدل على هذا, فإنه دخل على النبي ﷺ وهو يستن، ولم يقل عند الصلاة, بل في أوقات عادية وهو يستن، والسواك على طرف لسانه، وهو يقول «أُع أُع, كأنه يتهوع» الظاهر - واللَّه أعلم - أن ذلك من أجل ما قد يلحق بالحلق شيء من شعرات السواك. فإن السواك قد ينتثر منه بعض الشعرات القليلة, فتؤثر على الحلق, فلعله كان يتهوع من أجل هذا؛ لأنه دخل على حلقه شيء من السواك, فأراد إخراجه بذلك، والمقصود من هذا أنه رآه يستاك في

стр. 95

مجلسه ﵊ , فدل على أن السواك أمرٌ مشروع في المجالس، وفي الطريق، والمنزل، ونحو ذلك، ليس له وقت محدود، فمتى شاء الاستياك فعله. «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». ولكنه يتأكد في مواضع، منها ما تقدم: الوضوء، والصلاة، وإذا قام من النوم، وعند دخول المنزل. ٣ - بابُ المسحِ على الخفينِ ٢٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» (١). ٢٤ - عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ (٢)، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» (مختصراً (٣)) (٤).

стр. 96

٤ - بابٌ في المذيِ وغيرِهِ ٢٥ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي (١)، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ (٢) فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (٣). وللبخارِي «تَوَضَّا، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ (٤)» (٥). ولمسلمٍ «تَوَضَّا وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (٦). ٢٦ - عن عبَّاد بن تميم عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ الّذي (٧) يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ, فَقَالَ: لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً, أَوْ يَجِدَ رِيحاً» (٨).

стр. 97

٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة: الأول منها والثاني يتعلقان بالمسح على الخفين، والمسح على الخفين سنة، مشروع لما فيه من قول رسول اللَّه, ولما فيه من التسهيل والتيسير، لكن بشرط أن يكون ذلك على طهارة، يلبسهما على طهارة, وأن يكون الخفان ساترين، خفان من الجلد أو جوربان من الصوف أومن القطن أو من الشعر أو غير ذلك. إذا كانا ساترين، ولبسهما على طهارة، فإنه يمسح، ولهذا لما أراد المغيرة أن ينزع الخفين قال له النبي ﷺ : «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (١). وفي الحديث الآخر: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا» (٢). وفي حديث علي ﵁ لما سُئِلَ عن مسح الخفين؟ قال: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةٌ لِلْمُسَافِرِ بلَيَالِيهِنَّ» (٣). والمسافر يمسح ثلاثاً بلياليها، والمقيم يمسح يوماً وليلة, إذا كان لبسهما على طهارة، وكانا ساترين، ولو كانا من غير جلد يستران الكعبين والقدم, سواء كان ذلك عن: ريح، أو بول، أو غائط

стр. 98

لا بأس، كما في حديث حذيفة: أنه بال فتوضأ ومسح على خفيه، لكن إذا كان على جنابة لابد من الخلع إذا كان عليه جنابة، يخلع ويغسل بدنه كله، وإنما يمسح إذا كان الحدث أصغر, يتوضأ ويمسح يوماً وليلة إذا كان مقيماً، وثلاثة أيام بلياليها إذا كان مسافراً، والمبدأ من أول مسح بعد الحدث, يحتسب ذلك من أول مسح بعد الحدث, يحتسب اليوم والليلة من مسحه بعد الحدث. والحائض والنّفساء كذلك لابد من الخلع، وتغسل بدنها كله، فلا تمسح، إنما المسح يكون من الحدث الأصغر. حديث علي ﵁ يدل على أن المذي نجس, وأن الإنسان إذا أمذى يتوضأ وضوء الصلاة. والمذي: ماء لزج يخرج على طرف الذكر عند تحرك الشهوة, فإذا تحركت الشهوة تحرك الذكر, يخرج ماء يقال له المذي، هذا ينقض الوضوء، ويوجب غسل الذكر والأنثيين؛ ولهذا قال لعلي: «يغسل ذكره ويتوضأ» (١)، وفي اللفظ الآخر: «اغسل ذكرك وأنثييك» (٢) يعني الخصيتين. يغسل الذكر والأنثيين، ويتوضأ وضوء الصلاة من المذي.

стр. 99

أما المني فيوجب الغسل, والفرق بينهما: أن المني: ماء غليظ أبيض ثخين, يخرج بدفع وقوة, أما المذي: فهو ماء لزج خفيف في أعلى طرف الذكر عند تحرك الشهوة، هذا يقال له: مذي، فإذا أصاب الثوب ينضح أو البدن ما يحتاج إلى غسل ينضح، إذا رشه بالماء كفى، ويغسل الذكر والأنثيين ويتوضأ وضوء الصلاة من جهة المذي, سواء كان [المرأة، أو الرجل] (١)، كله واحد، لا فرق بين الرجل والمرأة. أمّا المني، وهو الماء الغليظ الذي يخرج عن شهوة عند دفقٍ بلذَّة، هذا يوجب الغسل؛ سواء في اليقظة أو في النوم. والحديث الرابع: حديث عبداللَّه بن زيد بن عاصم الأنصاري ﵁: أنه شُكي إلى النبي ﷺ الرجل، أو شَكا إلى النبي ﷺ الرجل [الذي] يخيل إليه: أنه يجد الشيء في الصلاة, ويخيل إليه أنه خرج منه شيء في الصلاة: ريح أو بول، النبي ﵊ قال: «لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً, أَوْ يَجِدَ رِيحاً» (٢)، يعني يلغي الوساوس, لا يعمل بالوساوس والتخيلات؛ لأن هذا يسبب عليه المشاكل, ويجترئ عليه الشيطان ويؤذيه، فلا يلتفت إلى هذه الوسوسة, حتى يسمع صوتاً, أو يجد ريحاً, أو يتحقق في الخروج إذا جزم: أنه خرج منه شيء يتوضأ، مادام عنده شك, خرج منه شيء أم لا؟ فإن طهارته باقية، وليس عليه وضوء، هذا من رحمة اللَّه,

стр. 100

وتيسير اللَّه جل وعلا: أن الإنسان لا يلتفت إلى الوساوس. ا. هـ (١). ٢٧ - وعن أمِّ قيسِ (٢) بِنت مِحْصَنٍ الأسَدية «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَاكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ (٣) فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ (٤)، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» (٥). ٢٨ - عن عائشة أم المؤمنين (٦) ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ (٧) ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ» (٨). وَلِمُسْلِمٍ: «فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» (٩). ٢٩ - عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ

стр. 101

- ﷺ بِذَنُوبٍ مِنِ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» (١). ٣٠ - عن أبِي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ» (٢). ٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊ تتعلق بأحكام متعددة. الحديث الأول: حديث أم قيس بنت محصن الأسدية ﵂، وهي أخت عُكَّاشة بن محصن الصحابي الجليل، تقول: إنها أتت النبي ﷺ بصبي لها لم يأكل الطعام، صغير رضيع، لم يأكل الطعام، فبال على ثوب النبي ﷺ أخذه فأجلسه في حجره، فبال عليه، فدعا بماء فنضحه على ثوبه، ولم يغسله (٣). وهكذا في حديث عائشة ﵂: أن النبي أُتي بصبي فبال على

стр. 102

ثوبه, فدعا بماء, فأتبعه إياه ولم يغسله (١). هذان الحديثان الصحيحان يدلان على أن بول الصبي الصغير الذي لا يتغذَّى إلا بالحليب, بوله يرش، وينضح, ولا يحتاج إلى غسل؛ لأن نجاسته مخففة؛ ولهذا في حديث أبي السمح ﵁ خادم النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: «بَوْلُ الْغُلامِ الرَّضِيعِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ» (٢). وهكذا في حديث علي ﵁: «بول الغلام الرضيع ينضح, وبول الجارية يغسل» (٣). وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الصبي الصغير الذي لا يأكل الطعام، إنما يتغذى بحليب أمه, هذا يرش بوله، إذا أصاب الثوب والبدن, يرش بالماء، وينضح بالماء من غير حاجة إلى غسل، ولا عصر، ولا دَلْك.

стр. 103

أما الجارية فبولها أغلظ يغسل, ولو كانت لا تأكل الطعام, ويغسل غسلاً بالعصر، والفرك, يصب عليه الماء ويعصر، هذا إذا لم يأكلا الطعام؛ أما إذا أكلا الطعام، وتغذيا بالطعام، فإنه يغسل الذكر والأنثى, يغسلان جميعاً، إذا كان الذكر يتغذى بالطعام، أما كونه يأكل الطعام اليسير، وبعض الشيء؛ فإن هذا ما [يغذِّي] (١) , أما إذا كان غذاؤه بالطعام لا بالحليب, فإنه يغسل كالجارية. والحديث الثاني حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أن أعرابياً بال في طائفة المسجد, فزجره الناس, يعني أنكروا عليه لخبث عمله, وهو البول في المسجد, وكان جاهلاً، حديث العهد بالإسلام, فقال النبي ﷺ : «دعوه». فلما قضى بوله علّمه النبي ﷺ «أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر» (٢) , وإنما بُنيت لذكر اللَّه، وقراءة القرآن، والصلاة. وقال للصحابة كما في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرينَ ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين» (٣) ثم أمر بدلو من ماء, فصُب عليه، ولم يأمر بنقل التراب، ولا تحجير الماء، بل صبّ عليه الماء وكفى.

стр. 104

هذا يدل على فوائد: [١]ــ منها: الرفق بالجاهل, وعدم الشدة على الجاهل حتى لا ينفر من الإسلام. [٢]ــ منها تعليمه وإرشاده إلى الحكم الشرعي, حتى ينتبه في المرة الأخرى, لا يفعل ما فعل. [٣]ــ ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي ﷺ , وأنه كان رفيقا ليناً ﵊ , حليماً كما قال اللَّه : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١)، ولهذا أرشدهم إلى الرفق بهذا الجاهل، فقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرينَ ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين» رواه البخاري في الصحيح (٢) من حديث أبي هريرة، هذا يدل على الرفق بالجاهل, وعلى حسن خلق النبي, وعلى أنه ينبغي للأمة أن يتأسوا به ﷺ في ذلك, وأن يرفقوا، ويحلموا، ولا يعجلوا. [٤]-وفيه من الفوائد: أن البول إذا وقع في المسجد مثلاً، أو في بقعة يُكاثر بالماء, يُصبُّ عليه الماء ويكفي، يُصبُّ عليه ماء أكثر منه ويكفي لطهارته، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يُصب عليه سَجْل من ماء,

стр. 105

والسجل هو الذنوب والدلو شيء واحد، ولم يأمر أن ينقل التراب، ويحجَّر الأرض، يُصبّ عليه الماء ويكفي، يسيح فيه, بهذا تتفرق أجزاؤه, ويغلب عليه الماء الطهور، وينتهي الأمر، لكن لو كان له جرم، أو كان للنجاسة جرم، يؤخذ الجرم، ويطرح بعيداً في القاذورات إذا كانت النجاسة من الغائط، يؤخذ جسم الغائط، أو قطعة من الدم تؤخذ وترفع، أو ما أشبه ذلك من النجاسات التي لها جرم، هذه تُرفع ثم يُصب الماء على محلها، إذا كان محلها رطباً يُصبّ الماء على محلّها، أما إذا كانت يابسة ترفع ويكفي, ولا يحتاج صبّ ماء، إذا كانت القطعة يابسة وقعت في المسجد، ترفع عن المسجد, ولا يحتاج صب الماء على محلها؛ لأنها يابسة, وهكذا لو كانت في بيت الإنسان, أو في حوشه, أو في سطحه, أو في أي مكان, فإذا صُب الماء على البول طَهُر, وهكذا إذا كان في الفرش، يصب عليها الماء, ويُكاثر بالماء ويكفي, ولا يحتاج إلى دَلْكٍ وغسلٍ. س: إذا كان البول على بلاط؟ ج: يُصب عليه الماء ويكفي, يسيح فيه الماء، ويكفي. الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» الفطرة هي السنة التي فطر اللَّه عليها العباد، خَمْس خصال: «الْخِتَانُ، الِاسْتِحْدَادُ، قَصُّ الشَّارِبِ، قلْمُ الْظّفْرِ، نَتْفُ الْإِبْطِ» (١) خمسة،

стр. 106

هذه من السنة، واللَّه فطر عليها العباد، فينبغي للمسلمين الأخذ بها. أولها: الختان: يختن الذكر بأخذ القلفة التي على رأس الذكر، أي الجلدة؛ لأن هذا أنظف له, وأبعد عن آثار النجاسة, وأعون له على جماع أهله، ومن الفطرة. والأنثى كذلك: يؤخذ منها شيء يسير من اللحمة التي في مقدمة الفرج, لحمة حمراء يؤخذ منها شيء يسير, وهو ختانها إذا تيسر من يفهم ذلك, وهو سنة مؤكدة. وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب في حق الرجال، وهذا مشهور عن ابن عباس وجماعة, والجمهور على أنه سنة مؤكدة. والثاني: الاستحداد: معناه حلق العانة: الشعرة للرجل، والمرأة سنة, هذا الاستحداد, وإذا أزيل الشعر بشيء من الأدوية بدلاً من الاستحداد بالموس، فلا بأس إذا وضع على العانة الشعرة دواء يزيل مثل ما يفعل الناس اليوم يزيل الشعر كفى. والثالث: قص الشارب، والسنة قص الشارب, ولا يجوز تطويله, بل يجب قصه. ولهذا قال ﵊: «مَنْ لَمْ يَاخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (١)، وقال: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا

стр. 107

اللِّحَى» (١)، «وَفِّرُوا اللِّحَى» (٢) , «أَرْخُوا اللِّحَى» (٣). الواجب قص الشوارب، أما اللِّحى فيجب توفيرها، وإرخاؤها، وإعفاؤها, ولا يجوز حلقها، ولا قصها، كثير من الناس اليوم ابتلي بمثل هذا, نسأل اللَّه العافية، قص اللحية وحلقها، هذا منكر، الواجب إعفاؤها، وإكرامها، وتوفيرها، أما الشارب فيُقصّ ويُحْفى، كما جاءت به السنة عن النبي ﵊. الرابع: قلم الظفر: قلم الأظفار: السنة قلمها، لا تتركها تطول من الرجال والنساء. والخامس: نتف الإبط: كذلك ينتف الإبط، وإن أَزاله بغير النتف بالدواء كفى، إن أزال شعر الإبط بالدواء، أو أزال الأظفار بقصٍّ دون القلم بمقص فلا بأس. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة وأوصاهم بأن لا تُتْرك هذه الأمور أكثر من أربعين ليلة. قال أنس ﵁: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الظُّفْرِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة» (٤)، وأنه

стр. 108

لا يجوز أن تترك فوق أربعين ليلة, بل يتعاهدها المؤمن, يقص شاربه، يقلم أظفره، ينتف إبطه, يحلق العانة في أقل من أربعين ليلة. س: يا شيخ! الختان الذي تكلمت عنه نسمع أن المرأة تختن؟ ج: هو سنة في حق الرجل والمرأة يختنان جميعاً, والرجل آكد، حتى أوجب ذلك جمع من أهل العلم في حق الرجل. ٥ - بابُ الغسل من الجنابةِ (١) ٣١ - عن أبي هريرة ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُباً. فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ ــ وفي رواية: المُؤْمِنَ ــ لا يَنْجُسُ» (٢) (٣). ٣٢ - عن عائشة لقالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ (٤) تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يغْتَسِلُ (٥)، ثُمَّ

стр. 109

يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ (١) شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ (٢) ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (٣). ٣٣ - وَكَانَتْ تَقُولُ (٤): «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً» (٥). ٣٤ - عن ميمونة بنت الحارث ﵂ زوج النبي ﷺ أنها (٦) قالت: «وَضَعَتُ لِرَسُولِ اللَّهِ (٧) ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوِ الْحَائِطِ، ــ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً ــ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَاسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ سائر (٨) جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، قالت (٩):

стр. 110

فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِيهِ (١)» (٢). ٩ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة فيما يتعلق بالجنابة والغسل منها، والغسل من الجنابة من الفرائض كما قال اللَّه جلّ وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣). الطهارة لا بد منها في الجنابة، وإذا عجز عن الماء كفاه التيمم كالمسافر ونحوه. وفي الحديث الأول: أن أبا هريرة ﵁ كان مع النبي ﷺ ، فانخنس من النبي ﷺ : يعني ذهب منه خُفيةً، ثم اغتسل، ثم جاء، فقَالَ له النبي ﷺ : «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: إني كُنْتُ جُنُباً، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ ﵊: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ» (٤)، فدلّ ذلك على أن الجنب طاهر العرق، طاهر البدن، ليس بنجس، عَرَقه طاهر، وريقه طاهر، وبدنه طاهر، وإنما عليه حدث يُغسل بالماء، وهذا معنى من المعاني يسمى حدثاً أكبر، إذا تطهر بالماء ارتفع، وحلت له
следующие страницы →