← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

خطب عمر ﵁ وأرضاه في خلافته، فقال في بعض خطبه: أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر يعني من جهة اللَّه, اللَّه حرمه, من جهة القرآن الكريم المنزل من السماء, وهكذا الوحي الثاني السنة, هي أيضاً منزلة من السماء, قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، اللَّه أنزل تحريم الخمر في الكتاب العظيم والسنة المطهرة. فيجب الحذر منها, والتواصي بتركها، وعقوبة من تعاطاها، إذا ثبت ذلك عليه. قال: وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير, يعني غالباً تكون من هذه الخمسة، غالباً: من العنب: عصير العنب، ومن التمر، ومن العسل، ومن الحنطة، والشعير، وقد تكون من غير ذلك، وقد تكون من الذرة، وقد تكون من أشياء أخرى, وضابطها كل ما أسكر هذا ضابطها، من أي جنس كانت، ومن أي ثمر كانت، ومن أي حبوب كانت, فما أسكر فهو حرام، كما قال ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رواه مسلم (٢). في حديث عائشة: لما سئل عن البتع، وهو نبيذ العسل، قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» (٣).

стр. 772

وفي حديث أبي موسى في الصحيحين أيضاً: لما سئل عن البتع والمزر، قال: «كل مسكر حرام» (١) , سواء كان بتعاً، أو مزراً. البتع: نبيذ العسل, والمزر: نبيذ الشعير. وهكذا ما يتخذ في الإناء: من العنب، والتمر، والذرة، وغير ذلك. الاعتبار بالإسكار لا بالمادة، المادة سواء كانت ذرةً، أو شعيراً، أو تمراً، أو عسلاً، أو غير ذلك. ومتى عُلِمَ أنه خمرٌ لم يجز بيعه، ولا شراؤه، ولا المعاوضة عليه، بل يجب إتلافه, مَتَى عُلِمَ أنه مسكر وجب إتلافه، ولا يجوز بيعه، ولا شراؤه، ولا الاعتياض عنه، ولمَّا «بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ بعض عماله بَاعَ خَمْرًا لليهود، قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جلّ وعلا، لما حرم على الْيَهُودَ الشُّحُومَ جَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا، فأكلوا ثمنها» (٢). فعابهم اللَّه بذلك, أي عابهم بتعاطيهم الحيل, فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى ما يتعاطاه اليهود بالتحيّل على محارم اللَّه, ولو باعها على حساب اليهود والنصارى، لا, هم الذين يتولون أمورهم، لا يتولى لهم شيئاً, تؤخذ منهم الجزية من أموالهم، ولكن لا تباع لهم الخمر، ولا غيرها مما حرم اللَّه، بل هم يتولون بيع ما عندهم, والمسلمون لهم الجزية، عليهم من أموالهم من غير نظر إلى هذا المال: من أين

стр. 773

جاء. وفي الحديث يقول ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه بأدنى الحيل» (١)، ومن حيلهم أنهم لما حرم اللَّه عليهم الشحوم جملوها، يعني أذابوها، ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وقالوا: ما بعنا شحماً، إنما بعنا ذوباً، غيّروا الاسم, واستحلّوا ما حرم اللَّه بهذه الحيلة، فعاقبهم اللَّه، فذمّهم، ولعنهم, هكذا الطائفة منهم، الذين احتالوا على الصيد يوم السبت، لمّا حرم عليهم الصيد يوم السبت، نصبوا الشباك يوم الجمعة، وأخذوا الصيد يوم الأحد, صاروا يصيدون يوم السبت بالحيلة. فالواجب على المسلم أن يحذر صفات المغضوب عليهم، وهم اليهود، فلا يتساهل في حِلِّ ما حرم اللَّه، بل يبتعد عن ذلك، يحذر كل ما حرم اللَّه عليه، ولا يتوصل إلى ذلك بالحيل الباطلة, فالحيلة لا تحل حراماً، بل يزداد صاحبها إثماً، نسأل اللَّه العافية.

стр. 774

١٨ - كتاب اِللِّبَاس ٤٠١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (١). ٤٠٢ - عن حُذَيفة بن اليَمان ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلا الدِّيبَاجَ، وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَاكُلُوا فِي صِحَافِهِا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» (٢). ٤٠٣ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ إلَى (٣) مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ» (٤).

стр. 775

١٢٠ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق باللباس, الأصل في اللباس الحل والإباحة؛ لأن اللَّه خلق للعباد ما في الأرض جميعاً من المآكل والمشارب، والمساكن، والملابس، والمراكب، إلا ما حرمه الشرع، إلا ما حرمه اللَّه، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ (١) [قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢)] (٣). [...] (٤)، وغير هذا (٥) مما يلبسه الناس، ولا حرج في ذلك، وجعل لهم أيضاً ملابسَ وجمالاً، وهي الرياش، يقال ريش ورياش، تلبس للتجمل, فالملابس قسمان: قسم تُسْتَرُ به العورات، وقسم يُتَّخَذُ للزينة والجمال، كما في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٦). هذا كله من فضل اللَّه جل وعلا، وإحسانه لعباده: أن هيأ لهم وخلق لهم ما يسترون به العورات: وما يتجملون به بين الناس, ويستثنى من ذلك الحرير، فإنه لا يجوز للرجال؛ لقوله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير»، هذا خطاب للرجال، «فإنه من لبسه في الدنيا لم

стр. 776

يلبسه في الآخرة» (١)، كما قال في أهل الجنة: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٢)، أهل الجنة لباسهم فيها الحرير، فمن لبسه في الدنيا من الرجال، فهو على هذا الوعيد الشديد، على هذا الخطر, من حرمان دخول الجنة، أو حرمانه لباس الحرير فيها, أما النساء فلا بأس في حقهن في لبس الحرير؛ لأنهن محتاجات للزينة لأزواجهن, اللَّه أباح لهن الحرير، وأباح لهن الذهب، وحرَّم ذلك على الرجال, كما في الحديث يقول ﷺ : «أُحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّمَ على ذكورها» (٣). وفي حديث علي ﵁: أنه ﵊: «أَخَذَ ذَهَبًا فِي يدِهِ اليُمْنَى، وَحَرِيرًا فِي يدِه اليُسْرى، وقَالَ: «هَذَانِ حِلٌ لأُناثِ أُمَّتِي» (٤).

стр. 777

ورأى ﷺ رجلاً في يده خاتماً من ذهب فطرحه, وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنَ النَارٍ فَيَضْعُهَا فِى يَدِهِ» (١)، ذلك مما يدل على تحريم التختم بالذهب, وقد ورد في الحديث الصحيح: النهي عن التختم بالذهب, أي في حق الرجال (٢) , ونهى ﷺ الناس جميعاً عن الشرب في الذهب والفضة والأكل فيهما هذا عام للرجال والنساء جميعاً, أمّا النهي عن لبس الحرير والديباج (٣)، فهذا خاص بالرجال. والديباج هو الغليظ من الحرير. والإستبرق هو الحرير الذي له لَمَعَان, وكل أنواع الحرير محرمة على الرجال، مباحة للنساء، إلا الشيء اليسير: كموضع أصبعين أو ثلاث أو أربع فيباح للرجل, كالزَّرّ (٤) والرقعة في الثوب

стр. 778

إذا كانت صغيرة، ونحو ذلك من الشيء اليسير، يُباح للرجل موضع أصبعين أو ثلاثة (١) للحاجة لهذا, ومن اللباس الجلوس، كما في حديث حذيفة «نهى عن الجلوس على الحرير» (٢)، أيضاً, فالرجل لا يلبس الحرير ولا الديباج، ولا يجلس عليه، ولا يتخذ منها مخاد يتكئ عليها, أما النساء فلا حرج في ذلك. ونهى ﷺ عن الشرب في آنية الفضة والأكل فيها وقال: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٣) , فإن الكفرة في الدنيا لا يتورعون عن الحرام، أما المؤمنون فإنها لهم في الآخرة، يشربون في آنية الذهب والفضة في الآخرة. وفي حديث البراء بن عازب: الدَّلالة على أنه لا بأس بلبس الأحمر، ولهذا قال «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ

стр. 779

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١)، هذا يدل على أنه لا بأس بلبس الحلل إذا كانت من الملابس الحمر, فالأحمر لا بأس به، والأسود والأخضر والأزرق, لكن أفضلها البياض، أفضل الملابس البياض، والأنواع الثانية لا بأس بها، لا بأس أن يلبس أزرقَ، أو أخضرَ، أو أحمرَ، أو أسودَ، كما في هذا الحديث, كان عليه ﷺ حلة حمراء. وفي حديث أبي جحيفة أنه «خرج ﷺ في حجة الوداع، وعليه حلة حمراء فصلى بالناس» (٢) , وثبت أنه ﷺ «دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» (٣) , «وطاف في بعض طوافه وعليه برد أخضر» (٤)، يدل ذلك على أن هذه الأنواع لا بأس بها, لكن يحرم التشبه بالنساء، تكون ملابس تليق بالرجال، وتناسب الرجال، ولا يجوز التشبه بالنساء في أي لباس, فإذا لبس الأخضر، أو الأسود، أو الأزرق، أو غيرها، ينبغي أن تكون على شكل لا يشابه لباس المرأة. وهكذا المرأة ليس لها أن تلبس لبس الرجل، ليس لها التشبه

стр. 780

بالرجال في الملابس ولا في غيرها، كلٌّ منهما يحرم عليه التشبه بالآخر: في كلامه، أو مشيه، أو في لباسه، أو نحو ذلك. وفيه بيان أن الرسول ﷺ كان يتخذ اللمة، يعني يُربِّي الشعر على الرأس، فلا بأس بذلك، إذا كان لقصد شرعي، كما فعله النبي ﷺ . أما أن يربي الشعر لأجل الفساد، والتعرض للنساء، هذا لا يجوز يُمنع، أما إذا كان اتَّخذه لا لهذا المقصد، فلا بأس. وفيه بيان خلقته ﷺ ، وأنه كان بعيد ما بين المنكبين، وأنه ليس بالقصير، ولا بالطويل، وسط من الرجال، ربعة من الرجال، ليس بالقصير، ولا بالطويل، بل بينهما، بين الرجلين، رجل بين رجلين: بعيد ما بين المنكبين ﵊، كث اللحية، أبيض اللون، مشرب بحمرة ﵊ , حسن العينين, ومن أحسن الناس خِلقة، قال أنس: ما رأيت رجلاً أحسن من رسول اللَّه ﷺ ، كان أحسن الناس، وأجمل الناس ﵊ (١).

стр. 781

فالواجب على المؤمن وهكذا المؤمنة التقيد بما شرع اللَّه، والحذر مما حرم اللَّه في كل شيء. س: لبس الأحمر المنهي عنه إذا كان فيه أعلام أو أحمر مطلقاً؟ ج: بعض أهل العلم اشترط بأن يكون له أعلام، من برود اليمن، لأجل بعض الأحاديث (١)، وقال: إذا كانت الحمرة غالبة شديدة كرُه, ولكن أحاديث لبس الأحمر كلها في الصحيحين أصح من حديث المفدَّى، والأصل الجواز. ٤٠٤ - عن البراء بن عازب (٢) ﵄ قال: «أَمَرْنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرْنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَائزِ (٣)، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ ــ أَوِ الْمُقْسِمِ ــ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ،

стр. 782

وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِمَ (١) ــ أَوْ عَنْ (٢) تَخَتُّمٍ ــ بِالذَّهَبِ (٣)، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ» (٤). ٤٠٥ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : اصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ مثل ذَلِكَ (٥)، ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ (٦)، فَنَزَعَهُ، وَقَالَ: «إنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَاَللَّهِ لا أَلْبَسُهُ أَبَداً»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ (٧). وفي لفظٍ: «جَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى» (٨). ٤٠٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁، أَن رسولَ اللَّه ﷺ «نَهَى عَنْ لُبْسِ (٩)

стр. 783

الْحَرِيرِ، إلَاّ هَكَذَا، ــ وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةَ، وَالْوُسْطَى» (١). ولمسلمٍ، «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢) عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إلَاّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» (٣). ١٢١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊، كلها تتعلق باللباس، وفيها أحكام أخرى، والمقصود ما يتعلق باللباس؛ لأن الباب باب اللباس لما يباح، وما يحرم. الأصل في هذا الباب الحل, الأصل في الباب: المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمركوبات الأصل فيها الحل, إلا ما حرمه الشرع, فيطالب بالدليل من ادعى تحريم شيء منها؛ لأنه خلاف الأصل, ومن ادعى الحل فمعه الأصل, قال اللَّه جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي

стр. 784

السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (١) , وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (٢)، فاللباس لباسان: لباس ما يستر السوءات: يعني العورات، ولباس يتخذ للزينة وهو الرياش، ثم قال سبحانه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣) , لما ذكر اللباس الحسي ذكر اللباس المعنوي وهو التقوى, وهو الخير العظيم, فإن اللباس الحقيقي: اللباس الذي له الثمرة العظيمة والعاقبة الحميدة لباس التقوى, المؤمن يتخلق بطاعة اللَّه ورسوله، وترك ما نهى اللَّه عنه ورسوله، هذا هو اللباس العظيم، الذي فيه العزة في الدنيا والآخرة، والسعادة في الدنيا والآخرة. الحديث الأول: حديث البراء بن عازب الأنصاري ﵄، هو صحابي وأبوه صحابي، قال: نهانا رسول اللَّه عن سبع، وأمرنا بسبع، أي سبع خصال من جملة أشياء كثيرة أمر بها، وسبع خصال من أشياء كثيرة نهى عنها، فليس له مفهوم، يعني العدد ليس له مفهوم، بل هناك أشياء من الأوامر لم تذكر، وهناك أشياء من النواهي لم تذكر، لكن المقصود أن هذه السبع أمرهم بها، وسبع أخرى نهاهم عنها. أمرهم بسبع: عيادة المريض, عيادة المريض من السنن المؤكدة؛ لما فيها من إشعار أخيك بتأثرك بمرضه؛ ولما في ذلك

стр. 785

من العطف عليه والدعاء له، وربما وصَّفت له دواءً، وربما قضيت له حاجة، وهو يحتاج إليك فيها, فعيادة المريض من القربات العظيمة، ومن حق المسلم على أخيه. الثاني: اتباع الجنائز, أن يتبع أخاه إذا مات، يصلي عليه، ويتبعه للمقبرة، أيضاً من السنن العظيمة، وفيها جبر لأهله، وتذكر للموت، ومواساة لأهل الميت، وتحصيل للأجر العظيم، فإن من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط, ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان, قيل يا رسول اللَّه: ما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين» (١)، يعني من الأجر. الثالث: تشميت العاطس إذا حمد اللَّه, يُقال: يرحمك اللَّه, هذه السُّنة, إذا سمعت أخاك يقول: الحمد للَّه. بعدما عطس، تقول: يرحمك اللَّه. وهو يقول: يهديكم اللَّه ويُصلح بالكم. هكذا السنة. الرابع: إبرار القسم أو المقسم، شك من الراوي, يعني إذا قسم عليك أخوك تبر قسمه، هذا من مكارم الأخلاق, ومن حق المسلم على أخيه, إذا قال: واللَّه أن تتغدى عندي، واللَّه أن تشرب القهوة عندي، واللَّه أن تفضل لكذا. يقصد إكرامك، تجيب دعوته إذا تيسر لك ذلك، فإن شق عليك تعتذر من أخيك، حتى يسمح لك؛ لأن هذا من مكارم

стр. 786

الأخلاق، ومما تجلب به المحبة والتآلف والوئام والتعارف. والخامس: نصر المظلوم, تنصر أخاك إذا ظُلِمَ بالكلام الطيب، والشفاعة، والفعل الطيب، حسب طاقتك, أن تنصره بما تستطيع، مما يوافق الشرع المطهر. السادس: إجابة الداعي, إجابة الدعوة إذا دعاك لوليمة عرس أو غيره تجيب دعوته، لما في ذلك من التآلف، والإيناس، والتعاطف والتعارف, إلا أن يكون هناك منكر فأنت معذور, إن كان هناك منكر: كالخمر، والتدخين، والتصوير، وأشباه ذلك، إذا كان لك عذر، وأنت لا تستطيع إزالة هذا المنكر. والسابع: إفشاء السلام، هذا الحق السابع إفشاء السلام. والثامن: رد السلام, إفشاء السلام، وردُّه أيضاً، أنت مشروع لك تفشي السلام تبدأُ به, ومشروع للمُسلَّم عليه أن يُجيب, فرض عليه أن يرد السلام، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١). التاسع: وهو النصيحة, «إذا استنصحك فانصح له» (٢)، والحديث

стр. 787

الآخر: أن جريراً بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم (١). وحديث: «الدين النصيحة» (٢)، هذا من حق المسلم على أخيه. وهناك حقوق أخرى جاءت بها الأحاديث عن رسول اللَّه ﵊، فالمؤمن يتتبع ما جاءت به السُّنة، فيفعل ما استطاع من ذلك، يتحرَّى الخير والامتثال، كما أنه يتحرَّى ما جاءت به النصوص من النواهي، فيجتنبها ويحذرها. «ونهاهم عن سبع»، وهي الشاهد للباب. عن التختم بالذهب, هذا لباس, فلا يجوز التختم بالذهب للرجال ولكن بالفضة لا بأس, وهكذا الشرب بالفضة والأكل كذلك أعظم، فلا يأكل في الفضة ولا يشرب فيها، ولا بالذهب من باب أولى، فقد جاء الحديث الصحيح: «لا تشربوا بآنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» متفق عليه من حديث حذيفة ﵁ (٣). وجاء من حديث أم سلمة أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «الَّذِي يأكل أو يَشْرَبُ فِي آنيةِ الذهبِ والْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ

стр. 788

جَهَنَّمَ» خرجه مسلم (١). الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، هذا محرم على الجميع: الرجال، والنساء جميعاً، ليس للرجال ولا للنساء الأكل بالذهب والفضة ولا الشرب بهما. أما التختم فهذا خاص بالرجال (٢)، يجوز للمرأة أن تتختم بالذهب. وقد اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب ثم نزعه وقال: «لا أَلْبَسُهُ أَبَداً»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ (٣)، واتخذ مكانه خاتماً من فضة ﵊ , فدل ذلك على تحريم الذهب على الرجل، وأنه لا حرج في خاتم الفضة. وأما النساء فلا حرج عليهن في خواتيم الذهب والفضة جميعاً؛ لأنهن في حاجة للزينة بذلك. والثالث: المياثر الحمر لا يستعملها المؤمن؛ لأنها من زي الأعاجم، فلا يستعملها إذا كانت من زي الكفرة, وإن كانت المياثر من الحرير حرمت عليه؛ لأنها حرير أيضاً, فلا يركبها، ولا يلبس الحرير، فالركوب والجلوس مثل اللبس, كما أنه منهي عن [لبس] (٤)

стр. 789

الحرير، كذلك الجلوس عليه. الرابع: نهى عن القسيِّ (١) , وهي ثياب فيها خطوط من الحرير [...] (٢). والخامس والسادس والسابع: الحرير، والإستبرق، والديباج: الحرير المعروف، والإستبرق نوع منه فيه لَمَعَان, والديباج نوع غليظ، كلها أنواع من الحرير. في حديث عمر: النهي عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع (٣)، هذا خاص بالرجال، إذا كان موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، مثل الزَّر: الزرار في الجيب، ومثل البقعة في الثوب، البقعة الصغيرة إذا كانت موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث، أو أربع، فلا بأس. خياطة شق في الجيب، وفي الثوب كذلك، إذا كانت بمقدار أصبعين أو ثلاث أو أربع. هذا يباح للرجال من الحرير؛ لأن هذا قد يحتاج إليه, وفيه أنه يلبس في اليمنى الخاتم؛ لحديث ابن عمر، يلبس الخاتم في اليد اليمنى، ويجوز لبسه في اليسرى، فقد ثبت عنه ﷺ أنه لبسه في اليمنى (٤) واليسرى (٥) جميعاً, «وجعل خاتمه من داخل» (٦) هذا هو

стр. 790

الأفضل؛ لأن اليمنى محل للزينة، وإذا لبسه في اليسرى فلا بأس, الرسول فعل هذا وهذا من جنس الساعة تلبس في اليمنى واليسرى, الساعة الحاجة إليها ماسة، ولا مانع من جعلها في اليسرى واليمنى، مثل خاتم الفضة، هي أكثر شبه بالخاتم.

стр. 791

١٩ - كتاب الجِهاد ٤٠٧ - عن عبد اللَّه بن أبي أوفَى ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ ــ انْتَظَرَ، حَتَّى إذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» (١). ٤٠٨ - عن سَهْل بن سعد الساعِدِيِّ ﵁، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ من الْجَنَّةِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ الْغَدْوَةُ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عليهَا (٢)» (٣). ٤٠٩ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: «انْتَدَبَ اللَّهُ ــ وَلِمُسْلِمٍ:

стр. 792

تَضَمَّنَ اللَّهُ ــ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَاّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي، فَهُوَ عَليّ ضَامِنٌ: أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١). ٤١٠ - وَلِمُسْلِمٍ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ــ وَاَللَّهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ (٢) ــ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، إنْ تَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِماً، مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (٣).

стр. 793

١٢٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث كلها تتعلق بالجهاد، والجهاد من أفضل القُربات والأعمال الصالحات, بل هو أفضل القربات عند جمع من أهل العلم. [و] (١) قد يكون واجباً على العين، أو يكون واجباً على الكفاية, وهو بجميع أنواعه من أفضل الأعمال الصالحات، فينبغي لأهل الإسلام أن يُعنوا بالجهاد، وأن يحرصوا عليه؛ لما فيه من إعزاز الإسلام وإعلاء الكلمة، ودعوة الناس إلى دين اللَّه، وجهادهم على ذلك، وتكثير المسلمين، ونصر الدين، وحماية بلاد المسلمين, ففيه مصالح عظيمة, واللَّه شرعه لما فيه من الخير العظيم بإخراج الناس من الظلمات إلى النور, ومن إنقاذ الناس من الشر والكفر، ومن إعلاء كلمة اللَّه ونصر دينه, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). فالجهاد من التجارة العظيمة الرابحة، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ

стр. 794

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) , قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (٢) الآية, وهو واجب على ولاة أمر المسلمين بالجملة مع القدرة، ويجب في بعض الأحيان على العين، كما إذا حضر الصفين أو استنفره الإمام، أو هجم على بلده العدو, ويكون سنة إذا قام به من يكفي صار في حق الباقين سُنة. ومما ورد فيه هذه الأحاديث: حديث عبداللَّه بن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى زالت الشمس, هذا يدل على أنه إذا ارتفع النهار الأفضل أن ينتظر الجيش حتى الزوال، حتى تهب الرياح وينزل النصر, فإذا زالت الشمس أغاروا. وفيه: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللَّه العافية»، فالمؤمن لا يتمنى لقاء العدو، ولكن يسأل ربه العافية, قال جماعة من أهل العلم: معناه لا تمنوا لقاء العدو على سبيل العُجب والأمن، ونحو ذلك، أو الفخر والخيلاء، أو الرياء, أما تمني لقاء العدو رغبة في الجهاد وحرصاً على الجهاد، فليس داخلاً في النهي؛ لأن اللَّه شرع للمسلمين أن يجتهدوا في الجهاد، وأن يشرعوا فيه، وأن يرغبوا فيه، وأن يساهموا فيه: «واسألوا اللَّه العافية»، أي يسأل ربه العافية، لأنه قد يحضر الجهاد ويجبن وتتغير نيته, يسأل ربه العافية، فإذا لقي العدو فليصبر، وليخلص للَّه، وليقصد

стр. 795

بجهاده: وجه اللَّه والدار الآخرة: وإعلاء دين اللَّه. «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، إشارة إلى أن الجهاد من أسباب دخول الجنة، وأن سلَّ السيوف في الجهاد في سبيل اللَّه، وهكذا استعمال الرماح وغيرها من أدوات الحرب، جملة من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، لمن أصلح اللَّه نيته. ثم قال ﷺ : «اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم»، هذا فيه الحث على الجهاد والترغيب فيه والدعاء, وأن المسلمين يدعون ربهم أن اللَّه يعينهم وينصرهم على عدوهم، ولو كانوا أكثر الناس، فقد يُهزم الكثير وينصر القليل, فلا ينبغي أن يعجبوا بكثرتهم ولا بقوتهم: يسألون اللَّه العافية، ويستعينون به , قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١)، فالكثرة قد يؤخذ أهلها: إما لعجب، وإما لغير ذلك، فالواجب على أهل الإيمان، وإن كثروا أن يلجؤوا إلى اللَّه، ويتضرعوا إليه، ويطلبوه النصر، وأن لا يُعجَبوا بكثرتهم أو بقوتهم أو غير ذلك، بل عليهم أن يخلصوا للَّه، ويسألوه النصر (٢)، [...] (٣).

стр. 796

في الحديث (١) الثاني: يقول ﵊: «رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل اللَّه، أو الغدوة خير من الدنيا وما فيها». هذا فيه فضل الجهاد في سبيل اللَّه، والمرابطة، وأن رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها. الرباط: لزوم الثغر, ثغور المسلمين لحمايتها من العدو, لحديث سلمان: «رِبَاطُ يَوْمٍ أوَلَيْلَةٍ في سَبيلِ اللَّه خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» (٢)، فإن المرابط يجري عليه عمله، ويأمن من الفتان، يعني يأمن فتان القبر. فالمرابطة في سبيل اللَّه من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب أن العبد يجري عليه رزقه وعمله، ويأمن من فتنة القبر، بسبب جهاده وتقديم نفسه للَّه ، صابراً محتسباً، لإعلاء كلمته. وهكذا موضع سوط أحدكم في الجنة, موضع السوط شيء يسير, خير من الدنيا وما عليها, المقصود الإشارة إلى أن الجنة لا يعدلها شيء, وأن الشيء القليل منها خير من الدنيا وما عليها, كيف وأن أهل الجنة يُعطون فيها «ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت, ولا

стр. 797

خطر على قلب بشر» (١) , ويعطون ما طلبوا وما اشتهوا. وهكذا الروحة في سبيل اللَّه أو الغدوة, وهي التوجه للقاء العدو في الصباح والمساء للقتال، خير من الدنيا وما عليها. الحديث الثالث: يقول ﷺ : «انتدب اللَّه لمن جاهد في سبيله ــ وفي رواية: تضمن اللَّه لمن جاهد في سبيله ــ وفي رواية: توكل اللَّه لمن جاهد في سبيله: إن توفاه أن يُدخله الجنة، وإن رده رده بأجر أو غنيمة». فالمجاهد في سبيل اللَّه على خير عظيم إن قُتل أو سَلم، فهو على خير عظيم إذا أخلص للَّه , واللَّه وعده وضمن له الجنة, وهو سبحانه الوفي الصادق جل وعلا, ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢). وفي اللفظ الآخر: «مثل المجاهد في سبيل اللَّه, واللَّه أعلم بمن يجاهد في سبيله» ــ هو الذي يعلم بنياتهم ويعلم ما في قلوبهم ــ «مثل الصائم القائم» ــ يعني الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر. وفي اللفظ الآخر: «أما إنك لو قمت، كذلك لم تبلغ أجر المجاهدين في سبيل اللَّه» (٣) , لما سئل عن عمل يعدل الجهاد. قال

стр. 798

- ﵊: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وأن تقوم ولا تفتر؟» (١)، قال: ومن يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ (٢) قال: «أما إنك لو قمت مثل ذلك لم تبلغ أجر المجاهدين» (٣). الجهاد له فضل عظيم، وعواقب حميدة، وأجور مضاعفة، وحسنات مضاعفة, فينبغي لأهل الإسلام أن يرغبوا فيه، وأن لا يعرضوا عنه. وهو اليوم قائم موجود جهاد أعدى أعداء اللَّه من الشيوعيين على يد إخواننا الأفغان، ومن معهم من غيرهم، وهو جهاد إسلامي شرعي (٤). فينبغي أن يُشارك فيه المسلم إذا تيسر له ذلك بنفسه أو ماله (٥)، وهكذا جهاد اليهود من طريق المسلمين في فلسطين، جهادهم

стр. 799

شرعي فمن له قدرة من الأخيار يجاهد في فلسطين، ينبغي أن يُساعدوا على أعداء اللَّه من اليهود. هكذا في الفلبين أيضاً، كذلك إخوةٌ لنا يجاهدون النصارى هناك، الذين اعتدوا عليهم، خرّبوا بلادهم، وقتلوا منهم الشيء الكثير. والقاعدة كل جهاد في سبيل اللَّه تنبغي المشاركة فيه بالمال والنفس، والمسلمون إخوة يتناصرون بالحق، ويتعاونون على البر والتقوى. ٤١١ - وعنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّه، إلَاّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى (١)، اللَّوْنُ: لَوْنُ الدَّمِ (٢)، وَالرِّيحُ: رِيحُ الْمِسْكِ» (٣). ٤١٢ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»، أخرجه مسلم (٤).

стр. 800

٤١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، أخرجه (١) البخاري (٢). ٤١٤ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إلَى حُنَيْنٍ ــ وَذَكَرَ قِصَّةً ــ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً ــ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ــ فَلَهُ سَلَبُهُ، قَالَهَا ثَلاثاً» (٣). ١٢٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالجهاد وفضله، وما يحصل لمن قتل قتيلاً في سبيل اللَّه من الأجر، مع ما ينفعه في الدنيا. الحديث الأول يقول ﵊: «ما من مكلوم يكلم في سبيل اللَّه إلا جاء يوم القيامة، وكَلمه يَدْمَى: اللون لون الدم, والريح ريح المسك» الكَلم: الجرح, والمكلوم المجروح, يعني ما من مسلم يُجرح في سبيل اللَّه بِرُمحٍ، أو سيفٍ، أو رمية، أو غير ذلك، إلا جاء يوم القيامة وكلمه يَدْمِي، يعني: يجري ــ يُقال دَمِيَ يَدْمَى

стр. 801

مثل رَضِعَ يَرْضَع ــ أي سال الدم، اللون لون الدم المعروف ــ والريح ريح المسك, لونه في نظر الناظر لون الدم، ولكن الريح ريح المسك، لكونه أُريق في سبيل اللَّه, واللَّه جل وعلا جعله في هذه الرائحة الطيبة لكونه دماً وقع في سبيله، وخرج في سبيله وطاعته , مثل ما في الحديث الآخر: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (١)، خلوفه هو ما يتصاعد من جوفه من الرائحة حال صيامه أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وهكذا دم الشهيد لونه لون الدم والريح ريح المسك, إظهار لفضله وشرفه. في الحديث الثاني والثالث: الدَّلالة على فضل الغدوة في سبيل اللَّه والروحة، وأنها خير من الدنيا وما عليها وخير مما طلعت عليه الشمس, هذا فيه فضل عظيم للجهاد, لكون المؤمن يغدو صباحاً لقتال العدو، أو يروح رواحاً لقتال العدو خير من الدنيا وما عليها. تقدم حديث سهل بن سعد يقول ﷺ : «رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل اللَّه، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» (٢)، وما ذلك إلا لأن نعيم الجنة نعيم باقٍ، لا مثيل له في الفضل, ونعيم الدنيا مهما كان فهو زائل مؤقت، فلا يستويان.

стр. 802

وفي حديث أبي قتادة: الدَّلالة على أن من قتل قتيلاً له عليه بينة؛ فإنه يُعطى سلبه، هذا من تقدير المقاتل، والمجاهد، وتشجيعه على الإقدام، والجرأة، والشجاعة، حتى يقتل من أعداء اللَّه ما أمكنه، وتقدم أن المقصود من الجهاد دعوتهم إلى اللَّه وإخراجهم من الظلمات إلى النور, ليس المقصود أموالهم، وليس المقصود نساءهم ولا ذرياتهم ولا قتلهم، ولكن المقصود أن نخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن ننقذهم من أسباب الهلاك بدعوتهم إلى اللَّه، فإذا أبوا وعاندوا قاتلناهم, وهكذا فيمن تقبل منه الجزية لا بد من امتناعه من الجزية، فإذا امتنع من الجزية وامتنع من الإسلام قُوتل, وإذا كان ليس من أهل الجزية: كالعرب الوثنيين فإنهم يقاتلون: إما الإسلام، وإما السيف, وإنما تؤخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس. فالواجب على المؤمن الإقدام، والقوة في هذا السبيل، وعدم الجُبن وعدم الخَوَر, والنفوس بيد اللَّه، والأرواح بيد اللَّه، متى تم الأجل فلا حيلة فيه، سواء جاهد أو لم يجاهد. والسلب: هو ما مع القتيل من دابة: فرس، أو ناقة، هكذا سلاحه، وملابسه من درع وغيره، كلها يأخذها القاتل، فله سلبه أجمع، إذا بارزه في الحرب حتى قتله, أو قصد له في الصف فقتله، أو في أي مكان فقتله فله سلبه، إذا ثبت أنه قتله، فيعطى دابتَه، ويُعطى سلاحه، ويعطى ملابسه, وكل ما معه لهذا القاتل غنيمة معجَّلة، غير حقه في الغنيمة العامة، غير قسمه من الغنيمة، هذا شيء خاص.

стр. 803

٤١٥ - عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ ﵁ قَال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ــ وَهُوَ فِي سَفَرِ ــ فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اُطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ» (١). وفي رواية، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟» فَقَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ (٢): «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (٣). ٤١٦ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إبِلاً وَغَنَماً، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا: اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيراً (٤)» (٥). ٤١٧ - وعنه ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ (٦)» (٧).

стр. 804

٤١٨ - وعنه ﵄، «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ (١) قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (٢). ١٢٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالجهاد, تقدم أن الجهاد في سبيل اللَّه من أفضل القُربات، ومن أعظم الطاعات, بل هو أفضل التطوعات عند المحققين من أهل العلم، لما فيه من الخير العظيم، والمصالح الجمة، وعز الإسلام، وإعلاء كلمته، ودحض الكفر وأهله، وتوسيع رُقعة الإسلام، ونشر الدعوة إليه، إلى مصالح كثيرة, وقد يكون فرض عين على الإنسان إذا حضره [...] (٣). ٤١٩ - [عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ ابْنَ الْعَوَّامِ، شَكياَ الْقَمْلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ (٤) لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فَرَأَيْته (٥)

стр. 805

عَلَيْهِمَا» (١)] (٢). ٤٢٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ: مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصاً (٣)، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ » (٤). ٤٢١ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الْخَيْلِ مِنَ الْحَفْيَاءِ، إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ: مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى». قال سفيان: «مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ: خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَمَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ: مِيلٌ» (٥).

стр. 806

٤٢٢ - وعنه ﵄ قال: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةَ (٢)، فَلَمْ يُجِزْنِي في المُقَاتَلَةِ (٣)، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (٤)، فَأَجَازَنِي» (٥). ١٢٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بأمر الجهاد, تقدم أن الجهاد من القُرب العظيمة, من أفضل التطوعات, بل هو أفضل التطوعات، لما فيه من نشر الإسلام والدعوة إليه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور, وغير ذلك من المصالح العظيمة, وهو فرض كفاية في بعض الأحيان, وواجب على الأعيان في بعض الأحيان, وسُنة بالنسبة إلى

стр. 807

بعض الناس, وقد أكثر اللَّه من ذكره في كتابه العظيم والحث عليه بالنفس والمال, كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ويقول: سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) , ويقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣) الآية, ويقول ﷺ : «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ» (٤)، ويقول ﵊: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ــ وَاَللَّهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ ــ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٥). فالجهاد له شأن عظيم في نصر الإسلام وحمايته، ونشر دعوته، وبسط أحكامه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتوسيع رُقعة الإسلام، إلى غير هذا من المصالح العظيمة.

стр. 808

وهذه الأحاديث منها حديث عبدالرحمن بن عوف والزبير في ترخيص النبي ﷺ لهما في لبس الحرير, هذا يدل على أنه إذا أصابت الإنسان حكة، أو مرض في الجلد ينفع منه الحرير، فلا بأس أن يلبسه المسلم لهذا العلاج؛ لأن تحريمه ليس تحريماً عاماً, وإنما هو تحريم خاص, للرجال خاصة, ومباح للنساء، فليس من جنس الميتة, وليس من جنس الخنزير, وإنما هو تحريم خاص كتحريم الذهب على الرجال دون النساء, فإذا كانت المصلحة تقتضي لبسه للرجل من أجل الدواء والعلاج فلا بأس، ولهذا رخص لهم النبي ﷺ في غزوة من الغزوات في لبسه، لعلاج الحكة التي بهما بسبب القمل الذي أصابهم. وفي الحديث الثاني: بيان أن ما أوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، هذا يكون فيه الغنيمة وفيه الخمس لبيت المال, وأما ما لم يوجف عليه المسلمون، بل تركه الكفار خوفاً من المسلمين، أو أجلاهم ولي الأمر لمضرتهم وشرهم، فإنه يكون لبيت المال؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ــ يعني الكفار ــ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، وصار هذا المال وهو مال بني النضير للرسول خاصة، يعني لبيت المال، يأكل منه ﷺ ، ويعزل نفقة

стр. 809

أهله، والباقي يجعله في الكراع السلاح عدة في سبيل اللَّه , وهكذا ولي الأمر، بيت المال ليس له، ولكن يأخذ منه حاجته وحاجة أهله بالقسط بالتوسط، والباقي يكون في مصالح المسلمين في الجهاد وغير ذلك من مصالح المسلمين. وفيه من الفوائد: أنه لا بأس أن يعزل نفقة أهله سنة، لا بأس أن يجعل لها نظاماً خاصاً في حفظ بعض الأموال سنة كاملة للنفقة، ولا بأس إذا كان أكثر من ذلك, إذا أدَّى الحقوق من زكاة وغيرها فلا حرج, إذا كان عنده أموال كثيرة تجارة إذا أدَّى حقها. وفيه من الفوائد: حديث ابن عمر في إجراء الخيل للمسابقة، والمسابقة سُنة, تُعرف الفرس الطيبة والناقة الطيبة, كان النبي يسابق بين الخيل وبين الإبل, وكان ابن عمر ممن سابق في الخيل, وكانت الخيل قسمين: قسماً مضمراً يعني مهيأة للسباق, وقسماً غير مضمر، والمضمر هو الذي يُعنى به قبل السباق بعلف خاص وطريقة خاصة، حتى يستعد للسباق بخف [...] (١)، ويكون صالحاً للمسابقة, وهذا يكون أمده طويلاً, مسافة طويلة، أما الخيل [التي لم تُضمَّر] (٢) تكون مسافتها أقل؛ لأنها ما تتحمل، لم تُعدَّ. قال سفيان: كان أمد الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة

стр. 810

أميال، والتي لم تُضمَّر كان أمدها ميلاً, يعني خمس مسافة المضمَّر. هذا يفيد شرعية المسابقة الشرعية بين الخيل والإبل، حتى يُعرف جيِّدها من غيره, وحتى تكون مُعدة إعداداً صالحاً للجهاد, وهكذا المسابقة بالرمي حتى يكون المسلم جيد الرمي, إذا رمى أصاب الهدف, النضال: وهو المسابقة بالرمي مطلوب, حتى يعتاد الرمي يقوى تقوى يده على ذلك وبصره على ذلك، وحتى يتمرن على كيفية الرمي، وكيفية إصابة الهدف، حتى لا تطيش رمايته عن الهدف، إذا تعلم وتمرّن في المسابقة بالرمي صار ذلك من أسباب إصابته العدو إذا قصده. والهدف يُسمَّى اليوم الشبح [يجعل شيئاً معلوماً] (١): حجر، أو لوح، أو أشياء تكون هدفاً معروفاً (٢) [...] (٣) أما المسابقة بالأقدام، أو بحمل الأثقال، أو ما أشبه ذلك، فلا يكون فيها عوض، لا بأس بها، لكن بدون عوض. لقوله ﷺ : «لا سبق» أي لا عوض «إلَاّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (٤). النصل: الرمي, أو خف: الإبل, أو حافر: الفرس.
следующие страницы →