نَارٍ (١) فَلْيَحْمِلْهَا، أَوْ يَذَرْهَا» (٢).
١١١ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث تتعلق بالقضاء، والقضاء هو فصل الخصومات بين الناس، تارةً بالحكم الشرعي، وتارةً بالإصلاح عند اشتباه الأمور، وهو عملٌ عظيم، وفيه أجرٌ عظيم، لمن أخلص النية، وبذل الوسع واجتهد, وفيه خطر عظيم على من تساهل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول ﵊: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ [يعني ثلاثة أقسام]: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، [أما اللذان في النار]: فَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ [يعني على غير علم] وَرَجُلٌ قضى للناس على جَورَ [عرف الْحُكْمَ فجار] هذان فِي النَّارِ, [نعوذ باللَّه]، أما الذي في الجنة فهو الذي عَرفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ بين الناس، هذا الذي هُوَ فِي الْجَنَّةِ» (٣).
стр. 738
يقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١)، وفي اللفظ الآخر: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، أي فهو مردود، ويدخل في هذا الحكم بغير ما أنزل اللَّه، من حكم بغير ما أنزل اللَّه، فهو مردود؛ لأنه ليس على أمر الرسول، وليس على شرعه، كالذي يحكم بين الناس بحكم جائر، يخالف الشرع أو بالقوانين الوضعية، يكون حكمه باطلاً مردوداً، وعليه أن يحكم بشرع اللَّه، وأن يتحرَّى الحق، وأن يعمل بما يوجبه الشرع للقضاء بين الناس.
وفي حديث عائشة في قصة هند بنت عُتبة بن الربيعة؛ زوجة أبي سفيان، جاءت إلى النبي ﷺ تستشيره في أمرها مع زوجها، قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح. أي بخيل، لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، أي من النفقة، فهل عليَّ من جُناح إن أخذت من ماله ما يكفيني ويكفي بني؟ قال لها النبي ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفي بنيك» (٣) , هذا احتج به بعض أهل العلم على
стр. 739
الحكم على الغائب, وأنه لا بأس أن يحكم على الغائب إذا توفرت الأدلة الشرعية، ولم يتيسر حضوره، يُحكم عليه، وهو على دعواه إذا كان له حجة، وجاء يقدم حجته، والصواب أن هذا الحديث ليس في القضاء، إنما هو في الفتوى، فتوى من النبي ﷺ ، وليس من باب القضاء، بل هذا ردها إلى ما تعلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. هذه فتوى يعني إن كنت صادقة فافعلي, دل ذلك على أن المرأة إذا كان زوجها لا يعطيها كفايتها، فإنها تأخذ من ماله بالمعروف، ولو لم يعلم. ما يكفيها ويكفي أولادها، وهم تحت يدها من دون إسراف ولا تبذير، وتتحرَّى الحق، وتجتهد في أن تكون النفقة مقتصدة، ليس فيها إسراف.
أما الحكم على الغائب فله شروط، إذا ادعي على الغائب فلا بد من إحضاره، حتى يُسمع كلامه، فإن لم يتيسر [فإحضار] (١) وكيله، فإن لم يتيسر لا هو ولا وكيله حكم على الغائب بالبيِّنة، وهو على دعواه.
والحديث الثالث: حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ سمع جلبة خصومة عند الباب ــ جلبة يعني أصوات خصومة عند الباب ــ فخرج إليهم، وقال: «إنما أنا بشر، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، ولعل بعضكم يكون ألحن في حجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها».
والمعنى أن الحاكم ما يُحل الحرام، القاضي ما يحل الحرام،
стр. 740
إذا كذب المدعي، وأتى بشهود زور، أو حلف على باطل، فحكم القاضي لا يحل له الحرام، بل هو قطعة من النار يحملها, القاضي ليس له إلا الظاهر، يحكم بما ظهر، فإذا قال زيد: أقرضت فلاناً مائة ريال. وقال المدعى عليه: ما أقرضني، ما عندي له شيء. وحلف، وذاك ما عنده بينة، فهذه قطعة من النار، يحملها الحالف، لأنه حلف وهو كاذب: أنه ما اقترض وهو مقترض، فأخذ مال أخيه بغير حق، أو مدعٍ ادعى مائة ريال، أو ألف ريال، وأقام بينة كاذبة، شهود زور، وظنهم القاضي عدولاً زُكوا عنده، وثبت عنده عدالتهم في الظاهر، وحكم بقولهم بهذا القرض، فهذا الذي حُكم له إنما يحمل قطعة من النار، لأنه يعرف أنه كاذب، يكون القاضي حكم له بالشهود الزور، الذين لم يعرفهم القاضي، من عُدِّلوا عنده، ما يحلُّ لهذا المدَّعي يأكل حراماً؛ لأنه أخذه بغير حق بالبينة الكاذبة (١).
٣٧٩ - عن عبد الرحمن بن أبي بَكَرة (٢) ﵁ قال «كَتَبَ أَبِي ــ وكَتَبْتُ لَهُ إلَى ابْنِهِ عُبيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ ــ أَنْ لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لايَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
وفي رواية: «لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان» (٣).
стр. 741
٣٨٠ - وعن أبي بَكرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ــ ثَلاثَاً ــ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (١).
٣٨١ - عن ابن عباس ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (٢).
١١٢ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالقضاء.
الحديث الأول: يقول ﷺ : «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان»، وهذا يفيد التحريم؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم، فلا يجوز للقاضي في حال غضبه أن يقضي بين الخصوم؛ لأنه في هذه
стр. 742
الحال عنده من تشويش العقل والفكر ما يمنعه من استيفاء الحكم، والنظر في أدلته، وتمييز الحق من الباطل بسبب ما هو فيه من هذا الغضب، والمراد الغضب الشديد الذي يمنعه من التفكير والنظر، أما الغضب الخفيف العادي فلا يضر، فالمقصود الغضب الذي يُسمَّى غضباً, الشديد الغضب الذي يمنعه من استيفاء الحق، والنظر في الأدلة، وإعطاء الموضوع ما يقتضيه من عناية، ونظر، والتفكير، فذكر أهل العلم أنه يُلحق بذلك، كل ما يمنع القاضي من استيفاء الحكم من مرض يؤلمه، أو نعاس غلب عليه، أو هم، أو ملل، أو غير ذلك من الأمور، التي تزعجه، ولا تمكنه من الاستيفاء في الأدلة، والنظر في دعوى الخصمين، فإنه يؤجل ذلك إلى وقت آخر، حتى يكون قلبه حاضراً، وفكره حاضراً، وليس هناك شواغل تمنعه من استيفاء النظر في حق الجميع، وهذا من باب الحِيطة في القضاء بالحق، والبعد عن أسباب الغلط والخطأ.
والحديث الثاني: حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» كررها ثلاثاً, قالوا: بلى يا رسول اللَّه, قال: «الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين ــ وكان متكئاً فجلس فقال ــ ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» الكلمة الأخيرة هي المتعلقة بباب القضاء: شهادة الزور, أما الإشراك باللَّه, وعقوق الوالدين, فهذا أمرٌ عام يجب على كل إنسان أن يحذر الشرك وأن يحذر العقوق, وليس له تعلق بالقضاء, بل هذا عام, فجميع الناس عليهم أن يحذروا ما حرم اللَّه من الشرك، وجميع أنواعه:
стр. 743
صغيره وكبيره، وهكذا العقوق من أكبر الكبائر، ومن أعظم المعاصي، يجب الحذر منه، وهكذا الكبيرة الثالثة: شهادة الزور، هي من أكبر الكبائر، لما فيها من إضاعة الحق، وظلم العباد؛ فلهذا صارت من أكبر الكبائر, لأنها تُسفك بها الدماء، وتُنتهك فيها الحقوق، ويُظلم بها العباد, فلهذا صارت من أكبر الكبائر, فالواجب الحذر منها غاية الحذر، وأن لا يشهد إلا بما يعلم، وقوله: «مازال يكررها»، أي شهادة الزور؛ لعظم خطرها، وعظم ما يتعلق بها من الفساد، كررها ليحذرها الناس «حتى قلنا: ليته سكت»، أي حتى قلنا إشفاقاً عليه وإبقاءً عليه لو سكت، لئلا يتكلم بها، يشق على نفسه ﵊، لكنه كرر لبلاغةٍ في النصح، والتحذير ﵊ زيادة على الثلاث.
في حديث ابن عباس: يقول ﵊: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» هذا الحديث من أصح الأحاديث في بيان أن الناس لا يعطون بدعواهم، ولو كانوا من أصدق الناس، ولو كانوا من الصحابة: لا يُعطى أحد بدعواه، بل لا بد من البينة, ولما ادعى الزبير بن العوام على بعض الناس قال له النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه» (١)، قال: يا رسول اللَّه إذن يحلف ولا يبالي، قال: «ليس لك
стр. 744
إلا ذلك» (١) من ادعى شيئاً فعليه البينة.
وفي رواية عند البيهقي وغيره: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٢)، فإذا ادعى أرضاً، أو بيتاً، أو جملاً، أو غير ذلك من الأمور المنقولة، الأمور العقارية، لا يقبل، ولا يجاب إلا ببينة، فإن لم يحضرها، فله اليمين على خصمه، وعلى خصمه أن يتقي اللَّه، وأن يحذر من الكذب في يمينه، فإذا حلف برئ، ومتى وجد المدعي البينة تُكذِّب اليمين أقامها، وصح عن رسول اللَّه ﵊ كما تقدم قوله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٣) , وفي اللفظ الآخر: «هو فيها فاجر لقي اللَّه وهو عليه غضبان»، وفي حديث أبي أُمامة عند مسلم، يقول النبي ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة» قيل: وإن كان شيئاً يسيراً؟ يا رسول اللَّه، قال: «وإن كان قضيباً من أراك» (٤)، فالواجب الحذر من الأيمان الفاجرة، التي يُقتطع بها الحق ظلماً وعدواناً، وأن صاحبها معرض لغضب اللَّه ووعيده بالنار، نسأل اللَّه العافية.
«لغبوا» تعبوا (١) وَأَعْيَوْا.
٣٨٤ - عن أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ قالت: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» (٢).
وفي روايةٍ «وَنَحْنُ في الْمَدِينَةِ (٣)» (٤).
١١٣ - قال الشارح ﵀:
هذا كتاب الأطعمة، والأطعمة هي ما يؤكل ويُشرب، يقال له طعام، وجمعه أطعمة, ويقال: المأكول والمشروب، وقد جاءت الأدلة الشرعية من الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ببيان ما يحل وما يحرم، فاللَّه أحل في كتابه لعباده بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم، والصيد، وجاءت السنة عن رسول اللَّه ﷺ بأشياء كثيرة، أحلها اللَّه لعباده، وحرّم أشياء، بينّها سبحانه لعباده، وبيَّنها رسول اللَّه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٥) الآية،
стр. 747
وجاءت أمور مشتبهة يجب على المؤمن التثبت فيها، حتى يعرف حكم اللَّه فيها، ولا يعتدي حتى يعرف الحكم، وفي هذا الباب حديث النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول، وأشار إلى أذنيه، يعني: سمعت بأُذني لتأكيد السماع، يقول: «إن الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام: كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صَلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
هذا الحديث العظيم دل على فوائد، وهو متفق على صحته عند البخاري ومسلم رحمة اللَّه عليهما، وهو من أصول الدين، قال بعض أهل العلم:
«عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات, وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية»
قوله: «اتق الشبهات»، يريد هذا الحديث يشير إلى هذا الحديث: «الحلال بين والحرام بين»، أي بيّن اللَّه ورسوله الحلال والحرام، فالحلال مثل ما تقدم من الإبل، والبقر، والغنم، والحبوب من الحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، والفواكه من التمر، والعنب، وغيرهما من الفواكه حلالٌ بيّن.
стр. 748
والحرام بيّن، مثل: الميتة، والخنزير، والسباع، وأشباه ذلك، مما حرمه اللَّه.
«وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس»، يعني يعلمها الراسخون في العلم، تشتبه على بعض الناس، فالمشروع للمؤمن عند اشتباهها أن لا يعجل، وأن يتقيها براءةً لدينه وبراءةً لعرضه، حتى يسأل عنها، أو يعرف حكم اللَّه فيها بالأدلة.
«ومن وقع في الشبهات» يعني من تساهل، ووقع في الشبهات «وقع في الحرام»، يعني من تساهل في الشبهات، ولم يبالِ جرَّه ذلك للوقوع في الحرام. «كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه»، مثل الراعي الذي يرعى إبله، أو غنمه، أو بقره عند الزروع، عند حمى الناس، عند زروعهم، يوشك أن يقع فيه، يعني يقرب أن يقع فيه؛ لأنه قريب إذا غفل، أو نام رتعت غنمه، أو إبله في حمى الناس؛ لأنه قريب، لكن إذا كان بعيداً عن الحمى، في الغالب تسلم زروع الناس من ماشيته، لو غفل، أو نام، وهو بعيد يمكن أن ينتبه قبل أن تصل ماشيته إلى حمى الناس، ثم بين الرسول ﷺ أن الملوك يغضبون إذا انتهكت حماهم، قال: «ألا وإن لكل ملك حمى»، يعني يحمون الأراضي, الإبل، والخيل، وغير ذلك لمصالح المسلمين، ويغضبون إذا انتهكت وتُعدِّي عليها، قال: «ألا وإن حمى اللَّه محارمه»، حمى اللَّه سبحانه، وهو ملك الملوك، حماه محارمه، التي حرمها على عباده، فالواجب الحذر منها، وعدم انتهاكها، كما أن الملوك ملوك الدنيا يغضبون إذا
стр. 749
انتهكت أحميتهم، فاللَّه ملك الملوك، ملك الجميع، يغضب إذا انتهك حماه، إذا تعدى الناس على محارمه، وارتكبوا معاصيه، حمى اللَّه هو محارمه التي حرم على عباده مثل: الزنى، السرقة، العقوق، قطيعة الرحم، الربا، شهادة الزور، القتل بغير حق، إلى غير هذا مما حرمه اللَّه، فالواجب الحذر من ذلك، وعدم انتهاكه، ثم بيّن حال القلب، وأن مدار الصلاح والفساد على القلب، وأن هذه المضغة متى صلحت صلح الإنسان، ومتى فسدت فسد الإنسان، وهي قلبه، إذا صلح القلب، وكان معموراً بخشية اللَّه، والإخلاص له، وتعظيمه، ومحبته صلحت أعمال الجسد، واستقام الجسد، ومتى خبث القلب، وامتلأ بالشكوك، والأوهام، أو بالنفاق، والشرك، فسد الجسد لأسبابه، والمعنى أنه يجب على المؤمن أن يعتني بقلبه، ويحرص على سلامة قلبه، ويسأل ربه التوفيق، والهداية، وصلاح قلبه، وأن يعمره
اللَّه بمحبة اللَّه، والخشية للَّه، وتعظيمه، والإخلاص له حتى لا يفسد.
حديث أنس فيه الدلالة على حِل الأرنب؛ لأنهم أنفجوا (١) أرنباً، وهم مع النبي ﷺ ، وسبق إليها أنس، وأخذها، وصادها، وأتى بها إلى أبي طلحة، فذبحها أبو طلحة، وأهدى للنبي ﷺ منها بعضها، فقبله النبي ﷺ ، فدل على حِل الأرنب، والأرنب من الصيد الحلال،
стр. 750
وكذا الظباء، وتسمى الغزلان، وهكذا الوضيحي (١): حمار الوحش، وهكذا الوعول، كلها صيد.
وهكذا الطيور المعروفة: كالحُبارى، والدجاج، والحمام، وسائر أنواع الطيور المعروفة الحلال من القُمري، والعصفور، وما أشبهه، مما أحله اللَّه.
أما ذات المخالب، فهي محرمة، كالصقور، والحدأة، وأشباهها، لا تجوز، وكل ذوات المخالب، وهكذا كل ذي ناب من السباع: كالأسد، والنمر، والذئب كلها حرام، وهكذا مما يأكل الجيف، وما أمر الرسول بقتله: كالغراب، والرخم، هذه من الطيور التي تأكل الجيف لا تحل لخبثها، والنسور كذلك من الطيور الخبيثة لا تحل.
في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ تقول ﵄: إنهم نحروا على عهد النبي ﷺ فرساً، وأكلوه في المدينة ــ هذا يدل على أن الخيل حلال، ومباحة لا بأس بذبحها، وأكلها، إلا إذا دعت الحاجة إليها في الجهاد لا تُذبح، إذا دعت الحاجة إليها في الجهاد، وإلا فهي حلال تذبح، وتؤكل، بخلاف الحمر والبغال فلا، فهي حرام: البغال, والحمر الأهلية المعروفة هذه لا تذبح؛ لأنها محرمة، أما الخيل فهي مباحة، الرسول رخَّص لهم في الخيل، ونهى عن الحمر والبغال.
٣٨٥ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ «أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْ
стр. 751
لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» (١).
ولمسلم وحده قال: «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ» (٢).
٣٨٦ - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفَى ﵁ قال: «أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ، وَلا تَاكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهلية (٣) شَيْئاً» (٤).
٣٨٧ - عن أبي ثَعْلَبة الْخُشَنِيِّ (٥) ﵁ قال: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ» (٦).
стр. 752
٣٨٨ - عن ابن عباس (١) ﵄ قال: «دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَاّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَاكُلَ، فقالوا: هو ضب يا رسول اللَّه (٢). فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ. فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ» (٣).
«المحنوذ» المشويُّ بالرَّضْفِ، وهي الحجارة المحماة.
١١٤ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول اللَّه ﷺ تدل على حِل لحوم الخيل، وأنها حلال، وعلى حِلّ حمر الوحش، وهي التي تُسمَّى الوضيحي، وهي صيد، لها خِلقة خاصة ومنقشة جلدها، ليس من جنس الحمر الأهلية، فهذه حلال: كالوعل، والظباء، والأرنب، وأشباه ذلك، فلهذا رخص لهم النبي ﷺ في الخيل وحمر الوحش،
стр. 753
التي هي الوضيحي، ونهاهم عن لحوم الحمر الأهلية، ولما اشتد بهم الجوع في خيبر ذبحوها وطبخوها، أمرهم بإكفاء القدر، وأن لا يأكلوا من لحمها شيئاً، فدل ذلك على تحريم الحمر الأهلية، وهي الحمر الموجودة الآن المعروفة، لا يجوز أكلها.
أما الخيل وحمر الوحش: كالظباء والأرنب والوعل، كل هذه حلال، وهكذا الضب، وأخبر النبي ﷺ أنه ليس بحرام، وأُكل على مائدته ﵊، سأله خالد: أحرام؟ فقال: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (١) كان النبي لا يشتهيه ولا يأكله، ولكنه أباحه للأمة، وهو حلال، والضب معروف, فهذا فيه بيان حله كالخيل وحمر الوحش والظباء التي هي [الصيد] (٢) المعروف، كما يحل الأرنب, الدجاج, الحمام, وأشباهها من الصيود المعروفة، وكما أحل اللَّه بهيمة الأنعام: من الإبل، والبقر، والغنم، كل هذا بفضل اللَّه وإحسانه جل وعلا، وحرم كل ذي ناب من السباع: كالأسد، والنمر، هذه حرام، والذئب، والكلب، والسنّور، والثعلب، كل هذه محرمة، كلها من ذوات الناب، هكذا ذوات المخالب من الطير محرمة: كالصقور، والحدأة، والباز، والعُقاب، كل هذه طيور محرمة؛ لأنها من ذوات المخالب، كما أن ذوات الناب من السباع
стр. 754
محرمة: كالأسود، والنمر، والذئب، والكلب، والفهد، والسِّنَّوْر، والثعلب، كل هذه من السباع، وفي حكم السباع محرمة.
٣٨٩ - عن عبد اللَّه بن أبي أوفَى ﵁ قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَاكُلُ الْجَرَادَ» (١).
٣٩٠ - عن زَهْدَمِ بن مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ قَال: «كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ (٢) ﵁ فَدَعَا بِمَائِدَةٍ (٣)، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي. فَقَالَ له: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ (٤): هَلُمَّ، فَإِنِّي (٥) رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَاكُلُ مِنْهُ» (٦).
٣٩١ - عن ابن عباس ﵄، أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» (٧).
стр. 755
١١٥ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الصحيحة تدل على حِل الجراد، وحِلَّ لحم الدجاج.
في الحديث الأول: يقول عبداللَّه بن أبي أوفى ﵁ قال: «غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد»، فدل على حِل الجراد، وأنه لا بأس به، والجراد بأنواعه طيب حياً، وميتاً، حتى ميته حلال، فالجراد حياً وميتاً حلال، لحديث ابن عمر «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَهي الْحُوتُ وَالْجَرَادُ» (١)، فالجراد كالسمك حياً وميتاً إن طُبِخ جاز وإن شوي جاز، فلو وجد ميتاً حلّ أكله، يُطبخ ويؤكل، وإن وجد حياً وطبخ وشوي جاز ذلك، فميِّته حلال كحيه، كالسمك حيه حلال وميْته حلال، والدجاج، ذكر أبو موسى أنه رأى النبي ﷺ يأكله، فدل على حِلِّ الدجاج، وهو طير طيب كالحمام، ونحوه من الطيور الطيبة، فهو حلالٌ طيبٌ، ومن ذلك أنواع الطيور، التي ليس لها مِخْلَب، وليست مما يأكل الخبائث: كالعصافير، والقُمري، وسائر أنواع الطيور الطيبة التي ليست من ذوات المخالب، وليست من أكلة الجيف: كالرخم، والغراب، لأن الرخم،
стр. 756
والغراب: طيور خبيثة، تأكل الجيف، ولهذا حَرُمت لخبثها، والنسر كذلك؛ لأنها خبيثة، بخلاف الحمام والقُمري، والصعو (١)، والعصافير، والدجاج، والحبارى، هذه كلها طيور طيبة.
في الحديث الثالث: الدلالة على أن من الآداب بعد الطعام أن لا يغسل يديه حتى يلعقها، أو يُلعِقها غيره، كذلك لا يمسحها بالمنديل حتى يلعقها، هكذا السنة، يلعقها أولاً، ثم يغسلها إن شاء، أو يمسحها بالمنديل، لا يغسلها والطعام فيها، ولا يمسحها والطعام فيها، ولهذا يقول ﷺ : «إِذَا أَكَلَ أحدكم طَعَاماً، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا»، إذا كان الطعام له بقية، أما إذا كان الطعام ما له بقية مثل الخبز لا يبقى فيه بقية، هذه يغسلها أو يمسحها (٢).
٦١ - باب الصيد
٣٩٢ - عن أبي ثَعْلَبَةَ (٣) الْخُشَنِيِّ ﵁ قَال: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَاكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ (٤)، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ــ يَعْنِي ــ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَاكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا
٣٩٥ - عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً ــ إلَاّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ ــ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (١).
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ» (٢).
١١٦ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالصيد: السهام، والكلاب، والرماح, وتتعلق باقتناء الكلب.
بين النبي ﷺ أن ما صاده الإنسان بكلبه المُعلَّم فإنه حلال ولو قتله يعني حلال له؛ لأن اللَّه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٣).
فإن وجده حياً لم يمت ذبحه, وإن وجد مع كلبه كلاباً أخرى
стр. 760
فلا يأكل، فإنه إنما سمَّى على كلبه, كلبه هو المعلم المُهيَّأ لهذا الشيء, وهكذا ما أصاب بالمعراض، وهو الرمح, إذا أصابه بالحد، يعني بالحديدة التي فيه، فخزق (١)، هذا يكون حلالاً, وإن أصابه بالعرض: عرض الرمح؛ فإنه وقيذ فلا يُؤكل, اللَّه جل وعلا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٢)، والموقوذة هي التي تضرب بالحجر، أو بعرض الرمح، أو بالخشبة، ونحو ذلك, يقال لها وقيذة إذا ماتت, أما ما طعنه بسن الرمح، وحد الرمح حتى مات فإنه حلال, وبين ﷺ : «أنه إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ لَا يُؤْكَلْ منه» (٣)؛ لأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه، ما أمسك على صاحبه، فلا يُؤكل إذا أكل منه.
وسأله عن آنية المشركين، وعن آنية أهل الكتاب هل يستعملونها؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تستعملوها, وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها؛ لأنه قد يكون فيها الخمر، والميتات, فإذا وجد غيرها استعمل غيرها, فإن لم يجد غيرها غسلها، وأكل فيها, وذبيحة أهل الكتاب حل لنا؛ لأن الظاهر من طعامهم الحل؛ لأنهم ما يستعملون فيه ما حرم اللَّه.
стр. 761
لكن الأواني قد يستعمل فيها الخمر، ولحوم الميتات التي يستحلونها، فإذا وجدها فيغسلها إذا احتاج إليها، ثم يأكل فيها.
وفي حديث ابن عمر الدلالة على أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لأحد ثلاث: إما للصيد، أو الماشية، أو الزرع.
إما ليصيد به، وهو السَّلق المعلم: الكلب المعلم.
وإما للحرث ليحمي المزرعة.
وإما للماشية للغنم، حتى يحميها من الذئاب, هذا لا بأس باقتنائه لصيد، أو حرث، أو ماشية، كما رواه أبو هريرة وغيره.
أما اقتناؤه لغير ذلك، فإنه يُنقص من أجره كل يوم قيراطان, القيراط جزء من أربعين جزءاً من الشيء (١).
стр. 762
المعنى أنه يُنقص من أجره سهمان من أربع وعشرين من أجره، الذي يحصل له يومياً من صلاة، وصيام، وغير ذلك يفوته نصف السدس.
وعلى قول آخر القيراط يكون سهماً من عشرين، فعلى هذا إذا فاته سهمان من عشرين يكون فاته العُشر.
المقصود أنه ما ينبغي اقتناء الكلاب إلا لهذه الثلاث، فلا يقتنيها لحراسة الأبواب، أو القصور؛ لأنها غير داخلة في الثلاث، فينبغي أن لا تقتنى إلا لهذه الثلاث.
٣٩٦ - عن رافع بن خَدِيج ﵁ قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ (٢)، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبِلاً وَغَنَماً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ (٣) مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» قال: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّنا نلقى (٤) الْعَدُوَّ غَداً، وَلَيْسَ (٥) مَعَنَا مُدىً، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ
стр. 763
الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ. أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ.
وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (١). (٢).
١١٧ - قال الشارح ﵀:
هذا الحديث حديث رافع، حديث جليل، عظيم، قد اشتمل على فوائد منها:
[١]ــ أنه لا يجوز التعرض للغنيمة في الجهاد، إلا بعد القسمة بإذن ولي الأمر، فليس للجُند أن يأخذوا من الغنيمة ما شاءوا من الإبل، والغنم، ولا من النقود، بل يجب جمعها حتى تُقسم بين الغانمين؛ ولهذا لما ذبحوا بعض الإبل، والغنم أنكر عليهم النبي ﷺ ، وأمر بإكفاء القدور, ثم قسَّم الغنيمة بينهم, وعدل العشر من الغنم ببعير، كأنها كانت متقاربة في القيمة، فبهذا عدلها ببعير بالقيمة, أما في الضحايا، والهدايا الناقة عن سبعة, ولكن في القيمة على حسب القيمة في البيع والشراء، وقسم الأموال على حسب القيمة.
стр. 764
[قوله] (١): «فند منها بعير» أي شرد بعير من الإبل, وعجزوا عن إمساكه، فرماه بعض الجنود بسهم فحبسه اللَّه, فقال النبي ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد» أي شوارد, «كأوابد الوحش» كأوابد: الأسود، والنمور، والذئاب من الوحوش المفترسة, «فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا»، أي ما شرد من الإبل، والبقر، والغنم الذي لا تستطيعون إمساكه، فإنه يُرمى مثل ما يُعمل بالصيد, يرمى بالنبل، والبندق، وغيرها حتى يُعطَّل، فيُمسك، ويعامل معاملة الصيد الشارد: الظباء، والوحوش، وأشباهها من الصيود [ما عاد صار] (٢) كالأهلي، صار حكمها حكم الصيد, إذا ند، إذا شرد على الناس، وعجزوا عن إمساكه يرمونه، فإن قتلوه حل، وإن أدركوه حياً ذبحوه, إذا قتلوه، [مثلاً] (٣) أصابه الرمح فقتله بحدِّه، أو أصابه الرمي فقتله حلّ؛ لأنه صار في تلك الحالة كالصيد.
[٢]ــ وفيه من الفوائد: قوله: «إنا ملاقو العدو غداً، وليس معنا مُدىً» المُدى: السكاكين، والمدية السكين: «أفنذبح بالقصب؟» قال النبي ﷺ : «ما أنهر الدم ــ أي ما أسال الدم ــ وذُكر اسم اللَّه عليه فكلوا»، [لا يشترط أن يكون بالسكين] (٤) , بالحجر الذي له حد،
стр. 765
وبالقصب الذي له حد إلى آخره، إذا تيسر له ما يقوم مقام السكين يذبح به كفى، ولهذا قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه فكلوه، ليس السنَّ والظفر»، وهذا معناه أنه يجوز الذبح بغير السكين، كالحجارة ذات الحد القوي: أو أخشاب، أو قصب، أو غيرها مما له حد إلا العظم [...] (١).
[٣]ـ منها (٢): أنه يحوز التعزير بمثل هذا من إكفاء القدور، وإتلاف اللحم الذي اغتصب.
[٤]ـ ومنها: جواز كون ولي الأمر في آخر الجيش إذا رأى المصلحة حتى لا يعجل الناس، وحتى يطمئنوا في السير، وليلاحظ ضعيفهم، حتى لا يعجلوا عليه، فلا مانع، فإن الرسول ﷺ ربما كان في آخر الجيش، وربما تقدم أمامهم، وربما كان بينهم.
[قوله ﷺ ] (٣): «ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه فكلوه، ليس السن والظفر»
стр. 766
بيّن لنا أن كل ما أنهر الدم سواء: من حديد، أو خشب، أو أي شيء كان له حد، إذا أسال الدم، هذه الذكاة الشرعية، إلا السن والظفر.
قال: «أما السن فعظم» فدل على أن العظام لا يُذبح بها, «وأما الظفر فمُدى الحبشة»، فنهى عن التشبه بهم في الذبح بالظفر، ولو أن المصيد صغير، كالعصفور، وأشباهه, لا يُذبح بالظفر, يُذبح بالسكين، ونحوها، ولا يذبح بالظفر، ولا بالسن لا يعضُّ عليه بالسن، ولا بعظم آخر، ولا يذبح بالأظفار، فهذان النوعان لا يذبح بهما: لا بالسن، ولا بغيره من العظام، ولا بالظفر، ولكن يُذبح بغير ذلك، مما له حد ينهر الدم مع ذكر اسم اللَّه عند الذبح، يقول: (بسم اللَّه)، فإن نسي، ولم يُسم نسياناً، أو جهلاً حلت الذبيحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (١)، أما الذي يتعمد يعلم أن التسمية مشروعة، ويتعمد ولا يبالي ما تحل الذبيحة.
٦٢ - باب الأضاحي
٣٩٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» (٢).
стр. 767
الأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض.
١١٨ - قال الشارح ﵀:
في حديث أنس: «أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما».
هذا يدل على شرعية الضحية: أنه يُشرع للمسلم أن يُضحي، كما ضحى النبي ﷺ ؛ فإنه ذبح أحدهما عنه، وعن أهل بيته, وذبح الثاني عمن وحد اللَّه من أمته ﵊، فالسنة ضحية واحدة عن أهل البيت، عن الرجل وأهل بيته، ولو كانوا كثيراً، واحدة تكفي، وإن ضحى بأكثر فلا بأس.
وهذا يدل على أن الكبش الأملح الأقرن أفضل من غيره, وإن ذبح شاة، أو ماعزاً، أو إبلاً، أو بقراً، لا بأس كله طيب, لكن إذا كان كبشين أملحين (والأملح: الذي فيه سواد وبياض)، أقرن (له قرنان)، هذا أفضل الضحايا, وإذا ذبح أسود أو أبيض خالصاً أو بلونٍ آخر أو بأنثى أو بكبش ليس له قرن، كله يجزئ، لكن هذا من باب الأفضلية.
وفيه أن السنة يتولاها المضحي بيده إذا استطاع، كما كان النبي ﵊ يتولاها بيده, صاحب الضحية يتولاها بنفسه، ويذبحها بنفسه، هذا هو الأفضل، فإن كان ما يستطيع، أو ما يُحسن وَكَّل من يقوم مقامه ويذبح عنه، سواء رجل أو امرأة، حتى المرأة
стр. 768
تذبح لنفسها، إذا كانت تعرف وتُحسن.
وفيه أنه يضع رجله على صفاحهما (١)، حتى يتمكن من الذبح, ولا تحتاج إلى تربيط، إنما يطرحها على جنبها الأيسر، البقرة والشاة على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة, هذا هو الأفضل، والبعير ينحر نحراً في لبته، وهو واقف معقولة يده اليسرى، هذا هو الأفضل، ويأكل ويطعم من الضحية يتصدق، يطعم الأقارب والجيران، ويأكل منها، ويدخر منها إذا شاء قليلاً، لا بأس.
стр. 769
١٧ - كتاب الأشربة
٣٩٨ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ عُمَرَ قَالَ ــ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فإنَّهُ (١) نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، و (٢) ثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَنَّ عَهْداً نَنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» (٣).
٣٩٩ - عن عائشة ﵂، «عَنِ النبيِّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (٤).
البتع: نبيذ العسل.
٤٠٠ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «بَلَغَ عُمَرَ ﵁ أَنَّ فُلاناً بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلاناً، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ (٥)
стр. 770
الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟» (١). (٢).
١١٩ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالأشربة المحرمة، وهي شراب الخمر؛ لأنه مسكر؛ فلهذا حرمه اللَّه؛ لما فيه من اغتيال العقول، والإيقاع في الشحناء، والعداوة، والبغضاء، والصد عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣).
فالأمر عظيم؛ ولهذا نبه اللَّه عليه، وعظمه، وحذَّر عباده منه, فالخمر غول العقول، يغتالها، ويصدها عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة, والميسر كذلك, وهو القمار، يغتال العقول، والألباب؛ لما فيه من الطمع، وأكل الأموال الكثيرة بالباطل، وربما أراد مالاً، فَسُلِب ما لديه, فهو سبيل للشحناء، والعداوة، وأخذ الأموال بغير حقها.
стр. 771
خطب عمر ﵁ وأرضاه في خلافته، فقال في بعض خطبه: أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر يعني من جهة اللَّه, اللَّه حرمه, من جهة القرآن الكريم المنزل من السماء, وهكذا الوحي الثاني السنة, هي أيضاً منزلة من السماء, قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، اللَّه أنزل تحريم الخمر في الكتاب العظيم والسنة المطهرة.
فيجب الحذر منها, والتواصي بتركها، وعقوبة من تعاطاها، إذا ثبت ذلك عليه.
قال: وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير, يعني غالباً تكون من هذه الخمسة، غالباً: من العنب: عصير العنب، ومن التمر، ومن العسل، ومن الحنطة، والشعير، وقد تكون من غير ذلك، وقد تكون من الذرة، وقد تكون من أشياء أخرى, وضابطها كل ما أسكر هذا ضابطها، من أي جنس كانت، ومن أي ثمر كانت، ومن أي حبوب كانت, فما أسكر فهو حرام، كما قال ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رواه مسلم (٢).
في حديث عائشة: لما سئل عن البتع، وهو نبيذ العسل، قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» (٣).
стр. 772
وفي حديث أبي موسى في الصحيحين أيضاً: لما سئل عن البتع والمزر، قال: «كل مسكر حرام» (١) , سواء كان بتعاً، أو مزراً.
البتع: نبيذ العسل, والمزر: نبيذ الشعير.
وهكذا ما يتخذ في الإناء: من العنب، والتمر، والذرة، وغير ذلك.
الاعتبار بالإسكار لا بالمادة، المادة سواء كانت ذرةً، أو شعيراً، أو تمراً، أو عسلاً، أو غير ذلك.
ومتى عُلِمَ أنه خمرٌ لم يجز بيعه، ولا شراؤه، ولا المعاوضة عليه، بل يجب إتلافه, مَتَى عُلِمَ أنه مسكر وجب إتلافه، ولا يجوز بيعه، ولا شراؤه، ولا الاعتياض عنه، ولمَّا «بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ بعض عماله بَاعَ خَمْرًا لليهود، قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جلّ وعلا، لما حرم على الْيَهُودَ الشُّحُومَ جَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا، فأكلوا ثمنها» (٢). فعابهم اللَّه بذلك, أي عابهم بتعاطيهم الحيل, فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى ما يتعاطاه اليهود بالتحيّل على محارم اللَّه, ولو باعها على حساب اليهود والنصارى، لا, هم الذين يتولون أمورهم، لا يتولى لهم شيئاً, تؤخذ منهم الجزية من أموالهم، ولكن لا تباع لهم الخمر، ولا غيرها مما حرم اللَّه، بل هم يتولون بيع ما عندهم, والمسلمون لهم الجزية، عليهم من أموالهم من غير نظر إلى هذا المال: من أين
стр. 773
جاء. وفي الحديث يقول ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه بأدنى الحيل» (١)، ومن حيلهم أنهم لما حرم اللَّه عليهم الشحوم جملوها، يعني أذابوها، ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وقالوا: ما بعنا شحماً، إنما بعنا ذوباً، غيّروا الاسم, واستحلّوا ما حرم اللَّه بهذه الحيلة، فعاقبهم اللَّه، فذمّهم، ولعنهم, هكذا الطائفة منهم، الذين احتالوا على الصيد يوم السبت، لمّا حرم عليهم الصيد يوم السبت، نصبوا الشباك يوم الجمعة، وأخذوا الصيد يوم الأحد, صاروا يصيدون يوم السبت بالحيلة.
فالواجب على المسلم أن يحذر صفات المغضوب عليهم، وهم اليهود، فلا يتساهل في حِلِّ ما حرم اللَّه، بل يبتعد عن ذلك، يحذر كل ما حرم اللَّه عليه، ولا يتوصل إلى ذلك بالحيل الباطلة, فالحيلة لا تحل حراماً، بل يزداد صاحبها إثماً، نسأل اللَّه العافية.
стр. 774
١٨ - كتاب اِللِّبَاس
٤٠١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (١).
٤٠٢ - عن حُذَيفة بن اليَمان ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلا الدِّيبَاجَ، وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَاكُلُوا فِي صِحَافِهِا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» (٢).
٤٠٣ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ إلَى (٣) مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلا بِالطَّوِيلِ» (٤).
стр. 775
١٢٠ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق باللباس, الأصل في اللباس الحل والإباحة؛ لأن اللَّه خلق للعباد ما في الأرض جميعاً من المآكل والمشارب، والمساكن، والملابس، والمراكب، إلا ما حرمه الشرع، إلا ما حرمه اللَّه، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ (١) [قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢)] (٣).
[...] (٤)، وغير هذا (٥) مما يلبسه الناس، ولا حرج في ذلك، وجعل لهم أيضاً ملابسَ وجمالاً، وهي الرياش، يقال ريش ورياش، تلبس للتجمل, فالملابس قسمان: قسم تُسْتَرُ به العورات، وقسم يُتَّخَذُ للزينة والجمال، كما في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٦).
هذا كله من فضل اللَّه جل وعلا، وإحسانه لعباده: أن هيأ لهم وخلق لهم ما يسترون به العورات: وما يتجملون به بين الناس, ويستثنى من ذلك الحرير، فإنه لا يجوز للرجال؛ لقوله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير»، هذا خطاب للرجال، «فإنه من لبسه في الدنيا لم